Mag-log inكان جاك قد غادر الغرفة واتجه إلى شرفة المنزل المهجور، يقف هناك كتمثال منحوت من صخر يراقب الأفق البعيد وعقله يغلي بالأفكار المتضاربة. رأته إيما فلحقت به بخطوات مترددة، وقفت بجانبه لبرهة صامتة، تتأمل ملامحه القاسية قبل أن تقول بنبرة مثقلة بالندم والأسى:
"أنا آسفة حقاً يا جاك.. أعلم يقيناً أن كل هذا المأزق بسببي. لم أكن أتخيل أن صديقاتي سيفعلن ذلك ويصلن للأمر إلى هذا الحد، لكن رسالتك المقتضبة جعلتهم يشعرون بالقلق المميت عليّ.. لو أنك سمحت لي فقط بمحادثتهم لكان الأمر انتهى بشكل أفضل." التفت إليها جاك، وبدت ملامحه أكثر هدوءاً بشكل مفاجئ على غير العادة، وقال بصوت منخفض: "لا تقلقي يا إيما، ما حدث قد حدث بالفعل.. أنا رجل معتاد على مثل هذه الأمور والتقلبات." ردت إيما بحدة ممزوجة بالخوف الصادق عليه: "لا، هذا ليس عادياً بأي حال! أنت الآن مطلوب رسمي للعدالة بتهمة الاختطاف، وهذا سيدمر مستقبلك تماماً. أعدكِ بمجرد خروجنا من هذه الأزمة، سأذهب للشرطة بنفسي وأروي لهم الحقيقة كاملة، سأخبرهم أنك منقذي ولست خاطفي." ضحك جاك بسخرية مريرة هزت كيانه؛ مستقبل؟ أي مستقبل ينتظر رجلاً يحمل ماضياً كالجبال الشاهقة يسد كل الطرق والآفاق أمامه؟ لم يرد بكلمة واحدة، بل وجدته شارد الذهن في الفراغ، فتركته إيما غارقاً في شروده العميق ودخلت إلى الداخل والهموم تثقل صدرها. في غرفة المعيشة المتواضعة، كان "ميلر" يجلس مع "ماركوس" و"سانتياغو" يتبادلون الضحك في محاولة يائسة لتخفيف التوتر الذي يملأ الأركان، فبعد ما حدث ومع معرفتهم بتضييق الخناق الأمني عليهم، تواصل جاك مع ماركوس ليفكروا في خطة محكمة للهروب، وذلك قبل أن يدخل جاك بوجه صارم ونظرات حادة متسائلاً: "هل قمت بحذف جميع المنشورات التي تحتوي على صورنا من منصات التواصل الاجتماعي؟" رد ميلر وهو يغلق حاسوبه بثقة: "نعم، لقد مُسح كل أثر لنا رقمياً.. الآن على الأقل تستطيعان التحرك بحرية أكبر بعيداً عن أعين المتطفلين." "أريد من الجميع الانتباه جيداً لما سأقوله.." قال جاك وهو ينظر لإيما بتركيز: "إيما، أخبريهم بكل ما حدث بالتفصيل الممل منذ اللحظة الأولى." بدأت إيما تسرد قصة ذلك الجهاز اللعين وكيف أصبح الجميع يطاردونها بجنون لأجله. قاطعها ماركوس بنبرة تحمل بعض الخبث والمزاح: "اريد أن أعلم شيئاً واحداً يا صديقي.. لماذا ادعيت أمام الجميع أنها حبيبتك؟" رمقه جاك بنظرة نارية حادة جمدت الابتسامة على شفتي ماركوس، فصمت فوراً وكأنه لم ينطق بشيء. سألت إيما بفضول يحرقها: "كيف علمت أنهم من رجال المافيا؟ وكيف عرفت هذا المدعو دانيال بالتحديد؟" أجاب سانتياغو بجدية مرعبة: "هناك علامة واحدة في هذا العالم لا تخطئ أبداً، وشم غامض ومحدد يضعه رجال دانيال أسفل الصدر .. إنه ختم الولاء الأبدي للموت." اقترح ميلر : "لماذا لا نسلم الجهاز لجهة رسمية وننهي هذا الكابوس الذي لا ينتهي؟" هز جاك رأسه برفض قاطع وقوي: "وأين نجد تلك الجهة التي لم تخترقها أعين وأموال دانيال؟ إنه يملك عيوناً في كل زاوية، وأول خطوة نخطوها خارج هذا المربع ستكون رصاصة مستقرة في رؤوسنا جميعاً. نحن نحتاج لشخص نزيه تماماً، رجل سجله ناصع البياض لا تشوبه شائبة.." تبادل جاك وسانتياغو نظرة ذات معنى عميق، وهتفا معاً في صوت واحد: "الضابط أندرسون!" في الفندق، كانت الفتيات في حالة من الترقب القاتل؛ كانت "روما" تبحث بلهفة عن أي أخبار جديدة أو تفاعل على المنشورات في وسائل التواصل الاجتماعي، وفجأة تجمدت أصابعها على الشاشة. "ماذا حدث؟ الصفحة فارغة تماماً!" صاحت بذهول وهي تجد كل الأخبار والصور قد اختفت كأنها لم تكن. "تباً.. من قام بمسح الخبر بهذه السرعة وكيف؟!" في هذه الأثناء، رن هاتف أليسا بجنون؛ كانت المتصلة هي والدة إيما. ارتبكت الفتيات بشدة وادعين كذباً أن هاتف إيما سقط وتحطم ولن تستطيع الرد عليه الآن. قالت الأم بنبرة عاجلة يملأها القلق: "أخبراها أن تعود فوراً.. لقد قرر ديفيد وعائلته تقديم موعد الزفاف ليكون بعد أسبوع واحد فقط من الآن! لا وقت للانتظار." سقط الخبر كالصاعقة على رؤوس الفتيات. [ منزل ميلر ] عاد ميلر إلى منزله في مهمة سريعة وسرية، لكنه لم يجد والدته بالداخل. بدلاً من ذلك، وجد شقيقه الأصغر "تومي" مستلقياً براحة على الأريكة، يمسك بهاتفه ويغازل إحدى الفتيات بصوت منخفض ومضحك: "أقسم لكِ أن عينيكِ أجمل من أضواء فيغاس الساحرة كلها.." باغته ميلر بجذب الهاتف من يده فجأة، فقفز الصغير رعباً وهو يحاول استعادة وقاره المفقود: "أخي! متى عدت؟ كنت.. كنت أراجع دروسي بجدية!" ضحك ميلر بسخرية: "دروس في فن الغزل؟ أين أمي يا فتى؟" أجاب الصغير بضيق طفولي: "ذهبت لشراء بعض المستلزمات.. هل ستعود للعمل مرة أخرى؟" سأله ميلر: "لا، ولكن ماذا تفعل أنت بالضبط؟" "أتحدث مع زميلتي في المدرسة." "زميلتك؟ كم عمرك أنت لهذا الحديث؟" رد الصغير بفلسفة مضحكة: "الحب ليس له عمر يا أخي.. بل أنت الذى كبرت قبل فوات الأوان!" نظر له ميلر بصدمة كوميدية، وهو لا يصدق لسان شقيقه السليط وقام يركض وراءه في أرجاء المنزل، ثم قام بإمساكه وتدوِيخه وسط ضحكات مكتومة. في مكتبه الفاخر الذي يفوح برائحة السلطة، دخل "روبرت" وهو يحمل أخباراً جديدة ومقلقة لدانيال ماركوس. "سيدي، لقد حددنا موقعهم في الساحة القديمة.. أرسلنا فرقة لجلبهم، لكن هناك تعقيدات غير متوقعة؛ صديقات الفتاة أبلغن الشرطة واتهمن جاك باختطافها، وهذا زاد من تضييق الخناق الأمني حولنا." استدار دانيال ببطء شديد، وعيناه تشتعلان غضباً أسود: "وأين كنت أنت والشرطة تستيقظ من غفوتها؟ كيف لم تمسح تسجيلات الكاميرات قبل فوات الأوان؟ كيف تركت المكان دون تنظيف أثاره؟" حاول روبرت التبرير بصوت مرتجف: "سيدي، كل شيء كان تحت السيطرة حتى لحظة البلاغ المفاجئ التي قلبت الموازين.." لم يكمل جملته حتى انقض دانيال على عنقه يخنقه بقوة وحشية جعلت وجهه يحتقن، ثم تركه فجأة وهو يلهث بغيظ: "تركتك لأنني أعلم كفاءتك السابقة، لكن إياك والاستهانة بي مرة أخرى.. اتصل بـ 'ريتا' فوراً، دعها تأتي إلى هنا.. هي الوحيدة القادرة على إحضار هذا الثنائي حياً بأساليبها الخاصة." [ في ألمانيا ] بعد أن أغلقت السيدة أفانتيكا الهاتف، كانت في حالة من الشرود والقلق الشديد. دخل زوجها وقال بتساؤل: "لماذا أنتِ شاردة هكذا يا عزيزتي؟ ناديت عليكِ كثيراً ولم تجيبي." قالت بأسى: "أسفة يا عزيزي، ولكنني قلقة للغاية على إيما.. تحدثت مع الفتيات ولم أسمع حتى صوتها، أنا قلقة جداً فربما هناك شيء خطير يخفونه عنا." قال الزوج محاولاً الطمأنة: "لا، لا تقلقي.. هي فقط تستمتع بوقتها ونسيت أن تكلمنا وسط صخب فيغاس، بعد قليل سنكلمها معاً ونطمئن." [ الملهى الليلي ] كان سانتياغو، بعد أن خرج من منزل جاك، قد توجه مباشرة إلى الكازينو، فهو جاء لأجل شخص معين، وهذه هي مهمته الحقيقية: "سرقة الجوهرة". كانت تلك الجوهرة أغلى قطعة منذ زمن بعيد، وصاحبها رجل طاعن في السن وفاحش الثراء. كان الكازينو يضج بالموسيقى الصاخبة ورائحة التبغ الفاخر والخمور. على المنصة، كانت هناك فتاة سمراء فاتنة، تتمايل بخصر نحيل وحركات احترافية تسلب العقول والقلوب. وبينما كانت ترقص، كانت عيناها مثبتتين في مكان معين، على كرسي يجلس به ذلك الرجل العجوز الذي تنطق ملابسه بالثراء الفاحش. لمح سانتياغو نظراتها أثناء مراقبته للمكان. انتهت الفتاة من رقصتها وغادرت المنصة برفقة هذا الرجل نحو الغرف الخاصة في الطابق العلوي. تسلل سانتياغو خلفهما بحذر ومهارة، وبمجرد دخوله الغرفة، تجمد في مكانه من هول المنظر.. كان الرجل العجوز ملقى على الأرض جثة هامدة تسبح في دمائها، بينما كانت الفتاة (ريتا) تقف فوقه ببرود ثلجي، تمسح نصل سكينها الصغير وتنظر لسانتياغو بابتسامة مخيفة قائلة: "أهلاً بك في العرض الأخير.. هل جئت لتشاركنا الاحتفال؟ ) هل سيستطيع سانتياغو النجاة من "ريتا" بعد أن شاهد جريمتها؟ ما هو السبب الذي جعل جاك يثق فى الضابط أندرسون دوناً عن غيره؟ كيف سيكون رد فعل إيما عندما تعلم بتقديم موعد زفافها؟ "ريتا" مكلفة بإحضار جاك وإيما أحياء.. فهل ستبدأ مطاردتها لهما في الفصل القادم ؟ دمتم بخير، ونلتقي في الفصل القادم. مواعيد النشر: يومياًبعد إفطارٍ طغى عليه همسات جوليا وضحكاتها الرقيقة، حاولت بكل ما تملك من أنوثة ودهاء أن تمنع جاك من الرحيل. كانت تتشبث بساعده بنعومة، وتهمس بكلماتٍ تَعِدُه بيومٍ هادئ بعيداً عن صخب العالم، لكن جاك —رغم ضعفه أمام إلحاحها واستمالتها— أصرَّ على الذهاب؛ فقد كان الشوق لهاري يعتصر قلبه، ويريد رؤيته بشدة.