Home / مافيا / عشق فوق فوهة الجحيم / الفصل الثالث : جهاز ملعون

Share

الفصل الثالث : جهاز ملعون

last update Last Updated: 2026-03-04 00:28:09

انهمر الرصاص كالمطر الأسود، محطماً زجاج النوافذ الذي تناثر في أرجاء الغرفة كشظايا ألماس قاتلة تخترق كل ما يقابلها برعونة. كان صوت الارتطام على باب الشقة الخارجي يزداد عنفاً، ركلات ثقيلة ومنتظمة توحي بأن الوحوش التي بالخارج على وشك الاقتحام وتحويل المكان إلى مقبرة. وقف "جاك" في منتصف الصالة لثانية واحدة، جسده مشدود، وعقله يعمل كآلة ؛ كان يتساءل بذهول يكتسحه من الداخل: "كيف عثروا علينا؟ لقد غسلتُ كل أثر ورائي، وانتقيتُ هذا المخبأ بعناية!".

لم يكن هناك متسع من الوقت للتحليل؛ كانت "إيما" قد انهارت تماماً تحت وطأة الصدمة. جلست على الأرض بوضعية الجنين، تغطي أذنيها بيديها المرتجفتين وهي تطلق صرخات مكتومة يبتلعها دوي الرصاص المستمر. شعرت إيما في تلك اللحظة بصغر حجمها أمام هذا العالم المظلم؛ كانت تفكر بجنون: "لماذا أنا؟ لم أكن أريد سوى قضاء عطلة بعيداً عن ديفيد الممل.. هل سأموت في شقة مجهولة دون أن يعرف أحد مكاني؟".

قطع تفكيرها جاك الذي اندفع نحوها. قبض على ذراعها بقوة لينهضها، وجرها خلفه نحو الغرفة التي كانت تنام بها، حيث الأمان النسبي الأخير. قذف بنفسه داخل الغرفة وأغلق الباب بالمزلاج الحديدي في اللحظة ذاتها التي تحطم فيها باب الشقة الخارجي معلناً دخول الموت ببدلات سوداء.

دخلت مجموعة من الرجال المدججين بالأسلحة ، وجوههم كانت خالية من أي تعبير بشري، ملامحهم مرعبة توحي بأنهم مجرد آلات قتل مبرمجة. ساد صمت مطبق للحظات، لم يقطعه سوى صوت أحذيتهم الثقيلة وهي تطأ الزجاج المحطم، حتى أشار أحدهم بسبابته نحو باب الغرفة المغلق وهتف بصوت مبحوح خالٍ من المشاعر: "إنهما هنا!".

داخل الغرفة، كانت إيما تتخبط بذعر يفتك بأعصابها وهي تحاول التقاط حقيبتها الملقاة بجانب السرير، يداها ترتجفان لدرجة أنها فشلت في الإمساك بها مرتين. كان جاك يمسح المكان بعينيه كصقر يبحث عن ثغرة للنجاة، ولم يكن هناك سوى نافذة ضيقة تطل على شارع ضيق معتم تسكنه أنابيب الصرف الصحي المتهالكة. التفت إليها وقال بنبرة صارمة لا تقبل النقاش: "سننزل من هنا، تمسكي بالأنابيب جيداً ولا تنظري للأسفل!".

توسعت عينا إيما برعب حقيقي، وتراجعت للخلف وهي تهز رأسها برفض قاطع: "أنت مجنون! لن أفعل هذا.. الأنابيب قديمة، سأسقط وأموت بالتأكيد!". بدأت تتشاجر معه بصوت مخنوق، كلمات متداخلة يملؤها الهلع واليأس، لكن جاك سئم الحديث العقيم بينما كانت ضربات الرجال خلف الباب تنذر بانهياره. اقترب منها فجأة، وضع يديه على كتفيها وهزها بقوة ليجبر عينيها على ملاقاته: "اسمعيني جيداً.. الموت في الأسفل مجرد احتمال، لكن الموت خلف هذا الباب حقيقة مؤكدة. اختاري الآن!".

