LOGINجلس وكيل النيابة خلف مكتبه الضخم المزين بالشعار الملكي، وتوزعت المقاعد في غرفة التحقيق الرسمية لتوثق مواجهة قانونية للتاريخ. أخذ النيابة نفساً عميقاً، ونظر بجدية صارمة إلى الحضور بعد أن أثبت صفاتهم وأشخاصهم في محضر الجلسة الرسمي:
السيد رئيس المباحث: بصفته وشخصه، المحقق شارلوك.
المتهم: السيد اللورد آرتثر برادفورد، بصفته وشخصه، وبجانبه محاميه السيد وايز مان.
المبلغ والشاهد الأول: السيد ماجواير، بصفته وشخصه (الصحفي الجنائي).
الشاهد الثاني: السيد توماس، بصفته وشخصه (صاحب الحانة))،
عدّل وكيل النيابة نظارته الطبية، وفتح ملف القضية ببطء، ثم طرق بمطرقته الخشبية طرقة خفيفة أعلنت بدء سماع القضية، ووجه نظراته الحادة نحو الحضور قائلاً بصوت رخيم ملأ أركان الغرفة:
— "بناءً على المحاضر الرسمية المرفوعة إلينا، والأدلة المرفقة من زر ذهبي يحمل شعار عائلة برادفورد، ومذكرات المجني عليها 'إليزابيث'. نفتتح هذه الجلسة لسماع الأطراف حول مقتل الفتاة وشبهة الفساد والتهريب. نبدأ أولاً بسماع رواية الشاهد توماس.. سيد توماس، تقدم وأفرغ ما في جعبتك للامانة والقانون."
ارتعدت فرائص توماس، ونظر إلى المحقق شارلوك الذي أومأ له بنبالة وحزم ليطمئنه، ثم نظر توماس إلى وكيل النيابة وتحدث بصوت مرتعش لكنه مسموع:
— "يا سيادة وكيل النيابة.. لامانة الحديث، اللورد برادفورد كان يتردد على حانتي في الخفاء. والليلة الماضية، رأيته بعيني يلحق بإليزابيث في الزقاق الخلفي بعد أن سرقت مذكرات الشحنات الفاسدة. وعندما واجهته اليوم في الحانة أمام السيد جوني والمحقق شارلوك، كان يبحث عن بقية الأوراق ليخفي جرمه!"
انتفض المحامي "وايز مان" محاولاً الاعتراض، لكن وكيل النيابة أشار إليه بيده ليصمت، ثم التفت بنظراته الذكية نحوي ونحو المحقق شارلوك، وقال:
— "سيد شارلوك، بصفتك رئيس المباحث.. وسيد جوني ماجواير، بصفتك الصحفي الذي تتبع الخيط؛ ما هو قولكما في هذه المواجهة وأمام إنكار السيد اللورد؟"
تحرك المحقق شارلوك بخطوة واثقة، والتفتُّ أنا (جوني) بجانبه بكامل حذري وذكائي مستعداً لتقديم الضربة القانونية والصحفية القاضية وسط ذهول اللورد ،
تقدم المحقق شارلوك، رئيس المباحث، بخطوة واثقة وموزونة أمام مكتب وكيل النيابة. شبك يديه خلف ظهره، ونضح بوقار ونبالة رجل القانون الذي لا يهتز. نظر إلى اللورد برادفورد ومحاميه نظرة خاطفة حملت كل معاني التحدي والذكاء، ثم التفت إلى وكيل النيابة وبدأ في الإدلاء بشهادته الرسمية قائلاً بصوت رخيم وثابت صدى في أرجاء الغرفة:
— "سيادة وكيل النيابة المحترم، بصفتي رئيساً للمباحث ومتابعاً لهذه القضية منذ لحظتها الأولى، أود أن أثبت في شهادتي أن الجريمة التي نحن بصددها اليوم ليست مجرد حادثة قتل عابرة في زقاق معتم، بل هي عملية تصفية متعمدة لإخفاء شبكة فساد كبرى."