انطلق بسيارته مخلفاً وراءه عطر جوليا الذي بدأ فجأة يشعره بنبض الحياة، وما إن وصل إلى المنزل حتى استقبله ضجيجٌ مألوف. كانت رائحة القهوة والخبز المحمص تملأ المكان، وصوت ضحكات دانيال وسانتيغو وماركوس يرتفع عالياً. وفي وسطهم، جلس "هاري" بابتسامته الحيوية التي تشبه ضوء الفجر. لم يتمالك جاك نفسه، ركض نحو أخيه الصغير وضمه بقوة كادت تحطم ضلوعه، وقال وهو يحتضنه بنبرة دافئة: "لقد اشتقت إليك يا فتى!"رد هاري بابتسامة واسعة: "وأنا أيضاً يا أخي!""لقد تأخرت يا وحش باريس!" قالها سانتيغو بخبث وهو يراقب قميص جاك المجعد، بينما أردف ماركوس بابتسامة: "أتمنى أن تكون قد نمت جيداً الليلة.. إذا كنت متعباً يمكنك الراحة الآن." نظر إليهما جاك بملامح جامدة مفضلاً الصمت، فلمّا رأى ماركوس ذلك، التفت إلى سانتيغو وقال بلهج
داخل المنزل، كان الصمت أثقل من المعتاد. جلس الجميع وعيونهم معلقة بدانيال الذي كان يفرك جبينه بتوتر وقلق."أدولف كاميرون ليس مجرد هدف يا رفاق، إنه فخ متحرك،" قال دانيال بنبرة خافتة.قاطعه جاك وهو يعدل ساعته بلامبالاة مصطنعة: "لقد قررنا بالفعل.. سنقوم بالمهمة، وعلى الأقل سنحصل على المال وهذا هو المهم. لن نضطر للقتل بالتأكيد، ربما يريدنا أن نسرق بعض الأوراق مثل المهمة التي قبلها."وافق الجميع بصمت مشوب بالحذر، لكن دانيال لم يكن مرتاحاً. زفر بضيق وقال: "سأفكر في الأمر لاحقاً. الآن سأذهب لإحضار (هاري) من المطار، من سيأتي معي؟"أجاب جاك بتردد: "أنا خارج اليوم.. لدي موعد."نظر ماركوس وسانتيغو إلى جاك بابتسامات خبيثة، وضحك سانتيغو وهو يغمز لدانيال: "سآتي أنا معك يا دانيال، فمن الواضح أن جاك ذاهب لغزو قلبٍ ما وليس لمجرد نزهة!"وقف جاك أمام المرآة الكبيرة في غرفته، يراقب انعكاس شخص غريب عنه. لم يعد ذلك الفتى الذي يرتدي قمصان المتمردين الممزقة؛ بل كان هناك شاب بقميص أسود من الحرير ، يلتف حول جسده بدقة تبرز عضلاته المشدودة. أمسك بزجاجة عطره المفضلة، رش منها قطرات قليلة، فانتشرت رائحة خشب الصندل ف
توقفت السيارة السوداء الفارهة أمام مدخل الملهى الليلي بزئير مكتوم، مخلفة وراءها غبار ليلة دموية انتهت بجريمة متكاملة الأركان. ترجل جاك ورفاقه كالملوك الذين لا تعترف الأرض بغير خطاهم، يحيط بهم غرور القوة ونشوة النصر. دخلوا المكان والعيون تلاحقهم بهيبة يفرضها الخوف قبل الاحترام.كانت الحانة تعج بصخب المتمردين، ورائحة التبغ الرخيص تملأ الأرجاء، لكن "جاك" كان يجلس في ركنه المعتاد ببرود لا يناسب سنه الصغير. فجأة، ساد صمت نسبي عندما اعتلت فتاة منصة رقص صغيرة في المنتصف. لم تكن مجرد فتاة، كانت إعصاراً من الأنوثة الطاغية؛ بملابسها الجريئة وشعرها الذي يتطاير مع كل حركة رشيقة، كانت تسرق الأنفاس.