Masukحين يكتمل القمر في قرية نائية تحاصرها الغابات من كل جانب، يعيش أهلها وفق قوانين غريبة لا يجرؤ أحد على كسرها، وأهمها: لا تفتح بابك بعد منتصف الليل مهما سمعت خلفه. ياسين شاب اعتاد أن يرى قريته مكانًا هادئًا، حتى تبدأ أشياء لا يمكن تفسيرها في الحدوث حوله. أشخاص يختفون دون أثر، أصوات تأتي من قلب الغابة، جثث تظهر في أماكن مستحيلة، وأسرار قديمة يبدو أن الجميع يعرفها... باستثنائه. ومع اقتراب ليلة القمر المكتمل، يبدأ ياسين في اكتشاف أن القرية التي نشأ فيها ليست كما تبدو، وأن بعض الوجوه التي يثق بها تخفي أكثر مما يمكنه تخيله. وبين الخوف والمطاردة، يجد نفسه أمام فتاة تهدد بإرباك كل شيء في حياته؛ فتاة تحمل هي الأخرى أسرارًا لا تريد أن يعرفها أحد. كلما اقترب ياسين من الحقيقة، اكتشف أن الخطر ليس دائمًا في الغابة... أحيانًا يكون الخطر أقرب مما تتخيل. وفي قرية لا ينجو فيها الجميع من الليل، يصبح السؤال الحقيقي ليس: ما الذي يعيش في الغابة؟ بل... من الذي يعيش بيننا؟
Lihat lebih banyakالفصل الأول
لا تفتح الباب كان الرجل يطرق باب بيت ياسين منذ أكثر من عشر دقائق. ثلاث طرقات. ثم صمت. ثم ثلاث طرقات أخرى. كان ياسين واقفًا في منتصف غرفة المعيشة، حافي القدمين، ينظر إلى الباب الخشبي العتيق وكأن حياته كلها أصبحت معلقة خلفه. لم يكن أكثر ما يخيفه هو الطرق. بل صوت الرجل الذي يأتي بعدها. — ياسين... افتح. تجمد الدم في عروقه. كان الصوت صوت أبيه. لكن أباه مات منذ سبع سنوات. اقترب ياسين خطوة. ثم توقف. كان المطر يضرب نوافذ البيت بعنف، والريح تصفر بين الأشجار الكثيفة المحيطة بالقرية. لم يكن هناك كهرباء منذ الغروب، والمصباح الزيتي الصغير فوق الطاولة بالكاد يطرد الظلام. عاد الطرق. ثلاث مرات. — ياسين... أنا عارف إنك جوه. ابتلع ريقه. لم يكن ممكنًا. أبوه مات أمام عينيه. دفنه أهل القرية بأنفسهم. وتلك الليلة، منذ سبع سنوات، كانت آخر ليلة رأى فيها وجهه. ثم جاء الصوت للمرة الثالثة. لكن هذه المرة لم يكن صوت أبيه. كان صوت أمه. — ياسين... بالله عليك افتح الباب. أغمض عينيه. تراجع خطوة. ثم خطوتين. كان يريد أن يهرب، لكنه لم يعرف إلى أين. فالبيت كله كان محاصرًا. ليس بالناس. بل بالغابة. قرية "المرج الأسود" لم تكن تشبه أي قرية عرفها من قبل. بيوت حجرية قديمة، طرق ضيقة، غابة تمتد خلف الجبال، وضباب لا يختفي حتى في أكثر أيام الصيف حرارة. وكان هناك قانون واحد لا يناقشه أحد. إذا سمعت شخصًا تعرفه يناديك ليلًا من خلف الباب... لا تفتح. لم يخبره أحد لماذا. وكان ياسين قد سخر من هذا القانون طوال حياته. حتى هذه الليلة. توقف الطرق. ساد الصمت. نظر إلى الساعة المعلقة فوق الحائط. الثانية وسبع عشرة دقيقة صباحًا. ثم سمع شيئًا آخر. خدش. بطيء. ثقيل. على الخشب. اقترب ياسين من الباب رغمًا عنه، ونظر إلى أسفله. كان هناك شيء يتحرك في الظلام. ظل أسود. ثم ظهرت قطرة دم تحت الباب. قطرة. ثم أخرى. ثم بدأ الدم يتجمع في خط رفيع ويتسلل إلى داخل المنزل. تراجع ياسين بسرعة. وفي اللحظة نفسها