Mag-log inعاد راشد وسلمى إلى البيت بعد رحلة الواحة وقد تغيّر شيء جوهري بينهما، شيء لم يعد بإمكان أي منهما إنكاره أو التظاهر بعدم وجوده. لاحظت مضاوي التغيير على الفور حين استقبلتهما عند وصولهما، فقد كانت نظرات ابنها إلى زوجته مختلفة تماماً عن أي وقت مضى، دافئة وصادقة بشكل لم تعهده منذ رحيل نورة. جلست مضاوي مع ابنها في مساء ذلك اليوم بعد أن أوت سلمى إلى غرفتها لترتاح من عناء الرحلة والعاصفة، وقالت له بصوت هادئ متأمل: "أرى في عينيك شيئاً لم أره منذ عامين يا بني، شيئاً يشبه السعادة الحقيقية."
ابتسم راشد ابتسامة صادقة، وقال بصدق لم يعتد أن يشاركه مع أحد بهذا الوضوح: "أظن أنني بدأت أقع في حب سلمى فعلاً يا أمي، وهذا يفاجئني أنا نفسي أكثر من أي أحد آخر." شعرت مضاوي بمشاعر متضاربة تعتصر قلبها، فرح حقيقي لرؤية ابنها يستعيد بريق الحياة، ممزوج بحسرة خفية لا تزال عالقة تجاه نورة، لكنها تجاوزت تلك الحسرة بحكمة الأم المحبة، وقالت: "هذا خبر جميل يا بني، جميل حقاً. سلمى فتاة تستحق الحب، أثبتت ذلك مراراً منذ وصولها. أعتقد أن نورة، لو كانت تراقبنا من مكانها، لباركت هذا الحب الجديد الذي ينمو من رحم الحزن." في الأيام التالية، استمر راشد في تحقيقه الحذر حول لغز الرصاصة القاتلة، وقرر أخيراً أن يواجه ابن عمه مقبل مباشرة، لكن بحكمة وحذر شديدين لتجنب أي ردة فعل متهورة. دعاه إلى مجلسه الخاص تحت ذريعة مناقشة أمور تتعلق بتقسيم أراضي الرعي بين فروع القبيلة المختلفة، وحين جلسا وحدهما أخيراً، بدأ راشد الحديث ببطء محسوب: "يا مقبل، أريد أن أسألك عن شيء يتعلق بليلة عرس نورة قبل عامين، ذكرى مؤلمة أعرف، لكنني أحتاج إجابات صادقة منك." شعر مقبل بتوتر واضح فجأة، حاول إخفاءه بابتسامة متكلفة: "ماذا تريد أن تعرف بالضبط يا راشد؟ مرّ وقت طويل على تلك الليلة المؤسفة." قال راشد بنظرة ثاقبة مباشرة: "أخبرني فارس أنه رأى رجلاً يقف في مكان غريب على تلة تطل على ساحة النساء في تلك الليلة، يرتدي عباءة داكنة مختلفة عن عباءات معظم رجالنا. هل كنت أنت ذلك الرجل يا مقبل؟" ابيضّ وجه مقبل فجأة، وبدت عليه علامات ارتباك حقيقي لم يستطع إخفاءه تماماً رغم محاولاته اليائسة. قال مقبل بصوت مرتجف محاولاً التماسك: "لا أعرف عمّ تتحدث يا راشد، ربما كان أحد رجال آل ناصر أنفسهم، أو أي رجل آخر لا علاقة له بي إطلاقاً." لكن راشد لاحظ الارتباك الواضح في عيني ابن عمه، والعرق الذي بدأ يتصبب من جبينه رغم برودة الجو في تلك الليلة. قال بصوت أكثر حزماً وهدوءاً معاً: "يا مقبل، أعرفك منذ الطفولة، وأستطيع أن أميز حين تكذب علي. أرجوك، من أجل ذكرى نورة، ومن أجل ضميرك أنت نفسك، أخبرني الحقيقة كاملة، مهما كانت مؤلمة أو خطيرة." انهار مقبل أخيراً بعد صمت طويل مثقل بالتوتر، وأخذ يبكي بصوت مكتوم وهو يعترف بحقيقة صادمة: "لم أقصد أبداً أن أقتل نورة يا راشد، أقسم لك بالله. أردت فقط أن أُطلق النار بالقرب من صفوف آل ناصر لأثير مشكلة بسيطة تُحرجهم أمام