Home / التشويق / الإثارة / غريب في منزلي! / الفصل الثاني :زائر منتصف الليل

Share

الفصل الثاني :زائر منتصف الليل

Author: Ahmed hassan
last update publish date: 2026-03-02 01:26:37

كانت الطرقات على الباب كأنها مطارق تهوي على رأسي لا على الخشب، صدى الصوت يتردد في أرجاء المنزل الصامت كجنائز قديمة. في الظلام الدامس الذي خلفه انقطاع الكهرباء، لم أعد أرى "آدم"، لكني كنت أشعر بكيانه الضخم يقف على بعد أنشات مني، كأنه جزء من العتمة نفسها. أنفاسه كانت هادئة بشكل يثير الرعب، هدوء لا يناسب رجلاً تقتحم الشرطة منزله في منتصف الليل، بل يناسب صياداً ينتظر فريسته في الفخ.

"آدم.. افتح الباب،" همستُ بصوت يرتجف، وأنا أحاول التراجع في العتمة، وشعور بالغثيان يسيطر على معدتي. "الشرطة بالخارج، ماذا فعلت يا آدم؟ من هؤلاء؟"

فجأة، شعرت بيده القوية تقبض على معصمي. لم تكن قبضته مؤلمة بقدر ما كانت حازمة، باردة كأن الدم توقف عن الجريان فيها. "ليلى، اسمعيني جيداً ولا تقاطعيني،" قال بصوت منخفض وحاد كالسكين، كأنه يغرس الكلمات في أذني غرسًا. "مهما حدث في الدقائق القادمة، ومهما رأيتِ أو سمعتِ، لا تنبسي ببنت شفة عن الهاتف. هل فهمتِ؟ حياتنا تعتمد على صمتك الآن.. صمتك هو نجاتنا الوحيدة."

قبل أن أتمكن من الرد أو حتى استيعاب ما قاله، تحطم زجاج النافذة الجانبية في غرفة المكتب، وتطايرت الشظايا كأنها رصاص زجاجي. دخل ضوء كشافات قوية، باهرة، اخترقت الظلام ومزقت سكون الغرفة. تراجع آدم وترك يدي فجأة، واتجه نحو الباب بخطوات واثقة، مرعبة في ثباتها. فتح الباب ليقتحم الردهة ثلاثة رجال يرتدون زي الشرطة، لكن شيئاً ما في هيئتهم لم يكن مريحاً؛ لم تكن ملابسهم مهندمة، ولم تكن وجوههم تحمل صرامة القانون، بل كانت تحمل نظرات "صيادين" وجدوا فريستهم الضائعة منذ أمد بعيد.

"دكتور آدم؟" سأل أحدهم، وهو رجل ضخم، ذو ندبة واضحة تمتد من جبهته حتى عينه اليسرى، تعطي وجهه مظهراً وحشياً.

"نعم، أنا آدم. ما الداعي لهذا الاقتحام الهمجي في هذا الوقت؟" أجاب آدم ببرود أذهلني. أين ذهب التوتر؟ أين ذهبت تلك النظرة التي رأيتها في الحمام؟ لقد تحول فجأة إلى شخص غريب تماماً، شخص يتقن فن التمثيل ببراعة مرعبة.

تقدم الرجل ذو الندبة وتجاهل سؤال آدم تماماً، وجه كشافه الناري نحوي مباشرة، مما جعلني أغمض عيني بقوة وأرفع يدي لأحمي وجهي. "وهذه بالتأكيد الزوجة المصونة، ليلى. يبدو أننا أفسدنا عليكما سهرة ذكرى الزواج الهادئة. نعتذر عن الإزعاج يا سيدة ليلى، لكن الأمور خرجت عن السيطرة."

"ماذا تريدون؟" صرختُ وأنا أحاول استجماع شجاعتي المنهارة، "إذا كنتم شرطة فعلاً، فأين إذن تفتيشكم؟ وأين سيارات النجدة؟"

ضحك الرجل ضحكة ساخرة، ضحكة خاوية جمدت أوصالي، ثم التفت إلى آدم وقال بنبرة مليئة بالتهديد المبطن: "المدير يريد أمانته يا دكتور. تعلم أن الصبر ليس من شيمه، والجثة التي ظهرت اليوم في القبو القديم.. تلك الجثة التي بذلتَ جهداً كبيراً في إخفائها.. لقد غيرت قواعد اللعبة تماماً. لم يعد بإمكاننا حمايتك، ولم يعد بإمكانك الهرب."