صمت شارلوك لبرهة، ليعطي كلماته وزناً، ثم تابع بذكائه المعهود:
— "لقد قادتنا التحريات، بالتعاون مع الحس الصحفي اليقظ للسيد جوني ماجواير، إلى مسرح الجريمة. وحين عثرنا على جثة المجني عليها 'إليزابيث'، وجدنا في يدها المتشنجة دليلاً مادياً لا يقبل الشك؛ زراً ذهبياً نادراً يحمل الشعار الملكي الحصري لعائلة اللورد برادفورد. وفي الليلة ذاتها، رصدنا اللورد وهو يغادر المنطقة على عجلة من أمره، وبموجب معاينتي الشخصية له لاحقاً، تبيّن أن معطفه الفاخر تنقصه ذات الأزرار، وقد تم تعديل البدلة على عجل بزر مشابه لكنه مفضوح، وهو ما يثبت تواجده في عين المكان واشتباكه مع الضحية."
التفت شارلوك نحو الطاولة وأشار إلى المذكرات والزر بيده، وأنهى كلمته بنبرة صارمة:
— "ولأمانة الشهادة أمام منصتكم الموقرة، فإن مواجهتنا مع اللورد برادفورد ليلة أمس في حانة توماس—والتي تمت بحضور الشاهدين السيد جوني والسيد توماس—كشفت عن حذر اللورد ومحاولته البائسة لفرض نفوذه وادعاء الإحسان الكاذب لتبرير وجوده. إن الأدلة المادية المتمثلة في المذكرات والزر، تتطابق تماماً مع شهادة الشهود، وتضع السيد اللورد في قفص الاتهام المباشر، فالقانون فوق الجميع مهما علت رتبهم."
انتهى الضابط المحقق من شهادته، وساد الغرفة صمت ثقيل، بينما التفتت الأنظار كلها نحو اللورد ومحاميه اللذين بدت عليهما علامات الوجوم لأول مرة.
التفت وكيل النيابة الآن نحوي، وقال: "سيد جوني ماجواير، بصفتك وشخصك، ما هي شهادتك وملاحظاتك الصحفية والجنائية حول هذه الأقوال؟"
عدّلتُ من وقفتي، وأخذتُ نفساً عميقاً ثبّتّ به نبرة صوتي لتبدو واثقة وقوية، تليق بصحفيٍّ يحمل على عاتقه إظهار الحقيقة. نظرتُ مباشرة إلى وكيل النيابة، متفادياً نظرات الحقد التي كانت تنبعث من عيني اللورد برادفورد، وبدأتُ في الإدلاء بشهادتي قائلاً:
— "سيادة وكيل النيابة المحترم، بصفتي وشخصي كصحفي جنائي تتبع هذه القضية منذ بدايتها، أقف هنا لأؤكد صحة كل ما جاء في شهادة السيد رئيس المباحث شارلوك. إن دوري لم يكن مجرد ناقل للحدث، بل كنت شاهداً عياناً على تفاصيل لا تقبل التأويل."
خطوتُ خطوة صغيرة إلى الأمام، وأشرتُ بيدي إلى الدفتر الجلدي الصغير الموضوع على طاولة الأدلة، وتابعتُ بذكاء وحذر:
— "هذه المذكرات التي بين أيديكم ليست مجرد خواطر لفتاة مسكينة؛ بل هي وثيقة جنائية خطتها المجني عليها إليزابيث بدمها وخوفها. لقد وثقت فيها تفاصيل الشحنات والمواعيد والأسماء التي كانت تُدار من خلف الستار. وحين التقينا باللورد برادفورد ليلة أمس في الحانة، وسط الموسيقى الناعسة ورائحة التبغ، حاول بكل ما أوتي من مكر وبلاغة أرستقراطية أن يدعي الإحسان، وزعم أنه كان هناك بمحض الصدفة ليتفقد يتامى المدينة."
التفتُّ بنظري مباشرة نحو اللورد، وقلت بصوت حازم صدى في أرجاء الغرفة:
— "لكن 'أمانة الحديث' يا سيادة وكيل النيابة تكشف التناقض؛ فالرجل الذي يذهب لطلب الإسعاف لإنقاذ فتاة تموت—كما ادعى—لا يترك وراءه زراً ذهبياً نادراً في يدها المتشنجة نتيجة عراك مادي، ولا يعود في الليلة التالية متخفياً إلى ذات الحانة ليبحث عن أوراق مفقودة ويهدد صاحبها توماس بالصمت الأبدي. إن قلم الصحافة لا يفتري على النبلاء، لكنه لا ينحني أمام نفوذهم إذا تلطخت أيديهم بالدماء. هذه شهادتي."
