LOGIN«إيلارا...»
وضعت يدها على أذنها، وقالت: «من يناديني؟»
أجابها الصوت مرة أخرى، هذه المرة بوضوح أشد:
«إيلارا، ابنة الملكة... عودي إلى العهد.»
شهقت ليان، ثم انحنت من الألم، بينما انطفأ الضوء الذهبي حولها. اندفع راكان ليمسك بها قبل أن تسقط، لكنه ما إن لمس يدها حتى ظهرت على كفه علامة سوداء مطابقة لتلك التي ظهرت على جسدها.
نظر الاثنان إلى العلامة في ذهول.
ثم تردد صوت أدهم في القاعة، وقد اختفى الهدوء من نبرته للمرة الأولى:
«لقد بدأ العهد يختار وريثه.»
رفع راكان رأسه إليه.
«أي عهد؟»
لم يجب أدهم. كان ينظر إلى كف ابنه، ثم إلى ليان، وكأنه يشاهد كابوسًا ظن أنه انتهى منذ زمن بعيد.
اقتربت ليان من راكان، وهمست: «ما الذي يحدث لنا؟»
أمسك يدها، وقال: «لا أعرف، لكنني لن أسمح لأحد بأخذك مني.»
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت: «لا تعدني بما لا تستطيع الوفاء به.»
وقبل أن يجيب، انشق التمثال الأبيض بالكامل، وسقطت قطع الحجر على الأرض، كاشفة عن تجويف صغير في صدره. كان داخله صندوق فضي، مغلقًا بقفل يحمل رمزًا لم تره ليان من قبل.
تقدم أدهم بسرعة، لكن آسر سبقه والتقط الصندوق.
قال الملك بحدة: «ضعه مكانه!»
توقف آسر، ثم نظر إليه باستغراب.
«لماذا؟ ما الذي تخشاه؟»
مد أدهم يده، لكن الصندوق انفتح من تلقاء نفسه.
لم يكن بداخله سلاح أو كنز، بل رسالة قديمة مختومة بالشمع الأسود، وقطعة من قماش أبيض ملطخة بدم جاف. انتزعت ليان الرسالة قبل أن يستطيع أحد منعها، وفتحتها بيدين مرتجفتين.
كانت الكلمات مكتوبة بخط أنيق، وتحتها توقيع واضح:
«إلى ابنتي ليان، إن وصلتِ إلى هذه الرسالة، فهذا يعني أن أدهم قد عاد، وأن راكان أصبح يحمل العلامة. لا تثقي بأيٍّ منهما، مهما أقسما لكِ بالوفاء.»
توقفت أنفاسها.
وفي أسفل الرسالة، وجدت جملة أخيرة جعلت الدم ينسحب من وجهها:
«والرجل الذي ربّاكِ لم يكن والدكِ، لكنه لم يخطفكِ... بل أنقذكِ من أمكِ الحقيقية.»
رفعت ليان عينيها ببطء نحو المرأة ذات الثوب الأبيض.
لكن المرأة لم تكن موجودة.
كان المكان الذي وقفت فيه خاليًا، والباب المؤدي إلى الممر مفتوحًا على ظلام كثيف.
أما أدهم، فقد أغمض عينيه للحظة، ثم قال بصوت لم يسمعه أحد منه من قبل:
«لقد هربت.»
اندفع راكان نحو الباب، لكن آسر أمسك بذراعه.
«انتظر! هناك شيء آخر.»
أشار إلى ظهر الرسالة، حيث بدأت كلمات جديدة تظهر على الورق، حرفًا بعد حرف، كأن دمًا خفيًّا يكتبها من الداخل.
اقتربت ليان وقرأت الكلمات بصوت مرتجف:
«إذا أردتِ معرفة قاتل أمكِ الحقيقي، فابحثي عن الملك الثالث... فهو لم يمت، ولم يعد من الموت.»
ساد الصمت.
ثم جاء صوت ارتطام من خلفهم، أعقبه صوت الحارس المصاب سليم وهو يصرخ:
«أغلقوا الأبواب! إنه هنا!»
استدار الجميع.كان عند مدخل القاعة رجل يرتدي درعًا أبيض، يحمل سيفًا طويلًا، وعلى كتفه شارة العشيرة البيضاء. لم يرفع سلاحه، ولم يتقدم، بل انحنى أمام ليان ببطء، ثم قال:
«مولاتي... جئت لأعيدكِ إلى والدكِ.»
حدقت ليان فيه.
«والدي مات.»