الجميع، لأن... لأنني كنت غاضباً منك، غاضباً لأنك أخذت مشيخة القبيلة رغم أنني الأكبر سناً، وأردت أن أُظهر أن قرارات المجلس بشأن التحالف مع آل ناصر كانت خاطئة، لكن الرصاصة أخطأت مسارها المقصود تماماً، وأصابت نورة بدلاً من ذلك، وحين رأيت ما حدث، تجمّد قلبي من الرعب، ولم أستطع أن أعترف بشيء لأحد، خوفاً من عقاب لا يُطاق." جلس راشد صامتاً طويلاً، يشعر بمزيج هائل من الغضب والحزن والارتياح معاً، غضب من الخيانة العائلية القاسية، وحزن عميق على الحقيقة المؤلمة التي انتظرها عامين كاملين، وارتياح غريب لأن اللغز انحلّ أخيراً بعد كل هذا الوقت من الشك والحيرة. قال أخيراً بصوت متهدج مليء بالألم: "أنت قتلت زوجتي يا مقبل، بسبب غيرة شخصية تافهة على مشيخة لم تكن يوماً حقاً مضموناً لك أصلاً. كم من الألم تسببتَ به لي، لعائلتي، ولعائلة آل ناصر بأكملها، بسبب جشعك وحقدك الأعمى؟" بكى مقبل بصوت أعلى، وارتمى على ركبتيه أمام ابن عمه في ندم صادق متأخر: "سامحني يا راشد، أرجوك، عشتُ عامين كاملين أتعذب بصمت بذنبي، لم أستطع النوم ليلة واحدة دون أن أرى وجهها في كوابيسي. أعرف أنني لا أستحق الصفح، لكنني أطلب منك الرحمة، ليس لأجلي أنا، بل لأجل زوجتي وأطفالي الذين لا ذنب لهم في خطيئتي." شعر راشد بصراع داخلي عنيف بين رغبته في الانتقام العادل ورحمته الفطرية التي عرفته بها القبيلة كلها منذ صغره. بعد صمت طويل مؤلم، قال راشد بصوت هادئ لكنه حازم: "لن أقتلك بيدي يا مقبل، فهذا لن يُعيد نورة، ولن يجلب سوى دماء جديدة وفتنة أعمق. لكنك ستُعاقَب بطريقة أخرى: ستعترف بجريمتك أمام مجلس القبيلة الكامل، وستُنفى من ديارنا إلى الأبد، أنت وأسرتك المباشرة، لتعيشوا بعيداً عن هذه الديار التي دنّستها بجريمتك. وستُبرَّأ ساحة آل ناصر كاملة أمام الجميع، ليعرف الجميع أن الحقيقة كانت مختلفة تماماً عما ظنّوه طوال هذين العامين." أومأ مقبل برأسه بخضوع تام، مدركاً أن هذا العقاب، رغم قسوته الظاهرية، أخف بكثير مما كان يستحقه فعلاً على جريمته البشعة. في تلك الليلة، ذهب راشد إلى سلمى ليخبرها بكل ما حدث، وجلست تستمع بصدمة عميقة وهي تسمع تفاصيل الحقيقة المروعة التي انتظرها الجميع عامين كاملين. حين انتهى راشد من حديثه، أمسكت يده بقوة، وقالت بتأثر عميق: "يا الله، كل هذا الألم كان يمكن تجنبه لولا حقد رجل واحد. لكن على الأقل، الحقيقة ظهرت أخيراً، وستُبرَّأ عائلتي من تهمة لم تكن حقيقية أصلاً." نظر إليها راشد بامتنان عميق، وقال: "نعم، وهذا يعني أيضاً أن زواجنا، الذي بدأ بفصلٍ قسري بسبب جريمة لم يرتكبها أهلك، أصبح الآن اختياراً حقيقياً من قلبي، لا مجرد واجب مفروض علي. سلمى، أحبك، وأريد أن تعرفي هذا بوضوح تام لا لبس فيه." كانت هذه المرة الأولى التي ينطق فيها راشد بكلمة "أحبك" بصراحة تامة أمام سلمى، وشعرت هي بدموع فرح غامرة تنهمر من عينيها وهي تسمع هذا الاعتراف الذي طالما تمنته في أعماق قلبها. قالت بصوت مرتجف من التأثر العميق: "وأنا أحبك أيضاً يا راشد، أحبك