LOGINالفصل الثاني :
لم تستطع ليان النوم تلك الليلة. كانت مستلقية على سريرها تحدق في سقف الغرفة بينما تتردد كلمات ريان في رأسها بلا توقف. “يبدو أن القدر لا يزال يصر على جمعنا.” أغلقت عينيها بقوة محاولة طرد صوته من أفكارها، لكنها فشلت. منذ خمس سنوات وهي تحاول الهرب من كل ما يذكرها بعائلة المنصور. من اسمهم. من ذكرياتهم. ومن تلك الليلة التي سرقت منها كل شيء. لكن القدر، كما قال ريان، كان يملك رأيًا آخر. نهضت من سريرها واتجهت نحو النافذة. كانت المدينة غارقة في هدوء الليل، بينما انعكست الأضواء البعيدة على زجاج المباني الشاهقة. تنهدت ببطء. كم مرة سألت نفسها السؤال ذاته؟ ماذا حدث لسامي؟ خلال السنوات الخمس الماضية لم يمر يوم واحد دون أن تفكر فيه. لم يكن غياب شخص تحبه فحسب. بل كان اختفاء بلا إجابة. بلا جثة. بلا رسالة. بلا تفسير. وكأن حياته توقفت فجأة، ثم مُحيت كل آثاره من الوجود. أما هي فبقيت عالقة في منتصف الطريق. لا أرملة تستطيع الحداد. ولا مخطوبة تستطيع الانتظار. ولا امرأة حرة قادرة على البدء من جديد. في صباح اليوم التالي وصلت إلى الشركة مبكرًا. كانت ترغب في الانشغال بالعمل حتى تتجنب التفكير. استقبلتها إحدى الموظفات بابتسامة ودودة وأرشدتها إلى مكتبها الجديد. كان المكتب بسيطًا وأنيقًا، يقع في قسم الإدارة التنفيذية. جلست خلفه وبدأت ترتب أوراقها بصمت. حاولت التركيز على الملفات المكدسة أمامها، لكن نظرات بعض الموظفين كانت تلاحقها بين الحين والآخر. كانت تشعر أنهم يعرفون من تكون. وربما يعرفون قصتها أيضًا. بعد ساعة تقريبًا، اقتربت منها موظفة شابة تحمل كوبًا من القهوة. ابتسمت قائلة: “أنتِ ليان، أليس كذلك؟” رفعت ليان رأسها مبتسمة. “نعم.” جلست الفتاة على المقعد المقابل لها. “أنا سارة. إذا احتجتِ أي شيء فأخبريني.” شكرتها ليان بلطف. لكن سارة ظلت تنظر إليها للحظات قبل أن تقول بتردد: “في الحقيقة… الجميع تفاجأ عندما تم قبولك.” انعقد حاجبا ليان. “ولماذا؟” بدت سارة محرجة. “لأن المدير التنفيذي نادرًا ما يتدخل في قرارات التوظيف.” توقفت ليان عن الحركة. “تقصدين السيد ريان؟” أومأت سارة. “نعم.” شعرت ليان بانقباض في صدرها. إذن لم يكن قبولها مصادفة. لقد كان يعلم أنها ستأتي. بل وربما وافق على توظيفها بنفسه. لكن لماذا؟ مع اقتراب الظهيرة، وصلها اتصال من مكتب المدير التنفيذي. طُلب منها الصعود إلى الطابق الأخير. شعرت بالتوتر فورًا. لكنها أجبرت نفسها على التماسك. استقلت المصعد وحدها. ومع كل طابق كانت تشعر أن نبضات قلبها تزداد. عندما وصلت، استقبلتها السكرتيرة وأشارت إلى باب خشبي ضخم. “السيد ريان بانتظارك.” طرقت الباب بخفة. ثم دخلت. كان المكتب واسعًا للغاية. واجهة زجاجية ضخمة تطل على المدينة بأكملها. وأمامها جلس ريان خلف مكتبه يراجع بعض الأوراق. لم يرفع رأسه مباشرة. تركها تنتظر بضع ثوانٍ قبل أن يقول: “اجلسي.” جلست بصمت. أغلق الملف الذي بين يديه أخيرًا ونظر إليها. كانت عيناه ثابتتين كعادته. باردتين بصورة تثير التوتر. قال بهدوء: “كيف كان يومك الأول؟” تفاجأت من سؤاله. “جيد.” أومأ برأسه. ثم أضاف: “أتمنى أن يبقى كذلك.” لم يعجبها