Compartir

الفصل التاسع

last update Fecha de publicación: 2026-10-14 19:45:49

تراجع الحراس، بينما رفع أدهم يده محذرًا الجميع من الاقتراب.

أما المحارب الأبيض، فقد شحب وجهه.

«مستحيل... لقد قيل إن الختم مات مع الملكة».

نظرت إليه ليان، وعيناها تلمعان بالغضب.

«أي ختم؟ وما علاقة أمي بهذا الأمر؟ كفّوا عن الحديث عن حياتي وكأنني غير موجودة! لقد سئمت من أن يعرف كل شخص حولي جزءًا من الحقيقة، ثم يقرر أنني لست مستعدة لسماعه».

انحنى المحارب على ركبته فجأة، ووضع قبضته فوق قلبه.

«مولاتي... لم أقصد إهانتك».

لكن ليان لم تمنحه فرصة للاعتذار.

«انهض. لن أقبل أن ينحني لي أحد ثم يرفض الإجابة عن أسئلتي. ستخبرني باسم ملكك، وسبب اختياره لي، وهوية العروس التي يتحدث عنها الجميع. وإن كنت لا تستطيع فعل ذلك، فسوف تغادر من هنا دون أن تحصل على شيء».

رفع المحارب عينيه إليها، وبدا كأنه يصارع قرارًا خطيرًا.

ثم قال: «اسمي إيلان، وأنا قائد الحرس الملكي للذئب الأبيض. أما الملك الذي أرسَلني، فهو الملك سيراف... الرجل الذي كان يحكم المملكة القديمة إلى جوار والدك ووالد راكان».

ساد صمت ثقيل.

تقدم أدهم خطوة، وقد اختفت آخر ذرة من الهدوء عن وجهه.

«سيراف مات قبل ثلاثة وعشرين عامًا».

أجابه إيلان: «هذا ما أرادكم أن تصدقوه».

---

لم ينتظر راكان مزيدًا من التفسيرات. أمسك إيلان من مقدمة ثوبه ودفعه إلى أحد الأعمدة الحجرية، فارتطم ظهره به بقوة.

«إذا كنت تعرف شيئًا عن سقوط المملكة القديمة، فستقوله الآن. لن أسمح لك بأن تستخدم ليان ورقةً في لعبة ملكك».

لم يقاوم إيلان، لكنه أمسك بمعصم راكان محاولًا إبعاده.

«أنت لا تفهم! إذا قتلتني، فلن تعرف أين أخذوا العروس، ولن تعرف ما الذي فعله مروان في قلعتك، والأهم أنك لن تعرف لماذا اختار الملك الثالث هذه الليلة تحديدًا لإعلان عودته».

اقترب راكان منه حتى لم تعد بينهما سوى مسافة ضيقة.

«قل كلمة واحدة أخرى عن عروسك، وسأجعل ملكك يندم على إرسال رسول واحد إلى أرضي».

«إنها ليست عروسي، يا راكان. إنها عروسك أنت».

توقفت يد راكان في الهواء.

حتى آسر، الذي لم يكن يفوّت فرصة للتعليق، صمت هذه المرة.

شعرت ليان بأن شيئًا باردًا مرّ في عروقها.

قالت: «ماذا تعني؟»

نظر إيلان إليها، ثم إلى راكان، وكأنه أدرك أن الحقيقة التي كُلّف بإخفائها بدأت تخرج عن السيطرة.

«المرأة التي اختارها الملك الثالث ليست عروسًا جديدة بالمعنى الذي تفهمونه. إنها المرأة التي كان ينبغي أن تتزوج راكان منذ ثلاثة وعشرين عامًا، قبل أن يُحرق القصر القديم وتختفي الوريثة الأخيرة».

تراجع راكان خطوة، وانقبض فكه.

«هذا كذب».

«أتمنى ذلك. لكنني أحمل الدليل».

أخرج إيلان من داخل عباءته قطعة معدنية صغيرة، تتدلى منها سلسلة فضية. كانت القطعة على شكل ذئب أسود يحيط بقمر مشقوق، وفي منتصفها حجر أحمر داكن.

ما إن رأت ليان الرمز حتى اشتعلت علامتها من جديد.

صرخت من الألم، وسقطت على ركبتيها.

