LOGINالفصل الثاني
القرية التي لا تنام ظل ياسين واقفًا أمام الجثة، غير قادر على تحريك قدم واحدة. المطر كان يضرب وجهه، والبرد يتسلل إلى ملابسه، لكن جسده كله كان ساخنًا من الخوف. لم يكن ينظر إلى الجثة بقدر ما كان ينظر إلى الغابة. تلك العيون الصفراء اختفت. واحدة تلو الأخرى. كأن شيئًا ما أصدر أمرًا لها بالاختباء. انحنى ياسين ببطء وأمسك المصباح من الأرض. سلط الضوء على وجه الرجل مرة أخرى. كان أباه. لم يكن هناك مجال للشك. نفس الندبة الصغيرة فوق حاجبه الأيسر. نفس الشعر الرمادي. حتى الخاتم الفضي الذي كان يرتديه في إصبعه الأوسط كان موجودًا. مد ياسين يده ولمس وجهه. بارد. بارد تمامًا. لكنه كان متأكدًا أن الجثة تحركت. سمع الكلمات. بوضوح. "اهرب... قبل ما يعرفوا إنك صحيت." ابتعد ياسين بسرعة. — مستحيل... خرجت الكلمة من فمه مرتجفة. ثم لمح شيئًا بجوار الجثة. قطعة قماش سوداء عالقة في أغصان شجرة صغيرة. اقترب منها. كانت عليها علامة غريبة. دائرة يتوسطها خط عمودي، وحولها ثلاثة خدوش تشبه مخالب حيوان. تجمد عندما رأى العلامة. كان قد رأى مثلها من قبل. في منزل أبيه. لكن أباه كان قد أخفاها دائمًا عندما كان ياسين يسأله عنها. "مجرد علامة قديمة." هكذا كان يجيب. مجرد علامة قديمة. رفع ياسين رأسه نحو القرية. كانت البيوت بعيدة قليلًا، وأضواء المصابيح بدأت تظهر من النوافذ. كان الناس قد استيقظوا. ربما سمعوا الصرخة. ربما رأوا ما حدث. وربما... كانوا ينتظرون هذه اللحظة منذ سنوات. استدار ياسين ناحية الجثة. كانت عيناه لا تزالان مفتوحتين. اقترب منه مرة أخيرة. — مين قالك إني صحيت؟ لم تجبه الجثة. لكن الريح حملت صوتًا من بعيد. صوت عواء. طويل. عميق. ترددت أصداؤه بين الجبال. ثم جاء عواء آخر. ثم ثالث. ثم بدأت القرية كلها تستيقظ. أبواب تُفتح. أصوات رجال. كلاب تنبح. ثم رأى ياسين أول شخص يركض نحوه. كان عم جابر. رجل تجاوز الستين، وكان واحدًا من أقدم رجال القرية. توقف أمام ياسين، ونظر إلى الجثة. لم يصرخ. لم يتفاجأ. فقط أغلق عينيه للحظة. ثم قال: — ادخل بيتك. نظر إليه ياسين باستغراب. — ده أبويا. — عارف. — أبويا مات من سبع سنين. — عارف. — إزاي عارف؟! لم يجب جابر. وصل رجلان آخران، ثم ثلاثة. كلهم وقفوا حول الجثة في صمت. لم يقترب أحد منها. كأنهم كانوا يخافون لمسها. ثم ظهر مختار القرية. الشيخ سليم. رجل ضخم، في أواخر الستينيات، له لحية بيضاء وعينان حادتان لا تسمحان لك بمعرفة ما يفكر فيه. نظر إلى ياسين طويلًا. ثم إلى الجثة. وقال: — خذوه للبيت القديم. تدخل ياسين فورًا. — لا. التفت إليه المختار. — إيه؟ — مش هتدفنوه. ساد الصمت. — دي جثة أبويا. قالها ياسين بعناد. — وأنا عايز أعرف إزاي رجع. تبادل الرجال النظرات. ثم ضحك أحدهم ضحكة قصيرة متوترة. رفع ياسين عينيه إليه. — في إيه؟ لم يرد الرجل. فصرخ ياسين: — في إيه؟! اقترب منه المختار. — روح بيتك يا ياسين. — مش هروح. — دي آخر مرة هطلب منك. — وأنا آخر مرة هقولك إني مش هروح قبل ما أعرف الحقيقة. اقترب المختار حتى أصبح أمام وجهه مباشرة. ثم قال بصوت منخفض: — الحقيقة مش دايمًا حاجة الإنسان يكون مستعد يسمعها. — وأنا مستعد. ظل المختار ينظر إليه لثوانٍ. ثم قال: — لا. استدار ورحل. شعر ياسين بالغضب يشتعل داخله. — يعني إيه لا؟! لكن لا أحد أجابه. حمل الرجال الجثة. وقبل أن يبتعدوا، لمح ياسين شيئًا جعل قلبه يتوقف. يد أبيه. كانت أصابعه تتحرك. ببطء. مرة واحدة. ثم توقفت. اقترب ياسين بسرعة. — استنوا! لكن جابر أمسك بذراعه بقوة. — متلمسهاش. — أنت شفت؟ — شفت. — هو لسه عايش! نظر جابر إلى عينيه. ولأول مرة، رأى ياسين الخوف الحقيقي في وجه الرجل العجوز. — يا ابني... ابتلع جابر ريقه. — أبوك مش عايش. ثم اقترب من أذنه وهمس: — وإنت لو عايز تفضل عايش، انسَ إنك شفته. تركه وذهب. وقف ياسين وسط المطر. لم يفهم شيئًا. لكنه فهم شيئًا واحدًا. الجميع يعرف. الجميع يعرف ماذا يحدث. والجميع يكذب عليه. عاد إلى البيت وأغلق الباب خلفه. كان المكان كما تركه. المصباح مطفأ. الصورة على الحائط. والدم لا يزال موجودًا على الأرض. لكن شيئًا تغير. اقترب ياسين من الصورة. مد يده. لم تكن هناك. الصورة اختفت. — لا... بحث حولها. فتش الطاولة. الأدراج. الأرض. لا شيء. ثم وجد ظرفًا أبيض موضوعًا فوق سريره. لم يكن موجودًا قبل أن يخرج. اقترب منه بحذر. كان اسمه مكتوبًا عليه. ياسين. بخط أبيه. جلس على حافة السرير. فتح الظرف. كانت بداخله ورقة واحدة. لم يكن عليها سوى سطر: "لو كنت تقرأ الرسالة دي، يبقى هم عرفوا إنك رجعت." وتحتها: "ثق في ليان... ولا تثق في أي شخص آخر." توقف ياسين. ليان. لماذا هي؟ وماذا كان يقصد بقوله "رجعت"؟ هو لم يغادر القرية أصلًا. ظل يحدق في الورقة. ثم سمع طرقًا على الباب. ثلاث طرقات. تجمد. نظر إلى الساعة. الثانية وسبع عشرة دقيقة. نفس الوقت. نفس الطرق. لكن هذه المرة لم يكن هناك صوت. اقترب من الباب. لم يفتحه. انتظر. ثم جاءت ضربة أقوى. دوم! تراجع. ثم سمع صوتًا نسائيًا. — ياسين؟ عرف الصوت. ليان. اقترب أكثر. — ليان؟ — افتح. وضع يده على المقبض. ثم تذكر رسالة أبيه. "ثق في ليان." فتح الباب. كانت واقفة أمامه. شعرها مبلل بالمطر، ووجهها شاحب، وعيناها حمراوان وكأنها كانت تبكي. — كنت فين؟ قالها ياسين. نظرت إليه دون إجابة. ثم قالت: — لازم نمشي من هنا. — ليه؟ نظرت خلفه إلى داخل البيت. ثم همست: — لأنهم جايين ياخدوك. — مين؟ لم تجب. اقتربت منه وأمسكت يده. — لو عايز تعرف الحقيقة عن أبوك... تعالى معايا. نظر إلى يدها. ثم إلى عينيها. لأول مرة منذ بداية الليل شعر بشيء يشبه الأمان. لكنه لم يلاحظ شيئًا واحدًا. كان هناك جرح صغير على رقبتها. ثلاث علامات متوازية. تشبه مخالب حيوان. وكان الدم الخارج منه... أسود. رفع ياسين عينيه إليها. — ليان... ابتسمت. لكن ابتسامتها لم تصل إلى عينيها. — إيه؟ ظل ينظر إلى الجرح. ثم قال: — إنتِ... مين؟الفصل الثامن ــــ ليلة الاختيارظل ياسين يحدق في الغابة.عشرات العيون الصفراء كانت تلمع بين الأشجار، ثابتة لا تتحرك، كأن أصحابها ينتظرون إشارة واحدة فقط.كانت ليان واقفة إلى جواره، ووجهها شاحب.أما مراد، فكان يراقب المشهد من خلف النافذة دون أن يبدو عليه الخوف.قال ياسين:— ماذا يقصدون بقولهم إن هذه ليلة الاختيار؟لم تجبه ليان.نظر إليها.