لم تنتظر إيما الرد، فصوت الخشب الذي بدأ يتشقق كان كافياً. وبحركة خاطفة، جذبها من خصرها، وأجبرها على ارتداء حقيبتها، ثم رفعها فوق ظهره بحزم، محكماً قبضته على ساقيها. تسلل عبر النافذة الضيقة،. شعرت إيما بجسد جاك القوي يهتز تحتها، كانت تغرس أظافرها في كتفيه، وراسها فى عنقه وتفمض عيناها ورائحة الصدأ تملأ أنوفها. كانت تخشى أن تفلت يده، لكن قبضته كانت كالفولاذ.

بمجرد وصوله للأرض الرطبة، ركض جاك بسرعة جنونية، يسحب إيما التي كادت تفقد وعيها من الزقاق الخلفي. في تلك الأثناء، وصل رجال المافيا إلى النافذة، ورأوا ظلهما يتلاشى في عتمة الشارع الضيق. صاح زعيمهم بغيظ: "اذهبوا فوراً! لا تدعوهما يغيبان عن أعينكم، رأس الشاب وجسد الفتاة.. هذا ما أريده!".

أمسك جاك يد إيما وبدأا بالركض وسط الزحام الجانبي لمدينة لا تنام. وفجأة، تعثروا بشاب يحمل باقة ورد حمراء كبيرة، كان يحاول بجهد استعطاف حبيبته الواقفة أمامه ببرود، وبجانبه تقف دراجة نارية سوداء لامعة، محركها لا يزال ساخناً. دون ذرة تردد، دفع جاك الشاب بقوة ليسقط في أحضان حبيبته التي صرخت بذهول، وقفز فوق الدراجة وهو يزأر في إيما: "اركبي.. الآن!".

صعدت إيما خلفه وهي وخوف يمزق أحشاءها تكاد لا تصدقي كل ما حدث حتى الآن، لكن جاك انطلق بالدراجة بسرعة رهيبة جعلت الهواء البارد يصفع وجهها بقسوة. صرخ بها دون أن يلتفت: "تمسكي بي جيداً إن كنتِ تريدين العيش لرؤية الغد!". وأحاطت خصره بكلتا يديها، وضغطت بوجهها على ظهره الصلب وهي تغمض عينيها بقوة. شعرت بنبضات قلبه تتسارع مع سرعة المحرك، وشعرت لأول مرة بنوع غريب من الأمان وسط هذا الخطر؛ هذا الرجل غريب، وقاتل ربما، لكنه الوحيد الذي يقاتل من أجل بقائها.

بدأ جاك بالمناورة بين السيارات، يدخل أزقة ضيقة ملتوية ويخرج من أخرى ليشتت انتباه أي ملاحق، حتى تأكد أن خيط الملاحقة قد انقطع تماماً. عندها فقط، قرر الذهاب للمكان الوحيد الذي أقسم يوماً ألا يعود إليه.. مكان يسكنه الماضي الذي حاول دفنه تحت رمال النسيان.

كان المكان يسبح في ظلام دامس موحش، لا يقطعه سوى ضوء خافت مسلط على كرسي هزاز يتحرك ببطء، محدثاً صريراً رتيباً يثير القشعريرة في الأبدان. كان "دانيال ماركوس" يجلس هناك، يعبث بخواتمه الذهبية الضخمة التي كانت تصدر نقراً منتظماً مستفزاً على مسند الكرسي. أمام قدميه، كان هناك رجل ملقى على الأرض، تحول وجهه إلى عجينة من اللحم والدماء؛ شفاه ممزقة، أعين متورمة لدرجة انغلاقها، وأحد أصابعه قد قُطع للتو كرسالة تحذير.

توسل الرجل بصوت واهن يخرج من بين حطام أسنانه: "أرجوك.. سامحني سيدي.. لن أكررها.. أقسم لك".

