INICIAR SESIÓNارتفعت شمس الظهيرة لتتوسط كبد السماء فوق موقع البناء الشاسع، متلقيةً أشعتها الملتهبة على الهياكل الحديدية المكشوفة وأعمدة الخرسانة العارية. كان غبار التراب الرملي يرتفع كضباب خفيف مع حركة شاحنات النقل الثقيلة وآلات الحفر التي تصدر صخباً ممتداً يهز الأرجاء. وسط هذا الضجيج الميداني العارم، كان كرم يقف على مرتفع ترابي يطل على أساسات الجناح الشرقي لـ "مركز الفنون العصرية"، ممسكاً بمخطط تنفيذي ضخم تنعكس عليه أشعة الشمس، بينما كانت رأسه مكشوفة بعد أن خلع خوذته البيضاء لثوانٍ ليمسح العرق المتجمع على جبينه، متجاهلاً الحرارة والضغط ومكتفياً بنظراته الثاقبة التي تزن كل شبر في الأرض.اقتربت ميار منه بخطوات حذرة، تتفادى كابلات الكهرباء الممتدة على الأرض المبتلة برذاذ صهاريج المياه. كانت ترتدي سترة العمل الميدانية الحافظة، وتحمل بين يديها دفتر الملاحظات الجلدي مع عينات صغيرة ملموسة من الخشب الترابي المعالج. كانت تتطلع إلى كرم بإعجاب مكتوم؛ فهذا الرجل الذي أظهر لها بالبارحة رقة وحناناً يذيب الروح داخل شقته الهادئة تحت المطر، يقف الآن وسط الأتربة والصخب كجدار خرساني صلب لا تهزه الرياح.قبل أن تصل إل
أخذت أقطار المطر تتساقط بصوت أكثر كثافة على زجاج النافذة البانورامية، تاركةً خلفها خطوطاً مائية متعرجة تكسر انعكاس الأضواء الدافئة المنبعثة من مجسّم "مركز الفنون العصرية". كانت ميار لا تزال تجلس على طرف الطاولة الخشبية، متسندة بيديها الخلفيتين إلى سطحها الصقيل، وعيناها تتبعان قطرات المطر الخارجية في لحظة سكون صافية. لكنّ ذلك الهدوء الرغيد لم يدم طويلاً؛ إذ أحدث صوتُ رنين هاتف كرم، الذي كان موضوعاً فوق المكتب، ذبذبةً حادة شقت صمت الغرفة. توقف كرم عن تأمل وجهها، واستدار بجسده نحو المكتب. ألقى نظرة سريعة على الشاشة المضيئة، ولثانية واحدة، مرت على ملامحه الحادة لمحة خاطفة من التردد، قبل أن يسحب الهاتف ويجيب بصوت خفيض وبارد يعكس تحوله الفوري إلى رجل الأعمال الصارم: — "أهلاً وسيم... ألم نتفق على تأجيل مناقشة تقارير التربة إلى الغد؟" ساد صمت قصير وهو يستمع للطرف الآخر. بدأت معالم الراحة تتلاشى تدريجياً عن وجه كرم، لتستبدل بقسوة رزينة عادت لتكسو خطوط فكّه. انقطعت حدقة عينيه في الفراغ، واشتدت قبضته على الهاتف حتى ابيضّت مفاصل أصابعه. تعدّلت ميار في جلستها، وراقبت تبدّل تعابيره بقلق مكتوم.
كانت أضواء الشارع الرئيسي تتلألأ فوق الأسفلت المبتل برذاذ المطر التشريني الخفيف، بينما كانت سيارة كرم السوداء تشق طريقها بسلاسة بين ازدحام المساء. ساد داخل السيارة دفء خفيض تشيعه أنفاسهما المتناغمة ورائحة القهوة المركزة الممزوجة بعطر كرم الخشبي وعرق الفانيليا الناعم الذي يضوع من ميار.كانت ميار تسند رأسها إلى المقعد المخملي الناعم، وتتأمل ان انعكاس أضواء المحلات على نافذتها الزجاجية. ورغم الإرهاق اللذيذ الذي خلفه يوم طويل من معاينة الخشب والألوان في الورشة الميدانية، إلا أن قلبها كان ينبض بسكينة عارمة لم تعهدها من قبل.التفتت بجسدها قليلاً نحو كرم. كان يمسك مقود السيارة بيده اليسرى بتمكن واسترخاء، بينما يده اليمنى تستقر بثبات فوق يدها المتروكة بينهما. كانت خطوط فكه الحاد تضيء وتظلم مع مرور أضواء الشوارع المتعاقبة، ويبدو في هذا الضوء الخافت كأنه منحوتة إغريقية جمعت بين الصرامة والجمال الساحر.قالت ميار بصوت ناعم يحمل نبرة مداعبة خفيفة:— "كرم... ألم تتعب بعد كل هذه الساعات؟ أدارت الورشة، والاجتماعات، والتدقيق الميداني... ومع ذلك لا يظهر عليك أي أثر للإرهاق."التفت كرم بنظره إليها لثوان
