Masukالفصل الثالث :
تجمدت ليان في مكانها. كانت أصابعها ترتجف وهي تحدق في شاشة الهاتف غير قادرة على استيعاب ما تراه. الصورة واضحة. واضحة إلى درجة تجعل إنكارها مستحيلاً. الرجل الواقف أمام المبنى القديم لم يكن يشبه سامي فحسب. بل كان سامي. ملامحه. وقفته. نظرته. حتى الندبة الصغيرة أعلى حاجبه الأيسر كانت ظاهرة بوضوح. شعرت بأنفاسها تتسارع. وكأن قلبها يحاول الهروب من بين ضلوعها. “ليان.” سمعت صوت ريان من بعيد. لكنها لم تستجب. كانت عيناها معلقتين بالصورة. خمس سنوات. خمس سنوات كاملة من الحزن والأسئلة والانتظار. وخلال كل تلك السنوات لم تتخيل يوماً أنها سترى دليلاً كهذا. اقترب ريان منها بخطوة. ثم قال بجدية: “ماذا حدث؟” رفعت رأسها ببطء. كان التردد واضحاً في عينيها. الرسالة قالت بوضوح: “لا تثقي بأحد.” فهل كان المقصود ريان؟ هل كان المرسل يحذرها منه؟ أم يحاول إبعادها عنه؟ سؤال واحد فقط كان يدور داخل عقلها. هل يمكن أن يكون ريان متورطاً؟ لاحظ ريان ارتباكها. فقال بنبرة أكثر حدة: “ليان، ما الذي رأيته؟” ابتلعت ريقها. ثم مدت الهاتف نحوه بصمت. أخذ الهاتف من يدها. وعندما وقعت عيناه على الصورة، اختفت ملامحه الهادئة تماماً. لأول مرة منذ أن عرفته، رأت الصدمة في عينيه بوضوح. صدمة حقيقية. غير مصطنعة. ظل يحدق في الصورة لعدة ثوانٍ. ثم قال بصوت خافت: “هذا مستحيل…” “إنه سامي.” خرجت الكلمات من ليان كهمسة مرتجفة. رفع ريان عينيه نحوها. ولمعت في نظرته مشاعر متضاربة لم تستطع تفسيرها. دهشة. غضب. وأمل. أمل لم تره في عينيه من قبل. قال أخيراً: “من أرسل هذه الرسالة؟” هزت رأسها. “رقم مجهول.” أخذ الهاتف وبدأ يفحص الصورة بدقة. ثم توقف فجأة. اقترب أكثر من الشاشة. وضيق عينيه. “انتظري…” شعرت ليان بالتوتر. “ماذا؟” أشار إلى زاوية الصورة. “انظري إلى هذا التاريخ.” اقتربت منه بسرعة. وكانت المفاجأة أكبر مما توقعت. تاريخ التقاط الصورة يعود إلى قبل ثلاثة أيام فقط. ثلاثة أيام. وليس خمس سنوات. ثلاثة أيام فقط. ما يعني أن سامي كان حياً. وحراً. وخارجاً في مكان ما خلال الأسبوع شعرت ليان بأن الأرض تميد تحت قدميها. ثلاثة أيام فقط. كانت تنظر إلى التاريخ وكأنها تراه للمرة الأولى. إذا كانت الصورة حديثة، فهذا يعني أن سامي لم يكن مجرد ذكرى من الماضي. بل كان موجودًا في مكان ما. يتنفس. ويعيش. وربما كان يراقبهم أيضًا. رفعت رأسها نحو ريان. “هذا يعني أنه حي.” لم يجبها مباشرة. ظل يحدق في الشاشة للحظات طويلة قبل أن يمرر يده على وجهه بتوتر واضح. “أو أن شخصًا ما يريدنا أن نعتقد ذلك.” هزت رأسها بقوة. “لا، هذه صورته. أنا متأكدة.” أعاد النظر إلى الصورة مرة أخرى. ثم قال: “وأنا متأكد أيضًا.” ساد الصمت بينهما. لأول مرة منذ سنوات، وجد كل منهما نفسه أمام دليل حقيقي. دليل لا يمكن تجاهله. لكن وجود الدليل لم يكن مريحًا كما توقعت ليان. بل كان مخيفًا. مخيفًا إلى درجة جعلتها تتساءل إن كانت تريد معرفة الحقيقة فعلًا. وضعت يدها فوق المكتب محاولة تهدئة ارتجاف أصابعها. ثم سألت بصوت خافت: “لماذا