Home / الرومانسية / عقدة الوقوع في الحب / انفجار في العش المظلم

Share

انفجار في العش المظلم

last update publish date: 2026-07-23 04:32:49

الفصل الرابع: انفجار في العش المظلم

ساد الذهول والصمت الخانق أرجاء الجناح الملكي المزين بالأنوار الداكنة لفندق «النورس» الشهير لثوانٍ معدودة حبست فيها الأنفاس.". كانت الأضواء الخافتة تنعكس على الأرضيات الرخامية الصقيلة، بينما كانت الأجواء تغلي بتوتر مكتوم بين أربعة أطراف يتواجهون لأول مرة بشكل مباشر.

وقف «فريد النورس» بقامته الفارهة وقميصه الأسود ذي الأكمام المطوية، وعلى شفتيه ترتسم ابتسامة هادئة ومستفزة تحمل بين طياتها كبرياءً لا حدود له. رفع يده الذهبية التي تمسك بهاتف «داليدا» إلى الأعلى، بعيداً عن متناول يدها، مغلقاً زاوية الرؤية عليها تماماً.

تطلعت داليدا إليه بعينين تشتعلان بشرر الغضب، وحاولت الاقتراب خطوة واحدة لانتزاع هاتفها، لكن فريد استغل طوله وهيبته ليثبت في موقعه ويحافظ على المسافة بينهما، مشيراً بأصابعه إلى شاشة الهاتف المضيئة ثم قال بصوت خفيض وحاسم:

"قبل أن تمدي يدكِ لآخذ ما ليس لكِ بحق في هذه اللحظة.. أتيتُ أنا إلى هنا لأعيد إليكِ أغراضكِ ولتستمعي إلى اعتذار رسمي عما حدث في المطعم. هناك سوء فهم كبير يا آنسة داليدا، وما رأيتهِ لم يكن سوى..."

"أنا لا يشرفني الاستماع لأي كلمة منك!" قطعت داليدا حديثه بصوت هز جدران الغرفة، وعيناها تتسع من شدة الصدمة والاستفزاز. "ولا يهمني اعتذارك المعسول! هات تليفوني فوراً دون مقدمات سخيفة.. واوّعَ تكون تجرأت وفتحته أو عملت فيه مجلة أو هكرته بأساليبك هذه!"

رفع فريد حاجبه الأيسر بدهشة، واكتست ملامحه بذهول مزيف وهو ينظر إليها من الأعلى إلى الأسفل، ثم أردف بنبرة تهكمية:

"هكرته؟! هل صدقتِ حقاً أنكِ أمام سارق احترافي؟ هل أخذتِ انطباع الحرامي بجدية إلى هذا الحد يا داليدا؟"

ارتجف جسد داليدا من شدة الانفعال، وتقدمت خطوة إضافية لتواجهه مباشرة لفريد 

إيه داليدا بس؟! هو أنا صاحبتك وأنا ما أعرفش؟! إيه الجرأة والوقاحة اللي عندك دي؟! من سمح لك بنطق اسمي بهذه الطريقة؟ وبعدين أنت مش لقيت غير الفندق بتاعنا تعمل معاه شراكة لمجموعتك الجديدة؟!"

ابتسم فريد ببرود، وقام بتقليد حركتها الحاسمة ثم أجاب وهو ينظر حول الجناح:

"فندق ممتاز وراقي جداً، وكان اختياراً موفقاً من إدارة أعمالي.. لكني حقاً لم أكن أعلم أنكِ تنتمين إلى هذه العائلة، ولا أن والدكِ «على ناصف المحار» لديه بنات بهذه الشراسة والاستفزاز! هذه أول مرة أعرف فيها هذه المعلومة."

"خليك في حالك أحسن!" صرخت داليدا وهي تحاول الوصول للهاتف مجدداً، لكن فريد رفع يده لأعلى مسافة ممكنة.

في هذه اللحظة، ومن الغرفة المجاورة داخل الجناح، خرجت «عليا» وهي ترتدي رداءً أبيض ناعماً، وتمسك بمنشفة تجفف بها شعرها المبلل. كانت ملامحها تحمل مزيجاً من التعالي والشماتة المباشرة، ومناخيرها مرفوعة لأعلى بغرور مزيف وهي تنظر إلى داليدا وليلى من الأعلى إلى الأسفل.