ضحك دانيال بنبرة مرعبة هزت أركان المستودع، وقال بهدوء مخيف يسبق العاصفة: "أعلم أنك لن تفعلها مرة أخرى يا عزيزي.. لأنك ببساطة لن تملك فرصة للقيام بأي شيء بعد الآن". ثم أخفض رأسه لينظر في عيني الرجل المنكوب، وظهرت ملامحه القاسية، عيناه كانتا تلمعان ببريق سادي: "اذهب الآن.. فـ 'تيتان' جائع جداً اليوم، وأنت ستمثل وجبته الفاخرة التي انتظرها طويلاً".

قذف دانيال بكلماته، فقام رجلان ضخمان بسحب الرجل الصارخ اليائس نحو قفص حديدي عملاق في زاوية المستودع المعتمة، حيث كان "تيتان"، الذئب الأسود الضخم والشرس الخاص بدانيال، ينتظر بولع وليمة بشرية لا تترك خلفها سوى العظام.

بدأ دانيال ينظف يديه من رذاذ الدماء بقطعة قماش حريرية، عندما دخل مساعده "روبرت" وهمس بضع كلمات في أذنه جعلت عروق جبهته تنفر. تغيرت ملامح دانيال فوراً، ودخل خلفه رجل آخر كان يرتعد حرفياً، كأنه يساق إلى حتفه. وقف دانيال بطوله الفارع الذي يلقي بظلاله المرعبة على الأرض، وبخطوات واثقة اقترب من الرجل الذي تراجع غريزياً، لكن نظرة واحدة صاعقة من دانيال شلت حركته.

قال دانيال بصوت هادئ ولكنه حاد كالموسى على الرقبة: "روبرت يخبرني أنك، بكل ما تملك من سلاح ورجال، لم تستطع إحضار فتاة؟ مجرد فتاة غريبة تائهة؟".

ابتلع الرجل ريقه بصعوبة، وصوته يرتجف: "آسف أيها الزعيم.. الفتاة ليست وحدها، معها شاب يبدو كشيطان محترف، لقد قتل ثلاثة من رجالنا بلمح البصر.. أعدك سأحضرها لك تحت قدميك في أقرب فرصة!".

لم يكد ينهي جملته التوسلية، حتى استل دانيال مسدسه ببرود جليدي وأطلق رصاصة واحدة دقيقة استقرت في جبهة الرجل، ليسقط ميتاً قبل أن يرتد طرفه. سلم دانيال المسدس لروبرت وخرج نحو ضوء القمر، والشر يتطاير من عينيه: "روبرت.. أريد كل معلومة، كل تفصيل، عن تلك الفتاة وهذا الشاب. لا يوجد إنسان على هذه الأرض يستطيع الاختباء من دانيال ماركوس لفترة طويلة!".

على الجانب الآخر من المدينة، كانت الفتيات في مكتب المحقق "ماكس". كان ماكس شرطياً يعشق عمله، شاباً ذا بنية رياضية صلبة تعكس صرامة منصبه. صاح ماكس بنبرة آمرة: "الهدوء جميعاً! ماذا يحدث هنا؟ أريد شخصاً واحداً ليتحدث!".

اندفعت روما قائلة بحرقة: "حضرة الضابط، صديقتي اختفت! لا أعلم أين هي الآن، وكل هذا حدث في فندقهم الذي يدعي الأمان!".

نظر ماكس إلى هذه الفتاة "روما"؛ رآها هادئة الملامح لكنها مشتعلة الكلام والغضب، فجذبته قوتها في الدفاع عن صديقتها. سأل الفتيات بجدية: "هل أنتم سائحون هنا؟".

أجبن جميعاً بصوت واحد: "نعم".

طمأنهن ماكس بنبرة واثقة: "اهدأن تماماً، سأعيد صديقتكم.. لكنني أحتاج لمعرفة كل شيء بالتفصيل". ثم التفت إلى مدير الفندق الذي كان يقف بوجل، وأردف بصرامة: "أريد جميع تسجيلات كاميرات المراقبة الآن.. أريد أن أرى كل ما حدث ليلة أمس!".

