เข้าสู่ระบบبمنطقة راقية، بالتحديد فيلا متوسطة الحجم يقف فتي بالسادسة عشر من عمره بممر الغرف بالدور العلوي ينظر لباب غرفة والديه المنغلق ويستمع لصراخ والدته وهي تحدث والده.
- ما تتكلمش على إنك حمل وديع أنت عارف بالظبط إيه اللي مضايقني وكل يوم والتاني نفس المشكلة. - كويس أنك عارفة أننا كل يوم في نفس المشكلة واللي بتتهربي من مسئوليتك عنها وترميها عليَّا، بس لا يا هانم، أنا بقى هاقولها بصراحة المرة دي، أنت ما عندكيش ثقة في نفسك، أنا يا هانم دكتور تجميل شاطر وتعاملي مع سيدات أمر طبيعي، ولو ما كانوش جمال أبقى فاشل لأنهم كلهم تعاملوا معايا وبرزت جمالهم وبروزته، وعملت عليه إسبوت كمان، وشغلى ده هو اللي سكِّنا في الڤيلا دي، ومعيشنا كده، وهو اللي بيسفرك في كل بلد شوية، مش هقولك ثقي فيَّا. ضحك باستخفاف مسترسلا بسخرية: - لأ ثقي في نفسك شوية أو اهتمي بابنك اللي بقى طولك بدل ما أنت ناسياه كده. - أنت كده بترمي الكورة في ملعبي، ما أنت كمان مُهمل في الولد، مش لوحدي، أما الثقة فأنا واثقة في نفسي كويس قوي بس أنت اللي عينك زايغة، كذا مرة ادخل عليك غرفة الكشف الاقيك بتغازل الهانم، ده مرة كنت.. كنت بتقلعها هدومها. أجاب ببجاحة مطلقة: -اسمها بساعدها عشان أكشف عليها، الممرضة كانت إجازة، والمريضة هتعمل تكبير ثدي، تفتكري أكشف إزاي! أنت اقتحمتِ العيادة ومنها لغرفة الكشف، وأحسن لك ما تفكرنيش لأنك أحرجتِني مع المريضة. - مريضة!! هي مريضة فعلًا بس مش في جسمها، مريضة في عقلها ورغبتها الحيوانية،. صرخت بعنف: - أنت ناسي كنتم إزاي، أنتم .. كنتم. هربت منها الكلمات من فرط توترها وعصبيتها فتحدث هو ببجاحة أكبر: -كملى سكتي ليه؟ مش لاقيه حاجة تقوليها أنا كنت في كامل لبسي وهيئتي، اللي شوفيه كان كشف بس أنت اللي مريضة بعقلك، وأنا تحملت منك كتير بس فاض بيَّا فخلي بالك. تحولت نبرتها من غاضبة متحفزة إلى نبرة يملأها الرجاء: - طيب لو شايف إني محتاجة أعمل تجميل عشان تشوفني حلوة زيهم اعملي بس بلاش.. بلاش تخوني كدة، أنا تعبت نظرتك لهم غير نظرتك ليا، لمعان عينك معاهم غير معايا، ساعات بحس إني مش عاجباك وإنك متضايق مني. - أنا ماليش في كلام الأغاني ده ولو عايزة تعملي تجميل تمام، بس تدفعي زيك زي أي مريضة business is business أجابته باندهاش وتعجب: -أدفع! أنا مراتك يعني أخد منك وبعدين أدفع لك تاني؟! -تاخدي مني ليه؟ فقيرة! ما أنت معاكِ فلوسك، ميراثك من والدك أو خدي من والدتك، أنا ما قولتش عايزك تتجملي ولا حاجة، أنت اللي مش واثقة في نفسك. -ماهر أنت بتتكلم جد! -ومن امتى الشغل فيه هزار، أكيد جد. لم تكن الدهشة مرسومة على وجهها فقط بل على وجه ابنهم أيضًا، الذي استمع لحوارهم بحسرة على حاله، يُلقون بالتهم كل على الآخر دون أدنى اهتمام به، سيرته عابرة، لم يقف كلامهما عليه، لم يهتما به يومًا، يشعر باليُتم دومًا وكلاهما على قيد الحياة. مرت به فترة لا يعلم طالت أم قصرت وهو على صدمته، وبالنهاية عاد لغرفته مهزومًا يجر اذيال الخيبة، ككل مرة يتشاجرا بها ويسمعهما دوره دوما بحديثهما ثانوي لا يزيد عن جملة أو إثنين لكل منهما مجرد مادة للمعايرة وحسب. بالداخل أخذ هاتفه الجوال الذي لا يملكه الكثيرين فهو باهظ الثمن حتي الخط بمبلغ وقدره، فوالداه يجلبان له اشياء عدة، الثمين منهما والبسيط، ظنا منهما أن تلك الاشياء تغنيه عنهما، عن وجودهما جواره، أو ترضيه؛ لغيابهما المستمر ولمشاكلهما التي لا تنتهي. اتصل بجده الذي أجاب بمودّة وحب. -ازيك يا رامي يا حبيب جدو عامل إيه؟ أجاب بتنْهِيده حارقه ثم تحدث: -الحمد لله يا جدو وحشتني قوي، هتيجي امتى؟ أجابه بقلة حيلة: -هما اتخانقوا تاني؟ مش عارف أقول لك إيه؟ سيبك منهم وركز في مذاكرتك عايزك أحسن دكتور في الدنيا، بتخصص مفيدة مش يجيب فلوس وخلاص. -ما بقتش عايز أكون دكتور يا جدي الأول كنت عايز أبقى زي بابا يمكن ياخد باله مني؛ بس دلوقتي مش فارق. - لا يا حبيبي كده جدو يزعل، أنا عايزك تهتم بمستقبلك وتبنيه صح، عايزك دكتور ناجح مش عشان أبوك، لا عشان أنا عارف اهتمامك وحبك للطب عايزك تكون اللي حابه وعايزه؛ عشان تتفوق فيه وتكون مميز في تخصص نافع للناس، مش اعتراض على خلقة ربنا، والستات كلها تبقي شبه بعض من النفخ والشد، عارف لما أبوك اختار التخصص ده، افتكرته هيهتم بضحايا الحوادث والعيوب الخلقية اللي عمليات التجميل أساسًا عشانهم، أو اهتمامه يكون بعمليات السمنة المفرطة وغيرها من العمليات المفيدة للإنسان، لكن لقيته بيجري ورا المادة، حاولت كتير أفهمه إن الفلوس مهمة بس مش الأساس، 'لكن لا حياة لمن تنادي' ولا أهتم بكلامي. - جدو هو أنا ممكن أجي أقعد معاك شوية؟ حقيقي محتاجك معايا. -أنت عارف أبوك مش راضي عشان أمك بتركز معاه في كل خطوة وبتبقى فاضية له، لكن وجودك مَعها يمنعها عنه شوية، أصبر يا حبيبي وأنا أحاول اقنعه يسيبك تقعد عندي، المهم ركز في مذاكرتك ومستقبلك يا حبيبي، اوعدني. - حاضر يا جدو أوعدك بكل طاقتي أركز في مذاكرتي وأحط كل همي فيها. أنهيا الاتصال والحزن رفيقهما، الجد يملأه الحزن على زهرة لم تتفتح بعد وتحيطها العواصف تكاد تقتلعها أو تقطع أوراقها، والحفيد يجد الخذلان والاهمال فقط من والداه مع الكثير من النقود. بمنطقة متوسطة الحال يجلس شاب بالسادسة عشر من عمره، على فراشه بغرفته المشتركة مع أخيه الأصغر -غير شقيق- هاني ذو الإحدى عشر عامًا، فهما يتشاركان غرفة واحدة، لا يشعر كلاهما بالآخر، كلٍ في ملكوته، أراح ظهره على الوِسادات خلفه ابتسم بسخرية، يتذكر مشادة حدثت بين والديه بالماضي، كان عمره آنذاك سبعة أعوام فقط، يتذكر تفاصيل ما حدث وكأنه يشاهد أحد الأفلام السينمائية، رسغ المشهد بذاكرته وحُفر، سُجلت الكلمات والصرخات كما تسجل الأغاني على شرائط الكاسيت. يومها علا صوت شجار عنيف بين أبويه أمام شقة الأب، تحاول والدته المطلقة والمتزوجة من آخر استعادته إليها، التف حولهما سكان البناية جميعًا، يحاولون جاهدين تهدئة الأوضاع بينهما دون جدوى، وهو بينهما كل منهما يمسك بإحدى ذراعيه يتجاذباه، كل منهما يشده ناحيته وكأنه دمية، تألم من ذراعيه وألمه جسده، كما أُنهك قلبه الصغير من شدة الألم والاشتياق لدفء الأسرة، الذي طالما سمع عنه ولم يجده أو