Home / مافيا / عشق فوق فوهة الجحيم / الفصل الثاني منقذ أم قاتل ؟

Share

الفصل الثاني منقذ أم قاتل ؟

last update publish date: 2026-03-03 02:47:54

سحب جاك إيما بعيداً عن الأنظار، يشقان طريقهما بين طاولات الردهة الفاخرة بسرعة البرق، وكأن الأرض تحت أقدامهما قد تحولت إلى جمر مشتعل. كانت الأضواء الكريستالية للفندق تنعكس على وجوه القتلة الذين يقتفون أثرهما كظلال الموت التي لا تهدأ، صدى أحذيتهم الثقيلة على الرخام كان يطارد نبضات قلب إيما المذعورة. توقف جاك فجأة خلف أحد الأعمدة الرخامية الضخمة، وما زالت يده تقبض على يدها بإحكام يجعلها تشعر بصلابة عظامه، بينما كان هو يراقب الممرات بعينين صقريتين لا تفوتهما رفة جفن.

سحبت إيما يدها من قبضته بقوة وهي تتنفس بصعوبة، وصدرها يعلو ويهبط من فرط الإرهاق والذعر الذي كاد يشل حركتها. التفتت إليه وعيناها تشتعلان بمزيج من الخوف والتمرد الأنثوي: "توقف! من أنت بحق السماء؟ وماذا تريد مني؟ ومن هؤلاء الرجال الذين يطاردوننا وكأننا في فيلم أكشن رخيص؟".

نظر جاك حوله بملامح صلبة كأنها نُحتت من حجر الغرانيت، وأجاب بنبرة خفيضة، حادة كشفرة الحلاقة: "أولاً اهدئي واستجمعي شتات نفسكِ.. هؤلاء ليسوا ناس عاديين، إنهم ذئاب من المافيا، ويبدو أنكِ، لسبب لا أفهمه بعد، قد أصبحتِ هدفهم الجديد ".

سخرت إيما بحدة، والارتجاف يغزو صوتها الذي بدأ يتهدج: "أنا؟ هدف للمافيا؟ أنت بالتأكيد فقدت صوابك! أنا مجرد فتاة ألمانية بسيطة، لم أفعل شيئاً .. سأعود لغرفتي الآن، وسأنهي هذه المهزلة!".

وقبل أن تخطو خطوة واحدة بعيداً عنه، انقض جاك على ذراعيها وسحبها إليه بقوة أذهلتها، لتلتصق بصدره العريض وتشعر بصلابة جسده وحرارته التي لفحت برودتها. نظر في أعماق عينيها بنظرة حادة، باردة، جمدت الكلمات في حنجرتها، وقال بصوت آمر يهتز له الوجدان: "أنتِ واهمة إن ظننتِ أنهم سيتركونكِ حية . لا أعرف ما الذي يريدونه منكِ تحديداً، لكنني متأكد أن فوهة مسدس باردة ستستقبل جبهتكِ عند أول منعطف إن فكرتِ بالذهاب.. هل فهمت؟".

فجأة، دوّى صوت خشن من أقصى الردهة، محطماً لحظة الصمت المتوترة: "هناك! إنهما خلف العمود.. !".

لم يمنحها جاك فرصة واحدة للتردد؛ أحكم قبضته على يدها الباردة وركض بها في الاتجاه المعاكس، يراوغان بين الممرات حتى دفع باباً معدنيًا ثقيلاً أدى بهما إلى مطبخ الفندق الخلفي. كان المكان عالماً من الفوضى المنظمة؛ أبخرة الطعام تتصاعد لتملأ السقف برائحة التوابل واللحوم، وأصوات اصطدام الأواني المعدنية تصم الآذان. لم يتردد جاك ثانية واحدة؛ دفع إيما بقوة لتختبئ تحت طاولة خشبية ضخمة مغطاة بمفرش بلاستيكي طويل يتدلى ليخفي كل ما تحته. انحنى نحوها، ونظر في عينيها بعمق وهمس بنبرة هزت كيانها: "لا تتحركي، ولا تصدري نفساً واحداً، مهما رأيتِ ومهمها حدث".