[في الضواحي]

ترجل جاك من الدراجة النارية في منطقة نائية، حيث البيوت متباعدة والهدوء مريب، ثم أكمل الطريق سيراً على الأقدام وهو يسحب إيما خلفه. كانت إيما تثرثر بتوتر وهي تحاول التقاط أنفاسها: "إلى أين نذهب؟ هل سنبقى نهرب هكذا كالمجرمين؟ أخبرني ماذا يحدث ، أنا أموت من الرعب!".

تجاهلها جاك ببرود، لكنه في داخله كان يشعر بثقل المسؤولية. كان مركزاً بصره على بيت حجري قديم يختبئ خلف أشجار كثيفة. وصل أمام الباب وطرق بطريقة إيقاعية معينة، كأنه يتحدث بلغة سرية. فُتح الباب ببطء ليظهر شاب ذو شعر أحمر ناري وبنية رياضية، ملامحه كانت مزيجاً من القوة والود. هتف الشاب بلهجة إسبانية واضحة والابتسامة تشق وجهه: "¡Hola! (مرحباً)".

ارتمى الشاب في أحضان جاك، كان عناقاً أخوياً صادقاً يشي بسنوات من الدم. دخلوا إلى الداخل حيث تفوح رائحة التبغ القديم والخشب، وجلست إيما صامتة على أريكة جلدية مهترئة، تحاول ترميم شتات نفسها.

قال الرجل الإسباني واسمه "سانتياغو": "جاك! أين اختفيت يا أخي؟ لقد قلقنا عليك كثيراً.. حلبة السباقات والقتال اشتاقت لجنونك! ألم تشتق لهدير السيارات والمخاطرة؟".

ابتسم جاك بخفة لأول مرة، شعور غريب بالحنين يغزو صدره، لكنه سرعان ما استعاد بروده. لاحظ سانتياغو وجود إيما الشاردة، فأشار برأسه متسائلاً بفضول: "ومن هذه الجميلة التي جعلتنا نراك أخيراً؟ هل دخل الحب قلبك المتحجر أخيراً؟".

توقف جاك لثانية، ونظر إلى إيما. شعر بسخرية القدر؛ لقد أنقذها مرتين، وقتل لأجلها، وهو لا يعلم حتى ما الذي يناديها به. قال بنبرة جافة وهو ينظر لسانتياغو: "للسخرية.. أنا حتى لا أعرف اسمها!".

رفعت إيما رأسها فجأة عندما سمعت كلماته، ونظرت إليه بدهشة ممزوجة بامتنان خفي. أدركت في تلك اللحظة أنها أيضاً لا تعرف عنه شي. قالت بصوت منخفض، يرتجف قليلاً لكنه واضح: "أنا إيما.. اسمي إيما". ثم أضافت بصوت خافت جداً وهي تنظر لسانتياغو: "أهلاً بك.. وشكراً لاستضافتنا".

التفت سانتياغو لجاك وسأله بالإسبانية الجادة: "¿Cómo puedo ayudarte, hermano? (كيف أساعدك يا أخي؟)".

شرح له جاك الموقف باختصار مكثف، ثم قال بجدية: "أحتاج لمساعدتك يا سانتياغو، نحتاج للاختفاء عن الأنظار لبعض الوقت، هؤلاء الكلاب يتبعوننا كظلالنا".

رد سانتياغو بوفاء لا يتزعزع: "أنت أخي، وحياتي بيدك، لكنني لا أفهم.. كيف استطاعوا تحديد مكانكم بهذه السرعة الصادمة؟ هذا مستحيل تقنياً إلا لو كان هناك أحد يعلم جميع خطواتكم القادمة!".

هز جاك رأسه بحيرة وضيق: "لا أعلم، وهذا ما يجن جنوني، يبدو أنهم يسبقوننا بخطوة دائماً، كأن لديهم عيناً في كل زاوية نختبئ فيها".

نظر سانتياغو لإيما وسألها بفضول وهو يتفحصها بعينين خبيرتين: "ما الشيء الثمين الذي يملكه شخص رقيق مثلكِ ليجعل المافيا تحرق المدينة وتضحي برجالها لأجله؟ أنتِ لستِ ابنة سياسي، ولستِ مهربة دولية.. فما السر؟".

