بيت / الرومانسية / على قيد الاستثناء / بذور الهدوء والشائعات

مشاركة

بذور الهدوء والشائعات

last update تاريخ النشر: 2026-08-06 06:36:58

جلست سلمى على طرف المقعد الخشبي أمام مكتب والدها القديم، ويدها المرتجفة تفتح الظرف الورقي الذي وجدته في الخزنة. لم تكن رسالة تحذيرية، بل كانت كلمات دافئة كُتبت بخط أبيها المألوف، تحمل في ثناياها عبق أنفاسه ووصاياه الأخيرة.

قرأت سلمى بصوت خفيض يملؤه التأثر: "ابنتي الغالية سلمى.. إن قادتكِ الأيام لقراءة هذه الكلمات في شقتي الصغيره، فاعلمي أنني رحلت عنكِ جسداً فقط، وتأكدي أنني لم أترككِ هباءً. استكملي تعليمكِ يا بنيتي، ولا تدعي القهر يطفئ نور عينيكِ. عاصم رجل عظيم وأمين، وقف معي في أوقات الشدة، وستجدين فيه السند الذي يمنع عنكِ طمع الآخرين.. كوني قوية كما أردتكِ دائماً".

ضمت سلمى الورقة إلى صدرها، وتدفقت دموعها هادئة وصافية، لكنها هذه المرة لم تكن دموع انكسار، بل كانت دموع سكينة وطمأنينة تسللت إلى قلبها لأول مرة منذ أسابيع.

في الصباح التالي، قرع الباب بهدوء، ولبت السيدة فاطمة النداء لتستقبل عاصم ومعه الأستاذ سمير، المحامي الخاص بمجموعته التجارية. دخل عاصم بهيبته المعتادة، ملقياً التحية بصوت رجولي رزين يعكس وقاره وحرصه.

جلس الجميع في صالة الشقة الدافئة، وقدم المحامي الملفات الرسمية لأرباح الأسهم والمصروف الشهري المخصص لسلمى من حصتها في المصنع. التفت عاصم نحو سلمى وقال بنبرة أبوبة دافئة: "هذه أموالكِ المستحقة يا سلمى، ستحول إلى حساب بنكي خاص باسمكِ كل شهر. وما تزال أملاك والدكِ وأسهمه محفوظة بالكامل دون أي مساس".

أبدت سلمى خجلاً وعزة نفس واضحة وهي تطالع الأوراق، ثم رفعت عينيها العسليتين ونظرت إلى عاصم بامتنان وقالت: "أنا شاكرة جداً لاهتمامك يا سيد عاصم.. لكني لا أحتاج كل هذه المبالغ، كل ما أتمناه هو أن أعود لدراستي الجامعية التي توقفت، وأن أعيش بهدوء".

ابتسم عاصم ابتسامة خفيفة أضفت على ملامحه الحادة دفئاً نادراً، وقال بتقدير: "هذا بالضبط ما كان يرجوه والدكِ. سأتولى بنفسي إجراءات إعادة قيدكِ في الجامعة فوراً، وإن رغبتِ في قضاء بعض ساعات الفراغ للتدرب في مكتب الإدارة بالمصنع لتتعلمي كيف تدار أملاككِ، فالأبواب مفتوحة لكِ دائماً".

شجعت السيدة فاطمة الحديث بابتسامة أمومية وهي تقدم المشروبات، بينما استشعر عاصم في حديث سلمى براءة ونقاءً افتقدهما لسنوات طويلة في عالمه العملي والاجتماعي المليء بالتكلف والجفاء.

بعد ساعة، غادر عاصم والمحامي الشقة. وقبل أن يستقل سيارته، وقف عاصم لثوانٍ يتأمل البناية الهادئة الملحقة بالمصنع القديم، وشعر براحة نفسية غريبة لأن أمانة صديقه أصبحت في أمان، قبل أن يعود بفكره إلى بيته البارد وزوجته فريدة وعالمها الجاف.

في هذه الأثناء، وفي الشقة القديمة للمهندس عبد الحميد، كانت سهام تجلس مع نورهان والشرر يلتهم عينيها. لم تكن سهام من النوع الذي يستسلم للهزيمة بسهولة، بل كانت تجيد النبش في خفايا الأمور.