أسلوبه الغامض. فقالت مباشرة: “أعتقد أن لديك سببًا آخر لاستدعائي.” استند إلى كرسيه. وظل ينظر إليها للحظات طويلة. ثم قال: “أنتِ ذكية.” شعرت بالانزعاج. “ما السبب إذن؟” ساد الصمت. ثم نطق باسم لم تسمعه من أحد منذ سنوات. “سامي.” تجمدت في مكانها. وكأن الكلمة وحدها قادرة على إعادة الزمن إلى الوراء. انخفض صوت ريان قليلًا. “هل ما زلتِ تبحثين عنه؟” لم تستطع الإجابة فورًا. كانت تحاول السيطرة على ارتجاف قلبها. ثم قالت: “لم أتوقف يومًا.” أبعد نظره نحو النافذة. وقال: “وأنا كذلك.” للمرة الأولى منذ سنوات، شعرت أن خلف بروده شيئًا آخر. شيئًا يشبه الألم. لكنها لم تملك الوقت للتفكير. لأن هاتفها اهتز فجأة. نظرت إلى الشاشة. رقم مجهول. ترددت لثوانٍ. ثم فتحت الرسالة. وفي اللحظة التالية اختفى كل شيء حولها. اتسعت عيناها بصدمة. وشحب وجهها تمامًا. نهضت من مقعدها دون وعي. لاحظ ريان تغير ملامحها فورًا. “ما الأمر؟” لكنها لم تستطع الكلام. كانت تحدق في الصورة المرفقة داخل الرسالة. صورة لرجل يقف أمام مبنى قديم. صورة حديثة وواضحة. صورة لرجل تعرفه أكثر من أي شخص آخر. سامي. كان حيًا. وتحت الصورة كُتبت جملة واحدة فقط: “إذا أردتِ معرفة الحقيقة فلا تثقي بأحد!!!الفصل السبعون والأخير :مرّت ستة أشهر…وكانت كافية لتغيّر أشياء كثيرة.الشركة التي كادت أن تنهار بسبب المؤامرات…أصبحت اليوم واحدة من أنجح الشركات في مجالها.ازدادت المشاريع.وارتفعت الأرباح.وأصبح اسم شركة الأفق يتردد في كل مؤتمر واجتماع.أما داخل الشركة…فلم يعد هناك مكان للخوف.بل امتلأت المكاتب بالحياة من جديد.في الثامنة صباحًا…توقفت سيارة ريان أمام الشركة.نزل منها بهدوء.وبمجرد دخوله…بدأ الموظفون يلقون عليه التحية بابتسامات صادقة.كان يبادلهم التحية بابتسامته المعتادة.لكن الجميع لاحظ…أن ابتسامته أصبحت مختلفة.أكثر دفئًا.وأكثر راحة.صعد إلى الطابق العاشر.وقبل أن يدخل مكتبه…توقف أمام باب يحمل لوحة جديدة.ليان السالممديرة إدارة المشاريعابتسم دون أن يشعر.ثم طرق الباب.“تفضل.”دخل.كانت ليان تقف أمام الشاشة تعرض مخططًا جديدًا للمشروع القادم.التفتت إليه.وابتسمت.“صباح الخير.”رد بابتسامة واسعة.“صباح الخير يا مديرة.”ضحكت وهي تهز رأسها.وقالت:“لن تتوقف عن مناداتي بهذا اللقب، أليس كذلك؟”اقترب منها.ووضع كوب قهوة أمامها.وقال:“بعد كل التعب الذي بذلته…”“أقل شيء أفعله هو
الفصل التاسع والستون : مرّت عدة أيام…وعادت الحياة داخل الشركة تدريجيًا.اختفت الهمسات.وانتهت التحقيقات.وأصبحت الممرات التي كانت تمتلئ بالتوتر…تعود شيئًا فشيئًا إلى ضحكات الموظفين وأحاديثهم اليومية.أما ليان…فكانت تدخل الشركة كل صباح بابتسامة مختلفة.ابتسامة لم تكن مرهقة كما كانت سابقًا.ولأول مرة منذ انضمامها إلى الشركة…شعرت بأنها تعمل دون أن تلتفت خلفها خوفًا من رسالة مجهولة أو مؤامرة جديدة.دخلت من الباب الرئيسي.وألقت التحية على موظفي الاستقبال.ثم اتجهت نحو المصعد.وقبل أن تضغط الزر…وصل ريان.ابتسم عندما رآها.وقال:“صباح الخير.”ابتسمت وهي تنظر إليه.“صباح النور.”وقفا بجانب بعضهما.لكن هذه المرة…لم يكن بينهما ذلك الحاجز الذي كان يفصل مشاعرهما.نظر إليها ريان مبتسمًا.وقال مازحًا:“الغريب…”“أن المصعد لم يتعطل اليوم.”ضحكت ليان.وقالت:“ولا يوجد إنذار حريق.”أجاب وهو يبتسم:“ولا أحد سيقاطع حديثنا.”ضحكت أكثر.فنظر إليها للحظة.وقال في نفسه:“كم اشتقت لهذه الضحكة.”في الطابق العاشر…دخل سامي إلى مكتبه.وهو يحمل كوب قهوته المعتاد.وقبل أن يجلس…طرق الباب.“ادخل.”دخلت هناء