اختبأ جاك خلف أحد الأعمدة الأسمنتية القريبة، بينما كانت إيما تراقب المشهد من تحت الطاولة بقلب يقرع صدورها كطبل حرب جنوني. رأت أحذية سوداء ثقيلة تقتحم المطبخ بقسوة، محطمة السكون النسبي. صرخ أحدهم بصوت أجش يقطر شراً: "فتشوا كل زاوية! اقتلوا الشاب واجلبوا الفتاة حية.. الزعيم يريدها!".

بلمح البصر، وبسرعة لم تدركها عين إيما، انقض جاك على أول رجل اقترب من مخبئه. لف ذراعه القوية حول رقبته، وكتم صوته بيده الأخرى في حركة احترافية صامتة ومرعبة، ثم كسر عنقه بزاوية حادة أحدثت صوتاً جافاً جعل إيما تغمض عينيها رعباً. سقط الرجل جثة هامدة دون أن ينطق بكلمة. استولى جاك على مسدسه ببراعة فائقة ووضعه خلف ظهره، ثم لمحه المهاجم الثاني وهو يشهر سلاحه ليطلق النار.

ركل جاك طاولة معدنية صغيرة محملة بالسكاكين لتصطدم بساق المهاجم وتفقده توازنه، مما أدى لسقوط مسدسه أرضاً بضجيج معدني. انقض عليه جاك بلكمة ساحقة حطمت عظام فكه، ثم أمسك برأسه وخبطه فوق حافة الطاولة الخشبية بقوة وحشية، حتى تناثرت قطرات الدماء القانية على المفرش البلاستيكي أمام وجه إيما مباشرة.

توقف جاك فجأة عندما شعر ببرودة معدن فوهة مسدس تضغط على مؤخرة رأسه. تجمدت الأنفاس في المكان، وسأل المهاجم الثالث بغل واضح وعينين تلمعان بالقتل: "أين هي الفتاة؟ قل لي قبل أن أفرغ رصاصي في دماغك".

أدار جاك رأسه ببطء ليكون وجهاً لوجه مع القاتل، وأجاب بسخرية باردة وعيناه مثبتتان في الفراغ، بينما كان يلمح حركة إيما من طرف عينه " أنها خلفك تماماً".

اعتقد الرجل أنها خدعة يائسة، ولم يكد يلتفت ليتأكد بشك، حتى كانت إيما قد استجمعت كل ذرة شجاعة كامنة في عروقها. زحفت من الجهة الأخرى وأمسكت بـمقلاة نحاسية ثقيلة، نهضت فجأة وهوت بها على رأس الرجل بكل قوتها التي استمدتها من خوفها. ترنح الرجل وسقط المسدس من يده، والتفت إليها بنظرة مليئة بالشر والذهول، لكن جاك استدار ببرق، اختطف السلاح، وأمسك برأس الرجل ليهشم عنقه بحركة خاطفة وحاسمة أمام عينيها المرتعبتين.

سقط الرجل جثة هامدة، ونظرت إيما حولها بذهول وهي لا تصدق أنها شاركت في جريمة قتل، ثم سقطت عيناها على يد جاك الملطخة بالدماء الدافئة. لم يتحمل عقلها الرقيق،، مزيج رائحة الموت والدم والخطر المحدق، فأظلمت الدنيا تماماً في عينيها وسقطت مغشياً عليها. وقبل أن تصطدم بالأرض، كان جاك قد أحاط خصرها بيده القوية، وحملها متوجهاً بها للخارج ومن هنا، بدأت رحلة الهروب نحو المجهول.

[قبل 10 ساعات في المطار ]

كان جاك يجلس في كافتيريا المطار المزدحمة، يرتشف قهوته السوداء ببرود لا يتناسب مع صخب المسافرين. عيناه كانت تراقب المارة من خلف نظارته السوداء، وفجأة، لفتت انتباهه تلك الفتاة ذات الشعر البني المتطاير الطويل٨ كأنها فوضى جميلة. كانت تحاول بجهد مضنٍ سحب حقيبة ضخمة من سير التفتيش؛ كانت تبدو رقيقة، قصيرة لدرجة أنها لا تصل لكتفه، وتملك لساناً سليطاً وهي تصرخ في صديقاتها الغافلات عن مساعدتها.

