Masukلم يكن في الصالون صوت سوى صوت عقارب الساعة المعلقة على الحائط.
حتى المروحة التي اعتادت إصدار أزيز خافت بدت وكأنها توقفت احترامًا للتوتر الذي ملأ المكان. نظر الشيخ المبروك إلى تولين طويلًا. ثم أغلق عينيه فجأة. وأخذ يتمتم بكلمات غير مفهومة. بينما تبادلت تولين ومريم نظرات سريعة. لقد بدأت المسرحية. --- قال الشيخ بعد لحظات: — من إمتى وهي كده؟ سأل الأب بلهفة: — كده إزاي يا شيخ؟ تنهد الرجل بعمق. ثم قال: — من زمان. كتمت تولين ضحكتها بصعوبة. إجابة تصلح لكل شيء. ومن الواضح أنها كانت تنجح دائمًا. --- اقترب الشيخ منها أكثر. ثم أخرج زجاجة صغيرة مليئة بسائل أصفر اللون. وفك غطاءها. فانتشرت رائحة نفاذة داخل الغرفة. تراجعت الأم قليلًا. أما الخالة فقالت بإعجاب: — الله ينور عليك يا شيخ. نظر إليها الشيخ بفخر. ثم رش بعض السائل في الهواء. وتمتم بكلمات جديدة. --- قال فجأة: — حاسة بصداع؟ أجابت تولين ببرود: — لا. — دوخة؟ — لا. — كوابيس؟ — لا. — ضيق؟ — لا. ساد الصمت. لثوانٍ قليلة فقط. قبل أن يقول الشيخ: — الجن قوي جدًا. كادت مريم تختنق من كتم الضحك. لكنها تماسكت بصعوبة. --- وقف الرجل من مكانه. ثم بدأ يدور حول الكرسي الذي تجلس عليه تولين. بينما أخذ يردد كلمات غريبة. لم يفهم منها أحد شيئًا. سوى أن بعضها لم يكن قرآنًا. ولا دعاءً. ولا أي شيء مفهوم. --- شعرت تولين بالغضب. ليس من أجله. بل من أجل الناس الذين يستغلهم أمثاله. ومن أجل الخوف الذي يجعل إنسانًا متعلمًا يصدق هذا المشهد. لكنها تذكرت هدفها. وأكملت التمثيل. --- أعطت إشارة خفية لمريم. ففهمت الأخيرة فورًا. وبهدوء شديد خرجت من الصالون. متظاهرة بأنها ذاهبة لإحضار الماء. بينما كانت في الحقيقة تبدأ تنفيذ الجزء الثاني من الخطة. --- أخذ الشيخ يرفع صوته تدريجيًا. — اخرج! ثم صرخ فجأة: — اخرج من البنت! ارتجفت الأم. بينما تشبثت الخالة بطرف عباءتها. وقال الأب بقلق: — هو موجود؟ رد الشيخ بثقة: — موجود. بل قوي جدًا. --- في تلك اللحظة بدأت اللمبة الموجودة فوق الصالون ترتعش. مرة. ثم مرتين. ثم ثلاث مرات. اتسعت عينا الأم. أما الخالة فوضعت يدها على صدرها. وقالت بصوت مرتجف: — يا ساتر يا رب. --- في الخارج كانت مريم تبتسم بانتصار. فقد نجحت البطارية الصغيرة التي أخفتها مسبقًا. وأصبح الضوء يومض كما خططتا تمامًا. --- عاد الشيخ يرفع صوته. لكنه هذه المرة بدا أقل ثقة. فهو نفسه لم يكن يفهم سبب ارتعاش الضوء. وقال بسرعة: — شفتوا؟ الجن بيقاوم. نظر إليه الأب بخوف حقيقي. بينما بدأت الخالة تقرأ بعض الآيات بصوت مرتفع. --- جاءت اللحظة التالية. أغمضت تولين عينيها. وتركت رأسها يميل ببطء إلى الخلف. ثم بدأت تهتز قليلًا. كما تدربت أمام المرآة عشرات المرات. --- شهقت الأم. أما الأب فوقف من مكانه. وقال: — مالها؟ أشار الشيخ إليه أن يجلس. لكنه هو نفسه كان يراقب المشهد بارتباك. --- فجأة انطفأت الأنوار. وغرق المنزل كله في الظلام. تعالت الصرخات. وتعالت معها نبضات القلوب. وفي ذلك الظلام تحركت مريم بسرعة. نزعت طرحة أختها. وبعثرت شعرها. ووضعت اللون الأحمر على يديها. ثم عادت إلى مكانها قبل أن يلاحظها أحد. --- عاد النور فجأة. لتظهر تولين جالسة في مكانها. وشعرها مبعثر. ورأسها منخفض. ويداها ملطختان بما يشبه الدم. --- صرخت الأم. بينما تراجعت الخالة للخلف. أما الشيخ فتجمد في مكانه. لأول مرة. لأنه لم يكن يتوقع شيئًا من هذا. --- رفعت تولين رأسها ببطء شديد. ثم فتحت عينيها. ونظرت مباشرة إلى الشيخ. بنظرة باردة جعلت الدم يتجمد في عروقه. وقالت بصوت مختلف تمامًا عن صوتها: — أخيرًا... قابلناك. شحب وجه الرجل. وتراجع خطوة كاملة إلى الخلف. --- قال بصعوبة: — اخرج... اخرج من البنت. ابتسمت تولين. ابتسامة بطيئة مرعبة. ثم قالت: — ليه؟ ارتعش صوته: — لأنك مؤذٍ. ضحكت. ضحكة طويلة جعلت الأم تبكي من الرعب. وقالت: — وأنا اللي مؤذي؟ ثم نظرت إليه مباشرة. وأضافت: — ولا أنت؟ ساد الصمت. صمت ثقيل. مرعب. وشعر الشيخ لأول مرة أن الأمور خرجت تمامًا عن سيطرته... يتبع...مرت خمس سنوات.خمس سنوات كاملة منذ ذلك اليوم الذي حملت فيه حنين بين ذراعيها للمرة الأولى.كبر التوأم.وأصبحت ضحكاتهما تملأ المنزل حياة.بينما ازداد الحب بين تولين وبسام نضجًا وهدوءًا.ذلك الحب الذي لم يعد قائمًا على الكلمات الجميلة فقط.بل على المشاركة.والتحمل.والرحمة.والرفقة الطيبة.---في أحد الأيام كانت تولين تجلس في شرفة المنزل تراقب طفليها وهما يلعبان في الحديقة.كان مصطفى يركض خلف فراشة صغيرة.بينما كانت حنين تحاول إقناعه بأن الفراشة تريد اللعب معها هي فقط.فضحكت تولين.---جلس بسام بجوارها.ووضع كوب الشاي أمامها.---قال مبتسمًا:— سرحانة في إيه؟---نظرت إلى الأطفال.ثم ابتسمت.---— في حياتي.---— خير؟---— كنت بفكر لو حد قالي من عشر سنين إني هبقى هنا دلوقتي...ماكنتش هصدقه.---ابتسم بسام.---— وأنا لو حد قالي إني هقابل واحدة عنيدة بالشكل ده وأتجوزها...ماكنتش هصدقه برضه.---ضحكت وهي تضربه بخفة على كتفه.---ثم عاد الصمت الجميل بينهما.---ذلك الصمت الذي لا يحتاج إلى كلام.---وفجأة تذكرت الخالة سميرة.---كانت قد تغيرت كثيرًا خلال السنوات الماضية.---فبعد واقعة الشي
