Se connecterبمنطقة راقية، بالتحديد فيلا متوسطة الحجم يقف فتي بالسادسة عشر من عمره بممر الغرف بالدور العلوي ينظر لباب غرفة والديه المنغلق ويستمع لصراخ والدته وهي تحدث والده.
- ما تتكلمش على إنك حمل وديع أنت عارف بالظبط إيه اللي مضايقني وكل يوم والتاني نفس المشكلة. - كويس أنك عارفة أننا كل يوم في نفس المشكلة واللي بتتهربي من مسئوليتك عنها وترميها عليَّا، بس لا يا هانم، أنا بقى هاقولها بصراحة المرة دي، أنت ما عندكيش ثقة في نفسك، أنا يا هانم دكتور تجميل شاطر وتعاملي مع سيدات أمر طبيعي، ولو ما كانوش جمال أبقى فاشل لأنهم كلهم تعاملوا معايا وبرزت جمالهم وبروزته، وعملت عليه إسبوت كمان، وشغلى ده هو اللي سكِّنا في الڤيلا دي، ومعيشنا كده، وهو اللي بيسفرك في كل بلد شوية، مش هقولك ثقي فيَّا. ضحك باستخفاف مسترسلا بسخرية: - لأ ثقي في نفسك شوية أو اهتمي بابنك اللي بقى طولك بدل ما أنت ناسياه كده. - أنت كده بترمي الكورة في ملعبي، ما أنت كمان مُهمل في الولد، مش لوحدي، أما الثقة فأنا واثقة في نفسي كويس قوي بس أنت اللي عينك زايغة، كذا مرة ادخل عليك غرفة الكشف الاقيك بتغازل الهانم، ده مرة كنت.. كنت بتقلعها هدومها. أجاب ببجاحة مطلقة: -اسمها بساعدها عشان أكشف عليها، الممرضة كانت إجازة، والمريضة هتعمل تكبير ثدي، تفتكري أكشف إزاي! أنت اقتحمتِ العيادة ومنها لغرفة الكشف، وأحسن لك ما تفكرنيش لأنك أحرجتِني مع المريضة. - مريضة!! هي مريضة فعلًا بس مش في جسمها، مريضة في عقلها ورغبتها الحيوانية،. صرخت بعنف: - أنت ناسي كنتم إزاي، أنتم .. كنتم. هربت منها الكلمات من فرط توترها وعصبيتها فتحدث هو ببجاحة أكبر: -كملى سكتي ليه؟ مش لاقيه حاجة تقوليها أنا كنت في كامل لبسي وهيئتي، اللي شوفيه كان كشف بس أنت اللي مريضة بعقلك، وأنا تحملت منك كتير بس فاض بيَّا فخلي بالك. تحولت نبرتها من غاضبة متحفزة إلى نبرة يملأها الرجاء: - طيب لو شايف إني محتاجة أعمل تجميل عشان تشوفني حلوة زيهم اعملي بس بلاش.. بلاش تخوني كدة، أنا تعبت نظرتك لهم غير نظرتك ليا، لمعان عينك معاهم غير معايا، ساعات بحس إني مش عاجباك وإنك متضايق مني. - أنا ماليش في كلام الأغاني ده ولو عايزة تعملي تجميل تمام، بس تدفعي زيك زي أي مريضة business is business أجابته باندهاش وتعجب: -أدفع! أنا مراتك يعني أخد منك وبعدين أدفع لك تاني؟! -تاخدي مني ليه؟ فقيرة! ما أنت معاكِ فلوسك، ميراثك من والدك أو خدي من والدتك، أنا ما قولتش عايزك تتجملي ولا حاجة، أنت اللي مش واثقة في نفسك. -ماهر أنت بتتكلم جد! -ومن امتى الشغل فيه هزار، أكيد جد. لم تكن الدهشة مرسومة على وجهها فقط بل على وجه ابنهم أيضًا، الذي استمع لحوارهم بحسرة على حاله، يُلقون بالتهم كل على الآخر دون أدنى اهتمام به، سيرته عابرة، لم يقف كلامهما عليه، لم يهتما به يومًا، يشعر باليُتم دومًا وكلاهما على قيد الحياة. مرت به فترة لا يعلم طالت أم قصرت وهو على صدمته، وبالنهاية عاد لغرفته مهزومًا يجر اذيال الخيبة، ككل مرة يتشاجرا بها ويسمعهما دوره دوما بحديثهما ثانوي لا يزيد عن جملة أو إثنين لكل منهما مجرد مادة للمعايرة وحسب. بالداخل أخذ هاتفه الجوال الذي لا يملكه الكثيرين فهو باهظ الثمن حتي الخط بمبلغ وقدره، فوالداه يجلبان له اشياء عدة، الثمين منهما والبسيط، ظنا منهما أن تلك الاشياء تغنيه عنهما، عن وجودهما جواره، أو ترضيه؛ لغيابهما المستمر ولمشاكلهما التي لا تنتهي. اتصل بجده الذي أجاب بمودّة وحب. -ازيك يا رامي يا حبيب جدو عامل إيه؟ أجاب بتنْهِيده حارقه ثم تحدث: -الحمد لله يا جدو وحشتني قوي، هتيجي امتى؟ أجابه بقلة حيلة: -هما اتخانقوا تاني؟ مش عارف أقول لك إيه؟ سيبك منهم وركز في مذاكرتك عايزك أحسن دكتور في الدنيا، بتخصص مفيدة مش يجيب فلوس وخلاص. -ما بقتش عايز أكون دكتور يا جدي الأول كنت عايز أبقى زي بابا يمكن ياخد باله مني؛ بس دلوقتي مش فارق. - لا يا حبيبي كده جدو يزعل، أنا عايزك تهتم بمستقبلك وتبنيه صح، عايزك دكتور ناجح مش عشان أبوك، لا عشان أنا عارف اهتمامك وحبك للطب عايزك تكون اللي حابه وعايزه؛ عشان تتفوق فيه وتكون مميز في تخصص نافع للناس، مش اعتراض على خلقة ربنا، والستات كلها تبقي شبه بعض من النفخ والشد، عارف لما أبوك اختار التخصص ده، افتكرته هيهتم بضحايا الحوادث والعيوب الخلقية اللي عمليات التجميل أساسًا عشانهم، أو اهتمامه يكون بعمليات السمنة المفرطة وغيرها من العمليات المفيدة للإنسان، لكن لقيته بيجري ورا المادة، حاولت كتير أفهمه إن الفلوس مهمة بس مش الأساس، 'لكن لا حياة لمن تنادي' ولا أهتم بكلامي. - جدو هو أنا ممكن أجي أقعد معاك شوية؟ حقيقي محتاجك معايا. -أنت عارف أبوك مش راضي عشان أمك بتركز معاه في كل خطوة وبتبقى فاضية له، لكن وجودك مَعها يمنعها عنه شوية، أصبر يا حبيبي وأنا أحاول اقنعه يسيبك تقعد عندي، المهم ركز في مذاكرتك ومستقبلك يا حبيبي، اوعدني. - حاضر يا جدو أوعدك بكل طاقتي أركز في مذاكرتي وأحط كل همي فيها. أنهيا الاتصال والحزن رفيقهما، الجد يملأه الحزن على زهرة لم تتفتح بعد وتحيطها العواصف تكاد تقتلعها أو تقطع أوراقها، والحفيد يجد الخذلان والاهمال فقط من والداه مع الكثير من النقود. بمنطقة متوسطة الحال يجلس شاب بالسادسة عشر من عمره، على فراشه بغرفته المشتركة مع أخيه الأصغر -غير شقيق- هاني ذو الإحدى عشر عامًا، فهما يتشاركان غرفة واحدة، لا يشعر كلاهما بالآخر، كلٍ في ملكوته، أراح ظهره على الوِسادات خلفه ابتسم بسخرية، يتذكر مشادة حدثت بين والديه بالماضي، كان عمره آنذاك سبعة أعوام فقط، يتذكر تفاصيل ما حدث وكأنه يشاهد أحد الأفلام السينمائية، رسغ المشهد بذاكرته وحُفر، سُجلت الكلمات والصرخات كما تسجل الأغاني على شرائط الكاسيت. يومها علا صوت شجار عنيف بين أبويه أمام شقة الأب، تحاول والدته المطلقة والمتزوجة من آخر استعادته إليها، التف حولهما سكان البناية جميعًا، يحاولون جاهدين تهدئة الأوضاع بينهما دون جدوى، وهو بينهما كل منهما يمسك بإحدى ذراعيه يتجاذباه، كل منهما يشده ناحيته وكأنه دمية، تألم من ذراعيه وألمه جسده، كما أُنهك قلبه الصغير من شدة الألم والاشتياق لدفء الأسرة، الذي طالما سمع عنه ولم يجده أو يشعره