Share

حضور هادئ

Author: إحداهن
last update publish date: 2026-07-25 02:51:59

لم يمرّ العام الرابع على سمارة كما مرّت الأعوام السابقة.

كانت قد أصبحت أكثر حضورًا وثقة بنفسها، ولم يعد ذلك الخجل الطفولي الذي لازمها في بداياتها واضحًا كما كان. اعتادت أن تلاحظ النظرات التي تتبعها أحيانًا، وأن تتعامل مع محاولات التقرب منها بالهدوء نفسه الذي اعتادته.

لم تكن ترى في تلك الأمور ما يستحق أن يشغلها. فقد رسمت حدودها بوضوح، واعتادت أن تحافظ على المسافة التي تجعلها مرتاحة، مقتنعة بأن لا أحد يستطيع أن يغير قناعاتها بسهولة.

لكنها لم تكن تعلم أن بعض التفاصيل الصغيرة قد تترك أثرًا أكبر مما نتوقع.

كان صباح الأحد هادئًا على غير العادة. امتلأت الطرقات المؤدية إلى المؤسسة بالتلاميذ العائدين من عطلة نهاية الأسبوع، بخطوات بطيئة ووجوه لم تتخلص بعد من راحة البيت.

كانت سمارة تمشي وسط صديقاتها كعادتها، تحمل حقيبتها على كتف واحد، وتشاركهن الحديث والضحك دون أن تلقي بالًا لما يدور حولها.

وفي أثناء سيرها، وقع بصرها مصادفة على شاب يقف قرب مدخل الثانوية المجاورة. بدا وكأنه ينتظر أحدًا. لم تهتم في البداية، وأكملت طريقها بصورة طبيعية.

لكنها، قبل أن تدخل بوابة المؤسسة، رفعت رأسها مرة أخرى دون قصد، فوجدته ما يزال في مكانه، ينظر في اتجاهها بهدوء.

لم تكن نظرته تشبه تلك النظرات التي اعتادت أن تراها من الآخرين؛ لم يكن فيها إلحاح أو محاولة واضحة لجذب انتباهها، بل مجرد هدوء غريب جعلها تتوقف للحظة دون أن تعرف السبب.

أشاحت ببصرها سريعًا، ومضت مع صديقاتها.

هل كان ينظر إليّ فعلًا، أم أنني توهمت ذلك؟

سؤال بسيط مرّ في ذهنها، ثم حاولت أن تطرده كما تطرد أي فكرة عابرة.

لم يشغلها الأمر طويلًا، وانصرفت عنه مع بداية الحصص، لكنها لم تكن تعلم أن ذلك المشهد البسيط سيتكرر.

لم يكن طالبًا في متوسطة سمارة، بل في الثانوية القريبة، ولهذا ارتبط ظهوره غالبًا بيومي الأحد والخميس؛ يومي الذهاب والعودة.

ومع مرور الأسابيع، تكرر وجوده أكثر من مرة. كانت تراه واقفًا في المكان نفسه تقريبًا، بالنظرة الهادئة ذاتها، ثم يمضي كل واحد منهما في طريقه دون كلمة.

في البداية، اعتبرت الأمر مجرد مصادفة.

لكنها بدأت، دون أن تنتبه، تحفظ مكان وقوفه. فإذا رأته، تابعت سيرها كأن شيئًا لم يكن، وإذا لم تجده، لم تتوقف طويلًا عند الأمر... لكنها كانت تدرك أنها لاحظت غيابه.

وكان ذلك أكثر ما أزعجها.

لم تكن تفهم لماذا انتبهت لشخص لم يحاول حتى الاقتراب منها.

أما هو، فلم يحاول إرسال رسالة، ولم يبحث عن طريقة لفرض وجوده. لم يكن يفعل شيئًا سوى أنه يظهر للحظات، يلتقي نظرهما من بعيد، ثم يرحل.

وكان هذا الصمت الغريب هو ما أثار فضولها أكثر.

فهي اعتادت أن تتجاهل من يحاولون لفت انتباهها بالكلام أو الملاحقة، أما هذا الشاب فلم يقدم لها سببًا واضحًا لتتجاهله أو ترفضه.

كان مجرد حضور هادئ... وهذا وحده كان كافيًا ليجعلها تتساءل.

وفي أحد صباحات الأحد، كانت غرفة المبيت تعجّ بالفوضى المعتادة؛ حقائب تُفتح، وأغطية تُرتب على عجل، وأصوات الفتيات تختلط بالضحكات والحديث عن عطلة مرت سريعًا.