يشعره به يومًا، يصرخ ولم يسمعاه من الأساس، لم يسمعا سوي نفسيهما فقط، يصرخ، يبكي ويتألم، يحاول المحيطين بهم تخليصه من قبضتيهما دون فائدة لا تزيده تلك المحاولات سوى ألمًا. صرخت والدته - سيبه حرام عليك المفروض الولد في حضانتي وأنت أخده تجَبُّر وافترى. - والله لو تعرفي تاخديه بالبوليس خديه، لكن دلوقت على جثتي، وامشي من هنا بدل ما أعمل لك محضر. - يا أخي إيه الجبروت ده؟! ما أنا كل أما اجي اخده، الاقيك عارف وبالوسايط والمعارف يجاملوك وتخبيه، ، روح يا شيخ منك لله. - مش اتجوزتي وخلفتي، يعني مش عايزاه، مش كل كام شهر تيجي تعملي دوشة وتلمي الناس، هيصدقوا كده إنك مغلوب على أمرك، بمزاجك رمتيه، بس مش بمزاجك تاخديه. - ما أنت كمان اتجوزت وقبلي وخلفت بدل العيل اتنين، ما تفتكرش إنك أحسن مني ولا إنك خايف عليه، أنت عايز تذلني وتوجع قلبي، سيب الولد بقي دراعه هيتخلع في إيدك. - آه اتجوزت، واحدة عارفة قيمتي وقيمة البيت، وتحت طوعي مش زيك، ومفيش عيل وسيبي دراعه، وربنا لو حصل له حاجة هاعمل لك محضر في القسم، اللي كله معارفي وأنت متأكدة من ده، فلمي نفسك وارجعي لبيتك وما تجيش هنا تاني مع السلامة. تحدث أحد الجيران مُشفق على الطفل وما يحدث له من والديه: - يا جماعة مش كده سيبوا الولد هتخلعوا دراعه، كل واحد فيكم مش شايف غير مشكلته مع الثاني، وهو اللي تعبان، إرحموا ضعفه بينكم مش كده. أجاب الأب بتعجرف: -ابني وأنا حُر فيه، يا ريت محدش يتدخل، اللي شايف نفسه حمامة سلام يتفضل من هنا، مش عايز تدخلات من حد. عاد حسن إلى حاضره وازدادت بسمته الساخرة حدة، تذكر إنهما وقتها أرخياه قليلا لثوانٍ بسيطة وما لبثا وتضاعفت قوة جذبهما له بعنفٍ تزايدت حدته مع حدة كلماتهما وصرخاتهما المتبادلة. استمر الحال لفترة طويلة، وبالنهاية تفوق والده كالعادة، بمعارفه وجبروته، وعادت والدته تجر أذيال خيبتها للمرة التي لا تعلم عددها. عاد يغوص بتلك الذكرى المريرة، فيومها بعد أن رحلت والدته، نَهره والده وأمره بالدخول لغرفته، التي يتشاركها مع أخيه سامر، الذي يصغره بأربعة أعوام، دخل الصغير حسن يبكي وينتحب، يتمنى أن ينعم بضمة حنونة من والديه، أو إحداهما، لا ضربات وصفعات زوجة أبيه، يتمنى أن يستمع لكلمة طيبة تصحبها بسمةٍ بشوشةٍ مطمئنة، لا كلمات مسمومة وصرخات تزلزل كيانه وتؤلم روحه كما يتألم جسده الواهن الصغير، وما زاد عذابه دخول زوجة والده خلفه، تلقي عليه سمومها، تحدثه بصوت خافت حاد، كي لا تقع كلماتها على مسامع والده. - لو فاكر إنها عايزاك، تبقي عبيط دي حركات عشان تكسب تعاطف الناس، ويفتكروا إنها مغلوب على أمرها، أمك رمتك وشافت حياتها، بس أبوك هو اللي متمسك بِك، مش عارفة ليه؟ لو على الولد، الحمد لله ابني سامر حِسَّه في الدنيا، هو ده ابنه الحقيقي، لكن أنت ولا لك لازمة، امتي تغور من حياتنا يا أخي؟ إلهي يا رب تمرض وتموت ونرتاح من همك وقرفك. خرجت وتركته مذبوح، طفل بعمر الزهور يسقى العلقم، لا يشعر به كلا والديه، بل لا يشعر بمعاناته أحد، ليس له سوى الله، يشتكي إليه ضعفه، وقلة حيلته وهوانه على أقرب الأقربين. أفاق حسن من تلك الذكرى المشؤومة كغيرها من الذكريات المتشابهة إلا حفنة صغيرة يتخللها بعض السعادة والفرح، ضحكة سخرية صغيرة بالكاد ارتسمت على جانب فمه، عندما رأى زوج والدته يدخل الغرفة دون استئذان كعادته، يحتضن ويقبل ابنه الغافي، يعلم إنه يتعمد فعل ذلك لمضايقته، هو بالطبع يحب ابنه، لكنه بنفس الوقت يكره حسن ويشعر إنه دخيل عليهم كره عودته، لم يفصح عن ذلك بكلماته فظاهرها ترحيبه مصطنع وباطنها معايرة وسموم، رغم صغر سنه إلا أنه يعلم مراد زوج والدته ومقصده، يدرك المعنى المرسل، عكس والدته فدومًا تصدق ظاهر كلماته بنيَّة صافية أو هكذا تبدو، لكنه لم يثور أو يشتكي، اعتاد الصمت، وعندما كبر بات يقابل ما يزعجه من كلمات ببسمة باردة، يخفي خلفها ألمه وجراحه المتزايدة والملتهبة.عاد شهاب يتلحَّف بالغموض وعلى عكس المعتاد تنتظر ريفال عودته تعتلي أريكة البهو تريد التشفي فيه، ظنته سيعود منــكَـسِر مهــزُوم، لكنها الآن لا ترى سوى معالم مبهمة غائمة ورغم ذلك تحدثت بكل كلمات التحدي المتشفية، لم يُجِب أي مِن كلماتها فقط رمقها بنظرات تشابه حالته قبل أن يتجه لغرفتهما، اغتاظت منه ظنَّت أنها نالت منه ووجدت يكابر بكل طاقته، تحركت بخيلاء إلى غرفتها وبالداخل وجدته يستعد للنوم تجاهلها تماما وخلد لفراشه مغلقًا جفونه وعقله بقمة نشاطه يحدد خطواته التالية مع حلول الفجر، وعلى وجهه بسمة هازئة؛ توقع فعلها وحرصها أن تعود قبله لتشمت به؛ فعاد مبكرًا بعدما هاتف والده أعد حقائب سفر أبنائه بنفسه ووضع داخلهما جميع أوراقهما الثبوتية وكل ما ظنهما سيحتاجان له، ثم خرج مجددًا ولم يعُد إلَّا متأخرًا. راقب الساعة يحسب دقاتها حتى أعتلت الشَّمس الأفق ذهب شهاب لعمله وتلته ريفال، التي لم تتوقع أن يعود شهاب عقب خروجها رافق ابنينه إلى المطار وظل هناك حتى حلَّقت الطائرة بالأفق دعا الله كثيرًا أن يحفظهما ويبعدهما عن بطش ذاك الرجل السَّـادي بمكانته وثرائه. كعادتها وقت المكائد تعود مبكرًا وتبقى بال
مرت ثوانٌ صامتة ثم استرسل من جديد: - عيشي يا بنتي، مش هقول لك انسي هقول اتعلمي من اللي حصل، ياسين كلمني كذا مرة عايز يتقدم لك، وقبل ما تقولي أي حاجة أنا عارف سبب رفضك، واللي ممكن يكون كافي لو حد غيره مكانه، إصراره وانتظاره السنين دي كلها معناه أنه فعلًا عايزك وقادر يفصل، لو كان عنده شك أو ذرة قلق كان بعد من زمان، لكنه منتظر ويجدد طلبه كل فترة، لو عايزة نصيحتي اقبلي اتخطبوا وسيبي قلبك يقرر واحنا حواليكِ، وده مش قرار دي نصيحة فكري فيها، وأعرفي أن حبسك لنفسك مش حل. نمت بسمة أمل برعم صغير زيَّن وجهها رغم دموعها التي اججت ثـوْرة حيرتها وقلقها وصوت داخلها يحثها على الموافقة. خرجت طيف من المشفى بعد إلحاح كثير منها واطمئنان مؤنس على اسقرار حالتها والمولود، ورد مؤنس اتصال أصابه بالعجب بالبداية ثم بالشرود والحيرة التي كبحها سريعًا كي لا تنتبه طيف، التي ظنت حالته ناجمة عن لقاء والدته اليوم وعزوفها عن رؤيتها. - أنت نازل يا مؤنس؟ - مشوار مهم وراجع بسرعة ظهر فاجأة يا حبيبتي مش هتأخر تحبي أودي حازم لماما لحد ما أرجع. - لا خليه معايا وطمني يا مؤنس. - حاضر، مش هتأخر إن شاء الله. شردت طيف بوجه
