LOGINالفصل العاشرما بين الباب والعتبةتجمدت لجين في مكانها.كانت يدها لا تزال تمسك بالمظروف، بينما عيناها معلقتان بالعين السحرية.لم يكن هناك شك.إنه فارس.وقف أمام الباب بثياب بسيطة، على غير هيئته الرسمية التي اعتادت رؤيته بها. لم يكن يحمل حقيبة، ولا يبدو أنه جاء في زيارة طويلة.كان واقفًا بصمت.وكأنه يمنحها حرية الاختيار.إما أن تفتح الباب…أو أن يرحل.أغلقت لجين عينيها لثوانٍ، ثم أخفت المظروف داخل الصندوق الخشبي، وأعادته إلى الدرج، قبل أن تتجه ببطء نحو الباب.فتحت القفل.ثم فتحت الباب مسافة صغيرة.نظر إليها فارس.وقال بهدوء:“مساء الخير.”لم تجب إلا بعد لحظة.“مساء النور.”ساد بينهما صمت طويل.قطعته هي بقولها:“كيف عرفت عنواني؟”أجاب بصراحة:“لم يكن صعبًا… ما زلتِ في الشقة نفسها.”لم تبدُ على وجهها أي ملامح ارتياح.قالت:“لماذا جئت؟”تنهد.“لأنني أخطأت حين حاولت أن أتحدث إليك في المعرض.”“إذن جئت لتعتذر؟”هز رأسه.“وجئت لأن الوقت لم يعد يسمح بالتأجيل.”⸻ظلت ممسكة بالباب.لم تدعه يدخل.ولم تطلب منه الرحيل.قالت:“ثماني سنوات يا فارس.”خفض رأسه.“أعرف.”“ثماني سنوات دون رسالة… دون اتصال
الفصل التاسعالرسالة التي لم يحن موعدهالم تستطع لجين أن تكمل القراءة.أعادت الورقة إلى المظروف بسرعة، وكأن الكلمات التي قرأتها أصبحت أثقل من أن تتحملها.جلس آدم أمامها بصمت.لم يسألها عمّا جاء في الرسالة.كان يرى الاضطراب في عينيها، ويشعر أن أي سؤال الآن سيكون عبئًا إضافيًا عليها.مرت دقيقة كاملة دون أن ينطق أحدهما.ثم قالت لجين بصوت خافت:“أعتذر…”رفع آدم رأسه.“على ماذا؟”“لأنني دعوتك إلى هنا، ثم نسيت وجودك.”ابتسم ابتسامة هادئة.“أحيانًا يكون أفضل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمن أمامه… هو الصمت.”نظرت إليه، وشعرت للمرة الأولى منذ سنوات أن هناك من يفهم خوفها دون أن يطالبها بشرحه.⸻أغلقت المظروف بعناية، ثم أعادته إلى الصندوق.لاحظ الأستاذ عبدالعزيز، الذي كان يراقبهما من بعيد، أن لون وجهها قد تغير.اقترب بخطوات هادئة.“هل كل شيء بخير يا ابنتي؟”حاولت أن تبتسم.“نعم… فقط احتجت إلى بعض الوقت.”هز الرجل رأسه بتفهم.ثم قال:“كان والدك كثيرًا ما يردد جملة لا أنساها.”رفعت لجين رأسها باهتمام.“ماذا كان يقول؟”ابتسم الرجل وهو يسترجع الذكرى.“كان يقول: الحقيقة مثل الشمس… قد تؤذي العين في اللحظ
الفصل الثامنالمكتبة التي تخبئ الذكرياتلم تُجب لجين على اتصال فارس.ظل الهاتف يرن حتى انطفأت شاشته، ثم أعادته إلى حقيبتها دون أن تنطق بكلمة.كان آدم يقف إلى جوارها، ولم يسألها عن اسم المتصل، لكنه لاحظ أن الابتسامة التي ارتسمت على وجهها قبل دقائق اختفت تمامًا.قال بهدوء:“هل ما زال عرض الغد قائمًا؟”رفعت رأسها إليه، وكأنها عادت من مكان بعيد.ابتسمت ابتسامة خفيفة.“بل أصبح أهم من قبل.”────────في صباح اليوم التالي، وصلت لجين إلى المكان الذي وعدته به.لم تكن مكتبة كبيرة، ولا مبنى حديثًا كما توقع آدم.كانت دارًا قديمة تقع في أحد الأحياء العتيقة، يكسو جدرانها الحجر، وتعلو بابها لافتة خشبية كُتب عليها بخط عربي جميل:مكتبة الحكمة.وصل آدم بعد دقائق.نظر إلى المبنى بإعجاب.“لم أسمع بهذا المكان من قبل.”قالت لجين:“ولهذا أحببته.”سألها مبتسمًا:“لأنه بعيد عن الناس؟”هزت رأسها.“بل لأنه قريب من الكتب.”دخل الاثنان.استقبلتهما رائحة الورق القديم والخشب المعتق، واختلطت بأصوات صفحات تُقلَّب بهدوء.كان المكان أشبه ببيت قديم أكثر منه مكتبة.في إحدى الزوايا جلس شيخ تجاوز السبعين يقرأ مخطوطة بعدسة م