بصدق تام، ليس كثمن دم، ولا كواجب مفروض، بل كرجل حقيقي عرفته وتعلقت به قلباً وعقلاً." احتضنها راشد بحنان عميق صادق، وشعر كلاهما أن قصتهما التي بدأت بمأساة دموية قاسية، بدأت أخيراً تتحول إلى قصة حب حقيقية. في اليوم التالي، أرسل راشد رسولاً إلى حمود بن فهد، الوسيط الحكيم الذي أدار مجلس الفصل قبل عامين، يطلب منه استدعاء كبار القبيلتين لجلسة عاجلة. اجتمع الجميع في المجلس الكبير نفسه الذي شهد قرار الفصل القاسي قبل عامين، وهذه المرة وقف راشد أمام الحضور جميعاً، ووجهه يحمل جدية وحزماً غير معتادين. قال بصوت واضح يسمعه الجميع: "أيها الحاضرون، اجتمعنا اليوم لنعلن حقيقة انتظرناها عامين كاملين. لقد اكتشفت أخيراً من أطلق الرصاصة التي أودت بحياة زوجتي الراحلة نورة رحمها الله، ولم يكن الفاعل من آل ناصر كما ظننّا جميعاً بلا دليل قاطع طوال هذه المدة." ساد صمت مطبق في المجلس بأكمله، وتطلعت كل العيون نحو راشد بترقب مشوب بالقلق. تابع راشد حديثه بصوت متهدج قليلاً من ثقل اللحظة: "الفاعل كان مقبل بن سالم، ابن عمي، الذي اعترف بنفسه بأنه أطلق تلك الرصاصة بدافع الحسد والغضب الشخصي، ولم يقصد قتل نورة، لكن رصاصته الطائشة أخطأت هدفها المقصود وأصابتها بدلاً من ذلك." ارتفعت همهمات الدهشة والصدمة في أرجاء المجلس، ووقف عايض آل ناصر مذهولاً، وقد غمرته مشاعر مختلطة من الصدمة والارتياح العميق معاً بعد عامين من حمل تهمة لم يرتكبها قومه. قال عايض بصوت مرتجف من التأثر: "الحمد لله الذي أظهر الحق أخيراً، وبرّأ ساحة قومي من تهمة ثقيلة حملناها ظلماً طوال هذين العامين المريرين." تقدم حمود بن فهد بحكمته المعتادة، وقال مخاطباً الجميع: "بما أن الحقيقة ظهرت أخيراً، فإن هذا يستوجب إعادة النظر في كل ما بُني على الظن الخاطئ. لكن يبقى السؤال المطروح: ماذا عن زواج راشد وسلمى؟ هل يبقى قائماً أم يُفسخ بما أن سببه الأصلي زال؟" نظر راشد مباشرة نحو سلمى الجالسة بين النساء، ثم عاد بنظره إلى الحضور جميعاً، وقال بصوت واضح لا يحمل أدنى تردد: "هذا الزواج بدأ بقرار قسري نعم، لكنه لم يعد كذلك اليوم. أعلن أمام الجميع أنني أختار سلمى بنت عايض زوجة لي، لا بحكم قرار الفصل الذي زال سببه الآن، بل باختيار قلبي الحر الكامل. أحبها، وأريدها أن تبقى زوجتي إلى الأبد، بغض النظر عمّا آلت إليه ظروف بداية زواجنا." ارتفعت زغردة فرح عفوية من بين صفوف النساء، وشعرت سلمى بدموع الفرح تملأ عينيها وهي تسمع هذا الإعلان العلني الجريء أمام قبيلتين كاملتين. وقف عايض متأثراً بعمق، وقال بصوت يحمل امتناناً لا حدود له: "لا أستطيع أن أطلب هدية أجمل من هذه يا راشد، أن أرى ابنتي محبوبة حقاً، لا مجرد زوجة بحكم الواجب. بارك الله فيكما، وبارك في هذا الحب الذي نبت من رحم أصعب الظروف." بعد انتهاء المجلس، اقترب فارس من راشد، وضمّه بحرارة أخوية صادقة، وقال بصوت مؤثر: "فخور بك يا صديقي، فخور بشجاعتك في مواجهة الحقيقة مهما كانت مؤلمة، وفخور بقلبك الذي وجد طريقه