أمسكت سهام بهاتفها المحمول وتواصلت مع الأستاذ مدحت، وهو محاسب قديم في المصنع كان على خلاف مكتوم مع عبد الحميد وعاصم بسبب صرامتهما الإدارية.

تحدثت سهام بنبرة تصنع الحزن والمسكنة، وقالت: "أهلاً يا أستاذ مدحت.. أردت فقط الاستفسار منك بصفتك من قدامى المصنع. هل يعقل أن يأخذ السيد عاصم ابنة عبد الحميد ويضعها في شقة خاصة ويمنحها ملايين دون أن نرى نحن شيئاً من تركة زوجي الراحل؟ أليس هذا مريباً في نظركم؟".

التقط المحاسب الخبيث الخيط بذكاء، وسرعان ما أجابها بتلميحات مسمومة: "سيدتي.. عاصم رجل أعمال شهير وله اسم في السوق، لكن اهتمامه المبالغ فيه بالفتاة ونقلها لشقة المصنع سيتسبب في أقاويل كثيرة بين الموظفين إذا علموا بالأمر.. دعيني أتحرى لكِ عن التفاصيل بهدوء".

أغلقت سهام الهاتف، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة وهي تنظر إلى نورهان وتقول: "إن لم نأخذ المال بالقانون يا نورهان، فسنأخذه بالضغط على سمعة عاصم عبد الغني ورسميته أمام نساء المجتمع وزوجته!".

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • على قيد الاستثناء    أريج الصيف وظِلال الخديعة

    استقرت أجواء العطلة الصيفية في الشقة الملحقة بالحديقة الخلفية للمصنع القديم، وصارت الأيام تتوالى في هدوء ودفء يبعثان على السكينة. في صباح أحد الأيام المشمسة، كانت سلمى تقف في المطبخ البسيط تتشارك مع الدادة فاطمة إعداد إفطار خفيف يفوح منه عبق المخبوزات الطازجة.رفعت سلمى عينيها العسليتين ونظرت إلى الدادة فاطمة بدُعابة وخفة دمها العفوية وقالت: "دادة فاطمة.. أظن أن مهاراتي في إعداد الشاي قد تطورت كثيراً هذا الصيف! ألا تستحق هذه المحاولة شهادة تقدير منكِ، أم أن الحكّام الأكاديميين في المطبخ لا يعترفون إلا بالخبرة العريقة؟".ضحكت الدادة فاطمة بحنان أمومي وهي تعدل أطباق الحلوى وقالت: " شهادتى مجروحة يا بنيتي! الشاي من يدكِ له طعم آخر، لكن المخبوزات لا تزال تحت سيادتي وإشرافي التام!".وفي الظهيرة، وصلت ميار يحمل وجهها البهجة والاندفاع المعهود. دخلت الصالة البسيطة وعيناها تتأملان ترتيب المكان الدافئ، وقالت بدمها الخفيف: "سلمى! جئتُ محملة بخطة كاملة لقضاء هذا الأسبوع! لا مذاكرة ولا حسابات ختامية، فقط جولات في المدينة وأطباق حلوى من يد الدادة فاطمة!".انطلقت الضحكات الصافية بين الصديقتين في أجو