يعود الآن؟” نظر إليها ريان مطولًا. “هذا ما سنكتشفه.” بعد ساعة كاملة كانا يجلسان في قاعة الاجتماعات الصغيرة. أمامهما نسخة مكبرة من الصورة على شاشة الحاسوب. كان ريان يتفحص كل تفصيل فيها بدقة. بينما جلست ليان تراقب الصورة بصمت. لم تكن تنظر إلى المبنى. ولا إلى الشارع. ولا إلى الأشخاص المارين في الخلفية. كانت تنظر إلى سامي. إلى الرجل الذي انتظرته خمس سنوات. الرجل الذي بكت لأجله حتى جفت دموعها. الرجل الذي أقنعها الجميع بأنه لن يعود. تنهدت ببطء. ثم همست دون وعي: “لماذا فعلت بي هذا؟” التفت إليها ريان. ولم يقل شيئًا. لكنه فهم ما تعنيه. لأنه كان يملك الأسئلة نفسها. وفجأة أشار إلى الشاشة. “وجدتها.” رفعت ليان رأسها بسرعة. “ماذا وجدت؟” قام بتكبير جزء من الصورة. ظهر في الخلفية متجر صغير يحمل لافتة قديمة. كانت الكتابة عليه غير واضحة في البداية. لكن بعد تكبيرها ظهرت بعض الحروف. قرأها ريان بصوت منخفض. “شارع النخيل…” اتسعت عينا ليان. “هل تعرف المكان؟” أومأ برأسه. “نعم.” نهض من مكانه فورًا. وأغلق الحاسوب. ثم قال بحزم: “سنذهب الآن.” تجمدت ليان. “الآن؟” “كل دقيقة تضيع قد تبعدنا عنه أكثر.” لم تستطع الاعتراض. فبعد خمس سنوات من الانتظار، لم تعد تملك رفاهية التأجيل. بعد أقل من ساعة توقفت السيارة أمام حي قديم في أطراف المدينة. كان المكان هادئًا على نحو غريب. المباني متقاربة. والشوارع شبه خالية. خرجت ليان من السيارة ونظرت حولها. شعور غريب اجتاحها. وكأنها تقترب من شيء ظلت تبحث عنه سنوات طويلة. سارا معًا حتى وصلا إلى المتجر الظاهر في الصورة. لكن المفاجأة كانت أن المتجر مغلق. وآثاره بدت مهجورة منذ أشهر. شعرت ليان بخيبة أمل قاسية. “لقد تأخرنا.” لكن ريان لم يقتنع. ظل يتفحص المكان بعينيه. ثم توقف فجأة. كانت هناك كاميرا مراقبة مثبتة فوق المبنى المقابل. ارتسمت على وجهه ملامح مختلفة. وقال: “ربما لم نتأخر بعد.” وفي اللحظة نفسها، رن هاتف ليان من جديد. رقم مجهول. الرقم نفسه. شحب وجهها فورًا. نظرت إلى ريان. ثم ضغطت زر الإجابة. جاءها صوت رجل منخفض ومشوش: “إذا كنتما تريدان العثور على سامي…” توقفت أنفاسها. أما الصوت فأكمل ببطء: “فتوقفا عن البحث قبل أن يُقتل أحدكما.” ومن ثمَّ إنقطع الخط …..الفصل التاسع عشر :أدركت أن الحقيقة لم تكن قريبة كما ظنت.بل كانت أكثر تعقيدًا مما تخيل الجميع.بقيت ليان تحدق في نادر.تحاول قراءة ملامحه.تحاول أن تجد فيه شيئًا يثبت أنه يكذب.لكنها لم تجد.كان يقف بهدوء.هادئًا أكثر مما ينبغي.وكأن الاتهامات التي تحاصره ليست جديدة عليه.انخفضت يد ليان ببطء.ولا تزال الرسالة بين أصابعها.ثم قالت:“لماذا حذرتني أمي منك؟”ساد الصمت.أما نادر فلم يجب فورًا.بل نظر إلى يوسف.ثم إلى سامي.وكأنهما يعرفان الإجابة مسبقًا.وأخيرًا قال:“لأنني خذلتها.”شعرت ليان بأن قلبها انقبض.لكنها لم تقاطعه.وأكمل:“في ذلك الوقت كنت أظن أنني أفعل الصواب.”“لكنني كنت مخطئًا.”عقد ريان حاجبيه.وقال:“تكلم بوضوح.”تنهد نادر.ثم جلس على أحد الصناديق القديمة.وقال:“قبل سنوات…”“كانت والدتك تملك شيئًا يبحث عنه كثير من الناس.”ارتجفت أنامل يوسف فورًا.أما سامي فخفض نظره نحو الأرض.وكأن الذكرى ما زالت تؤلمه.لاحظت ليان ذلك.فازداد قلقها أكثر.وقالت:“ماذا كانت تملك؟”رفع نادر عينيه إليها.وقال:“دليلًا.”“دليلًا كان قادرًا على تدمير أشخاص نافذين.”ساد الصمت داخل الممر.ولم يعد ي