الفصل السابعامرأة إلى جوارهلم يكن ما أربك لجين هو رؤية فارس وحده.بل رؤية المرأة التي كانت تقف إلى جواره.كانت امرأة في منتصف الثلاثينيات، أنيقة المظهر، ترتدي فستانًا بلون العاج، وتمسك بذراع فارس وهي تتحدث إليه بابتسامة عفوية، بينما كان هو ينصت إليها باهتمام.شعرت لجين بأن الزمن عاد بها سنوات إلى الوراء.إلى الأيام التي كانت تعتقد فيها أن المستقبل واضح، وأن بعض الوعود لا يمكن أن تنكسر.لكن الحياة كانت قد علمتها أن الوعد الذي لا يحميه الفعل، يبقى مجرد كلمات جميلة.انتبه آدم إلى التغير الذي طرأ على ملامحها.كان قد بدأ يميز تعابير وجهها، ويعرف متى تبتسم عن رضا، ومتى تخفي شيئًا خلف ابتسامة مصطنعة.اقترب منها قليلًا، وقال بصوت منخفض:“هل تريدين أن نغادر؟”التفتت إليه.كان السؤال بسيطًا، لكنه حمل احترامًا لمشاعرها أكثر من أي فضول.ابتسمت ابتسامة خفيفة.“لا.”ثم أضافت بعد لحظة:“أنا التي دعوتك إلى هنا… ولن أفسد هذا اليوم.”أومأ برأسه، لكنه بقي يراقبها بعينيه.⸻في الطرف الآخر من القاعة، لمح فارس لجين.توقف عن الحديث في منتصف الجملة.التفتت المرأة التي معه إليه باستغراب.سألته:“هل تعرف أحد
الفصل السادسالصندوق الخشبيلم تستطع لجين أن تنام تلك الليلة.كانت عقارب الساعة تتجاوز منتصف الليل، بينما بقي الضوء الأصفر الخافت ينساب من مصباح مكتبها الصغير، فيرسم ظلالًا طويلة على جدران الشقة.أمامها، كان الصندوق الخشبي لا يزال مفتوحًا.تأملت محتوياته بصمت، وكأنها ترى للمرة الأولى أشياء احتفظت بها سنوات طويلة.تناولت الصورة القديمة بحذر.كانت قد التُقطت في حديقة منزلهم قبل أكثر من ثماني سنوات.وقف والدها في المنتصف، واضعًا يده على كتفها، بينما كان فارس يقف إلى الجانب الآخر مبتسمًا.كان الجميع يبدون سعداء.بل سعداء إلى درجة تجعل من ينظر إلى الصورة يعتقد أن المستقبل لا يحمل إلا الخير.ابتسمت بحزن.كم تستطيع صورة واحدة أن تكذب!أعادت الصورة إلى مكانها، ثم أغلقت الصندوق بقوة أكبر مما أرادت.همست لنفسها:“انتهى كل شيء… منذ زمن.”لكن قلبها لم يكن مقتنعًا.⸻في صباح اليوم التالي، كان آدم يراجع بعض العقود في مكتبه، إلا أن تركيزه لم يكن كما اعتاده موظفوه.دخلت سكرتيرته، سارة، تحمل ملفًا أزرق.قالت:“أستاذ آدم، شركة الشرق بانتظار موافقتك على العقد.”رفع رأسه.“ضعيه هنا.”ترددت قليلًا، ثم قال
الفصل الخامسرجل من الماضيلم تتحرك لجين.كانت تقف أمام باب المقهى، بينما انعكست أضواء الشارع على وجهها الذي فقد هدوءه المعتاد.لاحظ آدم ذلك فورًا.منذ أن عرفها، لم يرَ الخوف في عينيها، ولا التردد في ملامحها.أما الآن…فقد بدا وكأن الزمن أعاد إليها ذكرى كانت تتمنى ألا تعود.الرجل الذي نزل من السيارة أغلق الباب بهدوء، وعدّل ياقة معطفه، ثم أخذ يقترب بخطوات ثابتة.كان طويل القامة، أنيقًا، تتخلل شعره خصلات رمادية عند الصدغين، وفي ملامحه وقار رجل اعتاد أن يفرض حضوره أينما ذهب.لكن أكثر ما لفت انتباه آدم لم يكن هيئته…بل الطريقة التي كان ينظر بها إلى لجين.لم تكن نظرة غريب.ولا نظرة صديق.كانت نظرة شخص يحمل سؤالًا ظل يبحث عن إجابته سنوات طويلة.توقف أمامها على بعد خطوات قليلة.وقال بصوت هادئ:“مساء الخير… يا لجين.”لم تجبه مباشرة.اكتفت بإيماءة خفيفة، ثم قالت بعد لحظة:“مساء الخير.”ساد صمت ثقيل.كان المارة يعبرون الرصيف من حولهم، والسيارات تواصل سيرها، لكن آدم شعر وكأن كل الأصوات ابتعدت فجأة.لم يبقَ سوى هذا الصمت.قال الرجل مبتسمًا ابتسامة متحفظة:“لم أتوقع أن أراك هنا.”أجابت بهدوء حاولت