ساد الصمت الغرفة مجدداً، ونظر وكيل النيابة إليّ بإعجاب وتقدير لترابط الأقوال، ثم نقل نظراته الصارمة نحو اللورد برادفورد ومحاميه السيد وايز مان، الذي بدا وكأنه يبحث عن قشة ينقذ بها موكله بعد أن أحكمت الشهادات والأدلة الحصار حولهما.
طرق وكيل النيابة الطاولة، والتفت إلى المتهم ومحاميه قائلاً بنبرة حاسمة:
— "سيد وايز مان.. سيد لورد برادفورد، الكلمة الآن لكما للدفاع أو الرد على هذه الاتهامات الدامغة."
اعتدل المحامي "وايز مان" في جلسته بوقار وثقة ثعلب متمرس في دهاليز القانون. نظر إلى وكيل النيابة بابتسامة خفيفة، ثم التفت بنظراته نحو شارلوك ونحوي، وكأنه يخبرنا بأن قلاع النبالة والنفوذ لا تسقط بهذه السهولة.
تنحنح ببراعة، وبدأ يتحدث بنبرة هادئة ورصينة، صبّ فيها كل مهارته القانونية ليحول الدليل المادي القاتل إلى صك براءة لموكله، قائلاً:
— "سيدي وكيل النيابة المحترم.. إن شهادة السادة الحضور، على روعتها وحسها الدرامي، قد أغفلت الحقيقة الإنسانية البسيطة والبديهية لهذه الواقعة. إن موكلي اللورد آرتثر برادفورد، ولما كان يتفقد المساكين واليتامى في تلك الليلة—كعادته التي تشهد بها أعماله الخيرية—رأى السيدة المتوفاة وهي تنازع الموت في رمقها الأخير."
صمت وايز مان لثانية، ورفع يده بوضوح ليرسم المشهد في مخيلة النيابة، وتابع بنبرة مؤثرة:
— "فركض إليها دون خوف أو تردد، مدفوعاً بنبله وإنسانيته، وهو يحاول جاهداً إنقاذها وإسعافها. وفي تلك اللحظات العصيبة من سكرات الموت، وتشبثاً بأي أمل في الحياة، تمسكت الضحية المتشنجة بـ 'زرار سترة' موكلي بقوة، فأسقطت الزرار واستقر في يدها. وحين أدرك موكلي أن حالتها حرجة، أسرع راكضاً لطلب النجدة والإسعاف كما ذكر لكم في الحانة. هذا كل ما حدث سيدي.. فعلُ خيرٍ نبيل تحول بفعل التخمينات الصحفية وظنون المباحث إلى اتهام بالقتل!"
ساد صمت مفاجئ وثقيل في الغرفة. كانت ثغرة محترفة وذكية جداً من محامي العائلة؛ رجل ليس سهلاً على الإطلاق. لقد قلب الدليل المادي الأساسي (الزر) من أداة إدانة بالاشتباك والقتل، إلى دليل براءة يثبت محاولة اللورد الشجاعة لإنقاذ الفتاة!
تلاقت أعيننا؛ اللورد برادفورد استعاد ابتسامته البلهاء والواثقة خلف محاميه، بينما ضاقت عينا المحقق شارلوك بحذر شديد، وأدركتُ أنا أننا أمام معركة ذكاء حاسمة لا تحتمل أي خطأ.