به يومًا، يصرخ ولم يسمعاه من الأساس، لم يسمعا سوي نفسيهما فقط، يصرخ، يبكي ويتألم، يحاول المحيطين بهم تخليصه من قبضتيهما دون فائدة لا تزيده تلك المحاولات سوى ألمًا. صرخت والدته - سيبه حرام عليك المفروض الولد في حضانتي وأنت أخده تجَبُّر وافترى. - والله لو تعرفي تاخديه بالبوليس خديه، لكن دلوقت على جثتي، وامشي من هنا بدل ما أعمل لك محضر. - يا أخي إيه الجبروت ده؟! ما أنا كل أما اجي اخده، الاقيك عارف وبالوسايط والمعارف يجاملوك وتخبيه، ، روح يا شيخ منك لله. - مش اتجوزتي وخلفتي، يعني مش عايزاه، مش كل كام شهر تيجي تعملي دوشة وتلمي الناس، هيصدقوا كده إنك مغلوب على أمرك، بمزاجك رمتيه، بس مش بمزاجك تاخديه. - ما أنت كمان اتجوزت وقبلي وخلفت بدل العيل اتنين، ما تفتكرش إنك أحسن مني ولا إنك خايف عليه، أنت عايز تذلني وتوجع قلبي، سيب الولد بقي دراعه هيتخلع في إيدك. - آه اتجوزت، واحدة عارفة قيمتي وقيمة البيت، وتحت طوعي مش زيك، ومفيش عيل وسيبي دراعه، وربنا لو حصل له حاجة هاعمل لك محضر في القسم، اللي كله معارفي وأنت متأكدة من ده، فلمي نفسك وارجعي لبيتك وما تجيش هنا تاني مع السلامة. تحدث أحد الجيران مُشفق على الطفل وما يحدث له من والديه: - يا جماعة مش كده سيبوا الولد هتخلعوا دراعه، كل واحد فيكم مش شايف غير مشكلته مع الثاني، وهو اللي تعبان، إرحموا ضعفه بينكم مش كده. أجاب الأب بتعجرف: -ابني وأنا حُر فيه، يا ريت محدش يتدخل، اللي شايف نفسه حمامة سلام يتفضل من هنا، مش عايز تدخلات من حد. عاد حسن إلى حاضره وازدادت بسمته الساخرة حدة، تذكر إنهما وقتها أرخياه قليلا لثوانٍ بسيطة وما لبثا وتضاعفت قوة جذبهما له بعنفٍ تزايدت حدته مع حدة كلماتهما وصرخاتهما المتبادلة. استمر الحال لفترة طويلة، وبالنهاية تفوق والده كالعادة، بمعارفه وجبروته، وعادت والدته تجر أذيال خيبتها للمرة التي لا تعلم عددها. عاد يغوص بتلك الذكرى المريرة، فيومها بعد أن رحلت والدته، نَهره والده وأمره بالدخول لغرفته، التي يتشاركها مع أخيه سامر، الذي يصغره بأربعة أعوام، دخل الصغير حسن يبكي وينتحب، يتمنى أن ينعم بضمة حنونة من والديه، أو إحداهما، لا ضربات وصفعات زوجة أبيه، يتمنى أن يستمع لكلمة طيبة تصحبها بسمةٍ بشوشةٍ مطمئنة، لا كلمات مسمومة وصرخات تزلزل كيانه وتؤلم روحه كما يتألم جسده الواهن الصغير، وما زاد عذابه دخول زوجة والده خلفه، تلقي عليه سمومها، تحدثه بصوت خافت حاد، كي لا تقع كلماتها على مسامع والده. - لو فاكر إنها عايزاك، تبقي عبيط دي حركات عشان تكسب تعاطف الناس، ويفتكروا إنها مغلوب على أمرها، أمك رمتك وشافت حياتها، بس أبوك هو اللي متمسك بِك، مش عارفة ليه؟ لو على الولد، الحمد لله ابني سامر حِسَّه في الدنيا، هو ده ابنه الحقيقي، لكن أنت ولا لك لازمة، امتي تغور من حياتنا يا أخي؟ إلهي يا رب تمرض وتموت ونرتاح من همك وقرفك. خرجت وتركته مذبوح، طفل بعمر الزهور يسقى العلقم، لا يشعر به كلا والديه، بل لا يشعر بمعاناته أحد، ليس له سوى الله، يشتكي إليه ضعفه، وقلة حيلته وهوانه على أقرب الأقربين. أفاق حسن من تلك الذكرى المشؤومة كغيرها من الذكريات المتشابهة إلا حفنة صغيرة يتخللها بعض السعادة والفرح، ضحكة سخرية صغيرة بالكاد ارتسمت على جانب فمه، عندما رأى زوج والدته يدخل الغرفة دون استئذان كعادته، يحتضن ويقبل ابنه الغافي، يعلم إنه يتعمد فعل ذلك لمضايقته، هو بالطبع يحب ابنه، لكنه بنفس الوقت يكره حسن ويشعر إنه دخيل عليهم كره عودته، لم يفصح عن ذلك بكلماته فظاهرها ترحيبه مصطنع وباطنها معايرة وسموم، رغم صغر سنه إلا أنه يعلم مراد زوج والدته ومقصده، يدرك المعنى المرسل، عكس والدته فدومًا تصدق ظاهر كلماته بنيَّة صافية أو هكذا تبدو، لكنه لم يثور أو يشتكي، اعتاد الصمت، وعندما كبر بات يقابل ما يزعجه من كلمات ببسمة باردة، يخفي خلفها ألمه وجراحه المتزايدة والملتهبة.أنهى الإجراءات ليغادرا وذهب لشيماء بمكتبها، استقبلته بابتسامة سرعان ما تبددت برؤية معالمه، نظرت له بترقب تشعر بوقوع خطب سيئ. -حبيبتي، عايزك في موضوع.من رهبتها وشعورها السيئ التزمت الصَّمت تحركت معه توزع نظراتها بينه وبين خطواتها، وبمكتبه جاورها على الأريكة يقابلها لا يعلم كيف يبدأ الحوار:-شيماء، أنتِ طيبة وبتسامحي وعارف أنك بتتمني تشوفي نادية وزعلانة من بُعدها وعدم اهتمامها، لكن هى محتاجاكِ معاها.صمت طويل ساد بينهما، تخشى السؤال فيثبت لها ما يرهبها، فاسترسل بهدوء وضمها إليه مع انهيارها:- نادية عملت حادثة.. بلاش تبكى، إن شاء الله تكون بخير.تهدجت أنفاسها ببكاء حار:-أيه اللي حصل لها يا رامي؟ -كانت مع فوج سياحي هنا في القاهرة، وعربية خبطتها.-عايزة اروح لها يا رامي عشان خاطري. -أكيد يا حبيبتي، بلاش عياط إن شاء الله هتكون بخير، نادر كلمني هو لسه في الأقصر، لازم نتحرك على طول عشان ما تفضلش لوحدها أكتر من كده.نهضا وضمها إليه حتى هدأت أنفاسها أبعدها بلطف:-اغسلي وشك وهاتي حاجتك، يلا بسرعة.رافقها التوتر طوال الطَّريق، تخشى الفِراق، بوصولهما سألا عنها وكانت لتوها خرجت
استقرت حياة شيماء لا ينغص عليها صفوها سوى بُعد أختها عنها وجفائها، دائمة الشرود بها تتمنى وصلها، لا تعلم بمحاولات رامي وتواصله مع نادر زوج نادية في محاولة منهما لاستمالة قلب نادية وانهاء شتاتهما، انتشلها مِن شرود تفكيرها عودة رامي -بعد إجراء إحدى العمليات الجراحية- مرهق ومتعب:-حمد الله على السلامة يا حبيبي.ابتسم لها بشكر فهي باتت قلب دافئ يحتويه بحب، ضمها بحنان واشتياق:-وحشتيني.- أنت أكتر، على ما تغير أكون جهزت السفرة وتحكي لي عن يومك وجو العملية.-عنيا، جدو كان دايمًا يقول نفس الكلام بعد كل عملية.-يلا بسرعة يا ولد اسمع كلام جدو.-مال جدو أحلو كده ليه.انعزلت عن الدنيا لأعوام، فأراد أنْ تجوب معه بعضها، بكل يوم يأخذها لمكان، بدت كطفلة صغيرة تخشى العالم فتمسك يده تلتمس منه الدَّعم والأمان؛ فيحلِّق بالسماء وتطيب جراحه هو أمانها في مقابل العالم وحاميها، انبهارها بكل مكان يجوباه يسعد مهجته، عاملها كطفلته الصغيرة يوضح لها تاريخ المكان، اسم المنطقة أو المطعم يشتري لها قطع تذكارية وكل ما يشعر برغبتها فيه، نظرات الإعجاب وإن كانت على استحياء والفرحة التي ملأت عينها تسعده وتغمره
