تسجيل الدخولانقضى العام الدراسي على الوتيرة نفسها. تعاقبت الدروس والاختبارات، وتوالت الأسابيع سريعًا، وكبرت صداقات، وأصبحت الحياة في الداخلية جزءًا من يوميات لم تعد تثير دهشة أحد. صار لكل شيء إيقاعه المألوف؛ أجراس الحصص، وساعات المراجعة، وضحكات المساء في المرقد، ورحلات نهاية الأسبوع إلى البيت ثم العودة من جديد مع صباح الأحد.
وحين دوّى جرس آخر يوم دراسي، لم تشعر سمارة بأن عامًا دراسيًا آخر قد انتهى فحسب، بل أحست أنها ودّعت مرحلة كاملة من حياتها. كانت قد خرجت من عامها الثاني أكثر نضجًا، وأكثر جرأة، وأقل انطواءً مما كانت عليه يوم دخلت تلك المؤسسة لأول مرة. أما الطفلة الخجولة التي كانت تتردد قبل أن تنطق بكلمة أمام زميلاتها، فقد بدأت تفسح مكانها لفتاة واثقة تعرف نفسها أكثر، دون أن تفقد هدوءها أو بساطتها. ومع بداية السنة الثالثة، أصبحت سمارة أكثر حضورًا وثقة بنفسها. نضجت ملامحها، وازدادت ابتسامتها إشراقًا، حتى بدأت تلفت أنظار بعض التلاميذ. صارت بعض النظرات تتبعها في الساحة والممرات، ووصلتها أكثر من مرة محاولات خجولة للتقرب منها، سواء بكلمة عابرة أو برسالة تحملها إحدى الزميلات. كانت تمرّ ذات صباح في الممر رفقة منى وشيراز، فلفت انتباه شيراز تلميذ يقف قرب النافذة، يحمل كتابًا مفتوحًا أمامه، لكنه منذ دقائق لم يقلب صفحة واحدة. كانت عيناه تتبعان سمارة كلما تحركت. قالت شيراز وهي تخفض صوتها: — أظن أن هذا الكتاب أمامه منذ نصف ساعة، لكنه لم يقرأ منه حرفًا واحدًا. نظرت منى إليه ثم ابتسمت: — ربما يراجع طريقة النظر فقط. ضحكت سمارة وحاولت تجاهل الأمر، لكن الشاب، بعد تردد طويل، اقترب منهما. — سمارة... توقفت ونظرت إليه. بقي صامتًا لحظات، ثم قال: — أنا... كنت أريد أن... انتظرن تكملة الجملة، لكنه بدا وكأنه نسي بقية الكلام. نظرت شيراز إلى ساعتها وقالت بجدية مصطنعة: — هل انتهى الشحن أم تحتاج إلى إعادة تشغيل؟ ارتبك الشاب أكثر، فضحكت منى، بينما قالت شيراز: — أم أنك تنتظر أن تظهر لك الكلمات مكتوبة في الهواء؟ ابتسم الشاب بخجل وانسحب، فقالت سمارة وهي تهز رأسها: — أنتِ تزيدين الأمر صعوبة على الناس. أجابتها شيراز: — أنا فقط أساعدهم على اكتشاف أن الكلام أسهل من الوقوف أمامك كأنهم في امتحان شفوي. كانت مثل هذه المواقف تمرّ سريعًا، وتصبح فيما بعد جزءًا من أحاديثهن في المرقد. كانت منى وشيراز تضحكان على التفاصيل الصغيرة، بينما كانت سمارة تكتفي بابتسامة، غير مهتمة كثيرًا بذلك الاهتمام الذي بدأ يحيط بها. ففي تلك المرحلة، كانت ترى أن سنوات الدراسة ليست مكانًا للعلاقات العاطفية، وأن أي تعلق قد يصرف الإنسان عن أهدافه. لم تكن تكره اهتمام أحد بها، لكنها لم تمنحه أكثر من حجمه؛ ترد بلطف حين يكون الأمر عابرًا، وبحزم حين يشعرها أحدهم بأنه تجاوز حدوده. وفي يوم آخر، وجدت سمارة ورقة صغيرة داخل كتابها. لم يكن عليها اسم، فقط كلمات مكتوبة بخط مرتب: "لا أعرف كيف أقول لك هذا، لكن وجودك يجعل المكان أجمل. ربما لن تعرفي من أنا، وربما لن يهمك الأمر، لكنني أردت فقط أن أقول إن هناك من يبتسم عندما يراك." قرأت سمارة الورقة، ثم نظرت إلى منى. قالت منى بحماس: — لدينا قضية جديدة... عاشق مجهول. ضحكت شيراز: — المهم أن نعرف إن كان صاحب الرسالة هو نفسه صاحب النظرات في الممر، أم لدينا أكثر من ضحية. ضحكن جميعًا، وبقيت الورقة مجرد موقف طريف من مواقف تلك المرحلة. وفي إحدى فترات الاستراحة، جلست سمارة مع منى وشيراز وبعض زملائهم في الساحة. كان الجو حارًا، والشمس ترسل أشعتها القوية على المكان، حتى إن الجميع كانوا يبحثون عن أي زاوية فيها قليل من الظل. كانت الأحاديث تتنقل بينهم بسهولة؛ عن الاختبارات، ومواقف القسم، وأحلام المستقبل. كانت تلك الجلسات البسيطة تجعل سمارة تشعر بأن سنوات الداراسة لم تكن مجرد دروس، بل سنوات صنعت فيها صداقات وذكريات. كانت سمارة تتحدث مع منى، بينما راحت خصلات من شعرها تنفلت وتستقر أمام عينيها. حاولت إبعادها بيدها وهي تواصل الحديث. لاحظ أحد التلاميذ الجالسين معهم ذلك،ومد يده محاولًا إبعاد خصلة الشعر عن عينيها. لكن سمارة تراجعت فورًا، ونظرت إليه باستغراب تغير سريعًا إلى حزم. قالت: — ماذا تفعل؟ ارتبك الشاب: — كانت خصلة الشعر على عينيك فقط... أردت مساعدتك. قالت بهدوء: — لا تفعلها مرة أخرى. ساد صمت قصير، ثم حاول الشاب تخفيف الموقف: — لم أقصد شيئًا. أجابته: — لو كنت تقصد شيئًا لما اكتفيت بالتحذير. وبعد لحظات عادت الأحاديث إلى طبيعتها، لكن منى وشيراز لم تفوتا الفرصة. قالت شيراز: — الآن فهمت لماذا يحتاج كل من يحاول الاقتراب منها إلى شجاعة إضافية. ابتسمت منى: — المشكلة أنها لا ترفض الناس، لكنها تجعلهم يفكرون ألف مرة قبل الاقتراب. سمعتهما سمارة فقالت: — أنتما لا تستطيعان أخذ أي موقف بجدية. ردت شيراز: — لأنك أنتِ تأخذين كل شيء بجدية أكثر من اللازم. ابتسمت سمارة دون أن تجيب. كانت تعرف أن هدوءها لم يكن ضعفًا، وأن احترام الآخرين لها يبدأ من احترامهم للحدود التي تضعها. وفي الوقت نفسه، كانت هي الأخرى قد تغيّرت في جانب لم تنتبه إليه إلا متأخرة. فلم تعد تقضي الساعات الطويلة بين الكتب؛ أصبحت تؤجل المراجعة إلى الليلة التي تسبق الاختبار، وتكتفي غالبًا بما فهمته داخل القسم، بينما تستحوذ جلساتها مع منى وشيراز وضحكات الداخلية على جزء كبير من وقتها. ومع ذلك، ظل ذكاؤها يسعفها كلما جلست إلى ورقة الامتحان. كانت تنجح بسهولة، وتحقق نتائج جيدة، لكنها لم تعد تبلغ تلك المعدلات الاستثنائية التي اعتادها أساتذتها وأسرتها منها. أخذ معدلها يتراجع قليلًا عامًا بعد عام، حتى أصبح ضمن المعدلات الجيدة، دون أن تكون في صدارة المتفوقين. والعجيب أن ذلك لم يكن يزعجها كثيرًا؛ فقد كانت تشعر أنها تعيش سنواتها بصورة أكثر اتزانًا، ولم تعد ترى أن قيمة الإنسان تقاس بترتيبه في كشف النقاط. ثم مضى عامها الثالث هادئًا، نضجت فيه شخصيتها، ورسخت فيه مبادئها أكثر من أي وقت مضى. كانت مطمئنة إلى أفكارها وحدودها، وتظن أن شيئًا لن يجعلها تتراجع عنها. غير أن الحياة كانت تخبئ لها في العام القادم تجربة جديدة، لم تكن تشبه أي شيء عرفته من قبل..وفي صباح أحد الأيام، وبينما كانت الحافلات تستعد للمغادرة، توقفت دراجة نارية غير بعيد عنهن.ترجل منها شاب بدا أكبر من طلاب المؤسسة، واتجه نحو سمارة.مد إليها ورقة صغيرة مطوية وقال باقتضاب:— اتصلي به.ثم استدار وغادر.فتحت الورقة ببطء.رقم هاتف.وتحته اسم واحد...عاطف.طوتها بهدوء، وأخفتها في جيب مئزرها.مضى ذلك الأسبوع مثقلًا بالتردد.كانت تخرج الورقة أحيانًا، تتأمل الرقم لحظات، ثم تعيد طيها سريعًا كلما سمعت وقع خطوات في الممر أو نداء إحدى زميلاتها.وفي القسم، كانت تحاول أن تركز في الدرس، غير أن اسمه كان يمر بخاطرها بين الحين والآخر، فتطرده وتعود إلى دفترها.ولما جاء صباح الخميس، كانت الورقة لا تزال في جيب مئزرها.وعندما وصلت إلى المحطة، وقعت عيناها على الهاتف العمومي.تجاوزته...ثم توقفت.التفتت إليه مرة أخرى.أخرجت الورقة ببطء، وظلت تحدق في الرقم طويلًا.لم تكن تعرف إن كان ما يدفعها إلى الاتصال فضولًا، أم رغبة في أن تعرف لماذا اختفى فجأة.أخذت نفسًا هادئًا، ثم رفعت السماعة.بدأت تضغط الأرقام، رقمًا بعد آخر.رن الهاتف مرتين...ثم جاءها صوته:ألو؟انعقد لسانها. لم تستطع أن تنطق بكلمة.
