Share

عتبات جديدة

last update publish date: 2026-08-05 16:50:03

لم تستغرق سلمى أكثر من عشر دقائق لتجمع شتات حياتها في ذلك البيت. حقيبة سفر صغيرة واحدة، تهالكت أطرافها من القدم، كانت كافية لِتَحوي ما تملكه من ثياب بسيطة، وبضع صور قديمة تجمعها بوالدها الراحل.

مشت بخطوات ثقيلة نحو الصالة، تلاحقها نظرات سهام ونورهان اللتين وقفتا كتمثالين من الغل والسخط. نظرت إليها سهام وقالت بنبرة خفيضة ينضح منها الوعيد: "تظنين أنكِ نجوتِ يا سلمى؟ سنرى إلى أين سيأخذكِ هذا الرجل، والبيت الذي غادرتِه لن تطئي عتبته مجدداً".

لم ترد سلمى، بل اكتفت بالنظر إلى المكان ونظرته الأخيرة قبل أن تلتفت إلى عاصم الذي كان يقف عند الباب المفتوح، شامخاً بوقاره، يفتح لها طريق الخروج. قال عاصم لسهام بنبرة مقتضبة وحازمة قبل أن يغادر: "حقوق هذا البيت واستحقاقاته الشرعية ستصلكم عبر مكتبي القانوني في مواعيدها، لا داعي لأي تواصل مباشر بعد اليوم".

نزلت سلمى السلالم خلف عاصم، وفي السيارة السوداء الفاخرة، جلست في المقعد الخلفي تراقِب الشوارع وهي تبتعد. كان شعورٌ متداخل يتملكها؛ حزن على الفقد والمكان الذي كبرت فيه، وراحة مبهمة لأنها تخلصت من سجنٍ كاد يطفئ شبابها.

لاحظ عاصم صمتها وانكماشها من مرآة السيارة الأمامية. كان يدرك حجم الصدمة والتغير المفاجئ في حياتها خلال ساعات قليلة، فتحدث بصوت خفيض ورزين يبعث على الهدوء: "الشقة التي سنذهب إليها تقع في حديقة المصنع القديم يا سلمى. والدكِ كان يحب البقاء هناك في أوقات عمله المتأخرة، وقد يعيد لكِ المكان بعض الدفء الذي فقدتِه. لا تقلقي من أي شيء، حقكِ في أمان، ولن يجرؤ أحد على مضايقتكِ بعد اليوم".

أومأت سلمى برأسها، وقالت بصوت خافت يملؤه الامتنان: "شكراً لك يا سيد عاصم.. لا أعرف كيف أشكرك على وقوفك بجانبي".

رد عاصم بإيماءة وقار: "أنا لا أقوم إلا بواجبي تجاه رجل كان أخاً وصديقاً وأميناً في بداياتي. هذا حقكِ وحق والدكِ عليّ".

توقفت السيارة أمام بناية أنيقة ومحاطة بالأشجار الهادئة ملحقة بالمبنى الإداري للمصنع القديم. كانت الشقة دافئة، تفوح منها رائحة الخشب العتيق والكتب، تماماً كما كانت رائحة مكتب والدها. في الداخل، كانت تنتظرهم السيدة "فاطمة"، وهي سيدة مسنة طيبة الملامح، من معارف عاصم القدامى والتي كلفها بالتواجد الدائم مع سلمى لترعاها وتؤنس وحدتها كي لا تشعر بالخوف أو الغربة.

رحبت السيدة فاطمة بسلمى بحفاوة أمومية، وأخذت حقيبتها لتساعدها في الاستقرار. وقف عاصم عند المدخل، وتفقد المكان بعينيه ليتأكد من توفر كل الاحتياجات الرسمية والأمنية، ثم التفت إلى سلمى وقال: "سأترككِ لتستريحي اليوم يا سلمى. غداً صباحاً سيزوركِ المحامي الخاص بشركتنا ومعه كافة المستندات المالية لتوقيعها واستلام حساباتكِ الرسمية. إن احتجتِ أي شيء، السيدة فاطمة تملك هاتفي المباشر".

