Masukالفصل الرابع — ليلى
لم تنم ياسمين طوال الليل. كانت صورة ليلى منصور لا تفارق ذهنها. المرأة التي قيل لها طوال حياتها إنها ماتت، ظهرت فجأة أمامها كأنها خرجت من صفحة قديمة منسية. والأغرب من ذلك أن وليد كان يعرف أكثر مما قال. في السابعة صباحًا، وصلتها رسالة منه: "لازم أشوفك لوحدنا." ظلت تنظر إلى الهاتف لحظات، ثم كتبت: "فين؟" جاء الرد: "البيت القديم." كان منزلًا قديمًا تملكه عائلة الغازي خارج المدينة، ولم يكن أحد يستخدمه منذ سنوات. --- وصلت ياسمين قبل وليد. كان المكان هادئًا بشكل مخيف. فتحت الباب ودخلت. وبعد دقائق سمعت صوته خلفها: — خفتِ؟ التفتت. كان واقفًا عند الباب. ابتسمت بخفة. — شوية. اقترب منها. — أنا معاكي. نظرت إليه. — وليد... أنا مش عارفة أثق فيك ولا لأ. اختفت ابتسامته. — عندك حق. — إنت خبيت عني حاجات. — أيوه. — ليه؟ سكت طويلًا. ثم قال: — لأني كنت خايف أخسرك. نظرت إليه بدهشة. — إحنا أصلًا ما بدأناش حاجة. اقترب خطوة. — يمكن أنا بدأت أحس بحاجة قبل ما إنتِ تحسي. خفضت عينيها. كان الصمت بينهما ممتلئًا بأشياء لم يقولاها. رفع وليد يده ولمس جانب وجهها برفق. لم تبتعد. قال: — لو طلبتي مني أبعد، هبعد. رفعت عينيها إليه. — وأنا مش عايزاك تبعد. اقترب منها أكثر. ثم احتضنها. كان حضنًا طويلًا وهادئًا، وكأن كل الخوف الذي عاشته في الأيام الماضية وجد مكانًا يختبئ فيه. ابتعد قليلًا، ونظر إليها. ثم قبّلها. قبلة قصيرة في البداية، ترددت فيها ياسمين للحظة، قبل أن تستجيب لها. وأخذ يمتص شفتيها كأنها ملجأة من الحياة حين ابتعدا، أغمضت عينيها وهي تبتسم بخجل. قال وليد: — أنا آسف. — على إيه؟ — على إني دخلتك في حياتي بالطريقة دي. وضعت رأسها على صدره. — يمكن أنا اللي دخلت. احتضنها بقوة أكبر. وللمرة الأولى منذ بدأت الحكاية، شعرت ياسمين أنها لا تريد معرفة أي سر. كانت تريد فقط أن تبقى تلك اللحظة. --- لكن اللحظة لم تستمر طويلًا. سمعا صوت باب يُفتح في الطابق العلوي. ابتعد وليد فورًا. — استني هنا. — ليه؟ — أنا هطلع. صعد الدرج بسرعة. وبعد ثوانٍ سمعته يصرخ: — ياسمين! اطلعي! صعدت خلفه. وجدته واقفًا أمام غرفة قديمة. وعلى الحائط كانت هناك صور كثيرة. صور لعائلتي الغازي وياسمين وهنا. لكن في منتصف الصور كانت صورة ليلى. وبجوارها طفل صغير. اقتربت ياسمين. — مين الطفل ده؟ نظر وليد إلى الصورة. ثم تغير وجهه. — أنا. نظرت إليه. — إنت؟ أومأ. — الصورة دي اتصورت قبل اختفاء ليلى بأيام. كانت هناك ورقة مثبتة خلف الصورة. أخرجها وليد. قرأها بصوت منخفض: "إذا حدث لي شيء، فالحقيقة موجودة في المكان الذي بدأ فيه كل شيء." قالت ياسمين: — المكان ده فين؟ نظر وليد إليها. — الشركة القديمة. --- في القاهرة، كانت هنا تجلس أمام آدم. لم تكن تثق به، لكنها قررت أن تسمعه. قال آدم: — ليلى لم تكن مجرد موظفة في شركة الغازي. — كانت إيه؟ — كانت الشخص اللي اكتشف كل حاجة. — وإنت كنت تعرفها؟ ابتسم آدم. — أكتر مما تتخيلي. قالت هنا: — ليه بتساعدنا؟ نظر إليها. — لأن أختي كانت واحدة من ضحايا نفس الموضوع. صمتت هنا. — أختك مين؟ تغيرت ملامحه. — والدتك تعرف الإجابة. --- في تلك اللحظة، رن هاتف هنا. كان والدها. ترددت قبل أن تجيب. — ألو؟ جاء صوته متوترًا: — هنا... اسمعيني كويس. — في إيه؟ — متروحيش الشركة القديمة. تجمدت. — إنت عرفت منين؟ سكت. ثم قال: — لأن وليد راح هناك. نظرت هنا إلى آدم. — وإنت كنت عارف؟ لم يجب. أغلقت الهاتف. ثم قالت: — إحنا لازم نروح لهم. --- في البيت القديم، كان وليد يفتح بابًا سريًا خلف مكتبة قديمة. وجد غرفة صغيرة. وفي وسطها صندوق معدني. فتح الصندوق. كانت بداخله ملفات، وصور، وذاكرة إلكترونية صغيرة. أخذ وليد الذاكرة. ثم وجد ظرفًا عليه اسم واحد: "ياسمين." تجمدت. — ليه اسمي؟ فتح وليد الظرف. كانت بداخله ورقة واحدة. قرأها. ثم رفع عينيه إليها. — ياسمين... والدك مش الشخص اللي فاكرة إنه يكون. شعرت بالدوار. — يعني إيه؟ أعطاها الورقة. قرأت السطر الأول. ثم توقفت. "ياسمين هي ابنة الرجل الذي حاول فضح هشام الغازي." رفعت عينيها إلى وليد. — بابا؟ أومأ. — والدك ما كانش شريكهم. سكت. — كان عدوهم. وفي اللحظة نفسها، سمعوا صوت سيارة تتوقف أمام المنزل. ثم طرقًا قويًا على الباب. رفع وليد عينيه. — حد وصل. قالت ياسمين: — مين؟ نظر إلى الباب. — الشخص اللي كان مستني اللحظة دي من عشرين سنة. ثم انطفأت أنوار البيت. وجاء صوت امرأة من خلف الباب: — وليد... افتح. تجمد في مكانه. كان يعرف الصوت. كان صوت ليلى منصور.الفصل الخامس عشر — الملف الأسودلم ينم وليد تلك الليلة.ظل جالسًا أمام النافذة، والصورة القديمة بين أصابعه.طفلان.متشابهان بشكل واضح.أحدهما هو.والآخر...رامي.أخوه الذي قيل له طوال حياته إنه مات.أعاد وليد النظر إلى الصورة مرة أخرى.— مستحيل...جاء صوت من خلفه.— مش مستحيل.التفت.كان والده واقفًا عند الباب.قال وليد:— إنت عارف من إمتى؟لم يجب هشام.— سألتك: عارف من إمتى؟— من يوم ولادتك.تجمد وليد.— يعني طول حياتي كنت عارف إن عندي أخ؟— كنت عارف إنه اتولد.— مش إنه مات؟سكت هشام.اقترب وليد منه.— رامي مات ولا لأ؟قال هشام:— ما أعرفش.ضحك وليد بسخرية.— إنت مش عارف؟— آخر مرة شفته كان عنده ست سنين.— وبعدها؟— اختفى.— وإنت قلت لي إنه مات.خفض هشام عينيه.— كان لازم أقول كده.— ليه؟— لأن اللي أخده كان عايزك تصدق إنه مات.ساد الصمت.ثم قال وليد:— مين أخده؟لم يجب.قال وليد:— بابا، أنا مش هخرج من هنا غير لما أعرف.قال هشام:— لو عرفت الحقيقة، حياتك هتتغير.— حياتي أصلًا اتغيرت.---في الصباح، اجتمع الجميع.كان آدم يحمل ملفًا قديمًا.قال:— لقيت حاجة في أرشيف الشركة.وضع الملف