كانت سمارة تقف أمام خزانتها ترتب أغراضها، حين اقتربت منها شيراز بخطوات سريعة ونظرة لا تخفي فضولها.

همست: — سمارة... هل لاحظتِ ذلك الشاب الذي نراه كل أحد وخميس عند الطريق؟

توقفت يد سمارة لحظة، ثم أغلقت خزانتها وقالت بهدوء: — أي شاب؟

ابتسمت شيراز بخبث: — ذلك الأسمر... الذي يقف قرب الثانوية وينظر نحوك.

قالت سمارة بسرعة: — أنا لا أراقب الناس حتى أنتبه لمثل هذه الأمور.

ضحكت شيراز: — .

— اسمه عاطف... ويريد أن يتحدث معك.

توقفت سمارة للحظة.

عاطف.

لأول مرة، أصبح لذلك الوجه الذي كانت تراه من بعيد اسم تعرفه.

بدا الاسم غريبًا عليها للحظة، كأنها كانت تعرف وجوده قبل أن تعرف صاحبه.

وعادت في ذهنها تلك الوقفات الصامتة عند الطريق، والنظرة الهادئة التي لم تطلب منها شيئًا.

ثم قطعت الفكرة بسرعة.

قالت: — وماذا يريد مني؟ أنا لا أتحدث مع الغرباء.

ابتسمت شيراز وهي تراقبها: — كنت أعرف أنك ستقولين ذلك.

شدّت سمارة أطراف مئزرها وقالت بثبات: — أخبريه أنني لا أريد هذا النوع من العلاقات. لا أصاحب الذكور، ولا أريد أن يتكرر الأمر.

هزت شيراز كتفيها: — حسنًا... سأوصل له الرسالة.

وغادرت نحو بقية الفتيات، بينما بقيت سمارة واقفة للحظات أمام خزانتها المغلقة.

عاطف...

لم يكن الاسم يعني لها شيئًا قبل دقائق، لكنه ارتبط في ذهنها بصورة وجه رأته مرات كثيرة دون أن تعرف عنه شيئًا.

استغربت نفسها أكثر مما استغربت ذلك الشاب.

لماذا بقي الاسم في ذاكرتي؟

هزّت رأسها كأنها تطرد فكرة لا تستحق البقاء، ثم عادت إلى ما كانت تفعله.

— لا يعنيني الأمر.

لكنها، للمرة الأولى منذ وقت طويل، لم تستطع أن تقنع نفسها بسهولة.

وفي تلك الليلة، تمددت على سريرها داخل المبيت، بينما كانت الغرفة تغرق في الضجيج المعتاد؛ ضحكات وهمسات وأحاديث لا تنتهي.

أما هي، فكانت تحدق في السقف بصمت.

كلما حاولت التفكير في شيء آخر، عاد اسم واحد إلى ذاكرتها.

عاطف.

لم يكن الأمر إعجابًا، ولم تكن تعرف عنه ما يكفي لتشعر بشيء محدد.

لكنها كانت منزعجة من فكرة واحدة فقط...

أن شخصًا لم يحاول الاقتراب منها استطاع، بطريقة غريبة، أن يجعلها تنتبه إلى وجوده.

أغمضت عينيها أخيرًا، محاولة إقناع نفسها بأن الأمر لا يستحق كل هذا التفكير.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عواصف مراهقة   قاعة المحاضرات

    كانت القاعة الكبرى في معهد علم النفس تضج بأصوات الطلبة. حقائب تستقر فوق المقاعد، وصفحات تُقلَّب على عجل، وأحاديث متداخلة عن المواد والأساتذة. في الصفوف الخلفية، ارتفعت ضحكة أعقبتها همسة مكتومة، بينما ظل بعض الطلبة يتلفتون نحو المنصة، مترقبين ظهور أستاذهم الأول.اختارت سمارة مقعدًا يتوسط القاعة، ووضعت حقيبتها إلى جوارها. أخرجت دفترها وقلمها، ومررت أصابعها على حافة الغلاف قبل أن تفتحه.كانت آثار الليلة الماضية لا تزال حاضرة في ذهنها؛ ضجيج الممرات الذي حرمها النوم، والأصوات التي لم تهدأ إلا بعد وقت طويل، والوجوه الجديدة التي لم تعرف بعد كيف تتعامل معها. ومع ذلك، خفّ عنها شيء من الضيق حين استقرت في مقعدها. هنا، لم تكن مضطرة إلى التكيف مع حياة اختارها الآخرون لها. لقد وصلت إلى المكان الذي أرادته بنفسها، وإلى التخصص الذي طالما رغبت في دراسته.لم يكن علم النفس بالنسبة إليها مجرد شهادة تسعى إلى نيلها. لطالما شغلتها تناقضات الإنسان، والفجوة التي قد تفصل بين ما يشعر به وما يفعله، وبين ما يقوله لنفسه وما يعجز عن الاعتراف به. وكانت تجربتها قد علمتها أن الإنسان قد يسيء فهم نفسه، حتى حين يظن أنه يع

