ANMELDENمرت أيام قليلة انتظم فيها الروتين الدراسي لسلمى بنسقٍ جاد وهادئ. كانت صبيحتها تبدأ بالتوجه إلى الكلية، حيث تقضي ساعاتها بين قاعات المحاضرات وأروقة قسم الدراسات العليا، مستغلة كل لحظة في القراءة والتدوين.في منتصف الأسبوع، وأثناء إحدى الجلسات البحثية المخصصة لسيمينار الماجستير، حدد الدكتور طارق قائمة من المراجع العلمية القديمة المعتمدة في منهجية البحث، مشيراً إلى أنها متوفرة فقط في الأرشيف الملحق بالمكتبة المركزية للكلية.شعرت سلمى بأهمية الحصول على هذه المراجع لإتمام تكليفها الأكاديمي بأعلى درجات الدقة. وقبل أن تتجه إلى المكتبة، حرصت على الاتصال بهاتف الفيلا بأسلوبها الورع والمحتشم، لتحدث الدادة فاطمة وتبلغها برغبتها في المكوث ساعة إضافية داخل مكتبة الكلية لتصفح المراجع، كي تبلغ السائق عم جابر بتغيير الموعد المحدد للعودة.تلقى عاصم الخبر من الدادة فاطمة أثناء تواجد في مكتبه بالمنزل ظهراً؛ فأومأ برأسه ببرود ورزانة، ووجه باستمرار السائق في انتظاره لها حتى تنتهي تماماً من بحثها.في المكتبة المركزية ذات الأسقف العالية والمكاتب الخشبية الممتدة، جلست سلمى في إحدى الزوايا الهادئة، تحيط بها ا
مع إشراقة الصباح، كانت سلمى تستعد لبداية مرحلة جادة في مسيرتها العلمية. ارتدت ثوباً بسيطاً ووقوراً، وجمعت دفاترها وأدواتها في حقيبة هادئة. لم يكن في ذهنها سوى التركيز الكامل على دراستها وتأكيد حضورها الأكاديمي، مبتعدةً عن أي مشتتات قد تعكر صفو حياتها الجديدة.في البهو السفلي، كانت الدادة فاطمة تتابع ترتيبات الصباح. سلمت سلمى عليها بابتسامة هادئة، بينما نزل عاصم من الطابق العلوي متوشحاً بهيبته المعتادة وحضوره الرزين. توقف لبرهة حين رآها، ونظر إليها بنبرة حازمة ورسمية: "عم جابر ينتظركِ بالأسفل يا سلمى.. أرجو لكِ التوفيق في أول أيام محاضراتكِ، وحافظي على التواصل مع البيت إن طرأ أي تغيير في المواعيد".أومأت سلمى برأسها وقالت بوقار: "شكراً لك يا سيد عاصم، المواعيد محددة وواضحة، وسأعود فور انتهاء المحاضرات".غادرت سلمى الفيلا متجهة نحو الكلية، بينما كانت فريدة تتابع الترتيبات من بعيد دون أن تتدخل. وما إن خرجت السيارة من البوابة الرئيسية، حتى اتجهت فريدة نحو البهو الخارجي محاولة الحديث مع عم جابر بطريقة غير مباشرة استغلالاً لعودته، لتسأله عن المكان الذي سينتظر فيه سلمى وهل تستغرق الكلية وقتا
أشرقت شمس الصباح تعلن بداية مرحلة جديدة في حياة سلمى. ارتدت ملابس هادئة وعملية تناسب الوقار الأكاديمي، وجمعت ملف أوراقها وشهادات تفوقها في حقيبتها الجلدية الهادئة. كانت تشعر بخليط من الرهبة والحماس وهي تستعد للذهاب إلى مقر كلية التجارة لتسجيل أوراق التحاقها بتمهيدي الماجستير.في البهو السفلي، كانت الدادة فاطمة تنتظرها بابتسامتها الدافئة، وناولتها صينية صغيرة عليها كوب من الحليب الدافيء وبعض الفطائر البسيطة، وهي تدعو لها بالتوفيق والسداد.نزل عاصم من الطابق العلوي بخطواته المتزنة المعتادة، يرتدي ساعته الكلاسيكية ويتهيأ للذهاب إلى مقر شركته. توقف لبرهة حين رأى سلمى تستعد للخروج، ونظر إليها بوقاره وهيبته الصارمة، وقال بصوت خفيض حاسم: "عم جابر السائق ينتظركِ في الأسفل يا سلمى.. سيتولى إيصالكِ إلى الكلية وإعادتكِ فور انتهائكِ من تقديم الأوراق. أرجو أن تسير كافة الإجراءات بمرونة".أومأت سلمى برأسها احتراماً وقالت بنبرة هادئة: "شكراً جزيلاً يا سيد عاصم، لن أتأخر بإذن الله".خرجت سلمى متجهة نحو السيارة، بينما كانت فريدة تتابع المشهد من أطراف الصالون الداخلي. لم تنطق بكلمة أمام عاصم، لكن عينين
