เข้าสู่ระบบتجمدت الدماء في عروقي وأنا أسمع ذلك الرنين المتواصل. لم يكن رنيناً عادياً، بل كان نغمة قديمة، من تلك النغمات التي كانت تستخدم في الهواتف الأرضية قبل عقود. كان الصوت مكتوماً، وكأنه ينبعث من جوف الأرض أو من خلف جدار سميك. التفتُّ ببطء نحو الحائط الكبير المغطى برفوف المكتبة الخشبية، حيث يصطف مئات الكتب الطبية والمجلدات القديمة التي طالما افتخر آدم بجمعها.
الرجال المسلحون توقفوا عن التخريب للحظة. تبادلوا نظرات سريعة ومريبة، ثم وجه زعيمهم ذو الندبة سلاحه نحو الجدار. "ما هذا الصوت يا دكتور؟" سأل بنبرة حملت مزيجاً من السخرية والتهديد، "لا أخبرني أنك تملك سرداباً سرياً لم نكتشفه بعد!" لم يجب آدم. كان وجهه في تلك اللحظة خالياً تماماً من التعبير، كقناع من الشمع. لكن قبضتي يده اللتين كانتا تضغطان على جانبي بنطاله، واللتين لمحتهما في ضوء الكشاف المتذبذب، كانت تخبران قصة أخرى.. قصة خوف عارم يحاول كبحه بكل قوته. "إنه.. إنه مجرد منبه قديم،" قال آدم أخيراً بصوت حاول جعله ثابتاً، لكن بحة القلق فضحته. "منبه؟" ضحك الرجل ذو الندبة ضحكة هزت أرجاء الغرفة، "منبه يرن خلف جدار مصمت؟ اترك هذه الترهات لمرضاك يا دكتور. فتشوا الجدار! الآن!" اندفع الرجلان الآخران نحو المكتبة. بدآ بجذب الكتب بعنف وإلقائها على الأرض، مما حول الغرفة إلى ساحة من الأوراق الممزقة والغبار. كنتُ أقف في الزاوية، أضم يدي إلى صدري، وأشعر بالهاتف الأسود في جيبي وكأنه قطعة من الجمر تحرق جلدي. هل هذا الهاتف هو "الأمانة" التي يبحثون عنها؟ أم أن هناك شيئاً أسوأ ينتظر خلف ذلك الجدار؟ فجأة، تعثر أحد الرجال ببروز خشبي أسفل الرف الثالث. سحب مقبضاً مخفياً لم ألحظه يوماً طوال عشر سنوات من العيش في هذا المنزل. وبصوت صرير معدني حاد، تحركت المكتبة الضخمة ببطء، وكأنها بوابة لزمن آخر، لتكشف عن باب معدني صغير، يعلوه قفل إلكتروني حديث يضيء باللون الأحمر في الظلام. "يا للمفاجأة!" قال ذو الندبة وهو يقترب من الباب بفضول مفترس، "قفل مشفر؟ يبدو أنك كنت تخفي عن زوجتك الجميلة الكثير من الأسرار يا آدم. هل هذا هو المكان الذي تخبئ فيه جثثك؟ أم الصندوق الذي نبحث عنه؟" التفتُّ إلى آدم بذهول. "آدم.. ما هذا؟" صرختُ والدموع تنهمر على وجنتي، "عشر سنوات.. عشر سنوات وأنا أعيش معك في هذا البيت، ولم تقل لي يوماً أن هناك غرفة خلف المكتبة! ماذا تخفي هناك؟" نظر إليّ آدم، ولأول مرة منذ بداية الكابوس، رأيت في عينيه شيئاً يشبه الندم. "ليلى.. أرجوكِ، عودي لغرفتكِ ولا تنظري خلفكِ. هذا الأمر لا يخصكِ." "بل يخصها تماماً!" قاطعه الرجل ذو الندبة وهو يمسك آدم من ياقة قميصه ويدفع رأسه نحو لوحة المفاتيح الخاصة بالقفل. "افتح الباب الآن، وإلا فرغتُ مخزن مسدسي في رأس زوجتك قبل أن يرتد إليك طرفك." كان الصمت الذي أعقب هذا التهديد أثقل من الجبال. نظر