رفع الرجل رأسه، وظهرت ابتسامة غامضة على وجهه.
«ذلك ما أرادوا منكِ أن تصدقيه.»
ثم أخرج من جيبه خاتمًا ملكيًا، يحمل نقشًا مطابقًا للعلامة الموجودة على يد راكان.
وقال:
«الملك الثالث ينتظركِ يا مولاتي... وقد اختار عروسًا جديدة للذئب الأسود.»
تجمدت ليان، بينما انقبضت يد راكان حول سيفه.
أما الرجل، فابتسم ابتسامة أخيرة وأضاف:
«وللأسف... إنها ليست أنتِ.»
ساد الصمت القاعة القديمة بعد كلمات المحارب الأبيض، حتى إن صوت النيران المشتعلة في المشاعل بدا مرتفعًا على نحو غريب. ظل راكان واقفًا أمام الرجل، وعيناه الذهبيتان تضيقان شيئًا فشيئًا، بينما كانت قبضته تنغلق حول مقبض خنجره، حتى برزت العروق في ظهر يده.
قال راكان بصوت منخفض، لكنه حمل من التهديد ما جعل الحراس يتراجعون دون وعي: «أعد ما قلته، أيها المحارب، ولكن هذه المرة فكّر جيدًا في الكلمات التي ستخرج من فمك، لأنني لا أضمن لك فرصة ثانية لتصحيحها».
لم يبدُ على المحارب الأبيض أي خوف. انحنى انحناءة قصيرة، ثم رفع رأسه وقال: «الملك الثالث اختار عروسًا جديدة للذئب الأسود، وسيُقام حفل إعلان الارتباط عند اكتمال القمر القادم. وقد أُرسلتُ لأصطحب الأميرة ليان إلى قصره، حيث ستشهد بنفسها بداية العهد الجديد».
ضحك آسر ضحكة قصيرة خالية من المرح، ثم تقدّم حتى وقف إلى جوار راكان.
«يا لها من دعوة كريمة! يختطفون قلعتنا، ويأسرون أصدقاءنا، ويختارون عروسًا لابن عمي دون أن يكلفوا أنفسهم عناء إخباره، ثم يرسلون إلينا رجلًا يرتدي الأبيض وكأننا سنستقبله بالشاي والحلوى! هل لديكم تقاليد أخرى تودّ إخبارنا بها قبل أن نبدأ بقطع الرؤوس؟»
رمقه المحارب بنظرة باردة.
«لسانك الطويل لن ينقذك عندما يدخل الملك الثالث إلى هذه الأراضي».
«وأنت تتحدث كثيرًا عن ملكك، لدرجة أنني بدأت أشك في أنه لا يستطيع المشي دون أن يمسك أحد بيده».
«آسر!» حذّره راكان دون أن يشيح بنظره عن الرجل.
رفع آسر يديه باستسلام مصطنع، ثم تمتم: «حسنًا، سألزم الصمت. ولكن إذا قتلنا جميعًا، فأنا أريد أن يُسجَّل في التاريخ أنني كنت أحاول تحسين الأجواء».
لم تبتسم ليان. كانت عيناها معلقتين بالمحارب، لكن عقلها عاد إلى العبارة التي وردت في الرسالة: ابحثي عن الملك الثالث... فهو لم يمت، ولم يعد من الموت.
ثلاثة ملوك، وامرأة لا يعرف أحد إن كانت أمها حقًا، وأب عاد من الموت، وأخ ظهر فجأة بعد أن قيل إنه مات، ورجل ربّاها طوال حياتها ولم يكن والدها، ومع ذلك ربما أنقذها من أمها الحقيقية.
والآن عروس جديدة لراكان.
التفتت إليه ببطء. لم تكن تعرف لماذا أثار الإعلان في صدرها ذلك الألم المفاجئ، ولماذا انقبض قلبها عند سماع كلمة «عروس»، لكنها رفضت أن تسمح لهذا الشعور بأن يشتت انتباهها عن الخطر.
قالت للمحارب: «من تكون هذه العروس؟»
أجابها: «ستعرفين عندما تصلين إلى القصر».
«لم أسألك متى سأعرف. سألتك عن اسمها».
«الاسم ليس مهمًّا».
تقدمت ليان خطوة، واشتعلت العلامة الذهبية عند أعلى صدرها تحت ثوبها، حتى تسللت خيوط الضوء من بين القماش.
«بل هو مهم. إذا كان ملكك قد اختار امرأة لتكون عروسًا لراكان، فمن حقنا أن نعرف إن كانت قد وافقت على هذا الزواج أم أنها تُساق إليه كما تحاول أن تسوقني أنت إلى قصرك».