انبلج نور الصباح يسكب ضياءه الذهبي على نوافذ الفيلا العالية، حاملاً معه نسائم يومٍ مغاير ساد فيه الترقب والانتظار. كانت سلمى تجلس في شرفة جناحها، تطوق كفيها بكوب من الشاي الدافئ، بينما يرتجف قلبها بين الأمل والوجل. اليوم هو موعد إعلان نتائج الامتحانات الجامعية، وهو اليوم الذي سيحدد أولى خطواتها الحقيقية نحو المستقبل الذي طالما خططت له رفقة والدها الراحل.قطعت الدادة فاطمة هذا الصمت الخفيف وهي تدفع باب الغرفة بابتسامة عريضة تسبق خطواتها المتسارعة، وتلهث ببهجة عفية: "مبروك يا سلمى! مبروك يا بنتي.. النتيجة ظهرت على موقع الكلية، وطلعتِ الأولى على الدفعة بتقدير ممتاز!".انسكبت الدموع من عيني سلمى دون إرادة منها، وامتزجت الفرحة بالراحة بعد أسبوعين من الجهد الذهني والضغط النفسي الشديد. أقبلت عليها الدادة فاطمة تطوقها بحنان ووالدية صادقة، لترفع سلمى رأسها ونظرها إلى السماء تدعو لوالدها بالرحمة، مستشعرة أن هذا النجاح هو أول ثمرة لصبرها وصمودها بوجه الظروف.في البهو الرئيسي في الطابق السفلي، كان عاصم ينهي بعض الاتصالات الخاصة بعمله وهو يقف بجوار الطاولة الزجاجية الضخمة. ارتدى بدلة داكنة أنيقة ت
عادت العائلة من رحلة الساحل، محملة بتباين واضح في المشاعر والأجواء؛ فبينما كانت سلمى تستشعر دفئاً وأماناً متزايدين تجاه عاصم، كانت فريدة تتآكل داخلياً من الغيظ والغيرة المسمومة بعد أن رأت انكسار الحواجز بين زوجها وتلك الفتاة النبيلة.شعرت فريدة بأن بساط السيطرة ينسحب من تحت قدميها بسرعة، فقررت التخلي عن أسلوب الهجوم المباشر، ومحاولة التقرب من عاصم واستعادة مكانتها كزوجة.في أحد المساءات، ارتدت فريدة أبهى حليها وتزينت بأسلوب متكلف، واقتحمت غرفة المكتب السفلية حيث كان عاصم يجلس غارقاً بين أوراقه وحواسيبه، يمارس هيبته ورزانته المعتادة.اقتربت فريدة بابتسامة تصنع اللين، وحاولت وضع يدها على كتفه بنبرة متوددة: "عاصم.. إلى متى هذا الجفاف بيننا؟ نحن زوجان منذ سنوات، ولا يصح أن تجعل وجود فتاة غريبة سبباً في هدم استقرار بيتنا".رفع عاصم عينيه الحادتين بثبات، وأزاح يدها برفق هادئ ولكن بقسوة رافضة، وقال بنبرة خفيضة وجافة: "فريدة.. حسمنا هذا الأمر سابقاً. وجود سلمى هنا حق شرعي وقانوني صان كرامتها، وأنا لم أقصّر معكِ في شأن من شؤون بيتكِ أو مكانتكِ.. أرجو أن تتركي لي مساحتي".كان الجمود في عينيه وا
انطلقت السيارات نحو الساحل في الصباح الباكر، حيث يمتد الشاطئ اللافوردي بسحره الممتد وسكونه الذي يشفي الأرواح المجهدة. كان الشاليه الخاص بعائلة عاصم تحفة معمارية هادئة تطل مباشرة على الأمواج المتلاطمة، وتكتسي جنباتها بالنخيل والزهور الاستوائية.وصل الجميع مع ساعات الظهيرة الأولى. تنفست سلمى هواء البحر العليل بملء رئتيها، وشعرت وكأن كل الأثقال والهموم التي جثمت على صدرها طوال الأشهر الماضية قد بدأت تتلاشى وتبتعد مع كل موجة تتكسر على الشاطئ.في الطابق العلوي للشاليه، كان جناح سلمى يطل مباشرة على الشرفة المفتوحة على الأفق. وقفت هناك تتأمل زرقة المياه، وقد ارتدت فستاناً أبيض رقيقاً وبسيطاً يتطاير مع النسيم اللطيف، لتسقط خصلات شعرها على كتفيها بهدوء، مستعادةً بعضاً من بهجة شبابها ونضارة روحها النبيلة.في المساء، أضاءت الشرفة الخشبية الخارجية للمبنى بأنوار هادئة ودافئة. كانت الدادة فاطمة تطمئن على ترتيب المنزل، بينما خرج عاصم ليمشي بخطوات هادئة ورزينة على الشاطئ الرملي القريب.كان يرتدي ملابس بيضاء كاجوال مريحة تبرز بنيته الرياضية الممشوقة ووسامته، ويبدو في أبهى حالات استرخائه بعيداً عن صخب