تعتلي فراشها نصف جالسة يظنها الرائي تتابع الهاتف وبالواقع تفكيرها يحلِّق بذكرياتها المؤلمة وعقلها سارح بحُبٍ يطرق باب قلبها دون هوادة وهي تعْمَد على غلقه وإقفاله بإصرار، طرقات هادئة طويلة عجزت عن اختراق شرودها اضطر صاحبها للدلوف دون سماح: - الناس اللي اشتغلت وما بقيناش قد المقام عشان تقعدي معانا، مش قصدي اخضك بقالي ساعة بخبط ولما زهقت قولت سرحانة كالعادة ومش هتسمع وكان لازم الاقتحام. - تعالى يا حسن، ده أنتَ مقامك عالي يا أخويا. - بحب كلمة أخويا منك بترضينا احنا الانتين، مش هتبطلي تحبسي نفسك لوحدك، فاكراني مش واخد بالي. - عشان تاخدوا راحتكم، مش كفانية ما رضتش تخليني أنا وبابا نرجع شقتنا وقاعدين معاكم، عايزني كمان اكتم على نفسكم طول الوقت. - وأنتِ حد اشتكى لك استحالة نيرة تكون زعلتك. - أبدًا والله نيرة دي حبيبتي، أنا بحس يا حسن و... - أنا فاهم يا سعاد ومش هفتح معاكِ موضوع ياسين تاني هسيبك على راحتك، على العموم مامته لقت له عروسه وراح يشوفها وهيجي بعد شوية يقولي الأخبار، لو هتضايقي أخرج أقابله بره. لم تستطع إخفاء صدمتها التي تحولت إلى توتر وعصبية طفيفة، كبح حسن
تلألأت دموع الفرح بمقلتيها وهي تحتضن مولودها، يقف مؤنس جوارها بقلب يتراقص طربًا مِنحَة جديدة مِن الله تؤكد ارتواء قلبه بعد ظمأ سنوات عجاف ولَّت، اعترض صغيرهما حازم بكلماته الطفولية: - أنا شيل النونو ومش يقع حازم كبير. أجابته طيف بابتسامة: - لا يا حبيبي هو اللي صغير قوي. - هو يكبر متى؟ عايز شيل حمزة. إدعى مؤنس الاعتراض: - وأنت خلاص قررت تسميه حمزة أنا أبوه وأنا اللي اسميه. - احنا ظباط زي بعض مس نختلف قصاد ماما. - مش مقتنع، الظابط الصغنن يسمع كلام رئيسه سيادة المقدم، ولا أيه؟ - سوفت رأسه مس بابا، وبعدين أنت وماما مس عارفين وأنا سايف حازم حمزة حلا حلو. آزرت طيف صغيرها: - الصراحة يا مؤنس الاسم جميل أنا كمان من رأي حضرة الظابط الصغنن. - اتنين واحد كسبنا الماتس. - خليهم تلاتة صفر أنا كمان موافق. مال مؤنس على فراشها قبل رأس المولود ثم غاص بمقلتي طيف وتحدَّث برجاء حاسم: - فرحتي بالمولود وأنك بخير هما اللي نسوني رعب الشهور اللي فاتت، أنا وأولادك محتاجين لك يا طيف ما تعيشناش الإحساس ده تاني، زمان كان نفسي في طفل واحد دلوقت معايا تلاتة ولدين وبنت والحم
انقضى الليل ولا زال على جلسته ولم يتوقف عقله لحظة واحدة عن التفكير، مع سماعه لأذان الفجر توضَّأ ولجأ إلى الله لا يعلم بما يدعو أو كيف! صرخات مكتومة بجوفه وأعينه معلقة بالأعلى وكأنَّه اخترق البناء ناظرًا للسماء، طالت جلسته حتى شق الضياء الأفق فدلف للغرفة، وجدها تهندم ملابسها وتعدل وضع حجابها الذي يظهر تسريحة شعرها ببذخ، طالعته من انعكــاس المرآة ببسمة شامتة متشفية، فرغم أنه لا يحني هامته ويقف دومًا بشموخ وكِبر مهما حدث إلا أن انكسار روحه وشبح قهره سكنا نظرته وعجز عن إخفائهما فباتت بقمة نشوتها وخيلائها. التحمت النظرات بحرب صامِتة ختمتها بكلماتها التي سبقت خروجها