توقفت أنفاسي في صدري. القبو القديم.. الجثة.. نفس الكلمات التي رأيتها في الرسالة اللعينة! نظرتُ إلى آدم بذهول، كنت أتوقع أن ينهار، أن يصرخ، أو حتى ينكر.. لكنه ظل واقفاً كتمثال رخامي، عيناه لا تشيان بأي ندم.

"الأمانة ليست معي،" قال آدم بهدوء مستفز، "لقد أخبرتكم عبر الهاتف المشفر أنني أحتاج لمزيد من الوقت لفك التشفير الأخير."

"الوقت انتهى يا دكتور،" رد الرجل وهو يخرج مسدساً أسود من حزامه ببطء شديد، "سنفتش المنزل شبراً بشبر، سنقلب الجدران إذا اضطررنا. وإذا لم نجد ما نبحث عنه، سنضطر لأخذ "ليلى" معنا.. كرهينة، أو كضمان حتى تتذكر أين خبأت الصندوق اللعين."

في تلك اللحظة، شعرتُ وكأنني أشاهد فيلماً سينمائياً لست بطلته. لست مجرد زوجة لرجل غامض، بل أصبحتُ "طُعماً" في لعبة قذرة لا أعرف قوانينها. تحسستُ الهاتف الأسود الذي كنت قد خبأته في جيب بيجامتي في اللحظة الأخيرة؛ كان يرتجف مع كل نبضة من نبضات قلبي المتسارعة.

بدأ الرجال بقلب محتويات غرفة المعيشة بعنف لا يوصف. تمزيق الأرائك الجلدية، كسر التحف التي اخترناها معاً في شهر العسل، وبعثرة الكتب التي طالما قرأناها سوياً. وقف آدم يراقبهم بصمت، وفجأة، التقت عيناه بعينيّ في وسط تلك الفوضى العارمة. كانت نظرته غريبة جداً، لم تكن خوفاً عليّ، بل كانت كأنها "أمر" بالبقاء هادئة.. أو ربما كانت نظرة وداع.

وفجأة، وفي قمة الفوضى، رن جرس هاتف آخر في المنزل. لم يكن هاتفي، ولا هاتف آدم، ولا حتى هواتف الرجال المسلحين.. كان صوتاً مكبوماً وقريباً، قادماً من خلف الجدار المبطن بالمكتبة.. من مكان لم أكن أعلم بوجوده في منزلي الذي سكنته لعشر سنوات!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • غريب في منزلي!   الفصل التاسع: في قلب الفوضى

    كان صوت الإنذار يمزق طبلة أذني، صرخة معدنية متواصلة جعلت جدران المنشأة تبدو وكأنها تهتز من هول الفضيحة. الحراس الذين كانوا يقفون بهدوء مستفز قبل قليل، تحولوا فجأة إلى خلايا نحل هائجة، يركضون في كل اتجاه، بينما اندفع فريق طبي نحو مريم التي كانت أطرافها تضرب الكرسي المعدني بقوة هستيرية. كان "الأصل" يصرخ بأوامر تقنية لم أفهمها، وعيناه مثبتتان على الشاشات التي بدأت تومض باللون الأحمر القاني، معلنةً عن انهيار وشيك في "النظام". كانت تلك هي الثغرة الوحيدة التي وهبتني إياها الأقدار. بخطوات حذرة، انسحبتُ نحو الجدار الخلفي، وظهري يلامس البرودة المعدنية للغرفة التي كانت تفوح منها رائحة الأوزون المحروق. قلبي كان يقرع صدري مثل طبول الحرب، وشعرتُ برعشة في أطرافي كادت أن تشل حركتي. نظرتُ إلى "الأصل"؛ كان ظهره لي تماماً، غارقاً في محاولته اليائسة لإنقاذ عقل مريم من التلف. في تلك اللحظة، ولمحتُ بطاقة التعريف (الـ Keycard) تتدلى من حزامه الجلدي. لم أفكر، ولم أترك مجالاً للخوف ليثني عزيمتي. اندفعتُ نحوه بخفة مباغتة، وبحركة خاطفة انتزعتُ البطاقة. "ليلى! ارجعي!" صرخ "الأصل" وهو يلتفت نحوي بملامح مشوهة