جاء صوت من الخارج: — لو فتحت الباب... هتكون آخر غلطة تعملها. صمت ياسين. كان الصوت هذه المرة غريبًا. لم يكن صوت أبيه. ولا أمه. ولا أي إنسان يعرفه. كان منخفضًا وخشنًا، وكأنه يخرج من حنجرة شيء لم يتعلم الكلام إلا منذ وقت قريب. ثم سمع ضحكة. ضحكة قصيرة. حادة. وتوقفت فجأة. اقترب ياسين من النافذة. رفع الستارة ببطء. الغابة أمامه كانت سوداء بالكامل. لكن بين الأشجار، وعلى بعد عشرات الأمتار، رأى شيئًا يتحرك. شخص. طويل جدًا. يقف وسط المطر دون أن يتحرك. كان ينظر مباشرة إلى نافذة ياسين. لم يستطع رؤية وجهه. لكن استطاع رؤية عينيه. كانتا تلمعان بلون أصفر باهت. تراجع ياسين. وفي اللحظة التي ابتعد فيها عن النافذة... انطفأ المصباح. غرق البيت في الظلام. ثم جاء الطرق من جديد. لكن هذه المرة لم يكن على الباب. كان على النافذة. ثلاث طرقات. طق. طق. طق. تجمد ياسين في مكانه. ثم ظهر شيء على زجاج النافذة. كف. أو شيء يشبه الكف. أصابع طويلة بشكل غير طبيعي، ومخالب سوداء تحك الزجاج ببطء. لم يصرخ. لم يستطع. ثم جاء الصوت من خلفه. — ما تبصش وراك. اتسعت عيناه. لم يكن الصوت خارج المنزل. كان داخل المنزل. خلفه مباشرة. عرف الصوت. هذه المرة لم يكن صوت أبيه. كان صوته هو. نفس النبرة. نفس النفس. نفس الطريقة التي ينطق بها الكلمات. — لو بصيت وراك... هتشوف اللي أنت ناسيه. ظل ياسين واقفًا دون حركة. بدأ قلبه يضرب صدره بعنف. — مين أنت؟ ضحك صوته من خلفه. — السؤال الغلط. — إيه السؤال الصح؟ صمت. ثم اقتربت الخطوات. خطوة. ثم أخرى. حتى شعر ياسين بأنفاس ساخنة تلامس مؤخرة رقبته. وجاء الهمس: — السؤال الصح هو... إنت مين؟ استدار ياسين بكل قوته. لم يكن هناك أحد. الغرفة فارغة. لكن على الحائط المقابل كان هناك شيء لم يكن موجودًا قبل دقائق. صورة. صورة قديمة بالأبيض والأسود. رجل يقف أمام بيت ياسين نفسه. بجواره امرأة شابة. وفي المنتصف طفل صغير. تقدم ياسين نحوها. كانت الصورة تبدو قديمة جدًا. مد يده. ثم توقف. لأن الطفل الموجود في الصورة... كان هو. لكن المشكلة لم تكن هنا. كان عمر الطفل في الصورة لا يتجاوز خمس سنوات. وتحت الصورة، بخط يد أبيه، كُتبت جملة واحدة: "إذا وجدت هذه الصورة، فهذا يعني أنني فشلت في قتل ابني." تراجع ياسين. شعر ببرودة تسري في جسده. — ابني؟ ثم سمع صوتًا آخر. من خارج البيت. صرخة امرأة. صرخة يعرفها جيدًا. — ياسين! كانت ليان. الفتاة الوحيدة التي أحبها في حياته. فتح الباب دون تفكير. وفي اللحظة التي أصبحت يده فوق المقبض... تذكر القاعدة. لا تفتح الباب. لكن صوت ليان جاء مرة أخرى، هذه المرة وهي تبكي: — ياسين! الحقني! أغمض عينيه. ثم فتحهما. وقال لنفسه: — لو كانت ليان فعلًا... لازم أفتح. أدار المقبض. وفي اللحظة نفسها، سمع صوتًا خلفه. هادئًا. مرعبًا. — كنت أتمنى ألا تفعل. فتح الباب. لم يجد ليان. وجد الغابة. وجد المطر. وجد آثار أقدام بشرية تمتد من عتبة البيت إلى داخل الغابة. لكنها لم تكن آثار أقدام خارجة من البيت. كانت آثار أقدام قادمة من الغابة إلى البيت. وتوقفت عند