تسمرت عينا جاك عليها. لأول مرة، شعر بأن قلبه يتخطى نبضة. كانت إضاءة الحانة الخافتة تنعكس على بشرتها الناعمة، وحركات خصرها انسيابية كالحرير. استنشق جاك الهواء، فخُيل إليه أن عطرها القوي قد اخترق كل الحواجز ليصل إليه وحده. وفجأة، في منتصف رقصتها، أمالت رأسها ورمقته بنظرة جريئة، وابتسامة غامضة ارتسمت على شفتيها المصبوغتين بالأحمر القاني. شعر جاك بحرارة تسري في جسده، وكأن نظرتها كانت لمسة فيزيائية حقيقية.ا
كان هذا هو صوت سانتياغو، الصوت الذي أرعب ريتا أكثر من أي شيء آخر في حياتها. تجمدت الدماء في عروقها، وشعرت بركبتيها تخونها وكادت تسقط ، بينما المسدس لا يزال يلامس مؤخرة رأسها ببرودة قاتلة. ببطء شديد، لفت بجسدها المرتعش لتواجهه.كان سانتياغو واقفاً بطوله الفارع، يرتدي بدلة سوداء أنيقة تزيد من قتامة هيبته. لم تكن عيناه تحملان الغضب المستعر الذي كانت تخشاه، بل كانت تحملان نظرة غريبة، نظرة خيبة أمل عميقة ممزوجة بسخرية لاذعة؛ نظرة لم تكن تتمنى أن تراها أبداً، لأنها تعني أنه قد حسم أمره بشأنها.أخذ المسدس من رأسها ببطء، ونزل لمستواها، وابتسامة باردة، شبه معدومة، ترتسم على شفتيه:سانتياغو: "كنتُ أعلم أنكِ تخفين شيئاً ما خلف هذا الوجه البريء.. كنتُ أشعر أن هناك حياكة خفية تحت جلدكِ، لكنني.." توقف لحظة، وأطلق زفيراً طويلاً، "لم أتوقع أبداً أن تفعلي هذا.. لم أتوقع الخيانة منكِ أنتِ بالذات."حاولت ريتا أن تتكلم، شفتاها المرتعشتان تتحركان دون صوت في البداية، ثم خرج صوتها مبحوحاً، خائفاً ليس منه بل عليه:ريتا: "سانتياغو.. اسمعني، أنا.. .."رفع يده بحركة سريعة وحازمة، قاطعاً كلماتها قبل أن تخرج. لم
كانت إيما تقف في منتصف الغرفة، وجسدها يرتجف بعنف كأنها تقف وسط عاصفة ثلجية. خلفها مباشرة، كان جاك يقف بصلابة تخفي خلفها هشاشة مرعبة. لم يكن يخشى طلقات الرصاص، ولا مطاردات المافيا، لكنه كان يرتعد خوفاً من تلك اللحظة التي سيسقط فيها "قناع البطل" أمام الفتاة الوحيدة التي أشعرته بأن لروحه قيمة.رن الهاتف.. كان صوته كطلقات الإعدام في أذن جاك.وفجأة، جاء الصوت: "ألو؟"كان صوتاً واهناً، متعباً، يحمل مرارة الأيام والسهر. إنه صوت والدتها. بمجرد سماعه، انفرط عقد الصمود لدى إيما، وسقطت دموعها كالمطر فوق شاشة الهاتف."ماما.. أنا إيما.""إيما! ابنتي! أين أنتِ؟ ماذا فعل بكِ هؤلاء الوحوش؟ هل أنتِ بخير؟" صرخت الأم بنحيب يمزق سكون الغرفة.ابتلع جاك ريقه بصعوبة، وشعر بغصة تخنقه كأن أحداً يطبق على حنجرته. لم يكن يخشى أن تتركه، بل كان مرعوباً من اللحظة التي ستتحول فيها نظرة الدفء والأمان في عينيها إلى نظرة اشمئزاز واحتقار."ماما أنا بخير.. صدقيني، أنا مع شخص ساعدني، وسأعود إليكم قريباً.""إيما، ارجعي الآن! أخبريني بمكانكِ وستأتي الشرطة لإنقاذكِ. لا تثقي بأحد، الجميع كاذبون!""ماما لا.. هذا الشخص جيد، لقد