مرت الأشهر الأولى من زواج تولين وبسام هادئة وجميلة.لم تكن حياة مثالية كما كانت تتخيل الفتيات في الأحلام.فالحياة الحقيقية لا تخلو من الخلافات الصغيرة والمواقف المزعجة وضغوط العمل والمسؤوليات اليومية.لكن كان بينهما شيء مهم.الاحترام.وكلما حدث خلاف بينهما كان ذلك الاحترام يعيد الأمور إلى مكانها الصحيح.---وفي إحدى الليالي بينما كانا يجلسان في شرفة المنزل يحتسيان الشاي، قالت تولين مبتسمة:— تعرف؟— إيه؟— لو كنت اتجوزت واحد من العرسان اللي قبلك كنت زماني اتجننت.ضحك بسام.— وأنا الحمد لله جيت أنقذك.— لا.— أمال؟— ربنا هو اللي أنقذني.ابتسم وهو يهز رأسه.— عندك حق.---مرت السنة الأولى.ثم الثانية.---وبدأت الأسئلة تظهر من جديد.لكن بصورة مختلفة هذه المرة.---— مفيش أولاد ليه؟— كشفتوا؟— عملتوا تحاليل؟— جربتوا الدكتور الفلاني؟— جربتوا الوصفة الفلانية؟---كانت تولين تبتسم في البداية.لكنها في داخلها كانت تتألم.---ليس بسبب عدم الإنجاب.بل بسبب تدخل الناس.---كانت تشعر أحيانًا أن البعض يتعامل مع المرأة وكأنها مشروع ناقص دائمًا.إذا لم تتزوج فهناك مشكلة.وإذا تزوجت ولم تنجب فهن
لم تكن تولين من النوع الذي يقع في الحب من النظرة الأولى.بل كانت دائمًا تسخر من هذه الفكرة.كيف يمكن لإنسان أن يحب شخصًا لمجرد أنه رآه مرة واحدة؟لكن ما حدث مع بسام لم يكن حبًا.على الأقل في البداية.كان شيئًا أكثر هدوءًا.وأعمق.شيئًا يشبه الطمأنينة.---بعد حادثة الأوراق المبعثرة تكرر لقاؤهما أكثر من مرة داخل الجامعة.كان يعمل أستاذًا مساعدًا بكلية أخرى ضمن المشروع المشترك.هادئًا.محترمًا.قليل الكلام.بعيدًا عن الاستعراض.---وفي كل مرة كانت تتحدث معه تشعر براحة غريبة.راحة لم تعتدها.---أما بسام فكان يراقبها من بعيد أحيانًا.يستمع إلى طريقة حديثها.ويراقب احترام الطالبات لها.ويعجب بعقلها أكثر من شكلها.---وذات يوم جمعهما اجتماع عمل طويل.جلسا لساعات يناقشان مشروعًا أكاديميًا.وخلال الحديث اكتشف كل منهما شيئًا مهمًا.---لم يكن بينهما تشابه كامل.بل كان هناك اختلافات كثيرة.لكن المبادئ الأساسية كانت واحدة.الاحترام.الصراحة.الإيمان.والوعي.---وعندما انتهى الاجتماع قال مبتسمًا:— أول مرة أقابل حد بيجادل بنفس إصرارك.ضحكت.— وأول مرة أقابل حد بيستحمل جدالي.ضحك هو الآخر.---و
مرت الأيام بعد حادثة الشيخ المبروك أكثر هدوءًا.عادت الحياة إلى طبيعتها تدريجيًا.اختفت أحاديث السحر.وتوقفت الخالة سميرة عن اقتراح أسماء المشايخ والدجالين.وأصبح والدا تولين أكثر تفهمًا لموقفها.لكن ذلك لم يغير شيئًا من الحقيقة.ما زالت في التاسعة والعشرين.وما زالت بلا زواج.---في البداية لم تكن تهتم.حقًا لم تكن تهتم.كانت تذهب إلى الجامعة.تُدرِّس لطالباتها.تقرأ الكتب.تحضر الندوات.وتقضي وقتها مع أسرتها.لكن مع مرور الوقت بدأت تلاحظ شيئًا مؤلمًا.---كل من حولها كان يتغير.إحدى صديقاتها رزقت بطفلها الثاني.وأخرى أصبحت حاملًا.وثالثة انتقلت إلى منزل جديد مع زوجها.أما هي...فكانت في المكان نفسه.---لم تكن تغار منهن.أبدًا.