  • على قيد الاستثناء    براءة اللقاء وظلال الحقد

    حلّت العطلة الصيفية لتضفي هدوءاً ولطافة على أيام سلمى. وفي صبيحة يوم مشمس، خرجت سلمى مع صديقتها ميار في جولة بسيطة بالمدينة، بعيداً عن ضغوط الدراسة وأجواء الامتحانات. كانتا تجلسان في مقهى هادئ يطل على نيل القاهرة، وتتناولان العصائر الطازجة وتبادلان الأحاديث الخفيفة.قالت ميار وهي تنظر لسلمى بابتسامة دافئة: "سلمى.. لا تتصوري مدى سعادتي برؤيتكِ هكذا! ابتسامتكِ وروحكِ الخفيفة عادتَا كأنكِ لم تصلي يوماً لتلك الأيام القاسية التي حكيتِ لي عنها".ابتسمت سلمى بصفاء ورقة، وعدلت حجابها وقالت بذكاء ولطافة: "الحمد لله يا ميار.. الحياة تعطينا دائما فرصة جديدة لنسترد أنفسنا، والرفقة الطيبة مثلكِ ومثل الدادة فاطمة تجعل كل صعب يمر بسلام بفضل الله".ضحكت ميار وقالت بخفة: "طب الحمد لله أنني صرتُ ضمن قائمة الرفقة الطيبة! لكن بشرط.. ألا يحرمنا هذا الصفاء من جولة تسوق لطيفة قبل أن نعود للشقة!".وانطلقت الضحكات العفوية بينهما في تجسيد لعمق هذه الصداقة النقية والبسيطة.وعلى الجانب الآخر من المدينة، وفي أحد الكافيهات البعيدة عن الأنظار، كانت فريدة تجلس وبيدها حقيبتها الأنيقة، وعيناها تشعان بمرارة وغضب مكتوم

  • على قيد الاستثناء    وقار المواجهة وثبات العهد

    كانت شمس الصباح تشرق دافئة على الحديقة الملحقة بالمصنع القديم، تنعكس أوعية زهرها على نوافذ الشقة البسيطة. في الداخل، كانت ألحان الفرح الخفيف تعم المكان؛ سلمى والدادة فاطمة تجلسان حول طاولة الطعام يتناولون الشاي مع الكعك، بينما أصوات زغاريد الدادة فاطمة الخفيضة ومباركاتها تملأ الصالة احتفاءً بتفوق سلمى وحصولها على تقدير ممتاز في امتحانات الكلية.رن هاتف سلمى بتموجات مرحة، لتظهر صورة "ميار" على الشاشة. رفعت سلمى الخط وقالت بنبرة ملؤها الدعابة وخفة الدم العفوية: "أهلاً بالمتفوقة العظيمة! هل استوعب عقلكِ المصدوم حتى الآن أننا عبرنا هذا الفصل بتقدير ممتاز، أم أنكِ ما زلتِ تشكين في الموقع الإلكتروني للجامعة؟".جاء صوت ميار عبر الهاتف ضاحكاً ومرتفعاً ببهجة: "سلمى! أقسم لكِ أنني أعدت تنشيط الصفحة عشر مرات متتالية للتأكد من أن الاسم هو اسمى حقاً! لولا شرحكِ وتعبكِ معي لكنتُ الآن ألملم أوراق إعادة المادة! أنتِ صديقة لا تُقدّر بمال يا سلمى".ردت سلمى بابتسامة دافئة ووداعة: "الله هو الموفق يا ميار.. المهم الآن أن نفي بعهدنا ونعدّ خطة لإجازة هادئة وممتعة، وأنتِ معزومة عندنا على طبق إضافي من صنع ال

  • على قيد الاستثناء    وقار المواجهة وثبات العهد

    كانت شمس الصباح تشرق دافئة على الحديقة الملحقة بالمصنع القديم، تنعكس أوعية زهرها على نوافذ الشقة البسيطة. في الداخل، كانت ألحان الفرح الخفيف تعم المكان؛ سلمى والدادة فاطمة تجلسان حول طاولة الطعام يتناولون الشاي مع الكعك، بينما أصوات زغاريد الدادة فاطمة الخفيضة ومباركاتها تملأ الصالة احتفاءً بتفوق سلمى وحصولها على تقدير ممتاز في امتحانات الكلية.رن هاتف سلمى بتموجات مرحة، لتظهر صورة "ميار" على الشاشة. رفعت سلمى الخط وقالت بنبرة ملؤها الدعابة وخفة الدم العفوية: "أهلاً بالمتفوقة العظيمة! هل استوعب عقلكِ المصدوم حتى الآن أننا عبرنا هذا الفصل بتقدير ممتاز، أم أنكِ ما زلتِ تشكين في الموقع الإلكتروني للجامعة؟".جاء صوت ميار عبر الهاتف ضاحكاً ومرتفعاً ببهجة: "سلمى! أقسم لكِ أنني أعدت تنشيط الصفحة عشر مرات متتالية للتأكد من أن الاسم هو اسمى حقاً! لولا شرحكِ وتعبكِ معي لكنتُ الآن ألملم أوراق إعادة المادة! أنتِ صديقة لا تُقدّر بمال يا سلمى".ردت سلمى بابتسامة دافئة ووداعة: "الله هو الموفق يا ميار.. المهم الآن أن نفي بعهدنا ونعدّ خطة لإجازة هادئة وممتعة، وأنتِ معزومة عندنا على طبق إضافي من صنع ال