هنا، بدأت إيما تفكر بعمق؛ استرجعت شريط الأحداث منذ وصولها. هي لم تسرق مالاً، ولم تشهد جريمة قبل لقاء جاك، ولم تدخل في أي صفقات مشبوهة. وفجأة، لمعت فكرة في رأسها كالبرق؛ تذكرت ذاك الجهاز الصغير الذي تسبب في وميض أحمر مريب عندما سقط. بحثت في حقيبتها بلهفة حتى أخرجته ببراعة،وضعَت إيما الجهاز الأسود فوق الطاولة الخشبية، فاستقر هناك كقنبلة موقوتة صامتة. تبادل جاك وسانتياغو نظرة سريعة ومثقلة بالشك، بينما كان الوميض الأحمر للجهاز ينبض ببطء، وكأنه يسخر من محاولاتهم البائسة للاختباء. وقالت بصوت مرتجف ولكن واثق: "أظن.. بل أنا متأكدة الآن، أن هذا الجهاز اللعين هو السبب في كل قطرة دم سقطت خلفنا، وهو السبب في أنهم يجدوننا مهما اختبأنا!".

دمتم بخير، ونلتقي في الفصل القادم.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عشق فوق فوهة الجحيم    الفصل الثاني عشر

    انصرفت مارتا بابتسامتها الدافئة، تاركةً خلفها صمتاً ثقيلاً لم يكسره سوى طقطقة الحطب في الموقد القديم. التفتت إيما نحو جاك، وكانت أصابعها تعبث بطرف ثوبها بتوتر ملحوظ، وقالت بنبرة خافتة:"لقد اضطررت لإخبارهم أننا زوجان هربا من عصابة قطعت طريقنا.. كان هذا السبيل الوحيد ليقبلوا استضافتنا دون طرح أسئلة قد تقود الشرطة إلينا."ارتسمت على شفتي جاك ابتسامة نادرة، لم تكن تهكماً، بل مزيجاً من الإعجاب والغموض، وقال بصوت عميق:"وزوجتي العزيزة.. هل هي مستعدة حقاً لدفع ضريبة هذه الكذبة؟ العيش تحت سقف واحد كمتحابين يتطلب تمثيلاً متقناً، فهل تملكين تلك الموهبة؟"احمرّ وجه إيما بشدة حتى كاد يضاهي لون الجمر المشتعل، وشعرت بحرارة تجتاح كيانها، فقالت محاولةً استعادة رباط جأشها:"أنا التي يجب أن تشكرك يا جاك.. لولاك لكنت الآن مجرد جثة هامدة. حياتنا الآن مرتبطة ببعضها كما قلت أنت ذات يوم.. مصير واحد، ومطاردة واحدة."وفي "جناح الكبار" بأرقى كازينوهات لاس فيغاس، حيث الدخان يختلط برائحة المال والدم، كان "دانيال" يجلس كملك فوق عرش ذهبي تحت أضواء "النيون" الخافتة. كان ينهي ببرود صفقة هيروين ضخمة، تقضي بتمرير الش

  • عشق فوق فوهة الجحيم    الفصل الحادي عشر

    استيقظ جاك على وقع سيمفونية لم يعهدها في حياته المليئة بأصوات الرصاص وانفجار الإطارات؛ صهيل خيلٍ بعيد يتردد صداه بين الجبال، وضحكات قروية عفوية تشق سكون الصباح. كانت قرية "إيلدورا" كأنها لوحة زيتية أهملها الزمن خلف ستائر الضباب؛ بيوتها مبنية من الحجر الرسوبي العتيق الذي اكتسب لوناً ذهبياً بفعل الشمس، وشوارعها ضيقة مرصوفة بالحصى الناعم، تحيط بها مزارع الزيتون العجوز التي تضرب جذورها في أعماق الأرض كأنها تحرس أسراراً لا ينبغي للغرباء معرفتها.فتح جاك عينيه بصعوبة، وشعر بثقل في كتفه المصاب كأن صخرة جاثمة فوقه. نظر من نافذة خشبية بسيطة، تتمايل عليها ستارة بيضاء رقيقة من قماش "الدانتيل" المتواضع. كانت الشمس ترسم خطوطاً ذهبية على الأرض الخشبية، ومن وراء الزجاج، أبصر "إيما".كانت إيما تقف في الساحة الخلفية، تضحك بصفاء لم يره منذ اختطافها. كانت تمسك بفرشاة خشنة وتغسل خيلاً بنياً أصيلاً بيديها الناعمتين، والماء ينساب على جسد الخيل الذي يلمع تحت الضوء. كانت تداعب عنق الخيل برقة بالغة، تماماً كما كانت تبلل جرحه بقطع القماش الباردة في الليلة الماضية. بدا الخيل وكأنه يبتسم، يصهل بخفوت ويحك رأسه بك