التفت وكيل النيابة نحو شارلوك ونحوي، وقد ظهرت على وجهه علامات التفكير في هذه الحجة القانونية القوية، وقال:
— "سيد شارلوك.. سيد ماجواير، المحاماة قدمت تفسيراً منطقياً لوجود الزر في يد الضحية. هل تملكون رداً مادياً ينقض هذه الرواية؟"
تقدمت خطوة إلى الأمام، وارتسمت على وجهي ابتسامة هادئة حملت كل معاني التحدي والذكاء. نظرتُ إلى المحامي "وايز مان" ثم وجهت حديثي مباشرة إلى وكيل النيابة، متحدثاً بنبرة حازمة وقوية لتفكيك هذه الثغرة المحترفة:
— "سيدي وكيل النيابة المحترم.. إن رواية الدفاع مستساغة من الناحية الدرامية، لكنها تنهار تماماً أمام الدوافع الجوهرية في هذه القضية، والتي توثقها الأدلة لا التخمينات. نحن لا نتحدث عن فتاة غريبة التقت باللورد فجأة في عتمة الليل، بل نتحدث عن 'إليزابيث' التي تكشف المذكرات الجلدية التي بين أيديكم عن علاقتها المباشرة بأعمال اللورد."
فتحتُ دفتراً صغيراً كنت أحمله، وأشرت بيدي إلى المذكرات الملقاة على الطاولة وتابعت بحذر وذكاء:
— "إذا كان موكلكم قد ركض إليها دافعاً بالإنسانية لإنقاذها بمحض الصدفة، فكيف يفسر الدفاع أن اسم اللورد برادفورد مكتوب بخط يد الضحية في هذه المذكرات قبل أسابيع من مقتلها؟ وكيف يفسر تفاصيل الشحنات والمواعيد والصفقات الفاسدة التي وثقتها إليزابيث، والتي تتقاطع تماماً مع أعمال عائلة برادفورد؟"
نظرتُ إلى اللورد وتلاقت أعيننا بحذر شديد، ثم أتممتُ كلمتي متوجهاً لوكيل النيابة:
— "الضحية لم تكن تموت فجأة ليمسد اللورد على يدها فتمسك بزره يا سيدي؛ الضحية كانت تهرب من تهديد مباشر وثقته في أسطرها الأخيرة هنا. الدوافع الجوهرية تثبت أن اللورد لم يكن يركض للنجدة، بل كان يركض خلف هذه المذكرات ليخفي دليل إدانته، والزر سقط أثناء محاولته انتزاع الحقيبة منها بعنف. المذكرات هي الشاهد الصامت الذي يملك الذكاء واليقين لينسف رواية الصدفة الكاذبة."
تغيرت ملامح المحامي وايز مان فوراً وضاق بريق عينيه، بينما اتكأ شارلوك إلى الخلف ناظراً إلي بنبالة وفخر، منتظراً قرار وكيل النيابة بعد أن وضعت المذكرات الجليدية القيد حول عنق اللورد مجدداً ،
تنحنح المحامي "وايز مان" مجدداً، وبدت على ملامحه أمارات الحذر الشديد بعد أن أعادت كلمات جوني الحصار حول موكله. عدّل نبرة صوته لتبدو هادئة ورصينة كالعادة، وتقدم بخطوة واثقة نحو مكتب وكيل النيابة، ثم رفع يده طالباً الإذن بالحديث قائلاً بوقار وثبات:
— "سيدي وكيل النيابة المحترم.. أطلب الإذن بالتعقيب والتقدم للحديث أمام منصتكم الموقرة؛ للرد على الدوافع الجوهرية التي أثارها السيد الصحفي، ولتوضيح مسألة هذه المذكرات الجلدية التي يُراد بها إقحام اسم عائلة برادفورد العريقة في وحل الشبهات."
التفت المحامي نحو جوني وشارلوك بنظرة باردة تخفي وراءها دهاءً قانونياً كبيراً، ثم نظر إلى وكيل النيابة بانتظار إشارته لبدء مرافعتهم المضادة.
أومأ وكيل النيابة برأسه مانحاً المحامي حق الحديث.
ما هي الحيلة القانونية الجديدة أو المفاجأة التي سيقدمها المحامي "وايز مان" الآن لتبرير وجود اسم اللورد في مذكرات إليزابيث؟
تنحنح المحامي "وايز مان" بثقة مفرطة، وبدت على شفتيه ابتسامة ماكرة وهو يفتح حقيبته الجلدية الفاخرة. نظر إلى وكيل النيابة بذكاء حذر، ثم التفت إليّ وإلى المحقق شارلوك قائلاً بنبرة تهكمية:
— "سيدي وكيل النيابة المحترم، إن الاستناد إلى ما كُتب في مذكرات جلدية مجهولة النسب هو ضربٌ من الظنون الجنائية. وبناءً عليه، فإننا نطالب رسمياً بندب خبير خطوط معتمد من المحكمة للتحقق من صحة هذا الخط، وإن كنا ننكر تماماً أن هذه الكلمات تخص الضحية أو تمتّ لموكلي بصلة."