الفصل الثامن عشر : اتسعت عينا ليان بصدمة.أما يوسف فبقي يحدق في نهاية الممر وكأنه رأى شبحًا.توقفت الخطوات.ثم ظهر ظل رجل وسط الظلام.شعرت ليان بأن أنفاسها اختنقت.ولثوانٍ طويلة…لم تستطع التحرك.كل ما كانت تسمعه هو دقات قلبها.وهي تقترب من الانفجار.ثم تقدم الرجل خطوة إلى الأمام.وسقط ضوء المصباح على وجهه.شهقت ليان بقوة.كان هو.سامي.كما تتذكره تمامًا.نفس الملامح.نفس العينين.ونفس النظرة التي كانت تجعلها تشعر بالأمان يومًا ما.لكن شيئًا فيه كان مختلفًا.بدا أكثر تعبًا.وأكثر قسوة.وكأن السنوات الماضية سرقت جزءًا من روحه.لم يتحدث أحد.أما سامي فكانت عيناه مثبتتين على ليان.وكأنه نسي وجود الجميع.قالت بصوت مرتجف:“أنت حي…”ارتجفت شفتاها وهي تنطق الكلمات.لأن جزءًا منها لم يصدق ما تراه حتى الآن.أما سامي فاكتفى بالنظر إليها.ثم قال بهدوء:“كنت أعلم أنك ستصلين إلى هنا.”شعرت ليان بصدمة جديدة.لم يكن متفاجئًا.لم يكن مرتبكًا.بل وكأنه كان ينتظرها منذ البداية.اقتربت منه خطوة.ثم أخرى.حتى أصبحت على بعد أمتار قليلة منه.وقالت:“لماذا؟”عقد حاجبيه.لكنها أكملت قبل أن يجيب:“لماذا اختف
الفصل السادس عشر :توقفت السيارة أمام المحطة القديمة.ولثوانٍ طويلة لم يتحرك أحد.كانت البناية تقف وسط الظلام كأنها شبح من الماضي.نوافذها المحطمة.وجدرانها المتآكلة.وهدوءها المخيف.كل شيء فيها كان يبعث على القلق.شعرت ليان بأن قلبها يخفق بعنف.وقالت بصوت خافت:“هل أنت متأكد أنها هنا؟”أخرج فارس المفتاح من جيبه.ونظر إليه طويلًا.ثم أومأ برأسه.“يوسف لم يكن ليخفيه في مكان آخر.”دخل الثلاثة إلى المحطة بحذر.كانت خطواتهم تتردد في الممرات الفارغة.أما ليان فكانت تشعر بأن كل شيء حولها يراقبها.تقدمت خلف فارس.حتى وصلوا إلى ممر ضيق في آخر المبنى.وهناك…ظهرت الخزائن المعدنية القديمة.صف طويل من الأبواب الصدئة.بعضها مفتوح.وبعضها محطم.لكن واحدة فقط بقيت مغلقة.رقمها:٢٧توقفت أنفاس ليان.أما فارس فتقدم ببطء.وأدخل المفتاح في القفل.دار المفتاح بسهولة.ثم صدر صوت خافت.وكأن الخزانة كانت تنتظرهم منذ سنوات.فتح ريان الباب أولًا.ثم تجمد مكانه.شعرت ليان بأن الخوف يزحف إلى قلبها.وقالت بسرعة:“ماذا يوجد؟”لكن ريان لم يجب.بل ظل يحدق في الداخل.اقتربت منه.ثم نظرت هي الأخرى.وفي اللحظة التالي