اندفع راكان نحوها، لكنه ما إن لمس كتفها حتى انطلقت موجة من الطاقة دفعته إلى الخلف، فاصطدم بالطاولة الحجرية وتحطمت فوق الأرض.

«ليان!»

ركض آسر إليها، غير أن أدهم صاح محذرًا: «لا تلمسها!»

كانت ليان لا تسمع شيئًا. امتلأ رأسها بأصوات متداخلة، ورأت أمام عينيها قاعة عظيمة تتدلى من سقفها رايات سوداء وبيضاء. وفي وسط القاعة وقف راكان، أصغر سنًّا مما تعرفه، مرتديًا ثيابًا ملكية سوداء، وإلى جواره امرأة ترتدي فستانًا فضيًا وتضع تاجًا رقيقًا فوق شعرها.

لم تستطع رؤية وجه المرأة بوضوح، لكن يدها كانت تمسك بيد راكان.

ثم ظهر رجل ذو عينين ذهبيتين، يشبه أدهم، يحمل سيفًا ملطخًا بالدماء.

صاح الرجل: «لن يُعقد هذا الزواج! إذا اتحد الدم الأسود بالدم الملكي، فسيفتح الختم، وسيعود الملك الثالث إلى الحياة!»

أجابت المرأة الفضية: «لقد تأخر الوقت يا أدهم. لم يعد في وسعك إيقاف ما بدأته بنفسك».

وفجأة، التفتت المرأة نحو ليان، رغم أنها لم تكن موجودة في تلك الذكرى.

قالت بصوت واضح: «إذا كنت تسمعينني الآن، فهذا يعني أنهم وجدوا العلامة. لا تثقي بالعروس، ولا تثقي بالملك الذي أعادها. وعندما يعرض عليك راكان قلبه، تذكري أن الرجل الذي يحبك قد يكون هو نفسه الرجل الذي سيقتلك».

انفجرت القاعة بضوء أبيض.

عادت ليان إلى الواقع وهي تلهث، وراكان جاثٍ أمامها، يحاول الوصول إليها دون أن يلمسها.

كانت عيناه ممتلئتين بشيء لم تره فيه من قبل؛ خوف حقيقي، لا على نفسه، بل عليها.

قال بصوت مبحوح: «ليان، انظري إليّ. أخبريني ماذا رأيتِ».

رفعت وجهها إليه، وكانت الدموع تلمع في عينيها.

«رأيتك تتزوج امرأة أخرى».

تجمدت ملامحه.

«لم أتزوج أحدًا».

«ليس بعد، على ما يبدو».

«ليان...»

«ورأيت أباك يحمل سيفًا، ورأيت امرأة تقول إنك قد تكون الرجل الذي سيقتلني».

أطبق راكان جفنيه لحظة، ثم فتحهما ببطء.

«لا أعرف ما الذي أظهرته لك رؤيتك، لكنني لن أسمح لأحد بأن يؤذيك».

ابتسمت ابتسامة صغيرة موجوعة.

«هذا ما يقوله الجميع قبل أن يطلبوا مني أن أثق بهم دون أن يخبروني بالحقيقة».

لم يجد راكان جوابًا.

ولأول مرة منذ أن عرفته، شعرت ليان بأن صمته أخطر من أي كذبة.

---

قطع صوت خطوات متعثرة ذلك الصمت.

كان الحارس سليم يقف عند مدخل القاعة، يستند إلى كتف جندي شاب، وقد غطت الدماء جانب وجهه. اندفع آسر نحوه وساعده على الجلوس، بينما أسرع أحد الحراس لإحضار الطبيب.

قال سليم بصعوبة: «مولاي... لقد عرفت مكان نادين».

تغير وجه راكان في الحال.

«أين هي؟»

«في قلعتنا القديمة. مروان يحتجزها في البرج الشرقي، لكنه لم يكن وحده حين رأيتها. كانت هناك امرأة ترتدي ثوبًا فضيًا، وعلى رأسها تاج يحمل الرمز نفسه الذي ظهر على قلادة المحارب الأبيض».

نظر الجميع إلى إيلان.

أما هو، فبدا وكأن الخبر قد أصابه في مقتل.

قال أدهم بحدة: «هل رأيت وجهها؟»

«نعم، يا مولاي. رأيتها حين خلعت قناعها أمام مروان».