للمرة الأولى، تبدلت ملامح المحارب. لم يكن خوفًا واضحًا، بل شيئًا أقرب إلى الدهشة، كأنه لم يتوقع أن تتحدث ليان بهذه الطريقة.
قال ببطء: «أنت لا تفهمين طبيعة العهد الذي يربط الملوك الثلاثة».
«إذن اشرح لي».
«لا أستطيع».
«أم لا تريد؟»
وقبل أن يجيب، انطلق صوت أدهم من خلفهم.
«احذر من استفزازها، أيها الفتى. أنت لا تعرف ما الذي يمكن أن توقظه كلماتك».
التفت المحارب إلى أدهم، ثم انحنى له انحناءة مختلفة، أكثر عمقًا من انحناءته السابقة.
«الملك أدهم. لم أتوقع أن أجدك هنا».
أجابه أدهم بجمود: «وهذا لأنكم أمضيتم سنوات طويلة في البحث عن الموتى، حتى نسيتم أن بعضهم يفضّل البقاء بعيدًا عن أعينكم».
تبادل الرجلان نظرات غامضة، وفهمت ليان أن بينهما تاريخًا لم يُكشف بعد.
قالت: «هل تعرفه يا أدهم؟»
«أعرف الجهة التي جاء منها، وأعرف أن وجوده هنا ليس مصادفة».
تقدم المحارب نحو ليان، لكنه لم يخطُ سوى خطوة واحدة قبل أن يظهر راكان أمامه كجدار أسود.
«لن تقترب منها».
«أنا لا آتي لأقاتلك يا راكان».
«إذن عد من حيث أتيت».
«أتمنى لو كان الأمر بهذه البساطة. لقد بدأت الحرب بالفعل، سواء أردت الاعتراف بذلك أم لا. قلعتك سقطت، وقائدك مروان أعلن نفسه صاحبًا للعرش، والمرأة التي تحاول إنقاذها أصبحت مطلوبة من ثلاثة ملوك. إن بقيت هنا، فلن يمضي وقت طويل قبل أن تتحول هذه القاعة إلى مقبرة».
اشتدت ملامح راكان عند ذكر مروان، لكن ليان لاحظت أن المحارب لم ينظر إليه حين تحدث عن العروس. كان ينظر إليها هي، وكأنه ينتظر منها رد فعل بعينه.
سألته: «لماذا أرسل الملك الثالث في طلبـي أنا؟ لماذا لا يرسل جيشه ويأخذني بالقوة إذا كان يستطيع ذلك؟»
أجابها بعد تردد قصير: «لأنه لا يستطيع إجبارك على دخول القصر».
«لماذا؟»
«لأن أبوابه لا تفتح إلا بدم الوريثة الأخيرة».
انطفأت إحدى المشاعل فجأة.
وفي اللحظة نفسها، أطلقت العلامة الموجودة على صدر ليان وهجًا ذهبيًا قويًا، فارتجفت الجدران، وانبعث من أسفل الأرض صوت عميق يشبه زئير ذئب محبوس منذ قرون.
لكن ليان لم تستطع إبعاد عينيها عن التمثال. كانت تسمع صوتًا خافتًا داخل رأسها، صوتًا يناديها باسم لم تسمعه من قبل.«إيلارا...»وضعت يدها على أذنها، وقالت: «من يناديني؟»أجابها الصوت مرة أخرى، هذه المرة بوضوح أشد:«إيلارا، ابنة الملكة... عودي إلى العهد.»شهقت ليان، ثم انحنت من الألم، بينما انطفأ الضوء الذهبي حولها. اندفع راكان ليمسك بها قبل أن تسقط، لكنه ما إن لمس يدها حتى ظهرت على كفه علامة سوداء مطابقة لتلك التي ظهرت على جسدها.نظر الاثنان إلى العلامة في ذهول.ثم تردد صوت أدهم في القاعة، وقد اختفى الهدوء من نبرته للمرة الأولى:«لقد بدأ العهد يختار وريثه.»رفع راكان رأسه إليه.«أي عهد؟»لم يجب أدهم. كان ينظر إلى كف ابنه، ثم إلى ليان، وكأنه يشاهد كابوسًا ظن أنه انتهى منذ زمن بعيد.اقتربت ليان من راكان، وهمست: «ما الذي يحدث لنا؟»أمسك يدها، وقال: «لا أعرف، لكنني لن أسمح لأحد بأخذك مني.»نظرت إليه طويلًا، ثم قالت: «لا تعدني بما لا تستطيع الوفاء به.»وقبل أن يجيب، انشق التمثال الأبيض بالكامل، وسقطت قطع الحجر على الأرض، كاشفة عن تجويف صغير في صدره. كان داخله صندوق فضي، مغلقًا بقفل يحمل رمزً