آدم إليّ نظرة أخيرة، نظرة كانت تبدو وكأنها اعتذار عن حياة كاملة بنيت على الأكاذيب، ثم مد يده المرتجفة وبدأ بإدخال الرمز المكون من ستة أرقام. تيك.. تيك.. تيك.. مع كل رقم، كان قلبي ينبض بقوة تكاد تكسر ضلوعي. ومع الرقم الأخير، صدر صوت "طنين" أخضر، وانفتح الباب المعدني ببطء، لينبعث منه هواء بارد برائحة العفن والدواء.. ورائحة شيء آخر لم أستطع تمييزه، لكنه جعل غريزتي تصرخ بي للهرب. دخل الرجال المسلحون أولاً، يتبعهم آدم وهو مطأطأ الرأس. لم أستطع منع نفسي، ورغم كل التحذيرات، تبعتهم بخطوات مترنحة. ما رأيته بالداخل لم يكن قبو جثث، ولا صندوقاً مليئاً بالذهب.. كانت الغرفة مليئة بشاشات مراقبة، ومعدات طبية معقدة، وفي الزاوية.. كان هناك سرير مستشفى، ينام عليه شخص مغطى بالأجهزة. اقتربتُ ببطء، والضوء المسلط من الكشاف كشف عن وجه الشخص النائم. شهقتُ بقوة، وسقطتُ على ركبتي، بينما أفلتَ الهاتف من جيبي ليرتطم بالأرض بصوت مسموع. الشخص المستلقي على السرير.. كانت امرأة.. امرأة تشبهني لدرجة لا تُصدق! كأنني أنظر في مرآة، لكن لنسخة باهتة ومريضة مني. "ليلى؟" همستُ بصدمة وأنا أنظر إلى نفسي الأخرى. وفجأة، توقفت الأجهزة عن إصدار أصواتها المنتظمة، وبدأ إنذار حاد يصرخ في أرجاء القبو، بينما التفت الرجل ذو الندبة نحوي وهو يرى الهاتف الأسود على الأرض: "إذاً.. كان الهاتف معكِ طوال الوقت!"كان صوت الإنذار يمزق طبلة أذني، صرخة معدنية متواصلة جعلت جدران المنشأة تبدو وكأنها تهتز من هول الفضيحة. الحراس الذين كانوا يقفون بهدوء مستفز قبل قليل، تحولوا فجأة إلى خلايا نحل هائجة، يركضون في كل اتجاه، بينما اندفع فريق طبي نحو مريم التي كانت أطرافها تضرب الكرسي المعدني بقوة هستيرية. كان "الأصل" يصرخ بأوامر تقنية لم أفهمها، وعيناه مثبتتان على الشاشات التي بدأت تومض باللون الأحمر القاني، معلنةً عن انهيار وشيك في "النظام". كانت تلك هي الثغرة الوحيدة التي وهبتني إياها الأقدار. بخطوات حذرة، انسحبتُ نحو الجدار الخلفي، وظهري يلامس البرودة المعدنية للغرفة التي كانت تفوح منها رائحة الأوزون المحروق. قلبي كان يقرع صدري مثل طبول الحرب، وشعرتُ برعشة في أطرافي كادت أن تشل حركتي. نظرتُ إلى "الأصل"؛ كان ظهره لي تماماً، غارقاً في محاولته اليائسة لإنقاذ عقل مريم من التلف. في تلك اللحظة، ولمحتُ بطاقة التعريف (الـ Keycard) تتدلى من حزامه الجلدي. لم أفكر، ولم أترك مجالاً للخوف ليثني عزيمتي. اندفعتُ نحوه بخفة مباغتة، وبحركة خاطفة انتزعتُ البطاقة. "ليلى! ارجعي!" صرخ "الأصل" وهو يلتفت نحوي بملامح مشوهة