  • على قيد الاستثناء    زيارة دافئة وظلال الشك

    حلّ صباح يوم جديد يحمل معه نسائم الإجازة والتنفس بعد عناء الاختبارات. وفي الشقة الملحقة بالحديقة الخلفية، كانت سلمى تقف في الصالة البسيطة تعيد ترتيب المزهرية الصغيرة على الطاولة، بينما كانت الدادة فاطمة تتابعها بابتسامة حنونة وتضع أطباق الحلوى والفاكهة استعداداً واستقبالاً للضيفة المنتظرة.قرع الباب بنقرات خفيفة وسريعة توحي بالحيوية والاندفاع، لتهرع سلمى وتفتحه بابتسامة واسعة. كانت ميار تقف عند العتبة تحمل بيديها حقيبة أنيقة مملوءة بالحلويات، وعيناها تتجولان باستكشاف وانبهار في أرجاء المكان.دلتها سلمى للدخول وهي تقول بخفة دمها العفوية: "أهلاً وسهلاً بضيفتنا العزيزة! لكن أرجو ألا تكوني قد أفرغتِ المخبز بالكامل يا ميار، فالدادة فاطمة لم تترك صنفاً من الحلوى إلا وأعدته احتفالاً بقدومكِ!".دخلت ميار وضاحكتها تملأ المكان، وقالت ببهجة: "ما شاء الله يا سلمى! المكان هنا أشبه ببيت ريفي دافئ بعيد عن ضوضاء المدينة وسرعتها! لو كنت أعلم أن شقتكِ بهذا الهدوء والجمال لكنتُ انتقلتُ للإقامة معكِ منذ البداية!".استقبلتها الدادة فاطمة بترحاب أمومي دافئ، وسرعان ما ذابت الحواجز بينهن. جلست الصديقتان تتبا

  • على قيد الاستثناء    خيوط غير مرئية ووقار متين

    مرت أيام الامتحانات بسلاسة على سلمى وميار، وتكلل الجهد والتعب براحة مستحقة مع انتهاء آخر الموعد الاختبارات. وفي صبيحة يوم مشمس يفيض بالدفء، كانت الصديقتان تجلسان في الكافتيريا الخارجية للكلية، تحتفيان بهذا الخلاص المؤقت. كانت طاولة المذاكرة الدائمة، التي طالما ازدحمت بالكتب والملاحظات، مكسوة هذه المرة بكؤوس العصائر الطازجة والضحكات المتواصلة التي كسرت رهبة الأسابيع الماضية.استندت ميار بظهرها إلى المقعد الخشبي وتنهدت براحة درامية وهي تقول: "أخيراً يا سلمى! أقسم لكِ أن عقلي كان يستغيث في السؤال الأخير من المادة.. لولا إصراركِ العجيب على مراجعة ذلك الفصل المعقد الليلة الماضية، لكنتُ الآن أعدّ خطة بديلة لإعادة المادة في الفصل الصيفي!".ضحكت سلمى برقة وخفة دمها العفوية، وعدلت أوراقها المنظمة في حقيبتها وهي تجيب بذكاء: "الحمد لله أن الأمر مرّ على خير يا ميار.. لكن لا تفرحي كثيراً وتستبقين الأحداث؛ فالنتيجة هي الحاكم الفعلي والنهائي بيننا. وإن لم تحصلي على تقدير ممتاز يرفع الرأس، سأطالب بتعويض معنوي ومادي عن كل ساعات الشرح الشاقة تلك!".بادلتها ميار الضحك بصفاء ومرح قائلاً: "لكِ ما تشائين س

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status