من المنزل: - ما عرفتش تنام.. لقيتها مقفِّلة من كل النواحي صح! مبارك يا أبو العروسة. نظر في أثرها بغموض صامت، ثم اتجه للمرحاض واستعد للخروج، لم تكن وجهته العمل؛ فقد قرر تحرير أبنائه من سجن حياتهما، سيبعدهما عن الجحيم، وقف بسيارته أمام مكتب حجز التذاكر حجز رحلة طيران لحلا وأخيها إلى دولة أجنبية بعيدة يستوجب طول رحلتها أخذ استراحة في منتصف المسافة «ترانزيت» ومن خلال دولة التزانزيت حجز لهما وجهتين أخريين أح
ضاق بأفعالها ذرعًا ولم يعد يتحملها، لم تحترم اتفاقهما بأن يتعاملا برقي ويدعا ذرائعهما وينحياها جانبًا من أجل عُدي ابنهما الغالي، لكنها أحيانًا تتعمد خرق الاتفاق بسفور وكأنها تذكره أنها الأقوى، بل أحيانًا يظن أنها تريد إحياء صراعهما من جديد ها هي تتأخر اليوم عامدة وتتجاهل اتصالاته جميعها، قطع سيل أفكاره دلوفها بخيلاء وتبختر، تلاقت نظراتهما فقابلت غضبه بلا مبالة واستخفاف، هدر بصوته الغاضب والذي جَـاهَد لألَّا يتنامى لسمع حلا وعُدي:-كنتِ فين؟ ومش بتردي على التليفون ليه؟تجاهلته تمامًا واتجهت لأقرب أريكة اعتلتها بعدم اكتراث لسؤاله، نظرت له بهدوء يناقض حالته -التي يحاول كبتها - ثم اردفت بما لا يتعلق بسؤاله:-عندي لك خبر استحاله تتوقعه.قطب حاجبيه مرتابًا وصوت داخله يخبره بقدوم كارثة:-مش المحروسة الصغيرة جالها عريس.-تقصدي بنتي؟! لو حقيقي كلِّمك أنتِ ليه؟!!-يمكن أنا اللي كلمته، أو تبع معارفي.-البنت صغيرة قولي له طلبه مرفوض.-تؤ، مش مرفوض، مش تسأل مين الأول.ساد صَمْت مُرتَقَب لم يدُم طويلًا فقد أخرجت هاتفها مُظهرة صورته على شاشته ابتسمت بظفر مع تراجعه خطوة للخلف
صباح مشحون اكتظَّت سماه بالغيوم، استيقظتا مبكِّرًا واستعدتا للذهاب لمدرستيهما تحت صِـرَاخ والدتهما تحثهما على الإسراع؛ فاستيقظ سامح غاضِبًا: - استغفر الله العظيم! يعني أنا بستحمل كلام المدير وقرفه في سبيل إني أنام كام دقيقة زيادة، لكن إزاي اتهنى بنومي! لازم تقرفيني على الصبح وما أعرفش أنام مرتاح،
عاد سامح الموظف بأحد المصالح الحكومية، والعاشق للروتين ومعوقاته، من عمله الى بيته القاطن به بإحدى المناطق الشعبية ذات الشوارع الضيقة بعض الشيء، شاهد ابنته شيماء ذات الإحدى عشر عاماً تلعب من بعض الفتيات بمثل عمرها، ومعهن محمود ذو السبعة أعوام، ابن أحد الجيران بنفس البناية، يمسك بمرفقها، يحدثها ضاحك
نهايات زمهرير شتاء ٢٠٠٣ تغادر مسرعة من أسوار جامعة حلوان غاضبة، حزينة، تصعد أول ميكروباص يقابلها، وخلفها صديقتها تحاول اللحاق بها تناديها، ولا إجابة، فاستقلت أول ميكروباص قابلها ولحقتها إلي ساحة انتظار المترو بحثت عينها بناظريها حتى وجدتها، فأسرعت إليها. - طيف، يا بنتي بنادي عليكِ من بدري مركبة
صيف حار بعام ٢٠١٨، ارتفعت حرارته بلهيب احتراق القلوب. جلست تبكي وتنتحب، تضع يدها علي فمها، تكتم شهقاتها، تمنعها من الخروج، غَفلت أنها بمكان جديد، تجلس به كصدقة مقنعة، تتذكر مع كل دمعة ما مر عليها بسنوات عمرها الماضية، خمسة وثلاثون عاما، يزداد ألمها مع شهقاتها، التي ثارت وبدأت في التحرر، وهي كما اع