اقترب جاك منها دون أن يشعر، وبحركة انسيابية واثقة، وضع يده القوية بجانب يدها الصغيرة وسحب الحقيبة الثقيلة بلمحة بصر ووضعها أمامها. في تلك اللحظة، رفعت إيما رأسها، فالتقت عيناهما لأول مرة في صمت غريب اخترقه ضجيج المطار. لم تلمح ولم يجذبها سوى عيناه كانت هادئه مطفيه كأنها تتحدث ورائحة عطر رجالي فخم ممزوج برائحة خشب الصندل. ام هو لم يكن أن يصدق بان هناك فتاه قادره على أن تجذبه بمجرد نظره قبل أن تنطق بكلمة شكر، هز رأسه بهدوء وغادر سريعاً، تاركاً خلفه صورة لوشم غريب يلتف حول معصمه كأنه قيد من الأسرار.

[ الآن]

توقف جاك بالسيارة عند بناية متهالكة في أطراف لاس فيجاس، حيث الصمت يلف المكان ككفن. حمل إيما وصعد بها الدرج الخشبي الذي كان يئن تحت وطأة أقدامه الرزينة. وضعها في الغرفة الأولى وأغلق الباب بحذر .

في الصباح الباكر، ساد التوتر ردهة الفندق الفاخر، حيث كانت الفتيات يجلسن في حالة من القلق والذعر، وأمامهن رجال أمن الفندق الذين كانوا يتحدثون بلهجة حذرة عما جرى في مطعم الفندق ليلة أمس.

اندفعت روما بحدة وصراخ، وقد نفد صبرها تماماً: "أقول لكم إن صديقتي تعرضت للأذى في فندقكم المحترم، والآن كل ما يهمكم هو الحديث عن التعويضات؟! سألقي بكم جميعاً في الجحيم! كيف سُمح لأشخاص مثل هؤلاء بالدخول رغم وجود أمن بالخارج؟ صديقتي الآن مختطفة أو مفقودة بسبب تهاونكم!".

بينما كانت إليسا و تينا تجلسان بجانبها، يبكوا في صمت وهما يشعرا بالخوف الشديد على مصير إيما. حاول مدير الفندق التدخل لتهدئة الوضع وتجنب أي فضائح قد تضر بسمعة الفندق، مقترحاً عليهم الذهاب إلى مركز الشرطة لفتح محضر رسمي، مؤكداً أن السلطات هي من ستحل الأمر.

وفجأة، قطع رنين هاتف روما سيل الكلمات. نظرت إلى الشاشة، لتتجمد ملامحها وتتسع عيناها بصدمة ذهول. "ما هذا؟!" همست بذهول، فهرعت الفتيات نحوها ليرين ما كُتب، لتسيطر عليهن حالة من الحيرة والارتباك الشديدين.

استيقظت إيما من كابوس مرعب، لتجد نفسها في غرفة غريبة تماماً عنها. في البداية، ظنت أن كل ما حدث ليلة أمس كان مجرد حلم ثقيل، وأنها ستفتح عينيها لتجد نفسها في غرفتها بالفندق أو حتى في منزلها بمونشاو. لم يكن أحد ليصدق أن إيما، التي كانت تطالب بالحرية وتتذمر من خطيبها الممل، تتمنى الآن في سرها لو تعود لتلك الأيام الهادئة بعيداً عن هذا الجنون.

جذبها من أفكارها رائحة طعام شهية تداعب حواسها الجائعة. سارت بخطوات مترنحة وضعيفة نحو المطبخ الصغير، لتجد جاك يقف أمام الموقد بظهره. كان قد خلع سترته ورفع أكمام قميصه الأبيض، كاشفاً عن عضلات ذراعيه المفتولة وذاك الوشم الغامض الذي يمتد من معصمه ليصل إلى كتفه في تفاصيل معقدة. بدا في تلك اللحظة، رغم كل شيء، وسيمًا لدرجة الخطر، وكأنه لوحة مرسومة تجمع بين القوة والهدوء المريب.

قال بصوت رخيم وأجش، دون أن يلتفت إليها أو يرفع عينه عن الموقد: "استيقظتِ أخيراً؟ اجلسي.. جسدكِ الهزيل هذا يحتاج إلى طاقة لتتمكني من الصمود".