غادر عاصم الشقة بخطواته الثابتة، واستقل سيارته عائداً إلى بيته في الطرف الآخر من المدينة.

وصل عاصم إلى فيلته الفاخرة في ساعة متأخرة من عصر ذلك اليوم. كان السكون يلف المكان، سكوناً خالياً من الحياة والدفء. دخل الصالة الواسعة ليجد زوجته "فريدة" تجلس أمام شاشتها الذهبية تتابع بعض الأعمال والتفاصيل الاجتماعية.

رفعت فريدة عينيها الجافتين نحو عاصم دون أن تبتسم، وقالت بجفاء متكلف: "عدت متأخراً يا عاصم.. هل انتهيت من موضوع تركة صديقك القديم؟ لا أفهم لماذا تقتطع من وقتك وجهدك لأمور شعبية كهذه".

نظر إليها عاصم لثوانٍ معدودة؛ تذكر بريق البراءة والامتنان في عيون سلمى، ثم قارنه بالجفاء والرسمية اللذين يملآن بيته وزواجه منذ سنوات طويلة، الزواج الذي كُبّل فيه بوهم العقم والصمت. أخذ نفساً عميقاً، وقال ببرود وزانة: "إنها الأمانة يا فريدة.. والأمانة لا تقتطع من الوقت، بل تصونه".

تركها وصعد إلى مكتبه، بينما كانت سلمى في شقتها الجديدة تفتح خزنة صغيرة في مكتب أبيها بالصدفة، لتعثر على رسالة أخرى لم تُفتح بعد!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • على قيد الاستثناء    حد المواجهة

    كان الصمت الذي أعقب كلمات المحامي ثقيلاً وخانقاً، كأن الهواء قد سُحب فجأة من بهو الفيلا الرئيسي. وقفت سلمى على بعد خطوات قليلة من الباب الخارجي، تتنفس بصعوبة وأصابع يدها تضغط على حقيبة أوراقها الأكاديمية حتى ابيضت مفاصلها. كان فرح النجاح الذي غمرها منذ ساعات قليلة في الجامعة يتبدد بسرعة الصدمة، ليحل محله شعور أليم بالاستباحة؛ فريدة تتجرأ على إقحام اسم والدها الراحل وحصته الصغيرة في الشركة في صراعها العاطفي والشخصي، وتحاول تجريدها من آخر خيط يربطها بشركة والدها وبوجودها الشرعي تحت هذا السقف.التفتت سلمى بعينين تتلمسان الأمان نحو عاصم. كان يقف إلى جوارها كالسد المنيع، بدلته الداكنة لم تترعد، لكن ملامحه الحادة تحولت إلى ما يشبه الصخر الجرانيتي. كانت هناك حمرة غضب مكتومة تشتعل في عينيه، ونبرة أنفاسه الصادرة من صدره تنبئ بعاصفة وشيكة ستقتلع كل من يتجرأ على تجاوز حدوده.تقدم عاصم خطوتين بطيئتين نحو الصالون الرئيسي، حيث تقف فريدة إلى جوار محاميها وأمها التي تراقبه بنظرات مترقبة. زرّر جاكيت بدلته بهدوء قاتل، ثم وجّه عينيه الحادتين نحو المحامي أولاً، ليقول بصوت خفيض ثقيل يقطع الشك باليقين: "ست