لكنها كانت تتساءل أحيانًا:"متى يأتي دوري؟"ثم تستغفر الله فورًا.فهي تعلم أن لكل إنسان موعده.---وذات مساء كانت تساعد أمها في إعداد العشاء.فجأة قالت الأم دون مقدمات:— ربنا يرزقك يا بنتي.ابتسمت تولين.— آمين.لكنها لاحظت شيئًا في صوت أمها.حزنًا خافتًا.خفته الأم سريعًا.لكنها لم تستطع إخفاءه تمامًا.---وفي تلك الليلة بكت تولين لأول مرة منذ سنوات.ليس بس
لم يتحدث أحد لعدة دقائق.كانت الصدمة أكبر من أن تُستوعب بسرعة.وقفت الأم في منتصف الصالون تنظر إلى ابنتها وكأنها تراها لأول مرة.أما الأب فجلس على الكرسي وهو يفرك جبينه ببطء.في حين ظلت الخالة سميرة تحدق في تولين بنظرات مختلطة بين الغضب وعدم التصديق.---كانت مريم أول من كسر الصمت.— يا جماعة اسمعونا بس.لكن الأم التفتت إليها فورًا.— انتي كمان مشتركة؟ابتلعت مريم ريقها.— أيوة.— يعني كل اللي حصل ده كان تمثيل؟— أيوة.— خضيتونا بالشكل ده؟خفضت مريم رأسها.---أما تولين فاقتربت من أمها بهدوء.— أنا آسفة يا ماما.لكن الأم كانت لا تزال مصدومة.— آسفة؟— أيوة.— ده أنا كنت هموت من الرعب.شعرت تولين بوخزة في قلبها.فمهما كان هدفها نبيلًا، فقد جرحت أمها بالفعل.---قال الأب أخيرًا:— ليه؟كان سؤالًا بسيطًا.لكنه حمل كل شيء.---جلست تولين أمامه.ثم قالت بهدوء:— عشان أثبت لكم حاجة.— إيه هي؟— إنكم صدقتوا أي حاجة لمجرد إنكم خايفين.ساد الصمت.---أكملت:— محدش فيكم سأل نفسه إذا كان اللي بيحصل منطقي ولا لا.— ...— محدش حاول يفكر.— ...— أول ما الشيخ قال "جن" صدقتوه.---قالت الأم بصوت منخ
ساد الصمت داخل الصالون.صمت ثقيل حتى إن صوت أنفاس الجميع أصبح مسموعًا.كانت الأم تبكي في صمت.والأب واقفًا بجوار الكرسي لا يعرف هل يقترب من ابنته أم يبتعد عنها.أما الخالة سميرة فكانت قد التصقت بالحائط تقريبًا من شدة الخوف.في حين وقف الشيخ المبروك في مكانه متجمدًا.ينظر إلى تولين وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.---ابتسمت تولين ابتسامة باردة.ثم قالت بنفس الصوت الغريب:— مالك يا شيخ؟بلع الرجل ريقه بصعوبة.— اخرج من البنت.— ليه؟— لأنها بنت غلبانة.ضحكت مجددًا.— فجأة افتكرتها غلبانة؟ثم مالت برأسها قليلًا.وأكملت:— ولا خايف على نفسك؟بدأ العرق يتجمع فوق جبين الشيخ.ولأول مرة لاحظ الجميع أنه لم يعد يصرخ بثقة كما كان قبل قليل.---قال الأب بصوت مرتجف:— يا شيخ اعمل حاجة.نظر إليه المبروك للحظة.ثم عاد ينظر إلى تولين.لكن عقله كان يعمل بسرعة.كان يحاول فهم ما يحدث.هل هذه فتاة ممسوسة فعلًا؟أم أنها حالة نفسية؟أم أن هناك شيئًا آخر؟لكنه لم يكن يعرف الإجابة.والمشكلة الأكبر أنه لم يكن يعرف ماذا يفعل.---رفعت تولين يدها ببطء.وأشار إصبعها نحوه.— أنت كذاب.ارتعش الرجل.بينما شهقت الخا