ثم استلّ وايز مان ورقة رسمية مختومة بأختام حكومية بارزة، ورفعها بيده عالياً بزهو ونبالة أرستقراطية، وتابع ليوجه ضربته المضادة:
— "ولكن، لنفترض جدلاً وبحسب ادعاء السيد الصحفي أن هذه المذكرات كُتبت في التواريخ المذكورة بها قبل أسابيع.. فكيف يفسر الاتهام هذه الوثيقة الرسمية؟ هذه شهادة طبية حكومية ومسجلة في مصلحة الجوازات، تثبت بالدليل القاطع أن موكلي اللورد برادفورد كان في رحلة استشفاء في إيطاليا، تحديداً في الوقت الذي تزعمون فيه أن القتيلة كانت تدون مذكراتها وعلاقتها به في لندن! اللورد لم يكن موجوداً في البلاد أصلاً، فكيف لغائب أن يهدد أو يدير شحنات؟"
ساد صمت مطبق في قاعة التحقيق. خيّم الوجوم على وجه "توماس"، ووقفتُ أنا ومارك بحذر شديد نتأمل هذه المناورة القانونية الشرسة. لقد قدم المحامي ثغرة محترفة مدعومة بورقة رسمية (دليل غياب) تبرئ اللورد من فترة كتابة المذكرات وتضرب مصداقية التواريخ في مقتل.
ارتسمت ذات الابتسامة البلهاء والباردة على وجه اللورد برادفورد، ونفث نفساً عميقاً كأنه يتحدى ذكاءنا تحت ضوء الغرفة.
نظر وكيل النيابة إلى الورقة الرسمية بتمعن، ثم التفت بنظراته الصارمة نحو المحقق شارلوك ونحوي، وقال:
— "سيد شارلوك، الدفاع قدم مستنداً رسمياً بغياب المتهم خارج البلاد في زمن تدوين المذكرات، وطعن في الخط.. ما هو رد المباحث على هذا المستند؟"
دارت مطابع "الجارديان" في تلك الليلة بقوة لم تشهدها لندن من قبل، وخرجت الصحف في الصباح تحمي العناوين الكبرى للبلاد لكنها تقص أجنحة الفساد بذكاء حاد. نُشرت القضية كضربة دولية ضد "شبكة تهريب المرفأ"، وجُرد اللورد برادفورد من نفوذه السياسي والتجاري بالكامل ووضع تحت الإقامة الجبرية بعيداً عن حبل المشنقة، ما أرضى باريس ولندن، وجعله جسداً بلا روح، مقصوص الجناحين، وعاجزاً عن الحركة للابد.بهذه التسوية الذكية التي قادها شارلوك من خلف الستار، ونفذتها أنا بحبر مطبعتي، أُغلقت قضية إليزابيث والمذكرات الجلدية إلى الأبد، وطُويت صفحة من أخطر صفحات الضباب اللندني ،وقفنا أنا وكيت ميدلتون أمام النافذة الكبيرة الممتدة من الأرض إلى السقف في مكتبي الجديد بصحيفة "الجارديان". كانت لندن بالأسفل تبدو وكأنها لعبة شطرنج عملاقة تحركها أصابعنا خلف الزجاج؛ فالمدينة التي كانت بالأمس تطاردني بأزقتها المعتمة وضبابها الخانق، باتت اليوم تنصت بوجل إلى صرير قلمي الأحمر قبل أن تطبع الصحف الوجبة السياسية اليومية للشعب البريطاني.لقد أثبتت الأيام أن النبالة لا تعني الانتحار في سبيل مبادئ مثالية لا تحمي أصحابها، بل تعني امت