  • غريب في منزلي!   الفصل الثامن:ارشيف الارواح

    خطوتُ أولى خطواتي داخل "منشأة الأمل". كان الرخام الأبيض يلمع تحت أضواء الفلورسنت الباردة، والرائحة كانت مزيجاً غريباً بين المعقمات الطبية ورائحة الورق القديم. لم تكن هناك نوافذ، فقط جدران صماء تعطيك إحساساً بأنك في حصن تحت الأرض، بعيداً عن أعين العالم. كان الرجل الذي يشبه والدي يمشي أمامي بخطوات عسكرية منتظمة، لا يلتفت خلفه، وكأنه يثق تماماً أنني لن أهرب.. أو ربما يعلم أنه لا يوجد مكان للهرب في هذا المتاهة الخرسانية. "من أنت؟" سألتُه وصوتي يتردد في الممرات الفارغة، محاولاً كسر هذا الصمت المطبق. "والدي توفي منذ سنوات في حادث كنتُ أنا شاهدة عليه. أنت مستحيل أن تكون هو، ملامحك، طولك.. حتى نبرة صوتك، أنت تبدو كنسخة مجمدة من الماضي." توقف فجأة والتفت إليّ ببطء شديد. لم تكن عيناه تحملان أي دفء، كانت مجرد عدسات زجاجية تراقب ردود أفعالي. "أنا لستُ والدكِ يا ليلى،" قالها ببرود هزّ كياني. "أنا لستُ الشخص الذي كان يقرأ لكِ القصص قبل النوم. أنا 'الأصل'.. المادة الخام التي استُنسخ منها ذلك الرجل الضعيف الذي رباكِ. لقد كان مجرد عينة فاشلة، عاطفية أكثر من اللازم، لذا كان يجب التخلص منه." شعرتُ بد

  • غريب في منزلي!   الفصل السابع: رماد الثقة

    سقطتُ على الأرض المبتلة، وشعرتُ بطعم التراب والمزيج المعدني للمطر في فمي. كانت أنفاسي تخرج بصعوبة، كأن رئتيّ ترفضان استنشاق هذا الهواء الثقيل المليء برائحة البارود والموت وحطام الذكريات. زحفتُ بعيداً نحو الأشجار الكثيفة، محتمية بالظلام الدامس، بينما كانت أضواء الكشافات القوية المنبعثة من المروحية تمسح الأرض خلفي كعين عملاق أسطوري يبحث عن فريسته الهاربة. كان قلبي يقرع طبول الحرب داخل صدري، وكل غصن يكسر تحت جسدي المرتجف كان يبدو لي وكأنه إعلان عن مكاني. دوى انفجار هائل خلفي، انفجار هز الأرض تحت ركبتي وجعل أذنيّ تصفران بصمت مرعب. التفتُّ بجسد متصلب لأرى سيارة آدم، تلك السيارة التي كانت ملاذنا قبل دقائق، وقد اصطدمت بحاجز إسمنتي واشتعلت فيها النيران لتتحول إلى كتلة لهب برتقالية تشق سواد الليل. صرختُ، لكن صوتي ضاع وسط ضجيج المحركات وصيحات الجنود الذين بدأوا بالانتشار حول الحطام. "آدم!" همستُ باسمه والدموع تنهمر بغزارة، تحرق وجنتيّ الباردتين. هل ضحى بنفسه فعلاً من أجلي؟ أم أن كل هذا المشهد السينمائي كان جزءاً من مسرحية كبرى صممها باحتراف لإبعادي عن حقيقة لا أحتمل مواجهتها؟ لم يكن لدي وقت ل

  • غريب في منزلي!   الفصل السادس: رقصة على حافة الهاوية

    كانت الأضواء القادمة من السيارات السوداء الأربع تحاصرنا كعيون وحوش كاسرة في عتمة الجبل. المطر الذي انهمر بغزارة حول الزجاج الأمامي إلى لوحة مشوشة من الرمادي والأسود. شعرتُ ببرودة معدن السيارة تخترق جسدي، وبأنفاس آدم المضطربة بجانبي وهو يضغط على مقود السيارة بقوة جعلت عروق يده تبرز بشكل مخيف. "آدم.. ماذا سنفعل؟" همستُ، وصوتي يكاد يختفي وسط زئير الرياح في الخارج. "لقد حاصرونا، والهاوية خلفنا مباشرة!" لم ينظر إليّ، بل كان يراقب المرآة الجانبية بتركيز حاد. "ثقي بي يا ليلى،" قال بصوت منخفض وعميق، "مهما حدث، لا تفتحي حزام الأمان، وتمسكي جيداً. لن أسمح لهم بلمسكِ." فجأة، فُتح باب إحدى السيارات السوداء، وخرج منه رجل يرتدي معطفاً طويلاً، يحمل مظلة سوداء تحميه من المطر. لم يكن الضابط ذو الندبة، بل كان رجلاً يبدو في الخمسينيات من عمره، بملامح ارستقراطية باردة ونظارات طبية لامعة. وقف ب ثبات وسط العاصفة، ورفع يده في إشارة لآدم بأن ينزل من السيارة. "هذا هو 'المدير'.. الشخص الذي يدير كل هذا الكابوس،" قال آدم والشرر يتطاير من عينيه. "إنه الرجل الذي بنى ثروته على دماء وتجارب لم يجرؤ أحد على القيا