تردد سليم، ثم نظر إلى ليان.

«كانت تشبه الأميرة».

تجمدت ليان في مكانها.

«تشبهني؟»

أومأ سليم.

«ليس في ملامح الوجه وحدها. كان لديها العلامة الذهبية نفسها، في الموضع نفسه، وكانت تنادي مروان باسمه كما لو أنها تعرفه منذ سنوات طويلة».

اقتربت ليان من سليم، وقد انقبض قلبها.

«هل قالت شيئًا عني؟»

«نعم. سمعتها تقول إن الملك الثالث لن يقبل بالعروس الجديدة ما دامت الوريثة الحقيقية على قيد الحياة».

ثم رفع سليم رأسه بصعوبة، وأضاف:

«لكن مروان أجابها بأن الأمر لم يعد مهمًّا... لأنهم سيقتلونكِ قبل اكتمال القمر».

اندفعت ليان نحو إيلان وانتزعت القلادة من يده.

«أريد أن أعرف من هذه المرأة!»

حاول إيلان استعادة القلادة، لكن راكان وقف بينهما، وقال ببرود: «دعها تنظر».

ما إن أغلقت ليان أصابعها حول الحجر الأحمر حتى انشق سطحه، وخرج منه ضوء فضي التف حول معصمها. ارتفعت في الهواء خيوط دقيقة من الضوء، ورسمت صورة امرأة ذات شعر أسود طويل وعينين ذهبيتين.

كانت المرأة تنظر إلى ليان مباشرة.

ثم ابتسمت.

«أخيرًا وجدتكِ يا ابنتي».

شهقت ليان، وسقطت القلادة من يدها.

لم تكن المرأة التي ظهرت في الضوء هي المرأة ذات الثوب الأبيض التي ادّعت أنها أمها.

لكنها لم تكن غريبة عنها أيضًا.

كان وجهها يشبه وجه ليان إلى حدٍّ مخيف، حتى إن راكان تراجع خطوة حين رآها.

همس أدهم بكلمة واحدة:

«مستحيل».

التفتت الصورة المضيئة نحوه، وامتلأت عيناها بالازدراء.

«ما زلتَ حيًّا إذن، يا أدهم. يبدو أن الموت لم يتعلم كيف يأخذ الخونة».

رفع أدهم سيفه في اتجاه الصورة، لكن الضوء تحوّل إلى دخان فضي التف حول ذراعه، وشلّ حركته.

صرخت ليان: «من أنتِ؟ هل أنتِ أمي؟»

نظرت المرأة إليها، واختفت ابتسامتها.

«أنا المرأة التي تركوكِ تعتقدين أنها ماتت، والمرأة التي أقسموا جميعًا أنهم أنقذوكِ منها. لكن الحقيقة يا ليان، أنني لم أترككِ بإرادتي».

اقتربت الصورة حتى بدا وجهها أمام وجه ليان مباشرة.

«اسمعيني جيدًا. لا تذهبي إلى قصر الملك الثالث، مهما وعدكِ، ولا تسمحي لراكان بأن يضع الخاتم الأسود في يدكِ».

نظر راكان إلى ليان باستغراب.

«أي خاتم؟»

لكن المرأة لم تجب. بدأ الضوء يتلاشى، وظهر خلفها باب عظيم من الحجر الأسود، وعلى جانبيه وقف ذئبان، أحدهما أبيض والآخر أسود.

وقبل أن تختفي تمامًا، قالت:

«لقد اختاروا لكِ عريسًا آخر يا ابنتي، لكنهم لا يريدون الزواج منكِ. إنهم يريدون أن يجعلوا منكِ الملكة التي ستفتح أبواب الموتى».

انطفأ الضوء.

وفي اللحظة نفسها، دوّى صوت انفجار هائل خارج القاعة، واهتزت الجدران حتى تساقط الغبار من السقف.

اندفع أحد الحراس إلى الداخل وهو يصرخ:

«مولاي! هناك جيش عند البوابة الشمالية!»

رفع راكان سيفه.

«جيش مَن؟»

تلعثم الحارس، ثم قال: «إنهم يحملون رايات الذئب الأسود، لكنهم لا يتبعون مروان. إنهم يعلنون ولاءهم للملكة الجديدة».