الفصل الثامن والستون : ابتسمت ليان ابتسامة هادئة.وقالت مرة أخرى:“لدي كل الوقت.”نظر إليها ريان للحظات.وكأنه لم يصدق أنها قالتها.ثم ابتسم.وقال:“إذن…”“تعالي معي.”سارا معًا خارج الشركة.كانت الشمس تميل إلى الغروب.وألوان السماء تملأ الأفق بدرجات البرتقالي والذهبي.لم يتحدث أيٌ منهما في البداية.كان الصمت بينهما…هادئًا هذه المرة.ليس صمتًا يملؤه التوتر…بل صمتًا يشبه الراحة بعد عاصفة طويلة.وصلا إلى الحديقة الصغيرة المقابلة للشركة.المكان الذي كان الموظفون يقضون فيه استراحة القهوة أحيانًا.لكن في ذلك الوقت…كان شبه خالٍ.جلس ريان على أحد المقاعد.وبقيت ليان واقفة للحظة.ثم جلست بجانبه.التفت إليها.وقال مبتسمًا:“هل تعلمين كم مرة حاولت أن أتحدث معك؟”ضحكت بخفة.وقالت:“أعتقد أنني فقدت العد.”ابتسم.وأضاف:“وأنا أيضًا.”ساد الصمت للحظات.ثم أخذ نفسًا عميقًا.وقال:“في كل مرة…”“كان يحدث شيء.”“رسالة…”“اجتماع…”“مشكلة…”“إنذار حريق…”ضحكت ليان.وقالت وهي تهز رأسها:“حتى أنا بدأت أعتقد أن القدر لا يريدنا أن نتحدث.”ابتسم.ثم نظر إليها مباشرة.وقال:“لكنني اليوم…”“لن أسمح لأي شيء
الفصل السابع والستون : وصل أفراد الشرطة إلى قاعة الاجتماعات خلال دقائق.فتح أحد الضباط الباب.ودخل مع عدد من رجال الأمن.كانت القاعة غارقة في صمت ثقيل.وأشار سامي إلى أكرم.وقال بثبات:“هو الشخص الذي نبحث عنه.”ابتسم أكرم بسخرية.ثم رفع يديه بهدوء.وقال:“تأخرتم.”اقترب منه الضابط.ووضع القيود في يديه.لكن أكرم…لم تبدُ عليه أي علامات خوف.بل ظل ينظر إلى ريان.وقال بابتسامة باردة:“تظن أنك انتصرت؟”لم يرد عليه ريان.فاكتفى أكرم بالضحك.ثم خرج برفقة رجال الشرطة.وقبل أن يغادر القاعة…التفت نحو لارا.وقال بصوت هادئ:“لا تنسي…”“كل ما فعلته…”“كنتِ شريكتي فيه.”أغلقت لارا عينيها.وانهمرت دموعها بصمت.بعد خروج الشرطة…جلس الجميع في أماكنهم.ولم ينطق أحد.قطع سامي الصمت.وقال:“لا تزال هناك أمور يجب أن تُقال.”نظر إلى لارا.وأضاف:“الحقيقة كاملة.”رفعت رأسها ببطء.كانت ملامحها منهكة.وكأنها فقدت القدرة على المقاومة.قالت بصوت مبحوح:“لن أكذب بعد اليوم.”ساد الهدوء في القاعة.ثم بدأت تتحدث.“قبل خمس سنوات…”“كنت أعمل في قسم المشاريع.”“كنت أظن…”“أنني أحب ريان.”خفضت رأسها.وأضافت:“لكن ال
الفصل السادس والستون : في صباح اليوم التالي…دخل سامي الشركة.لكن هذه المرة…لم يتجه إلى مكتبه.بل صعد مباشرة إلى الطابق الأخير.كان يحمل الصندوق الخشبي تحت ذراعه.وفي داخله…الرسالة…والمفتاح…والدفتر القديم.وقف أمام مكتب ريان.ثم طرق الباب.“ادخل.”دخل سامي.وأغلق الباب خلفه.رفع ريان رأسه.ولاحظ ملامحه الجادة.فقال:“يبدو أنك لم تنم.”ابتسم سامي ابتسامة خفيفة.وقال:“لأنني كنت أبحث عن الحقيقة.”اقترب.ووضع الصندوق فوق المكتب.