ارتجفت إيما وهي تسترجع في مخيلتها مشهد القتل الوحشي في مطبخ الفندق، وتلك البرودة التي كان يقتل بها. قالت بصوت متقطع يملؤه الذعر: "أنت.. أنا رأيتك تقتله بدم بارد! أنت لست إنساناً طبيعياً.. أنت قاتل!".

ترك جاك ما بيده ببطء مستفز، ثم استدار واتجه نحوها بخطوات هادئة ومرعبة في آن واحد. كلما تقدم خطوة، تراجعت هي للخلف بخوف، حتى اصطدم ظهرها بالحائط وحاصرها بجسده الضخم. خفض رأسه ليصبح في مستوى طولها تماماً، حتى لفحت أنفاسه الحارة وجهها، وهمس بنبرة حادة: "أنا لستُ قاتلاً يا آنسة.. أنا الرجل الذي أنقذكِ من موت محقق، فهل هذا هو شكركِ لي؟".

بعد وجبة إفطار سادها صمت ثقيل كالجبال، دخلت إيما الغرفة تبحث عن هاتفها بجنون لعلها تجد مخرجاً.

"بينما كانت تقلب حقيبتها بانهيار، سقط جهاز Bower Bank) الأسود على الأرضية الخشبية. في تلك اللحظة، لم يكن مجرد جهاز شحن؛ بل انبعث من زاوية خفية فيه وميض أحمر متقطع، نبضٌ غامض كأنه قلب اصطناعي يستشعر اقتراب الخطر. لم تدرك إيما حينها أن هذا الوميض هو "صافرة النهاية" لحياتها القديمة، وبداية لعد تنازلي لا يرحم."

. أمسكته بشك ثم أخذت تضع كل شيء فى حقيبتها مره اخرى وذهبت لجاك وهي تصرخ: "أريد هاتفي الآن، صديقاتي سيموتون قلقاً!".

رد جاك ببرود جليدي، وعيناه مسمرتان على نافذة الشقة: "لا تقلقي، لقد أرسلتُ لهم رسالة بأنكِ قررتِ الانعزال والاستمتاع بمفردكِ في مغامرة خاصة.. ثم حطمتُ الهاتف وتخلصتُ منه في ، يستطيعون إيجادنا بسهولة إذا تتبعوا الهاتف".

صرخت بذهول وغضب عارم: "فعلت ماذا؟! بأي حق تتدخل في حياتي وتفعل ذلك بي؟ أنت لست منقذاً، أنت مجرد..."

لم تكمل صرختها، حتى دوى صوت ارتطام عنيف بزجاج النافذة، تلاه صوت "أزيز" رصاصة اخترقت الهواء لتستقر في الجدار الخشبي خلف رأسها بسنتيمترات قليلة. ساد الصمت لثانية واحدة قبل أن ينفجر المكان برائحة البارود وصراخ إيما الذي كتمه جاك بيده وهو يلقي بجسده فوقها ليسحبها نحو الأرض.. لقد كشفوا المخبأ!

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (1)
goodnovel comment avatar
Aya Emad Mokdam
اتمنى اشوف دعمكم على الفصل
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • عشق فوق فوهة الجحيم    الفصل الرابع والعشرون: بداية الجحيم