خطوتُ أولى خطواتي داخل "منشأة الأمل". كان الرخام الأبيض يلمع تحت أضواء الفلورسنت الباردة، والرائحة كانت مزيجاً غريباً بين المعقمات الطبية ورائحة الورق القديم. لم تكن هناك نوافذ، فقط جدران صماء تعطيك إحساساً بأنك في حصن تحت الأرض، بعيداً عن أعين العالم. كان الرجل الذي يشبه والدي يمشي أمامي بخطوات عسكرية منتظمة، لا يلتفت خلفه، وكأنه يثق تماماً أنني لن أهرب.. أو ربما يعلم أنه لا يوجد مكان للهرب في هذا المتاهة الخرسانية. "من أنت؟" سألتُه وصوتي يتردد في الممرات الفارغة، محاولاً كسر هذا الصمت المطبق. "والدي توفي منذ سنوات في حادث كنتُ أنا شاهدة عليه. أنت مستحيل أن تكون هو، ملامحك، طولك.. حتى نبرة صوتك، أنت تبدو كنسخة مجمدة من الماضي." توقف فجأة والتفت إليّ ببطء شديد. لم تكن عيناه تحملان أي دفء، كانت مجرد عدسات زجاجية تراقب ردود أفعالي. "أنا لستُ والدكِ يا ليلى،" قالها ببرود هزّ كياني. "أنا لستُ الشخص الذي كان يقرأ لكِ القصص قبل النوم. أنا 'الأصل'.. المادة الخام التي استُنسخ منها ذلك الرجل الضعيف الذي رباكِ. لقد كان مجرد عينة فاشلة، عاطفية أكثر من اللازم، لذا كان يجب التخلص منه." شعرتُ بد
سقطتُ على الأرض المبتلة، وشعرتُ بطعم التراب والمزيج المعدني للمطر في فمي. كانت أنفاسي تخرج بصعوبة، كأن رئتيّ ترفضان استنشاق هذا الهواء الثقيل المليء برائحة البارود والموت وحطام الذكريات. زحفتُ بعيداً نحو الأشجار الكثيفة، محتمية بالظلام الدامس، بينما كانت أضواء الكشافات القوية المنبعثة من المروحية تمسح الأرض خلفي كعين عملاق أسطوري يبحث عن فريسته الهاربة. كان قلبي يقرع طبول الحرب داخل صدري، وكل غصن يكسر تحت جسدي المرتجف كان يبدو لي وكأنه إعلان عن مكاني. دوى انفجار هائل خلفي، انفجار هز الأرض تحت ركبتي وجعل أذنيّ تصفران بصمت مرعب. التفتُّ بجسد متصلب لأرى سيارة آدم، تلك السيارة التي كانت ملاذنا قبل دقائق، وقد اصطدمت بحاجز إسمنتي واشتعلت فيها النيران لتتحول إلى كتلة لهب برتقالية تشق سواد الليل. صرختُ، لكن صوتي ضاع وسط ضجيج المحركات وصيحات الجنود الذين بدأوا بالانتشار حول الحطام. "آدم!" همستُ باسمه والدموع تنهمر بغزارة، تحرق وجنتيّ الباردتين. هل ضحى بنفسه فعلاً من أجلي؟ أم أن كل هذا المشهد السينمائي كان جزءاً من مسرحية كبرى صممها باحتراف لإبعادي عن حقيقة لا أحتمل مواجهتها؟ لم يكن لدي وقت ل
كانت الأضواء القادمة من السيارات السوداء الأربع تحاصرنا كعيون وحوش كاسرة في عتمة الجبل. المطر الذي انهمر بغزارة حول الزجاج الأمامي إلى لوحة مشوشة من الرمادي والأسود. شعرتُ ببرودة معدن السيارة تخترق جسدي، وبأنفاس آدم المضطربة بجانبي وهو يضغط على مقود السيارة بقوة جعلت عروق يده تبرز بشكل مخيف. "آدم.. ماذا سنفعل؟" همستُ، وصوتي يكاد يختفي وسط زئير الرياح في الخارج. "لقد حاصرونا، والهاوية خلفنا مباشرة!" لم ينظر إليّ، بل كان يراقب المرآة الجانبية بتركيز حاد. "ثقي بي يا ليلى،" قال بصوت منخفض وعميق، "مهما حدث، لا تفتحي حزام الأمان، وتمسكي جيداً. لن أسمح لهم بلمسكِ." فجأة، فُتح باب إحدى السيارات السوداء، وخرج