— أريد إجابة.قالت بصوت خافت:— لا أعرف.التفت إليها بسرعة.— أنت تعرفين.— ليس كل شيء.— إذن أخبريني بما تعرفينه.قبل أن تجيب، ارتفع صوت من الغابة:— ليان!كان الصوت مختلفًا هذه المرة.أعمق.وأكثر قسوة.ثم ظهر رجل بين الأشجار.كان يسير ببطء نحو المنزل.لم يكن مستذئبًا.كان إنسانًا.على الأقل بدا كذلك.توقف أمام حدود الغابة، ثم رفع رأسه.كان وجهه شاحبًا، وعيناه سوداوان تمامًا.قال:— لقد انتهى الوقت.أجاب مراد:— لم يبدأ وقتك بعد.ابتسم الرجل.— أنت تعرف أنه لم يعد بإمكانك إيقافه.ثم نظر إلى ياسين.— أخبره يا مراد.قال ياسين:— أخبرني ماذا؟لم يرد الرجل.بل بدأ يتراجع إلى الخلف.وقبل أن يختفي بين الأشجار، قال:— عندما يصل القمر إلى منتصف السماء، سيتذك
الفصل السابع ــــ أول ليلةلم يفهم ياسين ما قاله مراد.أو ربما فهمه، لكنه رفض أن يصدقه.أبوك كان خايف منك.الجملة ظلت معلقة في رأسه بينما كان ينظر إلى القمر من النافذة.كان أحمر بشكل لم يره من قبل.والغابة تحته لم تعد تبدو كغابة.كانت تتحرك.أغصان تتمايل دون رياح.ظلال تمر بين الأشجار.وأصوات بعيدة تتداخل مع بعضها.عواء.صرخات.ثم شيء يشبه الضحك.قال ياسين:— إنت عايز مني إيه؟كان مراد واقفًا في منتصف الغرفة.— عايزك تعيش.— كذاب.— ممكن.ابتسم مراد.— لكن دي الحقيقة الوحيدة اللي تهمك دلوقتي.رفعت ليان سكينها.— متسمعوش.نظر إليها مراد.— لسه بتلعبي دور الحارسة؟— أنا مش حارسة.— عارفة.توقف لحظة.— ودي مشكلتك.ثم نظر إلى ياسين.— عندك عشر دقائق قبل ما يبدأ التحول.تجمد ياسين.— تحول إيه؟لم يجب.قالت ليان بسرعة:— لازم نخرج.— ليه؟— لأنك مش هتقدر تسيطر على نفسك هنا.— أنا مش هتحول لحاجة.مراد ضحك.— كلهم قالوا كده.ثم أخرج ساعة جيب قديمة.فتحها.— تسع دقائق.نظر ياسين إلى ليان.— إيه اللي بيحصل لي؟اقتربت منه.— جسمك بدأ يستجيب للقمر.— يعني؟— يعني إن اللي حاول أبوك يمنعه بدأ يحصل.
الفصل السادس ــ الاسم الذي لم يكن موجودًا لم يتحرك ياسين. ظل واقفًا أمام المرآة، يحدق في المكان الذي اختفى فيه الرجل. آدم. الاسم ما زال يدور في رأسه. أخوك. ثم جملة أخرى: اسألها مين أمك الحقيقية. التفت إلى ليان. كانت واقفة بجوار المرآة، ووجهها شاحب. — مين آدم؟ لم تجب. — سألتك. — ياسين... — ومين أمي؟ أغمضت عينيها. — مش هنا. ضحك ياسين بمرارة. — طبعًا. ابتعد عنها. — كل مرة أسألك فيها سؤال، تقولي مش هنا. — لأن المكان ده خطر. — أنا بقيت مش عارف مين أخطر... المكان ولا الناس اللي حواليا. رفعت عينيها إليه. — لو كنت عايزة أضرك، كنت سيبتك لوحدك من أول ليلة. — يمكن ده اللي كنتِ بتعمليه. تألمت من كلماته. لكنه لم يتراجع. — أنا محتاج الحقيقة. — الحقيقة ليها تمن. — وأنا مستعد أدفعه. اقتربت منه. — حتى لو التمن حياتك؟ — أيوه. ساد الصمت. ثم قالت: — أمك اسمها مريم. تجمد. الاسم لم يكن غريبًا. لكنه لم يتذكر امرأة بهذا الاسم. — مريم مين؟ — مريم الخطيب. — أمي؟ هزت رأسها. — أيوه. — أنا طول عمري فاكر إن اسمها نادية. — نا