    لم تغادر كلمات أدولف رأس دانيال منذ أن عادوا إلى المنزل. كان جالسًا وحده في غرفة المعيشة، وقد أطفأ معظم الأنوار، ولم يبقَ سوى مصباح صغير فوق الطاولة الخشبية. أمامه كوب قهوة بارد لم يلمسه، وبجانبه مسدسه وسكينه، وكأنهما الشيئان الوحيدان اللذان يستطيع الاعتماد عليهما في هذه اللحظة.كان يعلم أن موافقته أمام أدولف لم تكن نهاية المشكلة، بل كانت بداية حرب لا يعرف كيف ستنتهي.أما جاك، فكان في الغرفة المجاورة يتحدث مع سانتياغو وماركوس، بينما كان هاري نائمًا في غرفته.رفع دانيال رأسه عندما سمع صوت جاك.— سننفذ المهمة وننتهي منها.رد ماركوس:— لكن دانيال قال إن الأمر ليس بهذه السهولة.قال جاك:— أعرف، لكننا لا نملك خيارًا.استمع دانيال إلى كلماته دون أن يتدخل.كان يعرف أن جاك لا يخشى الموت، لكنه كان يخشى شيئًا آخر لا يتحدث عنه أحد...أن يخسر أحد أفراد عائلته.في صباح اليوم التالي، خرج جاك من المنزل وحده.كان يرتدي قميصًا أسود وسترة جلدية داكنة، ويمشي في أحد شوارع باريس القديمة عندما لمح رجلًا يقف على الجانب الآخر من الطريق.توقف.اختفت الابتسامة من وجهه.كان الرجل يرتدي معطفًا رماديًا طويلًا، وي

  • عشق فوق فوهة الجحيم    الفصل الثالث والعشرون: الماضي

    ساد الصمت بعد كلمات أدولف الأخيرة.لم يتحرك أحد.كان المكان المحاط برجال مسلحين أشبه بقفص حديدي، وكل واحد منهم يدرك أن أي حركة خاطئة قد تكون الأخيرة في حياته. وقف أدولف كاميرون أمامهم بثبات، يراقب وجوههم واحدًا تلو الآخر، وكأنه يستمتع برؤية الخوف يتسلل إلى عيونهم.قال مرة أخرى، بنبرة أكثر هدوءًا من ذي قبل:— أمامكم خيار واحد فقط... إما أن أحصل على رأس المحامي، أو أحصل على رؤوسكم أنتم.شد جاك قبضته، بينما تحركت عيناه بين الرجال المنتشرين حولهم. كان عددهم كبيرًا، والأسلحة ظاهرة بوضوح، ولم يكن هناك أي مجال للمواجهة.أما دانيال، فظل ينظر إلى أدولف دون أن يرمش.قال ببرود:— وإذا رفضنا؟ابتسم أدولف.— لن تكون هناك فرصة ثانية للسؤال.ثم اقترب منه خطوة، وأضاف:— أنتم أذكياء بما يكفي لتعرفوا أنني لا أهدد مرتين.رفع دانيال ذقنه قليلًا.— أعطني وقتًا للتفكير.ضحك أدولف ضحكة قصيرة.— فكر كما تشاء... لكن لا تجعلني أنتظر طويلًا.أشار بيده إلى رجاله، فتراجعوا قليلًا وفتحوا لهم الطريق.تحرك الأربعة ببطء نحو السيارة.لم يتحدث أحد حتى ابتعدوا مسافة كافية عن المكان.ما إن أغلق سانتياغو باب السيارة حتى ق

  • عشق فوق فوهة الجحيم    الفصل الثاني والعشرين

    بعد إفطارٍ طغى عليه همسات جوليا وضحكاتها الرقيقة، حاولت بكل ما تملك من أنوثة ودهاء أن تمنع جاك من الرحيل. كانت تتشبث بساعده بنعومة، وتهمس بكلماتٍ تَعِدُه بيومٍ هادئ بعيداً عن صخب العالم، لكن جاك —رغم ضعفه أمام إلحاحها واستمالتها— أصرَّ على الذهاب؛ فقد كان الشوق لهاري يعتصر قلبه، ويريد رؤيته بشدة.انطلق بسيارته مخلفاً وراءه عطر جوليا الذي بدأ فجأة يشعره بنبض الحياة، وما إن وصل إلى المنزل حتى استقبله ضجيجٌ مألوف. كانت رائحة القهوة والخبز المحمص تملأ المكان، وصوت ضحكات دانيال وسانتيغو وماركوس يرتفع عالياً. وفي وسطهم، جلس "هاري" بابتسامته الحيوية التي تشبه ضوء الفجر. لم يتمالك جاك نفسه، ركض نحو أخيه الصغير وضمه بقوة كادت تحطم ضلوعه، وقال وهو يحتضنه بنبرة دافئة: "لقد اشتقت إليك يا فتى!"رد هاري بابتسامة واسعة: "وأنا أيضاً يا أخي!""لقد تأخرت يا وحش باريس!" قالها سانتيغو بخبث وهو يراقب قميص جاك المجعد، بينما أردف ماركوس بابتسامة: "أتمنى أن تكون قد نمت جيداً الليلة.. إذا كنت متعباً يمكنك الراحة الآن." نظر إليهما جاك بملامح جامدة مفضلاً الصمت، فلمّا رأى ماركوس ذلك، التفت إلى سانتيغو وقال بلهج