أخيراً إلى السعادة الحقيقية بعد كل هذه السنوات من الحزن الصامت." ابتسم راشد بصدق، وقال: "لم أكن لأصل إلى هذا دونك يا فارس، كنت السند الحقيقي لي في كل خطوة من هذه الرحلة الصعبة، من ليلة موت نورة إلى هذه اللحظة بالذات." اقتربت نوف من أختها سلمى وسط زحام المهنئين، وضمّتها بقوة وهي تبكي بفرح غامر: "سلمى! سمعتُ كل شيء، يا الله كم أنا سعيدة من أجلك، بعد كل ما مررتِ به من خوف وحزن في البداية." ضحكت سلمى وهي تمسح دموعها، وقالت: "الحمد لله يا حبيبتي، القدر الذي بدا قاسياً في البداية، تحوّل أخيراً إلى أجمل هدية عرفتها في حياتي." نظرت نوف إلى راشد الواقف بجانب أختها بنظرة تقدير صادقة، وقالت له بجرأة طفولية محببة: "اعتنِ بأختي جيداً يا شيخ راشد، فهي أغلى ما أملك في هذه الدنيا." ابتسم راشد بحنان، وقال بصدق: "أعدك بذلك يا نوف، أعدك من كل قلبي." في تلك الليلة، جلس راشد وسلمى وحدهما تحت شجرة النخيل المعتادة، يتأملان النجوم المتلألئة فوقهما، بعد يوم طويل مليء بالأحداث والمشاعر المتضاربة. قالت سلمى بصوت هادئ مليء بالسلام الداخلي: "من كان يصدق يا راشد أن قصتنا، التي بدأت برصاصة طائشة ودم بريء، ستنتهي بهذا الشكل الجميل؟" نظر إليها راشد بحب صادق عميق، وقال: "القدر يعمل بطرق غريبة أحياناً يا سلمى، يأخذنا عبر أصعب الطرق ليوصلنا إلى أجمل الوجهات. أنا ممتن لكل يوم عشناه معاً، حتى الأيام الصعبة منها، لأنها قادتنا إلى هذه اللحظة بالذات." أمسكت سلمى بيده بحب، ونظرا معاً إلى النجوم في صمت دافئ مريح، يحملان في قلبيهما أملاً حقيقياً بمستقبل مشترك مشرق، بدأ برباط حب صادق سيُروى في مجالس القبيلتين لأجيال قادمة كثيرة، عن كيف يمكن للحب الصادق أن ينبت ويزدهر حتى في أقسى الظروف وأصعبها على الإطلاق. ❖ ❖ ❖مرت الأشهر بسرعة هادئة بعد مصالحة مقبل الكاملة مع القبيلة، وبدأت ديار بني حارث تشهد فترة استقرار وازدهار لم تعرفها منذ زمن طويل. انتهت أزمة القحط تدريجياً مع عودة الأمطار الموسمية، وترسخ التحالف الجديد مع قبيلة الروضان أكثر فأكثر، حتى أصبحت الزيارات المتبادلة بين القبيلتين أمراً معتاداً يحدث بانتظام، لا مجرد استثناء نادر كما كان في السابق. أثمرت صداقة هيفاء وسلطان أيضاً عن تقدم جميل، إذ تقدم سلطان رسمياً لخطبتها بعد أشهر من التقارب المحتشم، ووافق والداها بفرح على هذا الاتحاد الذي يرمز لسلام حقيقي بين القبيلتين.احتفلت الديار بعرس هيفاء وسلطان في مناسبة كبيرة جمعت أهالي القبيلتين معاً بفرح عارم، واعتبر الجميع هذا الزواج تتويجاً رمزياً لكل الجهود التي بذلت لتحويل العداوة القديمة إلى صداقة حقيقية. وقفت سلمى بجانب هيفاء يوم عرسها، تساعدها في تجهيزاتها الأخيرة كصديقة مقربة حقيقية، وقالت بعاطفة صادقة: "أتذكر حين كنتِ أول من رحّب بي في هذا البيت بصدق يا هيفاء، سعيدة جداً أنني أرد لك بعضاً من ذلك الود اليوم." ضمتها هيفاء بحب: "أنتِ أكثر من صديقة لي يا سلمى، أنتِ أخت اخترتها الحياة لي."في تلك