منه رجل يرتدي معطفاً طويلاً، يحمل مظلة سوداء تحميه من المطر. لم يكن الضابط ذو الندبة، بل كان رجلاً يبدو في الخمسينيات من عمره، بملامح ارستقراطية باردة ونظارات طبية لامعة. وقف ب ثبات وسط العاصفة، ورفع يده في إشارة لآدم بأن ينزل من السيارة. "هذا هو 'المدير'.. الشخص الذي يدير كل هذا الكابوس،" قال آدم والشرر يتطاير من عينيه. "إنه الرجل الذي بنى ثروته على دماء وتجارب لم يجرؤ أحد على القيا
دوى صوت الرصاصة في أرجاء القبو الضيق كأنه انفجار كوني، شعرتُ بأثره في طبلة أذني وفي ارتجافة قلبي. لم أجرؤ على الالتفات، كنتُ أركض خلف آدم في ذلك الممر المظلم الذي تفوح منه رائحة الرطوبة والموت، ويدي في يده كغريق يتمسك بقشة. صرخات الرجال المسلحين بدأت تتعالى خلفنا وسط سحب الغاز الأبيض التي ملأت المكان، وصوت ارتطام الأقدام الثقيلة يخبرنا أنهم لن يتركونا نخرج أحياء. "آدم.. مريم! هل أصيبت؟" صرختُ بلهث والدموع تحرق وجهي، وصورة تلك المرأة التي تشبهني تماماً لا تفارق خيالي. "لا تنظري خلفكِ يا ليلى! اركضي فحسب!" كان صوت آدم مخنوقاً، كأنه يبتلع غصته. لم تكن نبرته نبرة القاتل بدم بارد التي رأيتها منذ قليل، بل كانت نبرة رجل خسر كل شيء في ثانية واحدة. وصلنا إلى نهاية الممر، حيث وجدنا سلماً معدنيًا صدئاً يصعد للأعلى. تسلقناه بسرعة جنونية لنخرج من فتحة مخفية تحت أرضية "المخزن القديم" في حديقة المنزل الخلفية. كان المطر لا يزال يهطل بغزارة، والبرق يمزق سماء الليل ل يكشف عن عشرات سيارات الشرطة التي تحاصر المدخل الأمامي للمنزل. "إلى السيارة.. بسرعة!" جذبني آدم نحو سيارته "المرسيدس" السوداء المركونة
سقطتُ على ركبتي، والأرض من تحتي كأنها تميد. لم يكن البرد القادم من أجهزة التبريد في تلك الغرفة السرية هو ما جمد أطرافي، بل كانت تلك الملامح. تلك العينان المغمضتان، الأنف الدقيق، وحتى تلك الشامة الصغيرة عند طرف ذقنها.. كانت "أنا". أو نسخة باهتة، ذابلة، ومريضة مني."من هذه يا آدم؟" صرختُ، وصوتي يتهدج بالبكاء والذهول. "من هذه المرأة؟ وكيف.. كيف تشبهني إلى هذا الحد؟"لم ينظر إليّ آدم. ظل واقفاً بجانب سرير المستشفى، يراقب شاشات المؤشرات الحيوية التي بدأت تومض باللون الأحمر وتصدر أصواتاً هستيرية. يداه اللتان طالما شعرتُ بأمانهما كانت ترتجفان وهي تحاول ضبط صمامات المحاليل المعلقة. لم يعد "آدم الزوج" موجوداً؛ كان هناك فقط "آدم الطبيب" الذي يصارع لإنقاذ سرٍّ دفنه لسنوات خلف جدار مكتبته."ليلى، قلتُ لكِ ارحلي!" صرخ آدم دون أن يلتفت، ونبرة صوته كانت مزيجاً من الغضب واليأس. "هذا ليس الوقت المناسب للأسئلة. إنها تموت.. إنها تذوي بين يديّ!"في هذه الأثناء، اندفع الرجل ذو الندبة نحو الهاتف الأسود الذي سقط مني على الأرض. التقطه بسرعة البرق، وابتسامة نصر قبيحة ترتسم على وجهه. "أخيراً.. الأمانة في يدي!"