«أي ملكة؟» صاحت ليان.

نظر الحارس إليها بوجه شاحب.

«المرأة التي ظهرت في الرؤية يا مولاتي».

وقبل أن يستوعب أحد ما حدث، فُتحت أبواب القاعة بعنف، ودخلت امرأة ترتدي فستانًا فضيًا طويلًا، ينساب خلفها كالماء. كان شعرها الأسود يحيط بوجه يشبه وجه ليان، وعيناها ذهبيتين تلمعان ببرود.

رفعت المرأة يدها، فركع نصف الحراس على الفور.

ثم نظرت إلى راكان وقالت:

«لقد تأخرت كثيرًا يا زوجي المستقبلي».

استل راكان سيفه، ووقف أمام ليان.

لكن المرأة لم تنظر إليه مرة أخرى.

ثبتت عينيها على ليان، وابتسمت ابتسامة خالية من الرحمة.

«مرحبًا بعودتكِ إلى الحياة، أيتها الأخت الصغيرة».

ثم أخرجت من جيبها خنجرًا أسود، وغرسته في كفها.

سال الدم على الأرض، واشتعلت العلامة الذهبية على صدر ليان حتى تحولت إلى اللون الأسود.

وفي أعماق القلعة، خلف الجدران التي لم يدخلها أحد منذ قرون، انفتح باب حجري ضخم.

وجاء من خلفه صوت رجل ميت:

«أعيدوا إليَّ ابنتي... أو سأدفن الممالك الثلاث جميعها معها»

نظر أدهم إلى الباب، وارتجفت يده للمرة الأولى.

أما راكان، فقد أدرك من نظرة أبيه أن الخطر لم يكن في عودة الملك الثالث.

بل في أن الرجل الذي عاد من الموت... لم يكن الملك الثالث أصلًا.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • عروس الذئب الأسود    الفصل التاسع

    تراجع الحراس، بينما رفع أدهم يده محذرًا الجميع من الاقتراب.أما المحارب الأبيض، فقد شحب وجهه.«مستحيل... لقد قيل إن الختم مات مع الملكة».نظرت إليه ليان، وعيناها تلمعان بالغضب.«أي ختم؟ وما علاقة أمي بهذا الأمر؟ كفّوا عن الحديث عن حياتي وكأنني غير موجودة! لقد سئمت من أن يعرف كل شخص حولي جزءًا من الحقيقة، ثم يقرر أنني لست مستعدة لسماعه».انحنى المحارب على ركبته فجأة، ووضع قبضته فوق قلبه.«مولاتي... لم أقصد إهانتك».لكن ليان لم تمنحه فرصة للاعتذار.«انهض. لن أقبل أن ينحني لي أحد ثم يرفض الإجابة عن أسئلتي. ستخبرني باسم ملكك، وسبب اختياره لي، وهوية العروس التي يتحدث عنها الجميع. وإن كنت لا تستطيع فعل ذلك، فسوف تغادر من هنا دون أن تحصل على شيء».رفع المحارب عينيه إليها، وبدا كأنه يصارع قرارًا خطيرًا.ثم قال: «اسمي إيلان، وأنا قائد الحرس الملكي للذئب الأبيض. أما الملك الذي أرسَلني، فهو الملك سيراف... الرجل الذي كان يحكم المملكة القديمة إلى جوار والدك ووالد راكان».ساد صمت ثقيل.تقدم أدهم خطوة، وقد اختفت آخر ذرة من الهدوء عن وجهه.«سيراف مات قبل ثلاثة وعشرين عامًا».أجابه إيلان: «هذا ما أراد