  • غريب في منزلي!   الفصل الخامس: أنفاس محترقة

    دوى صوت الرصاصة في أرجاء القبو الضيق كأنه انفجار كوني، شعرتُ بأثره في طبلة أذني وفي ارتجافة قلبي. لم أجرؤ على الالتفات، كنتُ أركض خلف آدم في ذلك الممر المظلم الذي تفوح منه رائحة الرطوبة والموت، ويدي في يده كغريق يتمسك بقشة. صرخات الرجال المسلحين بدأت تتعالى خلفنا وسط سحب الغاز الأبيض التي ملأت المكان، وصوت ارتطام الأقدام الثقيلة يخبرنا أنهم لن يتركونا نخرج أحياء. "آدم.. مريم! هل أصيبت؟" صرختُ بلهث والدموع تحرق وجهي، وصورة تلك المرأة التي تشبهني تماماً لا تفارق خيالي. "لا تنظري خلفكِ يا ليلى! اركضي فحسب!" كان صوت آدم مخنوقاً، كأنه يبتلع غصته. لم تكن نبرته نبرة القاتل بدم بارد التي رأيتها منذ قليل، بل كانت نبرة رجل خسر كل شيء في ثانية واحدة. وصلنا إلى نهاية الممر، حيث وجدنا سلماً معدنيًا صدئاً يصعد للأعلى. تسلقناه بسرعة جنونية لنخرج من فتحة مخفية تحت أرضية "المخزن القديم" في حديقة المنزل الخلفية. كان المطر لا يزال يهطل بغزارة، والبرق يمزق سماء الليل ل يكشف عن عشرات سيارات الشرطة التي تحاصر المدخل الأمامي للمنزل. "إلى السيارة.. بسرعة!" جذبني آدم نحو سيارته "المرسيدس" السوداء المركونة

  • غريب في منزلي!   الفصل الرابع: شبيهة من الجحيم

    سقطتُ على ركبتي، والأرض من تحتي كأنها تميد. لم يكن البرد القادم من أجهزة التبريد في تلك الغرفة السرية هو ما جمد أطرافي، بل كانت تلك الملامح. تلك العينان المغمضتان، الأنف الدقيق، وحتى تلك الشامة الصغيرة عند طرف ذقنها.. كانت "أنا". أو نسخة باهتة، ذابلة، ومريضة مني."من هذه يا آدم؟" صرختُ، وصوتي يتهدج بالبكاء والذهول. "من هذه المرأة؟ وكيف.. كيف تشبهني إلى هذا الحد؟"لم ينظر إليّ آدم. ظل واقفاً بجانب سرير المستشفى، يراقب شاشات المؤشرات الحيوية التي بدأت تومض باللون الأحمر وتصدر أصواتاً هستيرية. يداه اللتان طالما شعرتُ بأمانهما كانت ترتجفان وهي تحاول ضبط صمامات المحاليل المعلقة. لم يعد "آدم الزوج" موجوداً؛ كان هناك فقط "آدم الطبيب" الذي يصارع لإنقاذ سرٍّ دفنه لسنوات خلف جدار مكتبته."ليلى، قلتُ لكِ ارحلي!" صرخ آدم دون أن يلتفت، ونبرة صوته كانت مزيجاً من الغضب واليأس. "هذا ليس الوقت المناسب للأسئلة. إنها تموت.. إنها تذوي بين يديّ!"في هذه الأثناء، اندفع الرجل ذو الندبة نحو الهاتف الأسود الذي سقط مني على الأرض. التقطه بسرعة البرق، وابتسامة نصر قبيحة ترتسم على وجهه. "أخيراً.. الأمانة في يدي!"

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status