Masukبعد توقيع العقد، رافقت رهف جواد لتوديعه عند باب المكتب.وبابتسامة مهنية صرفة، قالت: "سأعمل على تجهيز الأدلة وتقديم لائحة الدعوى في أقرب وقت ممكن."سألها جواد بنبرة يكسوها الخجل والشعور بالذنب: "كيف حال غيداء الآن يا رهف؟""تعيش حياة رائعة بعد الطلاق. لا تسأل عنها، ولا تحاول الالتفات إلى الماضي؛ فهي ليست بحاجة إليك. وكل ما عليك فعله هو دفع نفقة طفلكما في موعدها كل شهر.""لقد أخطأت في حق غيداء، وأذنبت في حق طفلي." طأطأ جواد رأسه بانكسار، وتمتم بأسى، وقد ارتسم الندم على ملامحه، بينما نهشت الحسرة قلبه.بينما كانت رهف تسخر منه في سرها، حافظت على هدوء ملامحها، واستمعت إلى اعترافاته دون أن يرف لها جفن.وبعد مغادرته، انهمكت في عملها حتى منتصف النهار.وعقب تناول الغداء، استقطعت بعض الوقت لزيارة مركز الاحتجاز كي تقابل عزة.لم تملك رهف أية ذكريات سابقة عن هذه المرأة، وكل ما تعرفه استقته من التحقيقات الأخيرة؛ إذ تبين أن هذه الخادمة كانت تدس لها عقاقير مجهضة في طعامها أثناء فترة حملها.ورغم أن أفعالها لم تسفر عن أي أذى جسدي فعلي، فإن سهيل رفع دعوى قضائية ضدها، وأوكل القضية للمحامي عمران النجار.جلس
انزلقت الحقيبة من على كتفها لتسقط أرضًا في لمح البصر.كانت ضراوة قبلته توحي وكأنه يود ابتلاعها بالكامل هناك عند البوابة.حاصرها بجسده الصلب دافعًا إياها نحو الجدار، في عناق محكم لا يدع مجالًا لمرور نسمة هواء. وبدا وكأن ظمأه الجسدي المتأجج يكاد يسحقها بين ذراعيه.أدركت حينها، وبشكل قاطع، لِمَ كان سهيل يتجنب تقبيلها طوال تلك الفترة.فالرجل كان على شفا الجنون من فرط الكبت، وأعمق القبلات لن تكفي لإرواء ظمئه.لم تملك رهف أي ذكرى سابقة تخص قبلاته.لكنها في هذه اللحظة بالذات، أدركت يقينًا أن هذا الرجل الذي يبدو دمث الأخلاق وهادئ الطباع في ظاهره، يخفي خلف قناعه شراسة وعنفوانًا يصعب عليها مجاراتهما. لقد داهمها شعور بالدوار، وكأن روحها تُنتزع من جسدها، وعقلها يسلب منها سلبا.لم تدر كم مر من الوقت وهما على هذه الحال، لكنها شعرت أخيرًا بالاختناق، ونغزها ألم خفيف في شفتيها اللتين أصابهما الخدر.شيئًا فشيئًا، هدأ إعصار قبلته وسط أنفاسه اللاهثة والثقيلة.خارت قواها، واضطربت أنفاسها، ولم تستعد قدرتها على النطق إلا بعد برهة، لتهمس بنبرة تقطر دلالًا وتذمرًا: "عليّ الذهاب إلى العمل."أسند سهيل جبهته على
بعد أن فرغ سهيل من غسل وجهه وتنظيف أسنانه، اتجه إلى المطبخ لإعداد طعام الإفطار.أما رهف، فما إن فرغت من غسل وجهها وتنظيف أسنانها وخرجت، حتى تدثرت بثياب شتوية ثقيلة، ولملمت شعرها الطويل في تسريحة بسيطة، واكتفت بلمسات خفيفة من مساحيق التجميل.وبغياب مدبرة المنزل في إجازتها، خلا البيت لهما وحدهما.تسللت أشعة شمس الصباح الدافئة عبر النافذة الزجاجية، لتفترش أرضية غرفة المعيشة تاركةً ظلال إطارات النافذة مرسومة بوضوح. بدا المكان بأسره مشرقًا، يبعث راحة في النفس ويفيض بدفء يبهجها.