  • عروس الذئب الأسود    الفصل الثامن:العروس المفقودة

    لكن ليان لم تستطع إبعاد عينيها عن التمثال. كانت تسمع صوتًا خافتًا داخل رأسها، صوتًا يناديها باسم لم تسمعه من قبل.«إيلارا...»وضعت يدها على أذنها، وقالت: «من يناديني؟»أجابها الصوت مرة أخرى، هذه المرة بوضوح أشد:«إيلارا، ابنة الملكة... عودي إلى العهد.»شهقت ليان، ثم انحنت من الألم، بينما انطفأ الضوء الذهبي حولها. اندفع راكان ليمسك بها قبل أن تسقط، لكنه ما إن لمس يدها حتى ظهرت على كفه علامة سوداء مطابقة لتلك التي ظهرت على جسدها.نظر الاثنان إلى العلامة في ذهول.ثم تردد صوت أدهم في القاعة، وقد اختفى الهدوء من نبرته للمرة الأولى:«لقد بدأ العهد يختار وريثه.»رفع راكان رأسه إليه.«أي عهد؟»لم يجب أدهم. كان ينظر إلى كف ابنه، ثم إلى ليان، وكأنه يشاهد كابوسًا ظن أنه انتهى منذ زمن بعيد.اقتربت ليان من راكان، وهمست: «ما الذي يحدث لنا؟»أمسك يدها، وقال: «لا أعرف، لكنني لن أسمح لأحد بأخذك مني.»نظرت إليه طويلًا، ثم قالت: «لا تعدني بما لا تستطيع الوفاء به.»وقبل أن يجيب، انشق التمثال الأبيض بالكامل، وسقطت قطع الحجر على الأرض، كاشفة عن تجويف صغير في صدره. كان داخله صندوق فضي، مغلقًا بقفل يحمل رمزً

  • عروس الذئب الأسود    الفصل السابع : الملك الذي عاد من الموت

    لم تكن العينان الذهبيتان اللتان ظهرتا في نهاية الممر انعكاسًا لضوء المشاعل، ولم يكن الصوت الذي خرج من الظلام وهمًا صنعه الخوف في عقول الواقفين. كان هناك رجل يتقدم نحو القاعة بخطوات بطيئة، وكأن السنوات الثلاثين التي مرت على اختفائه لم تترك في جسده أثرًا واحدًا. ارتدى عباءة سوداء طويلة، وتدلت من كتفيه سلاسل فضية تحمل رموزًا قديمة، بينما أحاطت بوجهه ندوب دقيقة بدت كأنها آثار مخالب لم تستطع تمزيقه بالكامل.تراجع الحراس الذين كانوا قد دخلوا خلف آسر، وانحنى بعضهم دون وعي، أما راكان فظل واقفًا في مكانه، جامد الملامح، كأن جسده رفض تصديق ما تراه عيناه. كان يعرف ذلك الوجه، ويحفظ تفاصيله رغم السنوات التي قضاها يتخيل ملامح أبيه في ذكرياته القديمة. لقد رأى صورته في القاعة الملكية، وسمع حكايات والدته عنه، وقرأ التقارير التي أعلنت مقتله في المعركة الأخيرة بين العشائر، لكنه لم يتخيل أن يراه يومًا يقف أمامه حيًّا.خرج صوته أخيرًا، خشنًا ومختنقًا: «أبي؟»توقف الرجل على مسافة خطوات منه، ثم نظر إليه نظرة طويلة، وقال: «لقد كبرت يا راكان.»لم تكن تلك الكلمات كافية لتفسير ما يحدث، بل بدت مستفزة على نحو جعل

  • عروس الذئب الأسود    الفصل السادس : حين ينزف الذئب

    لم يكن الدم الذي سال من صدر الذئب الأسود دمًا عاديًّا؛ فقد امتزج بلون داكن يشبه الحبر، وانساب فوق الأرض الحجرية في خطوط متعرجة، حتى بدا كأنه يرسم رموزًا قديمة لم تعد الذاكرة البشرية قادرة على استيعابها ارتجفت ألسنة اللهب داخل المشاعل، وانحنت تماثيل الذئاب المحيطة بالقاعة نحو الجسد الملقى أمام العرش، وكأنها تشهد سقوط ملك لم يُعلن موته بعد.تراجعت ليان خطوة، ثم أخرى، غير قادرة على استيعاب ما تراه. كان الذئب ضخمًا إلى حد جعل جسده يحتل مساحة واسعة من أرض القاعة، وكان فراؤه الأسود ملطخًا بالدماء، بينما راحت أنفاسه تخرج متقطعة من بين أنيابه وعلى الرغم من الرعب الذي اجتاحها، لم تستطع الابتعاد عنه؛ فقد شعرت بشيء غريب يشدها إليه، إحساس لم تعرف له تفسيرًا، كأن الألم الذي يسكن صدره قد وجد طريقًا خفيًّا إلى قلبها.صرخت باسمه: «راكان!»لم يستجب.اندفعت نحوه، غير عابئة بتحذيرات المرأة التي كانت تقف قرب العرش، وجثت على ركبتيها بجواره مدّت يدها المرتجفة نحو رأسه، لكنها توقفت قبل أن تلامس فراءه، حين سمعت صوت أخيها خلفها.«إذا كنتِ تريدين الاحتفاظ بحياتك، فلا تلمسيه.»استدارت إليه بعنف، وقد اختلط الخوف