  • عشق فوق فوهة الجحيم    الفصل الحادي والعشرون

    داخل المنزل، كان الصمت أثقل من المعتاد. جلس الجميع وعيونهم معلقة بدانيال الذي كان يفرك جبينه بتوتر وقلق."أدولف كاميرون ليس مجرد هدف يا رفاق، إنه فخ متحرك،" قال دانيال بنبرة خافتة.قاطعه جاك وهو يعدل ساعته بلامبالاة مصطنعة: "لقد قررنا بالفعل.. سنقوم بالمهمة، وعلى الأقل سنحصل على المال وهذا هو المهم. لن نضطر للقتل بالتأكيد، ربما يريدنا أن نسرق بعض الأوراق مثل المهمة التي قبلها."وافق الجميع بصمت مشوب بالحذر، لكن دانيال لم يكن مرتاحاً. زفر بضيق وقال: "سأفكر في الأمر لاحقاً. الآن سأذهب لإحضار (هاري) من المطار، من سيأتي معي؟"أجاب جاك بتردد: "أنا خارج اليوم.. لدي موعد."نظر ماركوس وسانتيغو إلى جاك بابتسامات خبيثة، وضحك سانتيغو وهو يغمز لدانيال: "سآتي أنا معك يا دانيال، فمن الواضح أن جاك ذاهب لغزو قلبٍ ما وليس لمجرد نزهة!"وقف جاك أمام المرآة الكبيرة في غرفته، يراقب انعكاس شخص غريب عنه. لم يعد ذلك الفتى الذي يرتدي قمصان المتمردين الممزقة؛ بل كان هناك شاب بقميص أسود من الحرير ، يلتف حول جسده بدقة تبرز عضلاته المشدودة. أمسك بزجاجة عطره المفضلة، رش منها قطرات قليلة، فانتشرت رائحة خشب الصندل ف

  • عشق فوق فوهة الجحيم    الفصل العشرون: الماضي 2

    توقفت السيارة السوداء الفارهة أمام مدخل الملهى الليلي بزئير مكتوم، مخلفة وراءها غبار ليلة دموية انتهت بجريمة متكاملة الأركان. ترجل جاك ورفاقه كالملوك الذين لا تعترف الأرض بغير خطاهم، يحيط بهم غرور القوة ونشوة النصر. دخلوا المكان والعيون تلاحقهم بهيبة يفرضها الخوف قبل الاحترام.كانت الحانة تعج بصخب المتمردين، ورائحة التبغ الرخيص تملأ الأرجاء، لكن "جاك" كان يجلس في ركنه المعتاد ببرود لا يناسب سنه الصغير. فجأة، ساد صمت نسبي عندما اعتلت فتاة منصة رقص صغيرة في المنتصف. لم تكن مجرد فتاة، كانت إعصاراً من الأنوثة الطاغية؛ بملابسها الجريئة وشعرها الذي يتطاير مع كل حركة رشيقة، كانت تسرق الأنفاس.تسمرت عينا جاك عليها. لأول مرة، شعر بأن قلبه يتخطى نبضة. كانت إضاءة الحانة الخافتة تنعكس على بشرتها الناعمة، وحركات خصرها انسيابية كالحرير. استنشق جاك الهواء، فخُيل إليه أن عطرها القوي قد اخترق كل الحواجز ليصل إليه وحده. وفجأة، في منتصف رقصتها، أمالت رأسها ورمقته بنظرة جريئة، وابتسامة غامضة ارتسمت على شفتيها المصبوغتين بالأحمر القاني. شعر جاك بحرارة تسري في جسده، وكأن نظرتها كانت لمسة فيزيائية حقيقية.ا