توقفت عليا عند العتبة، وانفجرت في ضحكة عالية ومستفزة:

"ههههاي! إيه ده؟ في إيه؟ مين دول وبيعملوا إيه هنا؟! أنتوا لسه بآثار التورتة والبهدلة دي لغاية دلوقتي؟! شكله يضحك أوي بصراحة!"

التفتت «ليلى» إليها فوراً، واشتعلت عينها بغضب قديم يعود لما حدث في المطعم، وخطت خطوة نحوها وهي تصيح:

"وانتِ مالك يا بت أنتِ؟! خليكي في حالك

أحسنلك! هتلاقي أنتي أساساً اللي سرقتي الفون وجايبة العبث ده كله هنا!"

شهقت عليا بتصنع وضعت يدها على صدرها:

"أنا أسرق الفون بتاعك أنتِ؟! معلش.. غلطت في الحسابات! وعموماً أنا صورت نفسي بيه أول ما شفته على الطاولة من غير ما أعرف بتاع مين، بس أصل الكاميرا وحشة أوي والذوق زبالة! وبعدين... ذوقك وحش أوي في اختيار حبيبك على فكرة! شكله مش حلو خالص!"

في تلك اللحظة، تغيرت ملامح «فريد» فوراً. انطفأت الابتسامة المستفزة من على وجهه، وانعقد حجباه بضيق واضطراب واشتمئزاز مكتوم بمجرد أن سُكبت سيرة "الحبيب" في الحوار. جلس على طرف المقعد الجلدي المجاور، وعيناه تتفحصان داليدا بريبة.

صرخت داليدا وهي تتجه نحو عليا:

"أنتوا تجرأتوا ودخلتوا على الفون وفتحتوا الخصوصيات?!"

رد فريد بصوت خفيض ومليء بالتهكم والضيق، وهو ينظر إلى داليدا بنظرة حادة:

"وهنعمل إيه يعني؟ حبيبك المحترم ده.. هنخطفه مثلاً؟! بس بصراحة يا آنسة داليدا، عليا عندها حق.. شكله وحش جداً، وذوقك سيء للغاية ولا يناسب مستواكِ ولا استايلك إطلاقاً!"

تلقفت عليا الخيط وسارعت بالإضافة وهي تقلّم أظافرها ببرود:

"هو استايلها حلو أصلاً يا فريد؟! بص لبسها واسع وطويل إزاي! إحنا في فصل الربيع والموضة مختلفة تماماً عن اللبس القادم من العصور الوسطى ده!"

هنا تدخل «أندرو» – الشريك الألماني لفريد – حاملاً يديه إلى الأعلى في محاولة لتهدئة الأجواء، وقال بصوت مضطرب ولغة عربية مكسورة:

"لا لا.. أرجوكم! محدش دخل على الخصوصيات أو اخترق الهاتف إطلاقاً! هو فقط بعت رسالة نصية قصيرة وحسب..."

التفتت ليلى إلى أندرو بغضب ساطع:

"يا سلام!! وأنتوا رديتوا عليه ولا إيه النظام؟! أنتوا شركة مجوهرات عالمية وهكرز ولا عصابة حرامية بيستغلوا الفرص?!"

احمرّ وجه أندرو من الخجل والانزعاج وقال وهو يلتفت نحو فريد:

"حرامية؟! إيه كلمة حرامية دي كل شوية؟! أنتوا فرجتوا الناس والموظفين في الفندق علينا في الممرات!"

ردت داليدا بنبرة لاذعة وهي تنظر إلى عليا من أعلى لأسفل بقرف ظاهر:

"أنتِ جاية تعرفينا الموضة يا ناقصة هدوم يا قليلة الأدب؟! أنا مستغربة أساساً إزاي بعد الخناقة والمهزلة اللي عملتيها في المطعم رجعتي معاه عادي كده كأن مفيش حاجة حصلت؟! يا مهزقة!"

ردت عليا اندفاع بطفولية

 المهزق هو اللي يختار شريك ووحش 

ردت داليدا بشراسة وعيناها تتسعان غضباً:

"أعتقد إن المهزق الحقيقي هو حبيبك اللي رجعتي له بعد البهدلة دي كلها! ودي للدرجة دي بتحبيه ومتمسكة بيه وهو كمان بعد بهدلتيه قدام الناس .

عليا شوفي الفرق بيني وبينك في الاختيار يا مصممة علي الورق 

م التفتت بنظرة غرور نحو فريد وأكملت: "فريد بيعشقني أوي ومبيقدرش يستغنى عني، وأنا عرفت أختار كويس جداً.. راجل 

ثم أضافت عليا بنبرة مليئة بالاستعلاء:

راجل وسيم، غني، شيك، أنيق، ورياضي!"