  • عشق فوق فوهة الجحيم    الفصل العاشر

    [قصر دانيال]في جناحه المظلم الذي تفوح منه رائحة التبغ والوحدة، كان دانيال ينتفض في نومه. رأى كابوسه المتكرر: حطام، صراخ، وصوت والده الغليظ يزلزل كيانه الصغير: "أنت لا تفهم.. ولن تفهم أبداً!". في الحلم، رأى نفسه طفلاً يحاول إطعام شقيقته بلقيمات صغيرة، قبل أن يقتحم والده المكان ويسقط الطعام على الأرض ويهوي عليه بضرب مبرح. استيقظ دانيال وهو يتصبب عرقاً، وعيناه تلمعان بحقد قديم.. حقد لا يطفئه إلا رؤية العالم يشتعل.على الجانب الآخر، كانت الشاحنة تترنح على طريق ترابي وعر يلفه الضباب. في الداخل، كانت إيما تتشبث بجاك الذي بدأ يغيب عن وعيه، يده المرتجفة لا تزال تضغط على جرحه النازف. فجأة، لاحت أنوار قرية حجرية قديمة بسقوف قرميدية حمراء، كأنها بقعة سقطت من ذاكرة الزمن. توقفت الشاحنة، وهُرع العمال لإنزال البضائع ليُصدموا بجسد جاك الممدد وإيما المذعورة.استقبلتهما عجوز قروية بوجه نحته الصبر، وبمساعدة رجال لم يسألوا عن "لماذا"، حُمل جاك إلى غرفة تفوح منها رائحة الأخشاب القديمة والأعشاب. كانت الغرفة مظلمة إلا من ضوء شمعة يتراقص على الجدران الخشبية. استلقى جاك على فراش بسيط، بينما بدأت الحمى تنهش

  • عشق فوق فوهة الجحيم    الفصل التاسع : مطارده

    في صالون الشقة، كان "سانتياغو" كعادته يملأ الفضاء بحديثه الذي لا ينتهي، يتنقل ببراعة وخفة ظل بين ذكريات طفولته المشاكسة مع جاك، وبين أوصاف "زوجة المستقبل" الفاتنة التي رآها لثوانٍ معدودة في الملهى. كانت إيما تبتسم رغماً عنها لحديثه الطريف الذي كسر حدة الخوف في قلبها، وهي لا تدري أن "فتاته" الحالمة هذه ما هي إلا قاتلة محترفة ملوثة بالدماء.قال سانتياغو بحماس وهو يلوح بيده: "أقسم لك يا جاك، كانت نظراتها تقول إنها تبحث عن رجل مثلي تماماً ليربي أطفالها ويحميها من غدر الأيام! أرأيت كيف كانت تتمايل؟ إنها رقة الغزال وقوة الأسد. تخيل يا صديقي، سأعتزل حياة الشوارع وأفتح متجراً للزهور، وسأسمي ابني الأول 'جاك الصغير' تكريماً لذكراك.. طبعاً هذا إذا لم تقتلك المافيا قبل موعد الزفاف!"رد جاك ببرود وهو ينظف سلاحه: "سانتياغو، كفَّ عن الهراء، وركّزْ في كيفية إخراجنا من هذه الورطة!،ابتكاراتك العاطفية ستقتلنا قبل رصاص الأعداء."ضحك سانتياغو قائلاً: "أنت غيور يا جاك لأن إيما لم تنظر إليك كما نظرت إليّ تلك السمراء.. إيما، أليس كذلك؟ هل رأيتِ رجلاً بوسامتي يرفض من قبل؟"ضحكت إيما بخجل وقالت: "أنت حقاً خفي