أعدّ لها سهيل إفطارًا شهيًا ومغذيًا؛ شمل طبقًا من المعكرونة، وعجة البيض بالخضار، وقطعًا من الفاكهة الطازجة، وكوبًا من الحليب الدافئ.عُرف سهيل بمهارته الفائقة في الطهي، وما كان ليسمح لها بأن تمس عملًا من أعمال المنزل في حضوره، وقد لامس ذلك أعمق ما في قلبها.وبينما كانت تتناول إفطارها، سرحت في أفكارها: كيف كانت حياتها قبل أن تفقد ذاكرتها؟ أن تعيش سنوات طوالًا في كنف رجل كهذا، يغدق عليها كل هذا الحب والدلال. كم كانت سعادتها غامرة آنذاك يا ترى؟لقد غدا غرقها في الاكتئاب بعد انفصالها عنه أمرًا له ما يبرره تمامًا.وحتى بم
كانت تلك القبلة الخاطفة كفيلة بأن تضمد شيئًا من جراح قلبه. أغمض عينيه، ونام بجوارها؛ جسدان يجمعهما فراش واحد، وتفرق بينهما الأحلام.—في صباح اليوم التالي، أيقظ رهف رنين منبه هاتفها.بجفنين مثقلين بالنعاس، فتحت عينيها بصعوبة، وأخرجت يدها من تحت الغطاء الدافئ لتغلق منبه الهاتف المستقر على الخزانة الجانبية، ثم سارعت بإعادة يدها إلى الدفء، واستدارت لتقترب أكثر من سهيل.كان جسده يفيض بالدفء، بظهره العريض وبنيته الصلبة والمتينة، فلم تتمالك نفسها من معانقة ذراعه، ودفنت وجهها فيه تتلمس حرارته.أيقظته حركتها هذه؛ فمن خلال قماش منامته الرقيق، استطاع ذراعه أن يستشعر نعومة جسدها وامتلاءه. رمقها بعينين يكسوهما النعاس، وسألها بصوت خافت: "أحان وقت الاستيقاظ للعمل؟""أجل." أجابته رهف ووجهها ما زال مدفونًا في ذراعه، ورأسها مغطى باللحاف، ثم تمتمت بصوت مكتوم: "الغطاء دافئ جدًا هنا، والجو بالخارج قارس البرودة، لذا لا أريد النهوض."مد سهيل يده ليمسد رأسها بحنان، وهمس بصوت يقطر تدليلًا: "إذن لا تنهضي وعودي للنوم قليلًا.""لكنني اتفقتُ مع جواد على لقائه هذا الصباح.""أي قضية ستتولينها لصالحه؟""لقد خانته رن
وما إن تلقت رهف رده، حتى طار قلبها فرحًا، وسارعت بحمل وسادتها والتوجه نحو غرفته.فتح لها سهيل الباب.دلفت إلى الغرفة، ثم التفتت لتجده يحاول عبثًا كتم ضحكته، وقد طأطأ رأسه ساترًا ابتسامته. مشى نحوها بخطوات بطيئة ويده في جيبه، وسألها: "صرصور ضخم؟""أجل، ضخم جدًا، ويطير أيضًا." أجابته رهف بجدية مصطنعة، رغم أن الارتباك كان يعصف بها من الداخل.وما إن سمع كلمة "يطير"، حتى أفلتت من سهيل ضحكة خفيفة لم يستطع حبسها.وضعت رهف وسادتها على السرير، واستدارت لترمقه بنظرة يشوبها الاستياء: "علامَ الضحك؟ أنا لا أكذب."أجابها وهو يتنحنح، مجاريًا إياها بتصنع متقن: "أجل، معكِ حق. لقد لوحظ ظهور الصراصير مؤخرًا، فيبدو أن الجو البارد أجبرها على الهروب من المجاري إلى داخل المنازل حتى ينقضي الشتاء."تمتمت رهف بصوت خافت: "يبدو أن الأمر كذلك فعلًا."أزاحت الغطاء وتمددت على السرير، ثم سحبته لتدثر جسدها. رتبت خصلات شعرها الطويل لتُبقي رأسها بارزًا، فبدت ملامح وجهها الأبيض الفاتن تحت الضوء البارد رقيقة يكسوها النعاس. وقالت: "سأنام الآن. ألن تأتي للنوم معي؟"هل اختلقت هذا العذر لتشاركه الفراش؟ وقف سهيل عاجزًا عن فك ط