  • عواصف مراهقة   الغرفة الثانية و الاربعون

    كانت الشمس تجرّ ذيولها الأخيرة، مسلّمة السماء لغسق هادئ، حين غادرت سمارة مبنى المعهد متجهة إلى الإقامة الجامعية. أثقلتها ساعات المحاضرات والتنقل بين القاعات، وكانت حقيبتها تتأرجح على كتفها مع كل خطوة، بينما راحت تفكر في الغرفة التي ستقضي فيها ليلتها.وصلت إلى الطابق الثاني، وسارت في الممر حتى نهايته، ثم انعطفت يمينًا. توقفت أمام الباب الذي يحمل الرقم 42، وأخرجت المفتاح الذي تسلمته عند التسجيل.أدارت المفتاح، ودفعت الباب.استقبلتها ثلاثة أسرّة حديدية، وثلاث خزائن خشبية، وطاولة صغيرة تحت النافذة. أما الغبار، فقد استقر فوق الأسطح وفي الزوايا، وامتدت خيوط العنكبوت عند أطراف السقف، شاهدة على أن الغرفة لم تعرف يدًا تنظفها منذ مدة.تقدمت سمارة إلى الداخل، ووضعت حقيبتها فوق أحد الأسرّة، ثم ألقت نظرة شاملة على المكان.لم تكن تحمل معها الكثير؛ فقد علمتها سنوات الإقامة منذ المرحلة المتوسطة أن تميز بين ما تحتاج إليه فعلًا وما يمكنها الاستغناء عنه. لم تعد من الفتيات اللواتي يملأن الحقائب بأشياء لا يستعملن نصفها، ولا اللواتي يضطربن أمام مكان جديد لا يعرفن كيف يرتبنه. كانت تعرف كيف تدبر أمورها، وكيف

  • عواصف مراهقة   الجامعة

    مرت الأيام التالية بهدوء.لم تفتح الكتاب.ومع انشغالها بالمرحلة القادمة، بدأت الأسئلة التي أثارتها حكايته تبتعد شيئًا فشيئًا، لا لأنها وجدت لها إجابات، بل لأن شيئًا آخر كان يطرق باب حياتها بإلحاح أكبر.الجامعة.كانت الكلمة وحدها كافية لتوقظ في داخلها شعورًا يصعب عليها تسميته.منذ أن عرفت أنها ستغادر الثانوية، راحت تتخيل اليوم الذي ستدخل فيه الحرم الجامعي للمرة الأولى. أحيانًا كانت تتساءل عن شكل المكان، وعن القاعات، والأساتذة، والطلبة الذين ستلتقيهم، وعن الحياة التي تنتظرها هناك.لكنها كلما حاولت أن ترسمها في خيالها، بقيت الصورة ناقصة.وفي مساء اليوم الذي سبق انطلاقها، كانت تقف أمام حقيبتها المفتوحة، تحاول أن تقرر للمرة الأخيرة ما الذي ستأخذه معها.وضعت دفاترها، ثم أخرجت بعضها.أضافت كتابًا، ثم ترددت وأعادته إلى مكانه.كانت تستعد لبداية لا تعرف عنها إلا القليل.وحين طرق والدها الباب ودخل، كان يحمل علبة صغيرة.وضعها أمامها على السرير.— هذه لك.رفعت سمارة عينيها إليه.— لي؟— افتحيها.فتحت العلبة، فتوقفت حين رأت الهاتف.— هاتف؟أومأ والدها.— نعم.حملته بين يديها، ثم نظرت إليه باستفهام.