"واضح إنكم واخدين على الأسلوب ده والشوارعية دي أصلاً في عيلتكم!

لم تتحمل داليدا هذا القدر من الإهانة، فصاحت بوجه عليا:

"واضح إنكم مجموعة حرامية وقليلين الأدب كمان! وده موبايلك صح؟ الواقفة تتصوري بيه وتفتحي شفايفك المنفوخة بلاستيك دي عشان تعملي بيها شو?!"

وفي لحظة خاطفة غير متوقعة، امتدت يد داليدا وسحبت هاتف عليا الموضوع على الطاولة المجاورة، وانطلقت بخطوات سريعة نحو الشرفة المفتوحة للجناح المطلة على الحديقة والسلاح!

صرخت عليا بفرع: "لاااا! تليفوني!"

وقفزت داليدا عند سور الشرفة، ورفعت يدها وألقت بالهاتف الذكي في الهواء، ليهوي بسرعة ويسقط بـ "طرطشة" مدوية داخل حمام السباحة الرئيسي للفندق في الأسفل!

ساد الذهول المكان، وصرخت عليا كالمجنونة:

"أنتِ جننتيني رسمي!!"

وهجمت على داليدا بغل، ودفعتها بقوة في كتفها لتترنح داليدا إلى الخلف.

دخل فريد فوراً بينهما، وإستدار نحو عليا وأمسك بذراعيها بقوة وقال بصوت جهوري صارم:

"اهدئي يا عليا! كفاية فضايح لحد دلوقتي! اهدي خالص!" ثم التفت إلى داليدا ونظر إليها بعينين قبيطتين وقال: "اهدئي يا داليدا.. أرجوكِ!"

ردت داليدا ببرود قاطع وهي تتراجع خطوة للخلف وتنفض ملابسها:

"آنسة داليدا من فضلك! أنت هتفكرني حبيبتك المايصة دي؟! وكفاية إنها طالعة من الحمام بالروب.. والله أعلم إيه اللي حصل هنا بينكم من ورا الستار!"

تغيرت ملامح فريد فوراً وظهرت عليها أمارات الضيق الشديد، وقال وهو يحاول ضبط أعصابه:

"الأمر لم يصل لهذه الدرجة يا آنسة داليدا.. كفاية سوء ظن واتهامات باطلة!"

صرخت عليا وهي تتجاوز فريد بغل:

"هي بقت كده؟! طب والله ما أنا سيباكي اليوم ده!"

وهجمت عليا مرة أخرى باتجاه داليدا، لكن ليلى كانت أسرع هذه المرة؛ تقدمت بينهما ووجهت ضربة حادة وقوية بكتفها في صدر عليا لتلتقطها وتعيدها للخلف.

صاحت ليلى وهي تشمر أكمامها:

"أنتِ يا بت أنتِ!! بتمدي إيدك وتخبطي في أختي للمرة الثانية؟! دي أنا وأختي اللي هنوريكي اليوم اللي مش هنساه!"

صرخت عليا وهي تفقد أعصابها تماماً:

"وهضربكم كمان وأعلمكم الأدب لأنكم مجانين ورعاع!"

"لا بقى! أنتي جيتي لقضائك!" صاحت ليلى وانقضت عليها، "أنا من ساعة خناقة المطعم كان نفسي أجيبك من شعرك وأوريكي المجانين بجد بيعملوا إيه!"

اندلعت المعركة داخل الجناح؛ عليا تصرخ وتشد في شعر ليلى بكل قوتها، وليلى تمسك بها وتدفعها نحو الأريكة، بينما تحرك «أندرو» بذهول محاولاً التفكيك بينهما وهو يصيح:

"يا إلهي! توقفن فوراً! ما هذا الجنون?!"

وتدخل فريد هو الآخر بكل قوته الجسدية لفصل ليلى وعليا عن بعضهما، محاولاً السيطرة على هذا المشهد الفوضوي وهو يصرخ بغضب وعتاب:

"عيب! أنتن بنات عاقلات ومن عائلات محترمة! إيه شغل العيال الصغيرة والأطفال ده؟! عشان تورتة في مطعم تعملوا المهزلة دي كلها يا داليدا?!"

تطلعت داليدا إلى فريد وهو يمسك بذراع ليلى لحمايت عليا، وفي لحظة غضب أعمى وكرامة مجروحة، تقدمت داليدا وسددت ضربة بقدمها وقوية جداً برأس حذائها مباشرة في ساق فريد اليسرى من الأسفل!