لم تكن العينان الذهبيتان اللتان ظهرتا في نهاية الممر انعكاسًا لضوء المشاعل، ولم يكن الصوت الذي خرج من الظلام وهمًا صنعه الخوف في عقول الواقفين. كان هناك رجل يتقدم نحو القاعة بخطوات بطيئة، وكأن السنوات الثلاثين التي مرت على اختفائه لم تترك في جسده أثرًا واحدًا. ارتدى عباءة سوداء طويلة، وتدلت من كتفيه سلاسل فضية تحمل رموزًا قديمة، بينما أحاطت بوجهه ندوب دقيقة بدت كأنها آثار مخالب لم تستطع تمزيقه بالكامل.تراجع الحراس الذين كانوا قد دخلوا خلف آسر، وانحنى بعضهم دون وعي، أما راكان فظل واقفًا في مكانه، جامد الملامح، كأن جسده رفض تصديق ما تراه عيناه. كان يعرف ذلك الوجه، ويحفظ تفاصيله رغم السنوات التي قضاها يتخيل ملامح أبيه في ذكرياته القديمة. لقد رأى صورته في القاعة الملكية، وسمع حكايات والدته عنه، وقرأ التقارير التي أعلنت مقتله في المعركة الأخيرة بين العشائر، لكنه لم يتخيل أن يراه يومًا يقف أمامه حيًّا.خرج صوته أخيرًا، خشنًا ومختنقًا: «أبي؟»توقف الرجل على مسافة خطوات منه، ثم نظر إليه نظرة طويلة، وقال: «لقد كبرت يا راكان.»لم تكن تلك الكلمات كافية لتفسير ما يحدث، بل بدت مستفزة على نحو جعل
لم يكن الدم الذي سال من صدر الذئب الأسود دمًا عاديًّا؛ فقد امتزج بلون داكن يشبه الحبر، وانساب فوق الأرض الحجرية في خطوط متعرجة، حتى بدا كأنه يرسم رموزًا قديمة لم تعد الذاكرة البشرية قادرة على استيعابها ارتجفت ألسنة اللهب داخل المشاعل، وانحنت تماثيل الذئاب المحيطة بالقاعة نحو الجسد الملقى أمام العرش، وكأنها تشهد سقوط ملك لم يُعلن موته بعد.تراجعت ليان خطوة، ثم أخرى، غير قادرة على استيعاب ما تراه. كان الذئب ضخمًا إلى حد جعل جسده يحتل مساحة واسعة من أرض القاعة، وكان فراؤه الأسود ملطخًا بالدماء، بينما راحت أنفاسه تخرج متقطعة من بين أنيابه وعلى الرغم من الرعب الذي اجتاحها، لم تستطع الابتعاد عنه؛ فقد شعرت بشيء غريب يشدها إليه، إحساس لم تعرف له تفسيرًا، كأن الألم الذي يسكن صدره قد وجد طريقًا خفيًّا إلى قلبها.صرخت باسمه: «راكان!»لم يستجب.اندفعت نحوه، غير عابئة بتحذيرات المرأة التي كانت تقف قرب العرش، وجثت على ركبتيها بجواره مدّت يدها المرتجفة نحو رأسه، لكنها توقفت قبل أن تلامس فراءه، حين سمعت صوت أخيها خلفها.«إذا كنتِ تريدين الاحتفاظ بحياتك، فلا تلمسيه.»استدارت إليه بعنف، وقد اختلط الخوف
انطفأت مشاعل القصر دفعة واحدة، وكأن يدًا خفية أطبقت على أنفاس المكان، ثم انطلقت عواءات الذئاب من الخارج متتابعة، حتى ارتجفت الجدران تحت وطأة الصوت. وفي اللحظة التي حاول فيها راكان الوصول إلى ليان، لم يجد أمامه سوى الهواء.استدار بعنف، وعيناه تشتعلان بالغضب، ثم صاح: «أغلقوا جميع المخارج! لا أحد يغادر القصر، ولا أحد يدخل إليه! فتشوا كل غرفة وكل ممر، وإذا وجد أحد ليان فلا يقترب منها حتى أصل إليه.»