أما عاطف، فقد وصله الرد دون أن يحاول الجدال أو الإلحاح.كان واضحًا له أن سمارة لا تريد الحديث معه، ولا تريد أن تفتح بابًا لأي علاقة بينهما.ظل صامتًا لحظات، وهو يحاول استيعاب الأمر.لأسابيع طويلة، كان يظن أن تلك النظرات العابرة بينهما تعني شيئًا. كان يراها أحيانًا تلتقي بعينيه للحظات قبل أن تصرف نظرها سريعًا، وكان ذلك يكفي ليمنحه أملًا صغيرًا.لم يكن يملك دليلًا سوى تلك اللحظات القصيرة، لكنه كان يعتقد أنها بداية لشيء يمكن أن ينمو مع الوقت.لذلك لم يتوقع أن يكون ردها حاسمًا إلى هذا الحد.ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها شيء من الخيبة.يبدو أن سمارة كانت أكثر عنادًا مما تخيل.لم تكن من النوع الذي يغير رأيه بسهولة، ولا من النوع الذي يسمح لأحد بالاقتراب منها لمجرد أنه حاول.ومع ذلك، لم يشعر بالرغبة في الاستسلام.كان يعرف أنه لا يستطيع إجبارها على شيء لا تريده، لكنه كان يؤمن أن فرصة واحدة قد تغير نظرتها إليه.ولهذا قرر ألا يضغط عليها... فقط ألا يختفي.فربما يأتي يوم تمنحه فيه تلك الفرصة التي كان ينتظرها.وبعد أيام قليلة، عاد إلى مكانه المعتاد عند الرصيف المقابل للمتوسطة.أما سمارة، فظنت أن الأمر
لم يمرّ العام الرابع على سمارة كما مرّت الأعوام السابقة.كانت قد أصبحت أكثر حضورًا وثقة بنفسها، ولم يعد ذلك الخجل الطفولي الذي لازمها في بداياتها واضحًا كما كان. اعتادت أن تلاحظ النظرات التي تتبعها أحيانًا، وأن تتعامل مع محاولات التقرب منها بالهدوء نفسه الذي اعتادته.لم تكن ترى في تلك الأمور ما يستحق أن يشغلها. فقد رسمت حدودها بوضوح، واعتادت أن تحافظ على المسافة التي تجعلها مرتاحة، مقتنعة بأن لا أحد يستطيع أن يغير قناعاتها بسهولة.لكنها لم تكن تعلم أن بعض التفاصيل الصغيرة قد تترك أثرًا أكبر مما نتوقع.كان صباح الأحد هادئًا على غير العادة. امتلأت الطرقات المؤدية إلى المؤسسة بالتلاميذ العائدين من عطلة نهاية الأسبوع، بخطوات بطيئة ووجوه لم تتخلص بعد من راحة البيت.كانت سمارة تمشي وسط صديقاتها كعادتها، تحمل حقيبتها على كتف واحد، وتشاركهن الحديث والضحك دون أن تلقي بالًا لما يدور حولها.وفي أثناء سيرها، وقع بصرها مصادفة على شاب يقف قرب مدخل الثانوية المجاورة. بدا وكأنه ينتظر أحدًا. لم تهتم في البداية، وأكملت طريقها بصورة طبيعية.لكنها، قبل أن تدخل بوابة المؤسسة، رفعت رأسها مرة أخرى دون قصد،
انقضى العام الدراسي على الوتيرة نفسها. تعاقبت الدروس والاختبارات، وتوالت الأسابيع سريعًا، وكبرت صداقات، وأصبحت الحياة في الداخلية جزءًا من يوميات لم تعد تثير دهشة أحد. صار لكل شيء إيقاعه المألوف؛ أجراس الحصص، وساعات المراجعة، وضحكات المساء في المرقد، ورحلات نهاية الأسبوع إلى البيت ثم العودة من جديد مع صباح الأحد.