مع اقتراب موعد إتمام تركي لعامه الكامل من الخدمة في الديار البعيدة، بدأ راشد يفكر جدياً في كيفية التعامل مع عودته المرتقبة. استدعى فارس ليستشيره في الأمر، وقال بتفكير عميق: "مرّ عام كامل يا فارس، وكل الأخبار التي وصلتنا عن تركي تشير إلى تغير حقيقي في شخصيته. أظن أن الوقت حان لنفي بوعدنا ونمنحه فرصة العودة والتواصل مع والديه المنفيين." وافقه فارس، لكنه أضاف بحذر: "يجب أن نبقى يقظين مع ذلك يا راشد، فالتغيير الحقيقي يحتاج وقتاً ليثبت نفسه بشكل كامل، لا نريد أن نتسرع في منحه ثقة كاملة قبل أن يستحقها فعلياً."أرسل راشد رسالة إلى الديار البعيدة التي كان يعمل فيها تركي، يطلب منه العودة لمقابلته شخصياً قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأن مستقبله. وصل تركي بعد أسابيع قليلة، وقد تغيرت ملامحه بشكل واضح، جسده أكثر نحافة من العمل الشاق، لكن عينيه حملتا نظرة أكثر نضجاً وهدوءاً مما كانتا عليه قبل عام كامل. جلس أمام راشد بتواضع حقيقي، وقال بصوت هادئ: "شكراً لك على هذه الفرصة يا راشد، لم أكن أستحقها، لكنني حاولت أن أستفيد منها بأفضل ما أستطيع."سأله راشد بصدق: "أخبرني بصراحة يا تركي، ماذا تعلمت خلال هذا العا
بدأ تنفيذ اتفاق تقاسم المياه بين بني حارث والروضان بحذر شديد من الطرفين، وعُيّن من كل قبيلة رجال موثوقون للإشراف على تطبيق بنود الاتفاق بدقة، تجنباً لأي سوء تفاهم قد يهدد هذا السلام الهش الذي بُني بصعوبة بالغة. في الأسابيع الأولى، سارت الأمور بشكل جيد نسبياً، مع بعض الاحتكاكات الطفيفة التي أمكن حلها بالحوار الهادئ بدلاً من التصعيد، مما منح الطرفين ثقة متزايدة تدريجياً في جدوى هذا التعاون الجديد.اقترح راشد على شيخ الروضان أن يقيما اجتماعاً أوسع يضم نساء القبيلتين أيضاً، مدركاً أن بناء علاقات اجتماعية حقيقية بين الأسر قد يعزز السلام بشكل أعمق من مجرد اتفاقيات رسمية بين الرجال فقط. تردد الشيخ ناصر في البداية، فهذا لم يكن تقليداً معتاداً بين القبيلتين، لكنه وافق أخيراً بعد إلحاح لطيف من راشد الذي أوضح له فوائد هذا التقارب الاجتماعي في ترسيخ السلام على المدى الطويل.جاء يوم اللقاء الكبير، واستضافت ديار بني حارث وفداً من نساء قبيلة الروضان لأول مرة منذ سنوات طويلة من القطيعة. استقبلت سلمى الوفد بحفاوة بالغة، حريصة على أن يشعر ضيوفها بالترحاب الصادق رغم تاريخ التوتر بين القبيلتين. من بين ال
مع اقتراب سالم من عامه الأول، بدأت علامات مقلقة تظهر في سماء الديار: أشهر متتالية دون أمطار تُذكر، وآبار بدأت مناسيب مياهها تنخفض تدريجياً بشكل يثير قلق الجميع. جلس راشد مع كبار القبيلة في مجلس طارئ، وقال أحد الرعاة المخضرمين بقلق واضح: "لم نشهد قحطاً بهذه الشدة منذ عشرين عاماً يا شيخ راشد، إن لم تهطل الأمطار قريباً، ستتأثر قطعاننا بشكل خطير، وقد نضطر للترحال بحثاً عن مراعٍ أفضل." شعر راشد بثقل هذه المسؤولية الجديدة، فقد كان القحط تهديداً حقيقياً يمس كل بيت في القبيلة، لا مجرد أزمة عابرة يمكن التعامل معها ببساطة.