ابتسمت رهف بارتياح، وتوردت وجنتاها قليلًا وهي تقول: "حسنًا. تصبح على خير."ثم استدارت وهي تضم الكتاب إلى صدرها، وغادرت غرفته بخطى مسرعة، وقلبها يرقص فرحًا.فقد بادلها سهيل العناق بحرارة، مما جعلها تدرك أن هواجسها لم تكن سوى أوهام لا أساس لها.فهو لم يجافِها قط، بل كان مهذبًا ومتحفظًا لا أكثر، فعادت إلى غرفتها ونفسها تفيض بالبهجة.في المقابل، أغلق سهيل باب غرفته ببطء.وانطفأت لمعة عينيه في لمح البصر، فسار بتثاقل نحو مكتبه، وجلس على الكرسي، ثم وجه نظراته الشاردة نحو سطح المكتب أمامه. مد يده ليلتقط روبوت الفضاء الصغير.وضغط على زر التشغيل بتمهل.انطلق صوت رائد الرنان قائلًا: "مساء الخير يا سيدي."ظل سهيل يحدق في الروبوت بملامح كئيبة ونظرات غارقة في الحزن، وبدا كتفاه العريضان وكأنهما يرزحان تحت ثقل العالم بأسره، مما أضفى عليه هيئة منكسرة ومثقلة بالهموم.وبعد صمت طويل، سأل الروبوت بصوت خافت: "حبيبتي سترحل عني بعد نصف عام يا رائد، وأيامنا معًا باتت معدودة الآن، فهل يجدر بي أن أستقيل من عملي لأتزوجها؟ أم أطوي صفحة هذه العلاقة وأمضي في طريقي؟"أجابه رائد: "يجب على الرجل أن يضع طموحه ومسيرته ال
أمسك سهيل معصميها اللذين كانا يقاومان، وثبّتهما بقوة فوق رأسها على الحائط.راح يقبّلها بجنون، كوحشٍ فقد السيطرة.لم تعد رهف قادرة على التحمل، فانهمرت الدموع من عينيها المغمضتين تنساب ببطء.لم يكن ينوي التوقف إطلاقًا.لم تعد تتحمّل، فعضّت شفته بقوة."آه..." شعر بألم حاد، فابتعد عن شفتيها.سهيل الذي ك
تحت أنظار الجميع، مدّ سهيل يده إلى كأسه، ورفعه ثم شربه دفعةً واحدة حتى آخر قطرة.اختار أن يعاقب نفسه بشرب الخمر بدل أن يقبّل أيًّا من الحاضرات.ضحك الآخرون.رمت ميسم المنديل بضيق وقالت غاضبة: "سهيل، أنت حقًّا ممل... ممَّ تخجل؟"أطلق سهيل زفرة ثقيلة وكأنّه يهدّئ أثر الشراب.استمرت اللعبة، وبعد عدة جو
كانت السنوات الأربع التي قضتها رهف الحسيني إلى جانب سهيل الصالح أسعد وأجمل الأوقاتِ في حياتها. وبعد الانفصال...بكت خمس سنوات.لم تكن تبكي كل يوم، لكن ما إن يخطر سهيل ببالها حتى تشعر كأن مطرًا كئيبًا يهطل في قلبها، رطوبة خانقة، وضيق يلفّ صدرها، فتبتلّ عيناها بالدموع.لم يخطر لها يومًا أنها ستلتقيه م
في اليوم التالي.بعد أن أنهت رهف عملها، أمسكت هاتفها وأرسلت رسالة إلى غيداء: "غيداء، هل استيقظتِ؟""استيقظت.""كيف حالكِ مع جواد؟""تحدثنا، وقد تنازل، وسيُقام الزفاف في موعده.""آسفة يا غيداء، لديّ قضية مهمة جدًا، وربما أسافر الشهر القادم، لن أتمكن من أن أكون وصيفتك... هل يمكنكِ أن تسامحيني؟""أجمل