كانت رائحة القهوة الممزوجة بعبير الريف القادم من النافذة تملأ المكان، لكن الأجواء في الداخل كانت مشحونة بتوتر غير مرئي. وقفت إيما تراقب جاك وهو يتحرك بخفة وهدوء، يجهز بعض الأمتعة البسيطة. قطعت الصمت بسؤال خرج مخنوقاً من حنجرتها:"لماذا أنت واثق جداً من أن هذا الرجل.. سيساعدك؟ نحن نتحدث عن المافيا يا جاك، ليس عن جمعية خيرية!"توقف جاك عن الحركة، ونظر إليها بعينين تحملان ثقل السنين، ثم نفث دخان سيجارته ببطء. فكرت إيما قليلاً قبل أن تضيف بنبرة يملؤها الشك:"وما هو المقابل؟ بالتأكيد لن يفعلوا ذلك مجاناً! في هذا العالم، كل شيء له ثمن، وغالباً ما يكون الثمن باهظاً."رد جاك ببرود وهو يغادر الغرفة، تاركاً خلفه دوامة من الأسئلة:"المقابل هو أنا.. لا تشغلي بالكِ بالتفاصيل."تركها غارقة في حيرتها القاتلة. هل سيضحي بحياته من أجلها؟ هل يمكن لرجل مثله أن يقايض وجوده بسلامة فتاة دخلت حياته عن طريق الخطأ؟ شعرت إيما ببرودة تسري في أوصالها؛ فكرة أن تكون سبباً في هلاكه كانت تؤلمها أكثر من فكرة الموت نفسه.في الخارج، كانت الرياح تعصف بأشجار "إيلدورا" العتيقة. التقى جاك بماركوس وسانتياغو خلف المنزل. أخرج
في جناح فاخر يطل على أضواء المدينة التي لا تنام، كان دانيال ماركوس يجلس بهدوء مخيف، يرتشف من كأسه ببطء، بينما دخان تبغه الفاخر يرسم دوائر ضبابية في الهواء. دخل "روبرت" وعلى وجهه ملامح الانتصار، حاملاً ملفاً جلدياً وضعه أمام زعيمه بوقار. "لقد حصلنا على كل شيء.." بدأ روبرت بسرد المعلومات بينما كان د
خيم صمت ثقيل وموحش على ردهة منزل "سانتياغو" الحجري، صمتٌ لم يكن يكسره سوى طنين أجهزة الكمبيوتر المكتوم وصوت تقلب الجو في الخارج؛ حيث بدأت الرياح تعوي بعنف وتضرب جدران المنزل بقسوة، وكأن السماء نفسها كانت تزمجر وتحذرهم مما هو قادم في الساعات المقبلة. كانت إيما تجلس على طرف الأريكة الجلدية، تعبث بأصا
انهمر الرصاص كالمطر الأسود، محطماً زجاج النوافذ الذي تناثر كشظايا ألماس قاتلة. كان جاك لا يزال يطبق بجسده فوق إيما على الأرض، يشعر بانتفاضة جسدها تحت يديه وهي تطلق صرخات مكتومة يبتلعها دوي الرصاص. نهض جاك فجأة كفهدٍ جريح، ساحباً إيما معه خلف أريكة جلدية ثقيلة لتكون ساتراً لهما، بينما كان صدى الركلا
كانت عيناها غارقتين في عمق عينيه، يداها ترتجفان بضعف بين كفيه القويتين اللتين كانتا تشكلان حصناً أخيراً ضد الانهيار. في تلك اللحظة، توقف الزمن؛ جبهته تستند إلى جبهتها في وداع صامت، كأن أرواحهما تتبادلان حديثاً أخيراً لا تدركه الألسنة. كان الصمت المطبق سيد المكان، لم يقطعه سوى ضجيج العالم القاسي با