الفصل الخامس البيت المدفون لم يعرف ياسين كيف خرج من المكان. كل ما يتذكره أنه ظل يمشي خلف ليان، بينما عقله عالق عند الجملة التي قرأها على الصورة. لا تخف من الوحش الذي تعرفه... خف من الرجل الذي علّمك كيف تكون وحشًا. كانت الكلمات تتكرر في رأسه. من علّمه؟ أبوه؟ مراد؟ أم شخص آخر لم يسمع عنه حتى الآن؟ خرج الاثنان من فتحة ضيقة خلف مقبرة قديمة في أطراف القرية. كانت الشمس قد بدأت تشرق. لكن ياسين لم يشعر بأي راحة. القرية التي يعرفها منذ طفولته بدت مختلفة تمامًا في ضوء الصباح. الأبواب مغلقة. النوافذ مغلقة. لا أطفال في الشوارع. لا نساء يتحدثن أمام البيوت. حتى الكلاب اختفت. قال ياسين: — الناس كلها مستخبية ليه؟ — لأن الليل لسه مخلصش. نظر إليها. — الشمس طلعت. — ده مش معناه إن الخطر انتهى. سارا في طريق ضيق بين البيوت. كان ياسين يراقب كل نافذة. كل ستارة. كل شخص يظهر للحظة ثم يختفي. ثم لمح رجلًا عجوزًا يقف أمام متجر صغير. كان ينظر إليه. بمجرد أن التقت عيناهما، أغلق الرجل باب المتجر. — شايف؟ قالتها ليان. — إيه؟ — كلهم عارفينك. — عارف
الفصل الرابع الحارس رقم سبعة ظل ياسين واقفًا في الظلام، ويد ليان فوق فمه. لم يكن يسمع سوى أنفاسهما. ثم جاء الصوت من خلف الباب الحديدي. — افتح يا ياسين. كان صوت أبيه. نفس النبرة. نفس الهدوء الذي كان يميزه عندما كان يطلب منه شيئًا وهو طفل. شعر ياسين بأن جسده كله تجمد. حرك يد ليان ببطء عن فمه. — ده أبويا. هزت رأسها. — لا. — أنا عارف صوته. — وأنا عارفة. اقترب من الباب. أمسكت بذراعه. — متقربش. — لو هو فعلًا... — مش هو. جاء الصوت مرة أخرى. — ياسين... أنا عارف إنك سامعني. ثم ضحكة خافتة. — افتح يا ابني. أغمض ياسين عينيه. كان جزء منه يريد فتح الباب. جزء صغير جدًا، لكنه كان كافيًا ليجعله يتقدم خطوة. ثم سمع شيئًا آخر. صوتًا ضعيفًا جدًا. صوت أبيه الحقيقي. من ذاكرته. كان يتحدث إليه قبل سنوات، في الليلة الأخيرة التي رآه فيها. "لو في يوم سمعت صوتي بعد ما أموت... متصدقوش." فتح ياسين عينيه. تراجع. — إنت كنتِ عارفة الكلام ده؟ ليان نظرت إليه. — عارفة إيه؟ — إن أبويا قال لي كده. سكتت. — ليان! خفضت عينيها. — كان لازم يقول
الفصل الثالث ـ ثلاث علامات لم تجب ليان. ظلت واقفة أمامه، ويدها لا تزال ممسكة بيده. لكن ياسين لم يعد يشعر بالأمان. كان ينظر إلى الجرح الموجود على رقبتها. ثلاثة خطوط متوازية. والدم الذي خرج منها لم يكن أحمر. كان أسود. رفع عينيه إليها مرة أخرى. — إنتِ مين؟ اختفت ابتسامتها. لثوانٍ، لم يتحرك أي منهما. ثم قالت بهدوء: — أنا ليان. — ليان اللي أعرفها؟ — أيوه. — يبقى إيه اللي على رقبتك؟ رفعت يدها بسرعة وغطت الجرح. — مفيش حاجة. ضحك ياسين بسخرية. — مفيش حاجة؟ أنا شايف دم أسود قدامي. — الدم مش أسود. — أنا شايفه. — لأنك مش مركز. — أنا مركز جدًا. شد يده من يدها. تغير وجهها. — ياسين، مفيش وقت. — أنا مش هتحرك خطوة واحدة قبل ما تفهميني. اقتربت منه. — لو فضلت هنا، مش هتحتاج تفهم أي حاجة. — تهديد؟ — تحذير. نظر خلفها إلى الشارع. كان فارغًا. لكن القرية لم تعد هادئة. مصابيح كثيرة بدأت تشتعل داخل البيوت. رجال يتحركون في الشوارع. أصوات بعيدة. ثم سمع جرسًا. مرة. مرتين. ثلاث مرات. تغير وجه ليان فورًا. — لازم نمشي. — ليه الج