  • على قيد الاستثناء    طعنة الظلال

    بدأت الجلسة الأكاديمية في القاعة الكبرى وسط حضور غفير من الأساتذة والباحثين. كانت سلمى تقف خلف منصة العرض بثبات، وصوتها الرخيم ينساب في القاعة ليغطي تفاصيل بحثها المتقن. وفي المقعد الأمامي، كان عاصم يجلس بشموخه المعهود، عينان حادتان ترقبان كل حركة منها وتمنحانها أماناً يتجاوز أسوار الكلية.وفجأة، تحرك الباب الخلفي للقاعة بصوت مسموع. دخل طارق بملامح يغلب عليها التشفّي والمكر، ويرافقه الدكتور "ممدوح"، وهو محكم أكاديمي نافذ معروف بعلاقاته المشبوهة. تقدم ممدوح نحو المنصة دون استئذان، وقاطع عرض سلمى بنبرة حادة وصوت جهوري أربك القاعة بأكملها: "عفواً يا رئيس اللجنة.. هذا البحث لا يجوز استكمال مناقشته! لدينا أدلة قاطعة تنص على أن الباحثة اقتبست أجزاء جوهرية من أوراق علمية ملك للباحث طارق، وأن الجهد المعروض هنا مسروق بالكامل!".ساد الذهول أرجاء القاعة، وارتفعت الهمسات المتشابكة. شحب وجه سلمى وتجمدت دماء الفزع في عروقها، وهي ترى طارق يبتسم بنصر زائف في الخلف، محاولاً هدم سنوات تعبها في لحظة واحدة.وقبل أن ينطق رئيس اللجنة بكلمة، تحرك جبل الجليد من مقعده. قام عاصم بخطوات ثقيلة ورزينة تهتز لها ال

  • على قيد الاستثناء    شرارة المواقف

    خيم توتر مكتوم على أرجاء الفيلا في الصباح التالي لعودة عاصم وسلمى؛ إذ لم تعد فريدة قادرة على إخفاء خوفها واستشعارها للخطر الحقيقي الذي يتهدد استقرار مكانتها. كانت حركة عاصم الأخير بسفره الخاطف إلى دبي والعودة برفقة سلمى نقطة تحول أربكت كل حساباتها، وجعلت أمها تحثها على مواجهته ووضع حد لما أسمته "التجاهل الصريح لأصول البيت".في الصالون الفرعي، وقفت أم فريدة بجوار ابنتها تنتظران نزول عاصم من مكتبه. ما إن أطل ببدلته الأنيقة وقامته الشامخة، حتى تقدمت حماته ونادته بنبرة يغلب عليها العتاب الحاد: "عاصم.. أريد الحديث معك لدقائق قبل أن تخرج. ما جرى بالأمس وما أصبحت تفعله لأجل هذه الباحثة يتجاوز حدود العقل! أنت تهين فريدة ومكانتها كزوجة لك أمام الجميع بسفرك خلف امرأة أخرى واهتمامك العلني بها".توقف عاصم في منتصف القاعة، وألقى نظرة حادة وثقيلة نحو حماته وفريدة التي كانت تقف بملامح واجمة ومترقبة. ساد صمت حذر، ثم قال عاصم بصوت خفيض ينبض بالوقار والحسم الصارم: "أم فريدة.. أنتِ في بيتي وفي ضيافتي وكرامتكِ محفوطة، لكن حدود قراراتي وتصرفاتي الشخصية أمور لا أسمح لأحد بالتدخل فيها أو فرض وصاية عليّ بشأن

  • على قيد الاستثناء    شرارة المواقف

    خيم توتر مكتوم على أرجاء الفيلا في الصباح التالي لعودة عاصم وسلمى؛ إذ لم تعد فريدة قادرة على إخفاء خوفها واستشعارها للخطر الحقيقي الذي يتهدد استقرار مكانتها. كانت حركة عاصم الأخير بسفره الخاطف إلى دبي والعودة برفقة سلمى نقطة تحول أربكت كل حساباتها، وجعلت أمها تحثها على مواجهته ووضع حد لما أسمته "التجاهل الصريح لأصول البيت".في الصالون الفرعي، وقفت أم فريدة بجوار ابنتها تنتظران نزول عاصم من مكتبه. ما إن أطل ببدلته الأنيقة وقامته الشامخة، حتى تقدمت حماته ونادته بنبرة يغلب عليها العتاب الحاد: "عاصم.. أريد الحديث معك لدقائق قبل أن تخرج. ما جرى بالأمس وما أصبحت تفعله لأجل هذه الباحثة يتجاوز حدود العقل! أنت تهين فريدة ومكانتها كزوجة لك أمام الجميع بسفرك خلف امرأة أخرى واهتمامك العلني بها".توقف عاصم في منتصف القاعة، وألقى نظرة حادة وثقيلة نحو حماته وفريدة التي كانت تقف بملامح واجمة ومترقبة. ساد صمت حذر، ثم قال عاصم بصوت خفيض ينبض بالوقار والحسم الصارم: "أم فريدة.. أنتِ في بيتي وفي ضيافتي وكرامتكِ محفوطة، لكن حدود قراراتي وتصرفاتي الشخصية أمور لا أسمح لأحد بالتدخل فيها أو فرض وصاية عليّ بشأن