تأوه فريد وانحنى بجسده للخلف من شدة الألم المفاجئ: "آآآه!"

وفجأة.. اتسع باب الجناح الخارجي على وسعه!

دخلت الجدة «نور المحار» برداءها الفاخر وهيبتها المعهودة، ويحيط بها اثنان من رجال الأمن وموديري الفندق المذعورين. توقفت نور عند العتبة، واتسعت عيناها بصدمة زلزلت كيانها وهي ترى الشعر المتطاير، والهدوم الملطخة بالتورتة، وفريد يتأوه ويمسك بساقه، والفتيات يتصارعن على الأرضيات!

صرخت الجدة نور بصوت هز أرجاء الفندق:

"إيه المسخرة والمهزلة اللي بتحصل هنا دي?!"

لكن في غمرة الصراع الأعمى والاندفاع الدائر بين ليلى وعليا، اندفعت «عليا» بذراعها إلى الخلف بعنف محاولة التخلص من قبضتهن، لتصطدم بقوة شديدة بجسد الجدة «نور المحار»!

فقدت الجدة توازنها فوراً، وسقطت إلى الخلف بقوة لتصطدم رأسها بالحافة الرخامية الحادة للطاولة المجاورة للباب!

ساد صمت مرعب وقاتل في الجناح لم يقطعه سوى صوت ارتطام الجسد بالأرض.

توقفت الحركة تماماً. سالت خيوط من الدماء الحمراء الداكنة م

ن رأس الجدة نور وهي تغمض عينيها وتفقد الوعي تماماً على الرخام الأبيض.

صرخت داليدا وليلى بصوت واحد هز أركان الفندق:

"تييييييييتة!!"

"تجمعت الدماء بشكل مرعب حول رأسها المصاب، وساد الذعر القاتل بين جميع الحاضرين في الجناح، بينما وقف فريد وأندرو في حالة صدمة ذهول لا يصدقان ما حدث للتو!"

"توقفت الدماء في عروق الجميع، وتحول الجناح الملكي في لحظات إلى ساحة من الذعر والصرخات، بينما كان أفراد الأمن يركضون نحو الجدة الممددة على الأرض.. لتنطلق شرارة رحلة جديدة من المواجهة والمستشفى!"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عقدة الوقوع في الحب    الفصل السابع والعشرون: قِناعٌ على مقصلةِ المَطَر

    الفصل السابع والعشرون: قِناعٌ على مقصلةِ المَطَرحديقةُ القصر: المطارَدةُ الشرسة تحت هولِ الرعدكان المطرُ الغزيرُ ينهمرُ كسهامٍ فضيةٍ تشقُّ ظلمةَ الليلِ الساحلي، يضربُ أشجارَ الحديقةِ العتيقة لقصرِ آل المحارِ بصوتٍ يشبهُ زئيرَ العواصفِ الموتورة.انشقَّ السكونُ بعواصف البرقِ التي أضاءت السماءَ لكسرٍ من الثانية، ترسمُ ظلالاً متراقصةً لجسدين يركضانِ على العشبِ المبتلِّ والرمالِ الرطبة. كانت حديقة القصر التي شهدت أجيالاً من الكبرياء والجاه تتحول في هذه الليلة الملعونة إلى مسرحٍ لجريمة مطاردة دامية، يختلط فيها صرير الحديد برائحة الطين المنبعثة من أعماق الأرض.ارتطمَ فريد بالأرضِ عقبَ قفزتهِ الشجاعة من نافذة الجناح الشرقي، فاخترقت برودةُ الطين ثيابهُ الممزقة، وأحدث جريرُ السلاسلِ الحديدية الملتفةِ حول معصميهِ صدىً حاداً يتحدى قسوةَ العاصفة. لم يبالِ بالألمِ الحارق في ركبتيه ولا بالدماء الخفيفة التي بدأت تتسربُ من جرح جبهته مجدداً؛ بل انتفض كالقسورة الجريح، بؤرتا عينيه تصابانِ بالجنونِ القاتل، ونظرهُ مسمرٌّ على الظلِّ الملثمِ الذي ينسلُّ بين أحواضِ الزهورِ المظلمة كعفريتٍ اقتُلع من جهنم.صا