  • عشق فوق فوهة الجحيم    الفصل التاسع عشر: الماضي

    كان هذا هو صوت سانتياغو، الصوت الذي أرعب ريتا أكثر من أي شيء آخر في حياتها. تجمدت الدماء في عروقها، وشعرت بركبتيها تخونها وكادت تسقط ، بينما المسدس لا يزال يلامس مؤخرة رأسها ببرودة قاتلة. ببطء شديد، لفت بجسدها المرتعش لتواجهه.كان سانتياغو واقفاً بطوله الفارع، يرتدي بدلة سوداء أنيقة تزيد من قتامة هيبته. لم تكن عيناه تحملان الغضب المستعر الذي كانت تخشاه، بل كانت تحملان نظرة غريبة، نظرة خيبة أمل عميقة ممزوجة بسخرية لاذعة؛ نظرة لم تكن تتمنى أن تراها أبداً، لأنها تعني أنه قد حسم أمره بشأنها.أخذ المسدس من رأسها ببطء، ونزل لمستواها، وابتسامة باردة، شبه معدومة، ترتسم على شفتيه:سانتياغو: "كنتُ أعلم أنكِ تخفين شيئاً ما خلف هذا الوجه البريء.. كنتُ أشعر أن هناك حياكة خفية تحت جلدكِ، لكنني.." توقف لحظة، وأطلق زفيراً طويلاً، "لم أتوقع أبداً أن تفعلي هذا.. لم أتوقع الخيانة منكِ أنتِ بالذات."حاولت ريتا أن تتكلم، شفتاها المرتعشتان تتحركان دون صوت في البداية، ثم خرج صوتها مبحوحاً، خائفاً ليس منه بل عليه:ريتا: "سانتياغو.. اسمعني، أنا.. .."رفع يده بحركة سريعة وحازمة، قاطعاً كلماتها قبل أن تخرج. لم

  • عشق فوق فوهة الجحيم    الفصل الخامس: عودة إلى الماضي

    في جناح فاخر يطل على أضواء المدينة التي لا تنام، كان دانيال ماركوس يجلس بهدوء مخيف، يرتشف من كأسه ببطء، بينما دخان تبغه الفاخر يرسم دوائر ضبابية في الهواء. دخل "روبرت" وعلى وجهه ملامح الانتصار، حاملاً ملفاً جلدياً وضعه أمام زعيمه بوقار. "لقد حصلنا على كل شيء.." بدأ روبرت بسرد المعلومات بينما كان د

  • عشق فوق فوهة الجحيم    الفصل الرابع: حبيبته ؟!..

    خيم صمت ثقيل وموحش على ردهة منزل "سانتياغو" الحجري، صمتٌ لم يكن يكسره سوى طنين أجهزة الكمبيوتر المكتوم وصوت تقلب الجو في الخارج؛ حيث بدأت الرياح تعوي بعنف وتضرب جدران المنزل بقسوة، وكأن السماء نفسها كانت تزمجر وتحذرهم مما هو قادم في الساعات المقبلة. كانت إيما تجلس على طرف الأريكة الجلدية، تعبث بأصا

  • عشق فوق فوهة الجحيم    الفصل الثالث : جهاز ملعون

    انهمر الرصاص كالمطر الأسود، محطماً زجاج النوافذ الذي تناثر كشظايا ألماس قاتلة. كان جاك لا يزال يطبق بجسده فوق إيما على الأرض، يشعر بانتفاضة جسدها تحت يديه وهي تطلق صرخات مكتومة يبتلعها دوي الرصاص. نهض جاك فجأة كفهدٍ جريح، ساحباً إيما معه خلف أريكة جلدية ثقيلة لتكون ساتراً لهما، بينما كان صدى الركلا

  • عشق فوق فوهة الجحيم    الفصل الأول: بداية الكابوس

    كانت عيناها غارقتين في عمق عينيه، يداها ترتجفان بضعف بين كفيه القويتين اللتين كانتا تشكلان حصناً أخيراً ضد الانهيار. في تلك اللحظة، توقف الزمن؛ جبهته تستند إلى جبهتها في وداع صامت، كأن أرواحهما تتبادلان حديثاً أخيراً لا تدركه الألسنة. كان الصمت المطبق سيد المكان، لم يقطعه سوى ضجيج العالم القاسي با

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status