اندفع الحراس لتنفيذ أوامره، بينما كان آسر يركض نحو النوافذ والممرات الجانبية. أما أم راكان فظلت واقفة في مكانها، تنظر إلى الفراغ الذي كانت ليان تقف فيه قبل لحظات، وكأنها كانت تتوقع هذا منذ سنوات.اقترب منها راكان، وأمسك بذراعها بقوة وقال: «أين ذهبت؟»قالت بهدوء غريب: «لم يأخذها أحد.»«إذن أين هي؟»«ذهبت إلى المكان الذي كان ينتظرها منذ ولادتها.»اشتدت قبضته على ذراعها. «لا تتحدثي بالألغاز معي. لقد فقدت ثقتي بكِ مرة، ولن أسمح لكِ أن تفعلي ذلك ثانية. إذا كنت تعرفين مكانها فقولي.»رفعت عينيها إليه وقالت: «لو كنت أعرف كيف أوقف ما يحدث، لفعلت منذ ثلاثة وعشرين عامًا.»تدخل آسر وهو يلهث: «راكان، لا يوج
تجمّد الهواء داخل الغرفة بعد كلمات أم راكان، وكأن القصر بأكمله حبس أنفاسه في انتظار ما سيحدث بعدها. ظل راكان واقفًا أمامها، وعيناه مثبتتان عليها بطريقة لم تعتدها ليان منه من قبل؛ لم يكن في نظراته غضب فقط، بل كان هناك شيء أعمق، شيء يشبه الصدمة التي تحاول أن تجد لها مخرجًا.قال بصوت منخفض، لكنه كان أخطر من الصراخ: «قولي إنك تكذبين.»رفعت أمه عينيها إليه، ولم تجب.اقترب خطوة أخرى، حتى أصبحت المسافة بينهما قصيرة، وقال: «سمعتِني. قولي إنك لم تقتلي عائلتها.»تنفست المرأة ببطء، ثم قالت: «لم يكن الأمر بهذه البساطة يا راكان.»ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي فرح، وقال: «كل شيء يصبح بسيطًا عندما يتعلق الأمر بالدم. إما أنك قتلتِهم أو لم تقتليهم.»تدخل آسر، الذي كان يقف قرب الباب مراقبًا المشهد، وقال بحذر: «راكان... هناك شيء غير منطقي. إذا كانت هي من قتلت عائلة ليان، فلماذا أبقت ليان حية؟ ولماذا أخفتها طوال هذه السنوات؟»التفتت إليه أم راكان، وقالت: «لأنني لم أكن أملك الحق في قتلها.»رفعت ليان رأسها فجأة، وكانت الدموع قد توقفت على وجهها من شدة الصدمة، وقالت: «أنا لا أفهم شيئًا... أنتم جميعًا تتحدثون عن
لم يحتج الباب إلى أن يُفتح بالكامل حتى شعر راكان بأن شيئًا في هذا القصر انقلب رأسًا على عقب؛ فقد كان الصوت الذي خرج من خلفه مستحيلًا، صوتًا دفنه بنفسه في ذاكرته منذ سبعة عشر عامًا، صوت امرأة كان يظن أن العالم كله انتهى يوم اختفائها، ومع ذلك كان يسمعه الآن واضحًا، ينادي اسمًا لم يكن من المفترض أن تعرفه صاحبة الصوت أصلًا."ليان..."تراجعت ليان خطوة وهي تحدق في الفتحة السوداء بين الباب وإطاره، بينما رفع آسر سيفه واستعد للهجوم، وقال بصوت خافت: "لا أحد يدخل قبلي." لكن راكان أمسك بذراعه وأبعده، ثم قال: "لا." نظر إليه آسر باستغراب، فأضاف راكان: "إن كانت هي فعلًا... فسأدخل وحدي."قالت ليان بسرعة: "لن تدخل وحدك."التفت إليها."ماذا قلتِ؟"اقتربت منه رغم الخوف الذي كان ينهشها، وقالت: "إن كان الصوت يناديني، فسأعرف من صاحبته."قال راكان بصرامة: "لن تفعلي."رفعت ذقنها بعناد: "ومنذ متى تقرر أنت كل شيء يخصني؟"اقترب منها حتى أصبح أمامها مباشرة، ثم قال بنبرة هادئة لكنها حاسمة: "منذ أصبحتِ الهدف الأول لكل شخص يريد إسقاط هذه المملكة."ردت دون أن تتراجع: "وأنا لم أطلب أن أكون ملكة ولا أن أكون هدفًا لأحد