  • عشق فوق فوهة الجحيم    الفصل الثامن: جنازه

    في الغرفة الفندقية الفاخرة، وقف سانتياغو مذهولاً أمام جثة أضخم مهربي الألماس في القارة، بينما كانت تلك الفتاة الغامضة (ريتا) تمسح سكينها ببرود. نظرت إليه وابتسمت ابتسامة غريبة، سحرت سانتياغو لثوانٍ. وقبل أن يتحرك خطوة واحدة، كانت قد قفزت من النافذة بخفة مذهلة.هرع سانتياغو للنافذة ليلمحها تختفي في الأزقة المظلمة. لم يحزن لضياع الجوهرة الأثرية التي كان ينوي سرقتها من ذلك المجرم، بل ابتسم بإعجاب قائلاً لنفسه: "يبدو أنني وجدتُ أخيراً من تستحق انهاء عزوبيتي."[روما]في هذه الأثناء، كانت "روما" (صديقة إيما) تقتحم مكتب الضابط "ماكس" بغضب عارم. صرخت فيه: "أنت ضابط، تصرف! يجب أن تعيد لي إيما قبل نهاية هذا الأسبوع. أهلها في ألمانيا يخططون لزفافها، وهي مختفية مع مجرم!"نهض ماكس بعصبية، وضرب مكتبه بيده: "اهدئي! نحن نقوم بكل ما بوسعنا، لكن صديقتكِ اختارت الهروب معه. هل تعتقدين أن العثور على 'جاك وايل' أمر سهل؟" كما ان سأتغاضي عن دخولك هكذا صديقتك ذهبت معاه بارداتها ورغم اصرارك نبحث فلا تدخلي حتى لا يحدث عواقب كما انني احتاج فعلاً والداها نظرت له روما فهي لا تعرف ماذا تفعل خرجت وهى تكاد تبكي ، ك

  • عشق فوق فوهة الجحيم    الفصل السابع: ميعاد الزفاف

    كان جاك قد غادر الغرفة واتجه إلى شرفة المنزل المهجور، يقف هناك كتمثال منحوت من صخر يراقب الأفق البعيد وعقله يغلي بالأفكار المتضاربة. رأته إيما فلحقت به بخطوات مترددة، وقفت بجانبه لبرهة صامتة، تتأمل ملامحه القاسية قبل أن تقول بنبرة مثقلة بالندم والأسى:"أنا آسفة حقاً يا جاك.. أعلم يقيناً أن كل هذا المأزق بسببي. لم أكن أتخيل أن صديقاتي سيفعلن ذلك ويصلن للأمر إلى هذا الحد، لكن رسالتك المقتضبة جعلتهم يشعرون بالقلق المميت عليّ.. لو أنك سمحت لي فقط بمحادثتهم لكان الأمر انتهى بشكل أفضل."التفت إليها جاك، وبدت ملامحه أكثر هدوءاً بشكل مفاجئ على غير العادة، وقال بصوت منخفض: "لا تقلقي يا إيما، ما حدث قد حدث بالفعل.. أنا رجل معتاد على مثل هذه الأمور والتقلبات."ردت إيما بحدة ممزوجة بالخوف الصادق عليه: "لا، هذا ليس عادياً بأي حال! أنت الآن مطلوب رسمي للعدالة بتهمة الاختطاف، وهذا سيدمر مستقبلك تماماً. أعدكِ بمجرد خروجنا من هذه الأزمة، سأذهب للشرطة بنفسي وأروي لهم الحقيقة كاملة، سأخبرهم أنك منقذي ولست خاطفي."ضحك جاك بسخرية مريرة هزت كيانه؛ مستقبل؟ أي مستقبل ينتظر رجلاً يحمل ماضياً كالجبال الشاهقة ي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status