  • عقدة الوقوع في الحب    الفصل السادس والعشرين زنزانة الصمت: فك الشفرة الملوثة

    زنزانة الصمت: فك الشفرة الملوثةتسمّرت عينان فريد في العتمة الشاحبة لزنزانته الفردية. لم يكن صرير الأبواب الحديدية ولا أصوات الخطوات الثقيلة لحراس السجن تشكل أي وجود في عالمه الخالي إلا من تلك القطعة الزجاجية الملونة المستقرة بين براجم يديه المغلولتين.كانت قطعة الزجاج عبارة عن نصف زر عاجي فاخر، محفور عليه بحرفية متناهية شعار رأس المحارة المذهّب.. النصف الآخر منه ينبغي أن يكون معلقاً بستر شخصٍ يقف في قمة الهرم المالي والعائلي لآل المحار.انقبضت أصابعه القوية على الزر المكسور حتى كادت حوافه الحادة تغرس في جلده النزيف. تحركت شفتان فريد المدماتان بهمسٍ خفيض، يطفح بزمجرة بركانية مكتومة:— «زر عاجي.. من طراز معاطف القصر السري.. لم يكن شريف سوى الفخ الظاهر الذي جُلب ليتلقى الرصاص بالنيابة، واليد التي سحبت الزناد أرق وأقسى بكثير من يد مجرم أهوج!»تدفقت الذكريات في عقله كشريط سينمائي مشتعل، يعيد ترتيب مشاهد الليلة الملعونة على ظهر السفينة المتهالكة: الظلال التي تداخلت خلف خشب المقصورة، حركة الهواء الساخن قبل دوي الرصاصة بكسر من الثانية، وتلك العاطفة الزائفة التي كانت تطفح بها صرخات عليا وهي ت

  • عقدة الوقوع في الحب    الفصل الخامس والعشرون: ظلالٌ على خيطِ الاحتضار

    الفصل الخامس والعشرون: ظلالٌ على خيطِ الاحتضارالممرُّ الأخير: حيثُ تتصادَمُ الأرواحكان النورُ في ممرِّ المشفى المركزيِّ يرتجفُ بذبذبةٍ خبيثة، كأنّه قلبٌ مريضٌ يصارعُ السكتةَ الأخيرة. أضواءُ النيون البيضاءُ تكسرُ العتمةَ ببرودٍ ناصع، تعكسُ على الأرضية الرخامية المغسولة بالمطهرات ظلالاً مشوهة لأجسادٍ أنهكها الخوف، وأحرقها الشك.أطبقت الجدة "نور المحار" شفتيها على صمتٍ أشدَّ قسوةً من الموت نفسه. لم تدمع عينُها العسليةُ التي شابتها حمرةٌ قانية، بل ظلت مسمرةً على الباب الزجاجي المعتم لغرفة العناية المركزة. كانت يدُها المرتعشة تُحكم القَبض على قبضة عصاها العاجية، تطرقُ بها الأرضية الرخامية بين الحين والآخر طرقةً خفيفة، مكتومة، تشبه دقات بندولِ ساعةٍ تحسبُ الثواني المتبقية من عمر العائلة.إلى جوارها، كانت "ليلى" تجثو على ركبتيها، وقد توسدت ثوب الجدة الصلب. كانت دموعُها تتساقطُ بصمتٍ دافئ، تبقعُ القماش العاجي الأنيق، بينما كان أندرو يذرعُ الممر جيئةً وذهاباً، بخطواتٍ مضطربة تتصارعُ فيها المرارة مع الضياع.توقف أندرو فجأة أمام "عليا"، التي كانت تنزوي في أقصى الزاوية المظلمة للممر، تطوق جسدها