الباب. وبجوار آخر أثر... كانت هناك جثة رجل. رفع ياسين المصباح الذي أخذه معه، وسلط الضوء على وجه الجثة. سقط المصباح من يده. كان الرجل هو والده. نفس الوجه. نفس الملابس التي دُفن بها. ونفس الجرح الموجود في صدره. لكن الشيء الأكثر رعبًا... أن عيني الجثة كانتا مفتوحتين. وكانت تحدقان في ياسين. ثم تحرك فم الرجل ببطء. وقال: — اهرب... قبل ما يعرفوا إنك صحيت. وفي اللحظة التالية... انطلقت من أعماق الغابة عشرات العيون الصفراء. واحدة. ثم خمس. ثم عشرات. ثم مئات. ورفع ياسين رأسه ببطء. عندها فقط أدرك الحقيقة التي أخفاها عنه أهل القرية طوال حياته: الغابة لم تكن تحاصر القرية. القرية كانت تحاصر شيئًا يعيش داخل الغابة. والليلة... شيء ما خرج. وكان يعرف اسم ياسين.الفصل الثامن ــــ ليلة الاختيارظل ياسين يحدق في الغابة.عشرات العيون الصفراء كانت تلمع بين الأشجار، ثابتة لا تتحرك، كأن أصحابها ينتظرون إشارة واحدة فقط.كانت ليان واقفة إلى جواره، ووجهها شاحب.أما مراد، فكان يراقب المشهد من خلف النافذة دون أن يبدو عليه الخوف.قال ياسين:— ماذا يقصدون بقولهم إن هذه ليلة الاختيار؟لم تجبه ليان.نظر إليها.— أريد إجابة.قالت بصوت خافت:— لا أعرف.التفت إليها بسرعة.— أنت تعرفين.— ليس كل شيء.— إذن أخبريني بما تعرفينه.قبل أن تجيب، ارتفع صوت من الغابة:— ليان!كان الصوت مختلفًا هذه المرة.أعمق.وأكثر قسوة.ثم ظهر رجل بين الأشجار.كان يسير ببطء نحو المنزل.لم يكن مستذئبًا.كان إنسانًا.على الأقل بدا كذلك.توقف أمام حدود الغابة، ثم رفع رأسه.كان وجهه شاحبًا، وعيناه سوداوان تمامًا.قال:— لقد انتهى الوقت.أجاب مراد:— لم يبدأ وقتك بعد.ابتسم الرجل.— أنت تعرف أنه لم يعد بإمكانك إيقافه.ثم نظر إلى ياسين.— أخبره يا مراد.قال ياسين:— أخبرني ماذا؟لم يرد الرجل.بل بدأ يتراجع إلى الخلف.وقبل أن يختفي بين الأشجار، قال:— عندما يصل القمر إلى منتصف السماء، سيتذك
الفصل السابع ــــ أول ليلةلم يفهم ياسين ما قاله مراد.أو ربما فهمه، لكنه رفض أن يصدقه.أبوك كان خايف منك.الجملة ظلت معلقة في رأسه بينما كان ينظر إلى القمر من النافذة.كان أحمر بشكل لم يره من قبل.والغابة تحته لم تعد تبدو كغابة.كانت تتحرك.أغصان تتمايل دون رياح.ظلال تمر بين الأشجار.وأصوات بعيدة تتداخل مع بعضها.عواء.صرخات.ثم شيء يشبه الضحك.قال ياسين:— إنت عايز مني إيه؟كان مراد واقفًا في منتصف الغرفة.— عايزك تعيش.— كذاب.— ممكن.ابتسم مراد.— لكن دي الحقيقة الوحيدة اللي تهمك دلوقتي.رفعت ليان سكينها.— متسمعوش.نظر إليها مراد.— لسه بتلعبي دور الحارسة؟— أنا مش حارسة.— عارفة.توقف لحظة.— ودي مشكلتك.ثم نظر إلى ياسين.— عندك عشر دقائق قبل ما يبدأ التحول.تجمد ياسين.— تحول إيه؟لم يجب.قالت ليان بسرعة:— لازم نخرج.— ليه؟— لأنك مش هتقدر تسيطر على نفسك هنا.— أنا مش هتحول لحاجة.مراد ضحك.— كلهم قالوا كده.ثم أخرج ساعة جيب قديمة.فتحها.— تسع دقائق.نظر ياسين إلى ليان.— إيه اللي بيحصل لي؟اقتربت منه.— جسمك بدأ يستجيب للقمر.— يعني؟— يعني إن اللي حاول أبوك يمنعه بدأ يحصل.