وحين دوّى جرس آخر يوم دراسي، لم تشعر سمارة بأن عامًا دراسيًا آخر قد انتهى فحسب، بل أحست أنها ودّعت مرحلة كاملة من حياتها. كانت قد خرجت من عامها الثاني أكثر نضجًا، وأكثر جرأة، وأقل انطواءً مما كانت عليه يوم دخلت تلك المؤسسة لأول مرة. أما الطفلة الخجولة التي كانت تتردد قبل أن تنطق بكلمة أمام زميلاتها، فقد بدأت تفسح مكانها لفتاة واثقة تعرف نفسها أكثر، دون أن تفقد هدوءها أو بساطتها.ومع بداية السنة الثالثة، أصبحت سمارة أكثر حضورًا وثقة بنفسها. نضجت ملامحها، وازدادت ابتسامتها إشراقًا، حتى بدأت تلفت أنظار بعض التلاميذ. صارت بعض النظرات تتبعها في الساحة والممرات، ووصلتها أكثر من مرة محاولات خجولة للتقرب منها، سواء بكلمة عابرة أو برسالة تحملها إحدى الزميلات.كانت تمرّ ذات صباح في الم
بعد حصة التربية البدنية، انصرف حديث المباراة سريعًا، وحلّ مكانه حديث آخر كان يشغل القسم كله.لم يبقَ على الاختبارات سوى أيام قليلة، ومع أن الضحكات والهمسات لم تغادر القسم، فإن القلق بدأ يتسلل إلى كثير من التلاميذ كلما ذُكرت المواد الأساسية.وفي إحدى فترات الاستراحة، تجمع عدد منهم في مؤخرة القسم يتبادلون الحديث.قال أحدهم وهو يقلب كراسه بضجر:— الرياضيات ستقضي علينا.ضحكت شيراز وقالت:— ومن قال إننا سنتركها تفعل؟وفي تلك اللحظة، تقدّم تلميذ طويل القامة، ذو بنية رياضية، وبشرة قمحية، وعينين بنيتين هادئتين. كان اسمه رؤوف.ابتسم ابتسامة هادئة وقال:— ولماذا لا نساعد بعضنا؟التفتت إليه الأنظار.وأضاف وهو يشير إلى زملائه:— كل واحد منا يتميز في مادة. من يتقن الرياضيات يساعد غيره، ومن يحفظ التاريخ يساعد البقية... المهم ألا يخرج أحد منا من الامتحان وحده.ساد صمت قصير، قبل أن تبتسم شيراز قائلة:— أعجبتني الفكرة.وقال أحد التلاميذ:— المهم ألا يسبقنا قسم أبناء المدينة.أومأ رؤوف برأسه وقال بثقة:— لن يسبقونا.لم يكن ذلك مجرد تحدٍّ دراسي. فمنذ أن بدأ أبناء المدينة يطلقون عليهم لقب "قسم الفلاحين"،
وحين أُسدل الستار على عامها الأول، كانت قد كسبت ثقة أساتذتها، وازدادت صداقتها بمنى وشيراز رسوخًا، وأصبحت الداخلية بيتًا ثانيًا بعد أن كانت تخيفها في أيامها الأولى.ومع انقضاء العطلة الصيفية، عادت إلى المؤسسة لتبدأ عامها الثاني... دون أن تدري أن السنوات القادمة لن تشبه السنة التي مضت.وكان أول ما استقبلها عند مدخل الإدارة القوائم الجديدة المعلَّقة على الجدار.تقدمت تبحث عن اسمها، وما إن وجدته حتى اتسعت عيناها قليلًا.— شيراز معنا!اقتربت منى من القائمة، وألقت نظرة سريعة، ثم ابتسمت ابتسامة ممزوجة بالدهشة.— يبدو أنها أعادت السنة.لكن دهشتهما لم تتوقف عند ذلك. فكلما انتقلت أعينهما بين الأسماء، تعرفتا إلى وجه من الابتدائية، ثم آخر، ثم ثالث... حتى بدا لهما أن معظم الأسماء مألوفة.قطبت منى حاجبيها وقالت باستغراب:— أليس أغلبهم من أبناء القرى؟في تلك اللحظة، مرّ عدد من التلاميذ يتبادلون الحديث بصوت خافت.— يبدو أنهم جمعونا كلنا في قسم واحد.— نعم... وأبناء المدينة وزعوهم على الأقسام الأخرى.— كأنهم يريدون أن يقولوا إن مكاننا مع بعضنا فقط.تبادلت سمارة ومنى نظرة صامتة، ولم تجدا ما تقولانه. كا