الفصل الرابع عشر — العودةلم يستطع وليد أن يبعد عينيه عن الصورة.كان واقفًا في منتصف الغرفة، والهاتف في يده، بينما الجميع يراقبه.الصورة كانت قديمة.هو طفل.ربما في السادسة أو السابعة من عمره.وبجواره سامح.لكن الشيء الأكثر إزعاجًا لم يكن وجود سامح.بل المكان.كان خلفهما مبنى قديم يحمل شعارًا لم يعرفه وليد في البداية.اقترب آدم.— إيه المكان ده؟لم يجب وليد.قالت ليلى:— أنا أعرفه.رفع الجميع أعينهم إليها.— ده مقر الشركة القديمة.سأل آدم:— شركة مين؟نظرت إلى هشام.— شركة والدك.تغير وجه وليد.— أنا كنت هناك؟قال هشام:— مرة واحدة.صرخ وليد:— مرة واحدة؟ثم رفع الصورة أمامه.— دي مش صورة عشوائية. مين كان سامح بالنسبالي؟ظل هشام صامتًا.قال وليد:— جاوبني.أخيرًا قال:— ابن شريكي.— وكنت بتخليني أقابله ليه؟— لأننا كنا بنشتغل مع بعض.— وإنت كنت عارف إنه هيبقى جزء من حياتي؟— ماكنتش أعرف.ضحك وليد بمرارة.— كلكم عندكم نفس الإجابة.ثم أضاف:— "ماكنتش أعرف."---تقدمت ياسمين نحوه.— وليد...نظر إليها.— أنا محتاج أفهم.— وأنا معاك.أمسك يدها.— مهما حصل.لكن قبل أن يكمل، تحدث والد ياسمين
الفصل الثالث عشر — الوجه الآخرلم ينم أحد تلك الليلة.كانت الرسالة الأخيرة ما زالت على هاتف وليد:"أنا يوسف... وأعتقد إن عندنا كلام كتير لازم نتكلم فيه. خصوصًا عن والد ياسمين."جلس الجميع حول الطاولة.كانت أم ياسمين صامتة، بينما ظل عادل واقفًا بالقرب من النافذة.قال آدم:— مين يوسف بالضبط؟أجاب عادل:— أخو سامح.— وإنت تعرفه؟— قابلته قبل كده.قال وليد:— يعني هو كان جزء من كل ده؟تدخلت ليلى:— يوسف مختلف عن سامح.نظر إليها آدم.— مختلف إزاي؟— سامح كان بينفذ.— ويوسف؟سكتت.ثم قالت:— يوسف كان بيفكر.ساد الصمت.قالت هنا:— يعني هو العقل المدبر؟أجاب عادل:— مش بالضرورة.— أمال إيه؟— هو الشخص اللي كان بيحاول يوقف أخوه.قال آدم:— يبقى ليه بيتصل بينا؟أجاب عادل:— عشان وصل للحقيقة.---في الصباح، وصل تسجيل صوتي جديد.ضغط وليد تشغيل.جاء صوت يوسف:— لو سمعتوا التسجيل ده، يبقى سامح اتقبض عليه أو اختفى.نظر الجميع إلى بعضهم.تابع الصوت:— أنا مش عايز أبرر اللي حصل. عيلتي ارتكبت أخطاء أكبر مما تتخيلوا.توقف لحظة.— لكن والد ياسمين لم يكن ضحية فقط.تجمدت ياسمين.نظر وليد إليها.تابع يوسف:
الفصل الثاني عشر — الصفقةلم يتحرك أحد بعد المكالمة.ظل الهاتف في يد عادل، بينما كانت عيون الجميع معلقة به.قال آدم:— هو عايزك إنت.أجاب عادل بهدوء:— عارف.— وهتروح؟— أيوه.اقترب آدم منه.— لأ.نظر إليه عادل.— آدم...— لأ يا بابا.كانت أول مرة يقولها بهذه الطريقة.لم تكن فيها فرحة الابن الذي وجد والده بعد سنوات.كانت مليئة بالغضب.— أنا ضيعت خمس سنين بسببك.صمت عادل.— كل يوم كنت بصحى وأنا فاكر إنك مت.— كنت بحميك.— وإنت شايف إن ده عذر؟— لا.— أمال إيه؟نظر عادل إليه طويلًا.ثم قال:— خطئي.