الفصل السادس ــ الاسم الذي لم يكن موجودًا لم يتحرك ياسين. ظل واقفًا أمام المرآة، يحدق في المكان الذي اختفى فيه الرجل. آدم. الاسم ما زال يدور في رأسه. أخوك. ثم جملة أخرى: اسألها مين أمك الحقيقية. التفت إلى ليان. كانت واقفة بجوار المرآة، ووجهها شاحب. — مين آدم؟ لم تجب. — سألتك. — ياسين... — ومين أمي؟ أغمضت عينيها. — مش هنا. ضحك ياسين بمرارة. — طبعًا. ابتعد عنها. — كل مرة أسألك فيها سؤال، تقولي مش هنا. — لأن المكان ده خطر. — أنا بقيت مش عارف مين أخطر... المكان ولا الناس اللي حواليا. رفعت عينيها إليه. — لو كنت عايزة أضرك، كنت سيبتك لوحدك من أول ليلة. — يمكن ده اللي كنتِ بتعمليه. تألمت من كلماته. لكنه لم يتراجع. — أنا محتاج الحقيقة. — الحقيقة ليها تمن. — وأنا مستعد أدفعه. اقتربت منه. — حتى لو التمن حياتك؟ — أيوه. ساد الصمت. ثم قالت: — أمك اسمها مريم. تجمد. الاسم لم يكن غريبًا. لكنه لم يتذكر امرأة بهذا الاسم. — مريم مين؟ — مريم الخطيب. — أمي؟ هزت رأسها. — أيوه. — أنا طول عمري فاكر إن اسمها نادية. — نا
الفصل الخامس البيت المدفون لم يعرف ياسين كيف خرج من المكان. كل ما يتذكره أنه ظل يمشي خلف ليان، بينما عقله عالق عند الجملة التي قرأها على الصورة. لا تخف من الوحش الذي تعرفه... خف من الرجل الذي علّمك كيف تكون وحشًا. كانت الكلمات تتكرر في رأسه. من علّمه؟ أبوه؟ مراد؟ أم شخص آخر لم يسمع عنه حتى الآن؟ خرج الاثنان من فتحة ضيقة خلف مقبرة قديمة في أطراف القرية. كانت الشمس قد بدأت تشرق. لكن ياسين لم يشعر بأي راحة. القرية التي يعرفها منذ طفولته بدت مختلفة تمامًا في ضوء الصباح. الأبواب مغلقة. النوافذ مغلقة. لا أطفال في الشوارع. لا نساء يتحدثن أمام البيوت. حتى الكلاب اختفت. قال ياسين: — الناس كلها مستخبية ليه؟ — لأن الليل لسه مخلصش. نظر إليها. — الشمس طلعت. — ده مش معناه إن الخطر انتهى. سارا في طريق ضيق بين البيوت. كان ياسين يراقب كل نافذة. كل ستارة. كل شخص يظهر للحظة ثم يختفي. ثم لمح رجلًا عجوزًا يقف أمام متجر صغير. كان ينظر إليه. بمجرد أن التقت عيناهما، أغلق الرجل باب المتجر. — شايف؟ قالتها ليان. — إيه؟ — كلهم عارفينك. — عارف