  • على قيد الاستثناء    عودة المسار

    انقضت الساعات الأخيرة في دبي كأنها لحظات خاطفة مفعمة بصفاء لم تعهده سلمى من قبل. جمعت حقائبها بقلب خفيف وروح مطمئنة، ليرافقها عاصم في طريق العودة على نفس الطائرة. لم تعد هناك مسافات تفصلهما، ولا ألقاب رسمية متكلفة تحبس نبرة الود في صدريهما.خلال الرحلة الجوية، كانت سلمى تجلس إلى جوار النافذة، تتأمل بحر السحاب الممتد عبر الأفق، بينما كان عاصم يجلس بجانبها يطالع أوراق عمله بظاهري الهدوء، لكن عينيه كانتا تلتفتان إليها بين الحين والآخر بلمحة حانية تجمع بين الوقار والدفء العميق.التفتت سلمى نحوه وقالت بصوت خفيض وناعم: "سيد عاصم.. أتمنى ألا تكون سفريتك هذه قد تسببت في تعطيل أشغالك المهمة في الشركة".التفت عاصم إليها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة أذابت كبرياء السنين: "ألم نلتفق على إلغاء الكلفة والرسميات يا سلمى؟ ثم إن راحة بالكِ وإبعاد أي ضيق عنكِ أهم لديّ من مائة اجتماع عمل".احمرت وجنتا سلمى خجلاً، ونكست بصرها بابتسامة شفافة تسري كالدفء في عروقها، موقنة أن رحلة العودة هذه ليست مجرد عودة إلى بيت، بل هي عبور صريح نحو مستقبل أمن ومختلف تماماً.مع هبوط الليل، توقفت سيارة عاصم أمام المدخل ا

  • على قيد الاستثناء    مفاجأة الحضور

    استيقظت سلمى في الصباح الباكر وعلى صدرها جبل ثقيل من الضيق والغيرة المكتومة. كانت أحداث مكالمة الأمس تتكرر في ذهنها بلا انقطاع؛ صوت فريدة العفوي وهي تناديه باسمه المجرد، وحديثها عن القهوة والجمعة العائلية في غيابها، جعل سلمى تشعر بضآلة مكانتها وبأنها مجرد باحثة تكفل عاصم برعايتها بدافع الشهامة ليس إلا.قررت الهروب من حصرة جناحها والمشاركة في الجولة البحرية الجماعية التي نظمتها إدارة المؤتمر للباحثين على شواطئ دبي. ارتدت فستاناً بسيطاً بالألوان الدافئة، ونزلت إلى البهو الرئيسي تنتظر الحافلة المخصصة لنقل الوفد، وعيناها ترقبان الفراغ بشرود حزين.في تلك اللحظة بالذات، توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام المدخل الزجاجي للبهو. نزل منها السائق ليفتح الباب الخلفي، ليخرج منه عاصم ببدلته الداكنة ووقاره الشامخ المعهود. كانت ملامحه تحمل أثر السهر ورحلة الطيران المبكرة، غير أن عينيه الحادتين كانتا تفتشان عن وجهها بلهفة واضحة لم يستطع كبرياؤه إخفاءها هذه المرة.تسمرت سلمى في مكانها، واتسعت عيناها بذهول مطلق وكأنها تطالع طيفاً يتجسد من بين أفكارها. شعرت بقلبها يدق كالمطرقة في صدرها، وسرت رعدة دافئة في أطرا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status