ساد صمتٌ مفاجئ وثقيل في المكتب الفخم، وبدا وكأن الهواء قد تجمد بين جدرانه المحاطة بالكتب والصور الجنائية. تلاشت النبرة الاستعلائية من وجه رئيس القسم، السيد "فريدريك"، وضاقت عيناه خلف نظارته الطبية وهو ينظر إلى كيت ميدلتون التي كانت تقف بكامل نبالتها وسحرها الفرنسي البارد.ابتسمت كيت ابتسامة ساحرة، لكنها تحمل في طياتها دهاءً سياسياً يقطع كالسكين. خطت خطوة واثقة نحو مكتبه، وقالت بنبرة هادئة ورخيمة هزت أركان الغرفة:— "سيدي فريدريك.. نشكرك على هذا الترحيب الحار، ونشكرك أيضاً على السنوات الطويلة التي قضيتها في خدمة هذه الصحيفة وإدارتك لهذا القسم."قبل أن يستوعب فريدريك مغزى كلماتها، فتحت حقيبتها الجلدية الصغيرة واستلت منها ظرفاً رسمياً أنيقاً يحمل الأختام الخاصة بالإدارة العليا للجريدة، ووضعته بنعومة فوق مكتبه الخشبي وتابعت بقوة:— "ولكن.. التوازنات تتغير، والخطوط العريضة الجديدة تقتضي دماءً جديدة. هذا جواب مختوم وموقع من رئيس مجلس إدارة صحيفة الجارديان بنفسه، السيد فرانك ريبيري، يفيد بإعفائك من مهامك، وتعيين السيد جوني ماجواير رئيساً لقسم الجرائم والنشر بدلاً منك.. فوراً."شحب وجه فريدري
فوجدت في عينيها بريقاً يعرف جيداً كيف يخاطب الطموح الصحفي.العرض الذي همست به في أذني من صحيفة "الجارديان" لم يكن مجرد فخ، بل كان فرصة ذهبية ومغرية للغاية لصحفي جنائي مثلي يريد حفر اسمه بحروف من ذهب في تاريخ الصحافة البريطانية والعالمية. اقتربتْ مني مجدداً قبل أن تحتدم الأمور، ودعتني بنبرة خافتة وساحرة لعشاء عمل خاص في فندق فاخر يقع في شمال لندن، حيث الهدوء بعيداً عن صخب المباحث، وحيث تُطبخ الصفقات الكبرى خلف الأبواب المغلقة.أمام هذا التشابك الدبلوماسي والصحفي المعقد، وأمام غموض الظرف الملكي وتراجع توماس السكير عن شهادته، وجد وكيل النيابة نفسه في موقف لا يحسد عليه. ضرب بمطرقته الخشبية على الطاولة ليعلن قراره الحاسم:— "نظراً للتداخلات الجديدة في القضية، وحفاظاً على مسار التحقيق والأمن العام.. يُغلق المحضر الحالي، وتُؤجل القضية إلى جلسة أخرى لحين فحص المستندات والتحقق من الصفات الرسمية."تنفس اللورد برادفورد ومحاميه وايز مان الصعداء، وغادرا القاعة بوقار النبلاء المنتصرين مؤقتاً، بينما التفت إليّ المحقق شارلوك بنظرة صامتة، حادة ومحملة بالتحذير، وكأنه يقرأ ما يدور في عقلي.خرجتُ من قاعة
ساد صمتٌ قاتل في الغرفة، وبدا وكأن الورقة الرسمية المختومة بأختام إيطالية قد هبطت كالمقصلة على عنق القضية. كانت ابتسامة اللورد برادفورد البلهاء قد اتسعت، وعيناه تلمعان بانتصار أرستقراطي بارد، بينما كان المحامي وايز مان يعتدل في وقفته بنبالة وثقة كمن يضع اللمسات الأخيرة على رقعة الشطرنج.نظرتُ إلى الورقة، ثم إلى شارلوك. كان المحقق العظيم يقف هادئاً، يداعب غليونه غير المشتعل بأصابعه الطويلة، وعيناه الصقريتان تدرسان الورقة الطبية المزعومة عن بُعد.التفتُّ أنا (جوني) نحو وكيل النيابة، وكسرتُ الصمت بنبرة هادئة، ذكية، وساخرة بعض الشيء، متماشياً مع دهاء الخصم:— "رحلة استشفاء في إيطاليا؟ يا لها من مصادفة جغرافية مذهلة يا سيدي اللورد! بالأمس فقط، في حانة توماس، كنت تتذوق النبيذ الإيطالي المعتق بمتعة لا تليق برجلٍ كان يصارع المرض قبل أسابيع. ولكن.. دعنا نتحدث بلغة القانون والأدلة المادية التي لا تكذب."خطوتُ خطوة نحو طاولة الأدلة، والتفتُّ إلى وكيل النيابة وتابعت بذكاء حاد:— "المحامي المحترم يطالب بخبير خطوط لتعطيل التحقيق، ويقدم ورقة تُثبت غياب جسد اللورد في إيطاليا. لكنه نسي أو تناسى أن الج
جلس وكيل النيابة خلف مكتبه الضخم المزين بالشعار الملكي، وتوزعت المقاعد في غرفة التحقيق الرسمية لتوثق مواجهة قانونية للتاريخ. أخذ النيابة نفساً عميقاً، ونظر بجدية صارمة إلى الحضور بعد أن أثبت صفاتهم وأشخاصهم في محضر الجلسة الرسمي:السيد رئيس المباحث: بصفته وشخصه، المحقق شارلوك.المتهم: السيد اللورد آرتثر برادفورد، بصفته وشخصه، وبجانبه محاميه السيد وايز مان.المبلغ والشاهد الأول: السيد ماجواير، بصفته وشخصه (الصحفي الجنائي).الشاهد الثاني: السيد توماس، بصفته وشخصه (صاحب الحانة))، عدّل وكيل النيابة نظارته الطبية، وفتح ملف القضية ببطء، ثم طرق بمطرقته الخشبية طرقة خفيفة أعلنت بدء سماع القضية، ووجه نظراته الحادة نحو الحضور قائلاً بصوت رخيم ملأ أركان الغرفة:— "بناءً على المحاضر الرسمية المرفوعة إلينا، والأدلة المرفقة من زر ذهبي يحمل شعار عائلة برادفورد، ومذكرات المجني عليها 'إليزابيث'. نفتتح هذه الجلسة لسماع الأطراف حول مقتل الفتاة وشبهة الفساد والتهريب. نبدأ أولاً بسماع رواية الشاهد توماس.. سيد توماس، تقدم وأفرغ ما في جعبتك للامانة والقانون."ارتعدت فرائص توماس، ونظر إلى المحقق شارلوك ال
انعكست أنوار الفانوس الزيتي على زجاج كأس اللورد، وبدا وكأن الاسم الذي ألقاه في الهواء—"سيد شارلوك"—قد جمد الدخان المكسيكي في فضاء الحانة. كان التحدي بيننا قد وصل إلى ذروته؛ اللورد يحتمي خلف قناع الإحسان الكاذب والصدفة المفتعلة، ونحن نحتمي بالصمت والأدلة المخفية في جيوبنا.التفتُّ ببطء نحو الباب الذي دخل منه اللورد، ثم عدت بنظري إليه، وابتسمت ابتسامة هادئة حملت الكثير من الدهاء، وقلت بصوت خفيض انساب بنعومة مع الموسيقى الليلية:— "رواية مؤثرة جداً يا لورد آرتثر.. تليق بنبل عائلتكم. تفقد اليتامى وإغاثة الملهوف صفات تُرفع لها القبعات. ولكن.. أليس من الغريب أن يتزامن فعل الخير هذا مع سقوط زر ذهبي نادر يحمل شعار عائلتكم الملكي من معطفكم الفاخر، ليستقر في يد الضحية المتشنجة وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة؟"ساد صمت مفاجئ قطع رتابة الموسيقى. تجمدت نظرات اللورد، وتلاشت النبرة التمثيلية من عينيه ليحل محلها حذر صارم.تابعتُ هامساً، وأنا أستند بمرفقيّ على الطاولة، وأقترب من وجهه وسط الضباب الكثيف للدخان:— "ولامانة الحديث أيضاً يا سيدي.. اليتيمين الذين تحدثت عنهما، يبدو أن أحدهما كان يُدعى 'إليزابيث'. و