  • عقدة الوقوع في الحب    الفصل الرابع والعشرون: أشباحُ الزجاجِ المكسور

    الفصل الرابع والعشرون: أشباحُ الزجاجِ المكسورطغى الصمتُ على جدران المستشفى الباردة، صمتٌ لم يكن سكوناً، بل كان خفيضَ احتضارٍ ينهس الأرواح. كانت الأضواء النيونية الشاحبة في الرواق تحترق بذبذبة خفيفة، ترسم ظلالاً متراقصة لعلامة "غرفة العمليات" الحمراء الملتهمة للظلام.كانت الجدة "نور المحار" تجلس في صدارة الممر، شائخة كشجرة عتيقة ضربتها الصواعق فلم تنحنِ، لكنّ جذورها باتت تتحلل تحت التراب. يدها القاسية تغرس العصا العاجية في العروق الرخامية للأرضية، وعيناها اللتان طالما أدارتا إمبراطورية تجارية باطشة، تثبتان على الباب المغلق بخيط من الزجاج المكسور. إلى جوارها، كانت "ليلى" تجثو، تضع رأسها على ركبتي جدتها، وتشهق بدموع مكتومة تبقع الثوب العاجي الأنيق للجدة.اقترب "أندرو" بخطوات ثقيلة، تتأرجح عينان غائمتان بين شقيقته "عليا" المنزوية في الممر كطيف شوم، وبين الجدة الصلبة. قال بنبرة مبحوخة تتكسر في حلقي الممر:— «جدتي.. الأطباء نقلوا اللتر الثالث من الدم.. النزيف كان غائراً في الخاصرة، لكن العصب الحيوي...»لم تلتفت إليه الجدة نور، بل جاء صوتها كأنه خرج من بئر عميقة مهجورة، نبرة رخيمة، حادة، تش

  • عقدة الوقوع في الحب    الفصل الثالث العشرون جمر تحت الرماد

    الفصل الثالث والعشرون: جمر تحت الرمادساد الصمت لكسرٍ من الثانية عقب دويّ الرصاصة القاتلة.. صمتٌ مروع انشقت معه أرجاء المقصورة الخشبيّة في السفينة المتهالكة كأنما زُلزلت الأرض من تحت أقدام الجميع. لم تكن تلك الرصاصة الغادرة مجرد طلقة طائشة اخترقت الهواء في عتمة الليل الساحلي البارد، بل كانت سهماً مسموماً وجهه يد خفية تستهدف الجسد الذي نذر "فريد" روحه وحياته لحمايته!تهاوت "داليدا" بين يديه كالزهرة الرقيقة التي قطفتها العاصفة قبل أوانها. انزلقت وجنتها الباردة الشاحبة على صدره الداكن، وقطرات دمائها الصافية بدأت تتسرب ببطء وتدفق مرعب لتبقع قميصه الأسود الشامخ.في تلك اللحظة الحرجة من الزمن، انهار فريد كلياً! تحطمت كبرياؤه الذكورية الصلبة، وتلاشت صورته المستقرة الحازمة التي طالما واجه بها أعتى الأزمات. جثا على ركبتيه فوق الأرضية الخشبية التهتزة، وطوّق جسدها الناعم بين ذراعيه بقوة وجنون، يضغط بيده المرتجفة على موضع الجرح الغائر في خاصرتها وهو يصرخ بصوت مبحوح، مدمدم، يمزق سكون الميناء ويخترق عتمة البحر:— «داليدا! افتحي عينيكِ يا داليدا! لا تغمضي جفنيكِ الآن.. أرجوكِ، لا تتركيني في هذا الجحي

  • عقدة الوقوع في الحب    الفصل الثاني والعشرون: ظلال على سطح الماء

    الفصل الثاني والعشرون: ظلال على سطح الماءكان حوض السباحة في باحة قصر "آل المحار" ينساب بصفاءٍ أزرق داكن، يعكس أضواء النهار المتراجعة على سطحه كالمرآة الصافية.جلست الجدة "نور المحار" على كرسيها الخيزراني الفاخر، تتلفع برداء دافئ يقي جسدها المنهك من برودة النسيم العابر. كانت تحرك بين أصابعها الذهبية الحافلة بالخواتم العتيقة كوباً من الشاي المُر، وعيناها الغائرتان خلف النظارة الزجاجية تتأملان حركات الماء الهادئة، بينما كان عقلها يسبح في بئرٍ عميق من الذكريات والأحداث المتلاحقة التي عصفت بعرش عائلتها في أيامٍ معدودة.تذكرت خيبة أملها القاسية في "شريف"، ذلك الشاب الذي ائتمنته على حفيدتها الكبرى "داليدا" وأدخلته بيتها كابن، ليتبين أنه لم يكن سوى خائنٍ يرتدي قناع العفاف، وسارقٍ يتلاعب بالحسابات والديون. وتذكرت رحيل "فريد" المفاجئ؛ ذلك الرجل الذي ملأ المكان بهيبته وجاذبيته، ثم ترك خلفه علامة استفهام حارقة وشراكة مالية تهتز على شفا الانفجار بعد كشف أمر زواجه السابق من "عليا"، مما أطاح بكبرياء داليدا وعصف بفرص نجاتهم الاقتصادية.ولم تكن المرارة تقف عند هذا الحد؛ فغياب ابنها وزوجته الطويل في ر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status