بدأ راشد يجول بنفسه على أطراف الديار، يتفقد حال الآبار والمراعي المتبقية، ويستمع لمخاوف الرعاة وأصحاب الماشية الذين بدأ القلق يظهر بوضوح على وجوههم. عاد إلى البيت مساءً مثقلاً بالهموم، فلاحظت سلمى ذلك فوراً، وسألته بحنان: "ما الذي يثقل كاهلك يا راشد؟ أرى القلق واضحاً على وجهك منذ أيام." شاركها بصدق مخاوفه بشأن القحط المتفاقم، وقال: "أخشى أن نواجه أزمة حقيقية إن لم تتحسن الأمور قريباً، وأشعر بثقل مسؤولية كل هذه الأرواح التي تعتمد على حكمة قراراتي."فكرت سلمى قليلاً، ثم قالت با
مرت الأسابيع الأولى بعد ولادة سالم بسرعة غريبة، كأن الزمن نفسه تسارع احتفاءً بهذا القادم الجديد إلى الحياة. تكيفت سلمى ببطء مع إيقاع الأمومة الجديد، الليالي القصيرة والنوم المتقطع، لكنها كانت تشعر بسعادة عميقة تفوق أي تعب جسدي، سعادة كانت تتجدد كل صباح حين ترى وجه ابنها الصغير النائم بسلام بين ذراعيها. جلست ذات صباح في الحديقة، تُرضع سالم تحت ظل شجرة النخيل المعتادة، بينما راقبها راشد من بعيد بابتسامة لا تفارق شفتيه، مندهشاً من عمق السعادة التي غمرت حياته منذ قدوم هذا الطفل الصغير.اعتاد راشد أن يخصص وقتاً كل مساء، مهما كانت مشاغل القبيلة كثيرة، ليجلس مع سالم بنفسه، يحمله بحذر شديد ويتحدث إليه بصوت خافت حنون، وكأنه يشارك ابنه الصغير كل أفكاره وهمومه اليومية. قالت له مضاوي ذات مرة وهي تراقب هذا المشهد بعينين مغرورقتين بالدموع: "لم أرك بهذا القدر من السعادة منذ زمن طويل جداً يا بني، هذا الطفل أعاد الحياة إلى قلبك وإلى هذا البيت كله." ابتسم راشد بصدق: "سالم منحني معنى جديداً للحياة يا أمي، معنى لم أعرفه حتى في أسعد أيامي السابقة."في تلك الأثناء، لم ينسَ راشد أمر فهد، الشاب الذي شارك في
وصل الرسول إلى راشد في منتصف الليل تقريباً، وهو في ديار القبيلة المجاورة، فأيقظه فوراً من نومه القلق أصلاً. حين سمع الخبر، شعر بصدمة هائلة تجمد قلبه للحظات، خوف عميق يفوق أي شعور اختبره من قبل، حتى تذكر كلمات الرسول المطمئنة أن سلمى بخير تماماً. لم ينتظر طويلاً، بل استيقظ رجاله فوراً، واعتذر بإيجاز لمضيفه عن ضرورة المغادرة العاجلة بسبب أمر عائلي طارئ، وانطلق في رحلة عودة محمومة طوال الليل، لا يتوقف إلا لإراحة الخيول لدقائق معدودة قبل أن يواصل الطريق بسرعة قصوى.وصل راشد إلى الديار في ساعات الفجر الأولى، متعباً منهكاً من رحلة السفر السريعة، لكن قلقه على سلمى منحه طاقة تفوق أي تعب جسدي. أسرع نحو غرفتها فور وصوله، ووجدها مستيقظة تنتظره، فقد لم تستطع النوم طوال الليل من هول ما حدث وقلقها عليه هو أيضاً أثناء رحلة عودته المتسرعة. حين رآها، احتضنها بقوة، وشعر بدموع الارتياح تتجمع في عينيه، وقال بصوت متهدج: "الحمد لله أنك بخير يا سلمى، خفت عليك وعلى طفلنا خوفاً لم أعرفه من قبل في حياتي."بكت سلمى في حضنه، تشعر أخيراً بالأمان الكامل بعد ليلة طويلة من الخوف والقلق، وقالت: "كنت خائفة جداً يا راش