نظر إليه ريان باستغراب.وسأله:“ما هذا؟”أجاب سامي:“كل ما بقي من الماضي.”فتح الصندوق.وأخرج الرسالة أولًا.ثم ناولها لريان.بدأ ريان يقرأ.وكلما تقدم في السطور…ازدادت ملامحه صدمة.حتى وصل إلى الجملة الأخيرة.أغلق الرسالة ببطء.ثم رفع رأسه.وقال:“إذا كانت لارا ليست العقل المدبر…”“فمن يكون؟”أخرج سامي الدفتر.ووضعه أمامه.وقال:“أظن أن الإجابة هنا.”فتح أول صفحة.كانت عبارة عن ملاحظات كتبها المدير السابق.ثم صفحات أخرى…تحتوي على أسماء مشاريع.وأسماء موظفين.حتى توقف عند صفحة معينة.كانت تحمل عنوانًا واحدًا.“تقرير خاص… سري للغاية.”نظر سامي إلى ريان.ثم
الفصل الخامس والستون : في صباح اليوم التالي…وصل سامي إلى الشركة قبل الجميع.كان يحمل حقيبة صغيرة بيده.ودخل مباشرة إلى مكتبه.أغلق الباب.ووضع جميع الأوراق والصور التي جمعها فوق الطاولة.تسجيلات الكاميرات…الورقة الممزقة…صورة القلم…وسجل الدخول.ظل ينظر إليها جميعًا.ثم قال في نفسه:“اليوم…”“إما أن تنتهي هذه اللعبة…”“أو تبدأ من جديد.”في الجهة الأخرى…دخلت لارا الشركة.وكانت تبحث بعينيها عن سامي.لكنها لم تجده.عقدت حاجبيها.ثم اتجهت إلى مكتبها.ولم تمضِ دقائق…حتى رن هاتفها.نظرت إلى الرقم.ثم أجابت بسرعة.قال الرجل:“هل حسمت أمرك؟”أجابت بصوت منخفض:“اليوم.”سألها:“هل أنت متأكدة؟”أغمضت عينيها.وقالت:“لم يعد لدي خيار.”أنهت الاتصال.ثم جلست على كرسيها.وأخذت نفسًا طويلًا.كانت تعرف…أن أي خطأ جديد…سيكون النهاية.في مكتب ريان…دخلت ليان تحمل ملفات المشروع.ابتسمت وهي تضعها على الطاولة.وقالت:“هذه النسخة الأخيرة.”رفع ريان رأسه.ثم ابتسم لها.وقال:“هل تعلمين…”“أصبحت أثق في عملك أكثر من ثقتي في نفسي.”ضحكت بخجل.وقالت:“لا تبالغ.”ابتسم.وأضاف:“أنا لا أبالغ.”“بل هذه الحقيق
الفصل الثالث والأربعون :مرت الأيام التالية بهدوء.هدوء لم يعتد عليه أحد منهم.لكن ليان بدأت تلاحظ شيئًا غريبًا.كلما دخل ريان إلى المكان…انتبهت.وكلما ضحك…ابتسمت دون شعور.وكلما تأخر خارج المنزل…بدأ القلق يتسلل إليها.في البداية أقنعت نفسها أن الأمر طبيعي.لكن قلبها كان يعرف الحقيقة.وفي أحد ال
الفصل الثاني والأربعون : بل كانت تتطلع إليه. مرّت الأيام التالية بهدوء لم تعتد عليه ليان. لا مطاردات. ولا ملفات. ولا أسرار جديدة. فقط حياة عادية. أو على الأقل… محاولة للعودة إليها. كانت تجلس في الحديقة الخلفية للمنزل. تقرأ إحدى الرسائل القديمة التي احتفظ بها والدها. بينما كان ا
الفصل الواحد والأربعون : وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة…نامت وهي مطمئنة.لكن النوم لم يدم طويلًا.استيقظت ليان مع أول خيوط الصباح.فتحت عينيها ببطء.ثم جلست على السرير.لثوانٍ…نسيت كل شيء.ثم تذكرت.والدتها.والدها.والعائلة التي عادت إليها أخيرًا.فابتسمت دون شعور.نهضت من مكانها.ثم فتحت النافذ
الفصل الأربعون تجنبت النظر إليه. وأخذت تحدق في الأضواء البعيدة. أما ريان… فبقي جالسًا بجانبها. دون أن يضغط عليها. ودون أن يسألها عن شيء. وهذا بالضبط ما أربكها. تنهدت بخفة. ثم قالت: “هل تعلم شيئًا؟” التفت إليها. “ماذا؟” ابتسمت ابتسامة صغيرة. وقالت: “أعتقد أن حياتي أصبحت