توقفت الكلمات في حلق آدم.لأول مرة، لم يجد والده حجة.فقط اعترف.اقترب وليد.— مفيش حد هيروح لوحده.قال عادل:— لو روحتوا معايا، مراد هيقتل الرهينة.سألت هنا:— مين الرهينة؟نظر عادل إليها.— والدتك.تجمدت.— أمي؟أومأ.— مراد ما كانش بيهددني أنا.ثم نظر إلى ياسمين.— كان بيهدد أمك.---جلست ياسمين على الكرسي.كانت تحاول أن تستوعب أن المرأة التي اعتقدت أنها ماتت منذ سنوات ما زالت حية.قالت:— ليه محدش قالي؟قالت ليلى:— لأننا كنا بنحاول نخليكي بعيدة عن كل ده.رفعت ياسمين عينيها إليها.— بس أن
الفصل الحادي عشر — الحقيقةلم يتحرك أحد.كان والد هنا واقفًا عند الباب، وملامحه تحمل شيئًا لم تره ابنته من قبل.لم يكن خوفًا.ولم يكن غضبًا.كان ندمًا.قالت هنا بصوت مكسور:— آسف على إيه؟لم يجب.اقتربت منه.— إنت اختفيت كل السنين دي، وخبيت عني كل حاجة، ودلوقتي داخل مع سامح وبتقول آسف؟قال والدها:— أنا ما جيتش مع سامح.نظر الجميع إليه.— هو اللي جابني.ضحك سامح من خلفه.— لسه بتحاول تبرر؟استدار والد هنا إليه.— إنت عارف كويس إني ما كنتش شريكك.قال سامح:— لكنك كنت جزءًا من اللعبة.— كنت بحاول أخرج منها.— بعد فوات الأوان.تدخل وليد:— كفاية كلام متناقض.نظر إلى والد هنا.— إحنا عايزين الحقيقة.ثم أشار إلى سامح.— وهو كمان.قال سامح:— الحقيقة مش هتعجبكم.أجاب وليد:— جرب.---تقدمت هنا حتى أصبحت أمام والدها مباشرة.— بابا، بص في عيني.رفع عينيه إليها.— قول لي إنك ما كنتش جزءًا من اللي حصل لياسمين.صمت.انتظرت.ثم قالت:— قولها.أخفض رأسه.وكان صمته إجابة.تراجعت هنا وكأنها تلقت صفعة.— كنت جزءًا منه؟قال:— كنت جزءًا من البداية.أغمضت عينيها.— ليه؟— لأن والد ياسمين كان أعز صديق ل
الفصل العاشر — الثمنلم ينطق أحد.ظل وليد ممسكًا بالهاتف، وكأن صوت ياسمين ما زال عالقًا في أذنه."حتى نفسك."أعاد الجملة في عقله مرة أخرى.ثم نظر إلى آدم.— سامح.رفع آدم عينيه.— إنت متأكد إنه هو؟— الصورة مش بتكدب.قالت هنا:— بس سامح كان موجود في حياتنا من زمان.— وده اللي مخليه أخطر.تدخلت ليلى:— لازم نعرف هو فين قبل ما يعرف إننا عرفناه.قال آدم:— عندي فكرة.— إيه؟— عادل.صمتت ليلى.— عادل اختفى تاني.قال وليد:— يعني إيه؟— بعد ما خرجنا من المخزن، حاولت أتصل بيه.— ورد؟— لأ.قالت هنا:— طب نلاقيه إزاي؟أجاب آدم:— هو اللي هيلقينا.---في اليوم التالي، وصلت رسالة إلى هاتف آدم."لو عايز تعرف الحقيقة عن أبوك، تعالى لوحدك."المكان كان مكتوبًا أسفل الرسالة.مقبرة قديمة.نظر آدم إلى الشاشة طويلًا.ثم أغلق الهاتف.لكن وليد كان يراقبه.— رايح فين؟— مشوار.— لوحدك؟— أيوه.— مش هينفع.نظر آدم إليه.— الرسالة موجهة ليا.— وإحنا بقينا في نفس الموضوع.قالت هنا:— وليد عنده حق.تردد آدم.ثم قال:— تمام.---وصل الثلاثة إلى المقبرة قبل غروب الشمس.كان المكان هادئًا بشكل غريب.تقدم آدم بين