ارتعش جسدها وبدأت تحكي بصوتٍ متهدِّج:-كنت بشوف أصحابي يتعاملوا مع بعض بحرية كبيرة ولاد وبنات، انفتاح مبالغ فيه، خروج من غير حساب، فلوس كتير سهرات وملابس متحررة قوي، حسيت أنه غلط ومش صح، حطيت لنفسي حدود ورفضت أنهم يكسروها، والنتيجة تريقة وسخرية، انتقادهم ليَّا خلاني تايهة وزي أي بنت حاولت أحكي لماما، وما كانتش فاضية، كان سامر قريب مني أو زي ما كنت فاكرة وقتها، كنَّا لسه نازلين مصر قريب، فحكيت له وما انتبهتش لبهتان ملامحه كلامه المقطع وتوهانه معظم الوقت، ضربني لأول مرة لقيت نفسي تحت رجله وأنا بصرخ من الوجع، جريت على اوضتي قفلتها بالمفتاح، فضل يخبط ويرزع على الباب شوية وبعدين سكت، اتصلت على بابا واشتكيت له.اختنقت من بكائها العنــيف وشهقاتها المتتالية؛ فصمتت تستجمع شتاتها ثم استرسلت:-كلمه كتير وزعق حذره يكرر اللي عمله، خلاه يصالحني ويعتذر وهو معانا على التليفون، عمل كدة فعلًا واطمنت أنا وبابا، بس كل واحد في بلد وده خلاه بكل سهولة يخالف كلام بابا، بعد ما قفلنا دخلني اوضتي وقفل بالمفتاح من غير ما أنتبه، خلــع حــزامه ونزل فيا ضــرب، وأخد مني التلفون، حبسني أسبوع، واللي قهرني إ
حاولت جمع كلماتها التي تبعثرت وبدت غير مفهومة:-لا، لا، لا، والله لأ! بخاف، والله بخاف! شـ.. شـ..لا يتحمل رؤيتها بتلك الحالة أبدًا، بحركة لا إرادية جذبها إليه يحتوي وجعها حاول بثها الطمأنينة بكلماته حتى حررت عقدة لسانها:-اهدي يا طيف، اهدي وتكلمي بالراحة، أوعي تخافي من حاجة، ما تخافيش مني! استحالة أءذيكي ثقي في ده.-خايفة، خايفة أتوجع، كانت لحظات مُرَّة، محتاجة وقت اتعود، اتعود بس، أنا آسفة لأني بتعبك، والله آسفة! مش عايزة كده، بس مش عارفة، أنت استحملت مني كتير، آسفة بجد، آسفة.أعطته كلماتها مزيج مِن الراحة والأمل؛ فنمت بسمة مستبشرة على وجهه:-أنا اللي آسف لأني استعجلت، خدي وقتك مش هضغط عليكِ، كل اللي عايزه وعد يا طيف وتوفي به، عايزك تتكلمي معايا في اللي يخطر في بالك وبدون كسوف، اوعديني يا طيف.-مش هقدر، صعب، بخاف اتكلم، كان.. كنت بتـ.. بتوجع، كل حاجة كانـ.. صعب، صدقني صعب.كل مدي يزداد كرهه لشهاب أضعاف مضاعفة، يود الدخول معه بنزال يصرعه به ويقضي عليه، نزال بدني يخرج به كل ما يحمله تجاهه من بُغض.ساد صمت يصرخ بما يحملاه من هموم وأحمال، لم يحررها من بين ذراعيه، يحاول اخفاء غَضَ
تنهد بإرهاق، لم يفعل معها ما يخيفها منه، أطبق جفونه بألم؛ فحبيبته تهابه وتخشاه، مهَّد لنفسه لتقبل أي ردة فعل، حاول الابتسام ثم بدل ملابسه ينتظر خروجها، طال الانتظار وداهمه القلق، خشى أن تؤذي نفسها؛ طرق على الباب بتوتر يناديها وتنفس الصُّعداء حين أجابته، ثواني وخرجت إليه بطلتها الهادئة مثلها والمبهرة بعينيه، رقيقة مُحتشمة على عكس عادة اليوم، ولم ترَ انبهاره بمظهرها من فرط توترها. قطع المسافة بينهما يضمها باشتياق يروي ظمأ عاشق متيم بحث عن محبوبته لأعوام طويلة حتى وجدها، لُقِب بقيس؛ فهو مثله لكنه لم يفقد عقله، وسط دوامة أفكاره لم ينتبه لمدى قوته التي كادت تعصرها بين ذراعيه، والتي أجَّجَت تضارب مشاعرها بين الشعور بالدفء والحنان وبين الرُّعب مما هو آتٍ، وسؤال يفرض نفسه عليها: لمَ دخلت دوامة الزَّواج من جديد وأعادت الكَرَّة؟ نجت منها من قبل بأعجوبة مستنزفة ثلاثة عشر عام من عمرها؛ فلمَ تعيد التجربة؟!!! لن تجرؤ على إخباره ما يدور بخلدها ولن تستطيع تنحية أفكارها جانبًا.انتبه مؤنس من النشوة التي غمرته على انتفاضتها؛ فأشفق عليها وابتعد خطوة واحدة لم يطاوعه جسده على أكثر منها، ح
ارتسم الذُّهول على وجه ريڤال، لقد تحول بالفعل يبتسم بهدوء وهو لم يفعل سوى مرات قليلة منذ أن عرفته، اليوم فقط ابتسم بما تعدى ابتسامه طوال الشُّهور الماضية، سلطت عينها عليه بدهشة أسعدته، فتحدث مبتسمًا:-مالك؟ أنتِ كويسة؟-أه تمام، هكلمهم، ولو في دماغك تصميم معين بردو.-المهم تعجبك أنتِ وحلا.راودها الشَّك، تجزم أن بالأمر شيئًا، بالتأكيد لم يتغير مِن النقيض للنقيض، ثم حدثت نفسها فليفعل ما يريد، تلك الخطوة جيدة لها، هي لا تتقبل المكان بوجوده، ڤيلا صغيرة ستكون أكثر راحة للجميع. خلال فترة وجيزة استأجر الفيلا وابتاع أثاثها، رافق حلا برحلة اختيارها لغرفتها حينها انتبه أنها بدأت تتجاوز مرحلة الطفولة وبدأت مرحلة المراهقة، صغيرته على اعتاب مرحلة الشباب، كبرت دون مقدمات كبرت ملامحها وأصبحت مزيج بين طيف ووالدته.مؤنس يكاد لا يصدق أنه على أعتاب تحقيق حلمه، استنشق الهواء بعمق يغمض مقلتيه يتذكر كم عانى لإقناع والدته بقبول زواجه بطيف حتى وافقت على مضض، حتى طيف كادت أن تفسد فرحته برفضها التام لارتداء فستان زفاف أو حتى إقامة حفل صغير، وبالكاد اقنعها بفستان أبيض شديد البساطة وقع عليه ا
بالصباح كبلها بأوامره لتنظيف المنزل وإعداد الطعام، وضع لها جدول يحسب به كل دقيقة حتى وقت عودته، بالنِّهاية أغلق عليها متراسه، يعيقها ويمنعها عن الحياة، ينتفض جَسَــدها مع صوت إغلاف المفتاح، اسرعت لذات الركن الذي شهد بكائها بالأمس، وقفت كالأمس، أغلقت فمها براحتيها على فمها تكتم آهاتها، اخرجت باقي حز
أجواء متوترة سادت السيارة عقب صعودها، لم تدم كثيرًا فشق الصمت صوت شهاب المتوعد الصارم، دون أن يوجه بصره إليها: - معنى كلام ماما أيه؟! بتشكي يا طيف! شكوتها سُبَّه، فاسرعت تدفعها عن نفسها: - والله العظيم أبدا، حتى لما بتسالني عن معاملتك معايا بقول بيعاملني كويس، حتى .. حتى... - أنطقي. انتفضت
جثت ارضًا، وضعت كفه بين راحتيها وتحدثت مع دموعها راجية متوسلة:-عشان خاطر ربنا يا شهاب، وحياة كل حاجة غالية عندك، سيب الحمل يكمل المرة دي، نفسي أكون أم، الطفل ده هيكون حته منك، هتربيه زي ما أنت عايز، امتداد لك.قبَّلت يديه أثناء حديثها، وكل كيانها يرجوه الرحمة؛ فتحدث بتجبر وتعالٍ: -أنت اللي مش
بضعت أيام وذهب مؤنس للجامعة، توجه لشئون الطلبة يبحث عن عنوانها وأي بيانات مسجلة بملفها، وسأل بعض العاملين والسُعاة حتى علم بهوية من تزوجت وعنوانه، ولكن العنوان المسجل هو عنوان والده وليس محل سكنه، علم شهاب ببحثه عنها، فجن جنونه، قاده تفكيره أن هناك ما لا يعلمه، فكر مليا فيما سيفعله معها لن يستخدم ال