استيقظت ميار في الصباح التالي على صوت رذاذ المطر الخفيف وهو يداعب زجاج نافذة غرفتها. كانت الشمس تشرق بشحوب من خلف سحب خريفية ناعمة، تدفع بأشعة ذهبية خافتة لتنساب فوق أثاث الغرفة الخشبي ومراسمها المبعثرة باللوحات والألوان.جلست على أريكتها الصغيرة، تطوق جسدها برداء صوفي دافئ، وتحمل بين يديها فنجان القهوة الساخن. كانت نظراتها شاردة في الفراغ، بينما تتداعى إلى ذهنها تفاصيل الليلة الماضية بأكملها: دفء سترة كرم، لمسة يده الحازمة، ونبرة صوته الرخيمة وهو ينطق بكلماته الحاسمة التي أذابت آخر حواجز الخوف والتردد في قلبها.لم تعد العلاقة بينهما مجرد تقاطعات مهنية أو جدال بين زوايا خرسانية وألوان ترابية؛ لقد أصبحت حقيقة عميقة، ناضجة، ومشتعلة بالشغف والاطمئنان.على المكتب الصغير بجوارها، أضاءت شاشة هاتفها إشعاراً جديداً. ابتسمت تلقائياً قبل أن تفتح الرسالة، كانت من كرم:"صباح الخير يا ميار. أتمنى أن تكوني قد حظيتِ بنوم دافئ. لا تجهدي نفسكِ بالقدوم المبكر للموقع اليوم، الرياح شديدة وسأكون في اجتماع مع الموردين حتى الظهيرة. سأمر عليكِ لننتقل معاً إلى الورشة الميدانية."قرأت الرسالة مرتين، وسرت
كان المطعم الذي اختاره كرم يقع في زاوية هادئة من الحي القديم للمدينة. مطعم دافئ ذو طابع كلاسيكي، جدرانه من الحجر الدافئ المزين بلمسات خشبية وأضواء صفراء خافتة تنبعث من مصابيح نحاسية عتيقة. صوت الموسيقى الكلاسيكية الهادئة كان ينساب في الخلفية كهمس رقيق، والنافذة القريبة من طاولتهما تطل على حديقة صغيرة تحممها قطرات المطر المتساقطة برفق.كان يجلس كرم قبالة ميار على طاولة خشبية عريضة تغطيها مفرش ناعم وتتوسطها شمعة دافئة تتراقص شعلتها بهدوء.كان كرم قد خلع سترة بدلتيه الميدانية، واكتفى بقميصه الأسود الذي فتح زره الأعلى وطوى أكمامه بأسلوب كاجوال متقن ينمّ عن ارتياح نفسي نادراً ما يظهره. أما ميار، فكانت قد خففت من طابعها الميداني عبر رفع شعرها البني المموج بالكامل بدبوس أنيق، تاركة عنقها الناعم يبدو في أبهى حليته تحت الإضاءة الذهبية الدافئة.جلس كرم يتأملها، يمسك بكأس الماء البلوري بيده القوية، وعيناه العسليتان تعكسان ضوء الشمعة المشتعلة بينهما.قالت ميار بابتسامة ساحرة وهي تستند بساعديها على الطاولة وتقترب منه قليلاً:— "لا أصدق أننا نجلس في مكان لا يحتوي على أي مخططات هندسية أو شاشات
كانت النماذج العيّنية لطلاء الواجهات مفرودة على طاولة خشبية طويلة تحت مظلة مؤقتة في الساحة الميدانية. تسللت أشعة الشمس الدافئة من بين السحب الركامية لتلقي ضوءاً ناصعاً وطبيعياً على درجات الألوان المختلفة.يقف كرم ببدلته الميدانية الداكنة، والقميص الأسود المرفوع الأكمام يبرز حسم وقفته. وإلى جانبه تقف ميار، تطوف بسبابتها فوق البطاقات الملونة الممتدة. ورغم أن المساعدين والعمال كانوا يقفون على مسافة قريبة ينتظرون التوجيهات الرسمية، إلا أن الهالة المحيطة بكرم وميار كانت تعزلُهما تماماً عن محيطهما الميداني.كانت اللمسة الناعمة والقبلة الدافئة التي انطبعت على جبهتها داخل الكرفان لا تزال تلقي بظلالها على نبرة صوتيهما ونظراتهما المتبادلة. لم يعد التحدي بينهما يحمل قسوة الصدام القديم، بل أضحى عبارة عن مداعبة عاطفية راقية يُغلفها الشغف والمرح.رفعت ميار بطاقة لونية بدرجة الترابي الدافئ (Terracotta) المشبع بلمسة ذهبية، وقربتها من كتف كرم الخرساني الجاف، وقالت بمكر جذاب:— "انظر يا مهندس... هذه الدرجة بالذات هي التي ستمنح مدخل المبنى حيوية ساحرة. إنها تعكس الضوء عند الظهيرة وتجعل الخرسانة البا