الفصل الخامس عشر :أسرعت ليان نحو النافذة .ورأت بنفسها الرجال الذين كانوا يقتربون من المبنى.لم يكونوا يركضون.بل كانوا يتحركون بثقة.وكأنهم يعرفون تمامًا ما يبحثون عنه.قال فارس بصوت حاد:“يجب أن نغادر حالًا.”لكن ريان لم يتحرك.بل ظل يراقب الخارج.ثم قال:“فات الأوان.”في تلك اللحظة دوى صوت ارتطام قوي في الطابق السفلي.تلاه صوت زجاج يتحطم.ثم خطوات متعددة داخل المبنى.شعرت ليان بأن قلبها يكاد يتوقف.أما فارس فأمسك بالمفتاح بسرعة.ودسه في جيبه.ثم التفت إليهما وقال :" هناك مخرج خلفي " أمسك ريان بيد ليان بسرعة.ثم اندفع الثلاثة نحو الممر الخلفي.كانت أصوات الخطوات تقترب أكثر فأكثر.وأصبح واضحًا أن الرجال دخلوا المبنى بالفعل.شعرت ليان بأن أنفاسها تتسارع.ولم تعد تسمع سوى دقات قلبها.وفجأة…دوى صوت رجل من الطابق السفلي.“فتشوا المكان كله!”تجمدت للحظة.لكن فارس دفعها للأمام.وقال بصوت منخفض:“لا تتوقفي.”وصلوا إلى باب حديدي قديم في نهاية الممر.حاول ريان فتحه.لكنه كان عالقًا.قالت ليان بقلق:“لا يفتح!”وفي تلك اللحظة بالذات…سمعوا صوت خطوات تقترب من الدرج.كانت قريبة جدًا.قريبة لد
الفصل الرابع عشر : تجمدت ليان في مكانها. كانت عيناها معلقتين على الصندوق الخشبي الصغير. أما ريان فاقترب منه ببطء. بينما وقف فارس صامتًا وكأنه يعرف ما يوجد بداخله. لكن حتى هو لم يبدُ مستعدًا لهذه اللحظة. ابتلعت ليان ريقها. ثم مدت يدها المرتجفة نحو الصندوق. كان اسمها محفورًا على الغطاء بوضوح. “ليان.” وكأن أحدهم أعده خصيصًا لها منذ سنوات. رفعت الغطاء ببطء. فانبعثت رائحة الخشب القديم والغبار. ثم نظرت إلى الداخل. توقفت أنفاسها. لم يكن الصندوق مليئًا بالأوراق كما توقعت. بل احتوى على ثلاثة أشياء فقط. رسالة قديمة. مفتاح معدني صغير. وصورة ممزقة. ساد الصمت داخل الغرفة. أما ليان فأخذت الرسالة أولًا. كانت الورقة صفراء وقديمة. وعليها كلمات كُتبت بخط أنثوي جميل. ارتجفت يدها عندما قرأت السطر الأول. “إلى ابنتي ليان…” شعرت وكأن قلبها توقف عن النبض. لأنها عرفت صاحب الخط فورًا. كان خط والدتها. رفعت يدها إلى فمها محاولة كتم شهقتها. أما ريان فاقترب منها ببطء. وقال: “هل أنتِ بخير؟” لكنها لم تستطع الإجابة. كل ما كانت تراه أمامها هو اسم والدتها. المرأة التي ظنت أنها رحلت د
الفصل الثالث عشر :تجمدت ليان في مكانها.أما ريان فبقي يحدق في فارس وكأنه ينتظر منه أن يقول إنه يمزح.لكن ملامح فارس لم تتغير.كان جادًا.هادئًا.وواثقًا من كل كلمة قالها.شعرت ليان بأن قلبها يخفق بعنف.وقالت بصوت مرتجف:“ماذا تقصد؟”لم يجب فارس مباشرة.بل أخذ الصورة القديمة من يدها.ونظر إليها طويلًا.ثم قال:“كم مرة أخبرك سامي قصة لقائكما الأول؟”عقدت حاجبيها.“كثيرًا.”ابتسم فارس ابتسامة قصيرة.ثم قال:“وماذا كان يقول؟”أغمضت ليان عينيها للحظة.كانت تحفظ القصة عن ظهر قلب.قالت:“قال إنه رآني في مكتبة الجامعة.”“وأن كتابًا سقط من يدي.”“ثم ساعدني.”“وبدأنا الحديث.”رفع فارس نظره إليها.وقال بهدوء:“كذب.”ساد الصمت.صمت ثقيل.حتى الهواء بدا وكأنه توقف للحظة.أما ليان فشعرت وكأن الأرض اهتزت تحت قدميها.“لا.”قالتها فورًا.لكن صوتها كان أضعف مما أرادت.أشار فارس إلى الصورة.ثم قال:“هذه الصورة التُقطت قبل ذلك اللقاء بعامين.”اتسعت عيناها.وأكمل:“وكان سامي موجودًا فيها.”جلست ليان على أقرب مقعد.شعرت أن رأسها بدأ يؤلمها.كل ذكرى جميلة جمعتها بسامي بدأت تتشقق أمامها.سألت بصوت خافت:“لم