  • عروس الذئب الأسود    الفصل الخامس — عودة الملكة

    انطفأت مشاعل القصر دفعة واحدة، وكأن يدًا خفية أطبقت على أنفاس المكان، ثم انطلقت عواءات الذئاب من الخارج متتابعة، حتى ارتجفت الجدران تحت وطأة الصوت. وفي اللحظة التي حاول فيها راكان الوصول إلى ليان، لم يجد أمامه سوى الهواء.استدار بعنف، وعيناه تشتعلان بالغضب، ثم صاح: «أغلقوا جميع المخارج! لا أحد يغادر القصر، ولا أحد يدخل إليه! فتشوا كل غرفة وكل ممر، وإذا وجد أحد ليان فلا يقترب منها حتى أصل إليه.»اندفع الحراس لتنفيذ أوامره، بينما كان آسر يركض نحو النوافذ والممرات الجانبية. أما أم راكان فظلت واقفة في مكانها، تنظر إلى الفراغ الذي كانت ليان تقف فيه قبل لحظات، وكأنها كانت تتوقع هذا منذ سنوات.اقترب منها راكان، وأمسك بذراعها بقوة وقال: «أين ذهبت؟»قالت بهدوء غريب: «لم يأخذها أحد.»«إذن أين هي؟»«ذهبت إلى المكان الذي كان ينتظرها منذ ولادتها.»اشتدت قبضته على ذراعها. «لا تتحدثي بالألغاز معي. لقد فقدت ثقتي بكِ مرة، ولن أسمح لكِ أن تفعلي ذلك ثانية. إذا كنت تعرفين مكانها فقولي.»رفعت عينيها إليه وقالت: «لو كنت أعرف كيف أوقف ما يحدث، لفعلت منذ ثلاثة وعشرين عامًا.»تدخل آسر وهو يلهث: «راكان، لا يوج

  • عروس الذئب الأسود    الفصل الرابع — الدم الذي لا يكذب

    تجمّد الهواء داخل الغرفة بعد كلمات أم راكان، وكأن القصر بأكمله حبس أنفاسه في انتظار ما سيحدث بعدها. ظل راكان واقفًا أمامها، وعيناه مثبتتان عليها بطريقة لم تعتدها ليان منه من قبل؛ لم يكن في نظراته غضب فقط، بل كان هناك شيء أعمق، شيء يشبه الصدمة التي تحاول أن تجد لها مخرجًا.قال بصوت منخفض، لكنه كان أخطر من الصراخ: «قولي إنك تكذبين.»رفعت أمه عينيها إليه، ولم تجب.اقترب خطوة أخرى، حتى أصبحت المسافة بينهما قصيرة، وقال: «سمعتِني. قولي إنك لم تقتلي عائلتها.»تنفست المرأة ببطء، ثم قالت: «لم يكن الأمر بهذه البساطة يا راكان.»ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي فرح، وقال: «كل شيء يصبح بسيطًا عندما يتعلق الأمر بالدم. إما أنك قتلتِهم أو لم تقتليهم.»تدخل آسر، الذي كان يقف قرب الباب مراقبًا المشهد، وقال بحذر: «راكان... هناك شيء غير منطقي. إذا كانت هي من قتلت عائلة ليان، فلماذا أبقت ليان حية؟ ولماذا أخفتها طوال هذه السنوات؟»التفتت إليه أم راكان، وقالت: «لأنني لم أكن أملك الحق في قتلها.»رفعت ليان رأسها فجأة، وكانت الدموع قد توقفت على وجهها من شدة الصدمة، وقالت: «أنا لا أفهم شيئًا... أنتم جميعًا تتحدثون عن

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status