  • عواصف مراهقة   حين يصبح الحب معضلة

    ثم مرت بها لحظة إدراك... مهلًا... هل قال أبي «رماح الصغيرة»؟! اسمها رماح؟ حقًا؟ لا، لا بد أنك فقدت صوابك يا مطر! أين أمل؟ أريد أن أراها! علت وجه مطر ملامح الألم، ورسمت شفتاه ابتسامة مريرة منكسرة. — تمهلي يا رماح... اتركي لي مجالًا لأستوعب وجودك معنا، وسأشرح لك كل شيء رويدًا رويدًا، وسأنصت إلى تفاصيل غيابك أيضًا. أريد أن أعرف كل شيء، التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة. كانت رماح الصغيرة تبدو في نحو عامها الأول. مدّها مطر نحو رماح كي تحملها، فترددت ثم رفضت. خافت. خافت كثيرًا أن تحمل بين ذراعيها براءة الطفولة ونعومتها، بينما يداها ملطختان بالدماء، حتى وإن كانت دماء العدو. كانت تلك واحدة من الهواجس التي تضرب جدران كيانها كلما هدأت الضوضاء من حولها. هو لا يعلم. لا أحد يعلم. لكن يكفي أن تعلم هي أنها خطيرة. جلسا على مقعد في الحديقة، ووضع مطر طفلته في حجره، وأخذ يلاعبها، بينما راحت الصغيرة تمسك بذقنه وتضحك. كانت لحظة لم تظن رماح أنها ستعيشها يومًا، وهي تحاول النجاة من براثن الحرب؛ النجاة من الأرض التي احتوتها وعلّمتها معنى الحب والموت. وعفويًا، دون أن تشعر، وجدت نفسها

  • عواصف مراهقة   العودة

    أغلقت سمارة الكتاب. ضغطت بإصبعَيها على عينيها لحظات، ثم وضعته تحت وسادتها واستلقت بصمت. كانت الكلمات الأخيرة لا تزال عالقة في ذهنها، وصورة رماح وهي تعود إلى الجزائر، تحمل في أحشائها طفل قاسم، أثقلت قلبها بشيء لم تستطع أن تسميه. وضعت الكتاب جانبًا. قالت في نفسها إنها ستعود إليه لاحقًا. لكن «لاحقًا» لم تكن في اليوم التالي، ولا بعد يومين. مرّ أسبوع كامل قبل أن تفتحه من جديد. طوال ذلك الأسبوع، ظل شيء من الحكاية يرافقها في صمت؛ مقاطع تتسلل إلى ذاكرتها دون استئذان، ووجوه لم ترها إلا بين صفحات كتاب، لكنها تركت فيها أثرًا يصعب تجاهله. وحين عادت إليه، كانت مستعدة لمواصلة الحكاية. عادت رماح إلى الجزائر... بعد أن كانت قد غادرتها مسبقاً بإصرار وإرادة صلبة، رغبةً منها في إحداث الفارق وترك بصمة لا تمحى. لكنها اليوم تتساءل في سرها: هل كان ذلك قراراً صائباً حقاً أم أنه كان مجرد عناد أحمق؟ لقد تحدت والدها، وأبكت والدتها، وهربت من مشاعر "مطر" التي كانت تزن على قلبها كعبء ثقيل، لتعود أخيراً وهي تحمل في أعماقها ألم لا ينتهي. ما الذي حققته؟ وما الذي جنته؟ وجدت رماح نفسها تغرق في دوامة من ا

  • عواصف مراهقة   تختلف الحكايات و تتشابه المشاعر

    خلال أسبوع واحد فقط، تزوج قاسم وأنفاس (رماح) وأقام لها عرساً صغيراً. أنكرت رماح فكرة الاحتفال في البداية، إلا أنه قال إن العرس ضروري وإن الحرب ليست مانعاً للفرح؛ ففي فلسطين الحرب لا تنتهي، فهل يعني هذا أن يعيشوا في حداد مستمر؟ فرح بها أهل المنطقة وحضر الأطفال زفافها وشاركوها فرحتها، ليس كرماح الجزائري الصحافية، ولكن كأنفاس طه غزاوي. استمرت الحياة وطوى الزمن صفحة القصف الذي أودى بحياة رفقاء رماح، ومات معهم اسمها، لتعيش أنفاس مع قاسمها وتشاركه حياته وأيامه. لم تتوقع أبداً أن تعيش تلك السعادة الغامرة؛ كان يعاملها كالملكة على عرش روحه، حتى كادت تجزم أنه يهيم بها عشقاً ويحبها أكثر مما تحبه. لم يبح لها بمشاعره لساناً، لكن حبه كان يترجم إلى أفعال حيث لا حاجة للكلام؛ فنظراته الدافئة كانت تكفي لتحس أنها تملك جزءاً كبيراً من قلبه. لم تكن تطمع أن تملك كل فؤاده، فقد كانت تعلم أن فلسطين هي المعشوقة التي لا تستطيع منافستها، وإن كان الخيار بينها وبين القضية، فحتماً سيختار أرض الزيتون وأرض المسجد الأقصى دون تردد ودون أن يرف له جفن. مر عام آخر سريعاً،وبهذا قضت رماح —أو أنفاس حالياً— تقريباً ثلاث سنوا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status