เข้าสู่ระบบقرأت سيندي تلك الرسالة النصية القاسية عدة مرات... وكلما أعادت قراءتها، كانت الكلمات تتحول إلى خناجر تغرس في قلبها بلا رحمة: "كريستينا حامل بطفلي الآن!"
وفي لحظة واحدة، تسللت البرودة القارسة إلى أطرافها وشعرت بأن الأرض تهتز وتدور بها. اتسعت عيناها بصدمة قاسية لم تختبرها من قبل، وتلاشت الألوان تماماً من وجهها الناعم، ليفقد جسدها الرقيق التوازن وتسقط على الأرض بكسرة وغدر، تماماً كما يهوي طائر جريح إثر هجوم غادر في ظلمة الليل. أحدثت سقطتها جلبة وتحطمت المزهرية القريبة، مما أحدث صوتاً هز أرجاء الجناح، لتركض الخادمات نحو غرفتها بذعر شديد وهن يصرحن باسمها. كانت سيندي ملقاة على السجاد الفاخر، شاحبة كأنها جثة بلا روح، عيناها الشاخصتان تحدقان في السقف بذهول، وعقلها مغيب تماماً في دوامة مظلمة من الصدمة والألم. هرعت إحدى الخادمات بذعر إلى الفيلا المجاورة المخصصة لجورج لتبلغه بما حدث لزوجته. لكن جورج، الذي كان الغضب العارم ما يزال يسيطر على عروقه، لم يكن يرغب أساساً في إخبارها بمسألة حمل كريستينا المزيف بهذه الطريقة. كل ما كان يبتغيه هو الانتقام لكبريائه المهدور بعد أن أهانته أمام الخادمة بتذكيره بشروط العقد وبنوده المكبّلة. ورغم أن شعوراً خفياً من الندم والشك بدأ يتسلل إلى أعماق صدره فور سماعه خبر سقوطها، إلا أن غروره وقسوته المنافقة منعا أي تحرك منه! لم يخرج حتى لمشاهدتها، واكتفى بأن قال ببرود قاطع من خلف الباب المغلق: ـ "حسناً... لقد علمت." انسحبت الخادمة وهي تتنفس بأسى وتمتمت بغضب مكتوم: ـ "الرجولة والشهامة ليستا بالوسامة والمال أبداً... تباً له من رجل قاسي القلب!" عادت الخادمة لتجد أن الطبيب الخاص بالعائلة قد وصل فوراً ليُنهي فحصه الدقيق لسيندي. وقف الطبيب وعدّل نظارته وقال بقلق: ـ "لقد تعرضت لصدمة نفسية قوية وعنيفة شلت جسدها مؤقتاً... يجب أن ترتاح تماماً وتتجنب أي ضغط عصبي، وإلا ستكون العواقب وخيمة على صحتها." غادر الطبيب بعد أن كتب بعض المقويات والمهدئات. فتحت سيندي عينيها ببطء شديد، ونظرت حولها بهدوء غريب وخالٍ من أي انفعال، ثم طلبت من خادمتها بنبرة خافتة: ـ "اذهبي لترتاحي يا عزيزتي... أنا بخير، وإن احتجتُ شيئاً فسأتصل بكِ فوراً." غادرت الخادمة، ولُفت الغرفة بالظلام الدامس. بقيت سيندي بمفردها تفكر وتسترجع شريط حياتها الحزين. عادت ذاكرتها لأيام الجامعة... أيام عزها وتفوقها، عندما كانت الفتاة الأذكى والأكثر إشراقاً، وحين فازت بالجائزة الكبرى في مسابقة البرمجة وتصميم الألعاب الوطنية، وكانت الجائزة عبارة عن منحة دراسية كاملة ومجانية إلى الخارج لتبني مستقبلها. تذكرت كيف تعرض جورج في سنتهما الأولى لإصابة بالغة أدت لإصابته بشلل مؤقت، وكيف تخلت عنه حبيبته كريستينا وهربت للخارج لأنها لم تتحمل فكرة البقاء مع رجل مقعد! لقد ضحت سيندي بشبابها، ومنحتها الذهبية، وحلمها الكبير من أجل الوقوف بجانبه والعناية به حتى استعاد عافيته وقدرته على المشي... وبماذا جازاها بعد كل هذا العطاء؟ بالخذلان، والإهانة، والتهميش، وتفضيل تلك المرأة الخائنة عليها! انسكبت الدموع من عينيها ساخنة ومؤلمة على وسادتها البيضاء، لكن سرعان ما انثنت شفتها عن ابتسامة قاطعة، باردة، ومريرة. أدركت سيندي في تلك اللحظة الفارقة أن الانتظار لمرور سبع سنوات كاملة لخروجها السلمي لم يعد له أي معنى... لقد انتهت اللعبة، وحان وقت قطع هذه السلسلة المسمومة. في الصباح الباكر، ومندفعة بقوة جديدة وولادة روح متجددة لا تعرف الخوف، ارتدت سيندي ملابسها الرسمية الأنيقة وغادرت القصر مباشرة نحو مكتب المحامي الشهير المكلف بشؤون العقد والميراث. وقفت أمام المحامي بثبات لا يتزعزع ونظرات حادة وقالت بصوت واثق: ـ "أريدك أن تبدأ فوراً ومن هذه اللحظة في إجراءات الطلاق الرسمية... مع إعداد وثيقة تنازلي الرسمي والكامل عن حصتي البالغة 10% من أسهمي في الشركة لصالح جورج." استغرب المحامي الموقف ورفع رأسه بدهشة: ـ "سيدتي سيندي... هل أنتِ جادة؟ التنازل عن هذه الأسهم هو بند الجزاء الشرطي لعدم إكمال السنوات السبع في العقد! ستخسرين ثروة طائلة وحقوقكِ المالية!" ردت سيندي بابتسامة نصر باردة وصافية: ـ "أعلم ذلك جيداً يا حضرة المحامي... ولكن كرامتي وراحتي النفسية تساوان أكثر بكثير من تلك الأسهم والشركة بأكملها." وفي تلك الأثناء نفسها داخل القصر... خرج جورج من فيلته وهو يشعر بثقل غريب في صدره، وتوجه نحو فيلا سيندي يسأل الخادمة بنبرة يحاول إظهارها بالمتحكمة عن حالها وصحتها. أجابته الخادمة بجفاف ونظرات عتاب: ـ "السيدة سيندي غادرت القصر منذ الصباح الباكر يا سيدي... ولم تترك أي رسالة، كما أنها لم تقل لأحد إلى أين ذهبت." نظر إليها جورج بملامح جافة لا تبدي أي مبالاة ظاهرياً، وتمتم في سرّه بارتياح كاذب: (يبدو أنها لم تصدقني حينما أرسلتُ لها إن كريستينا حامل بطفلي... ممتاز، هذا أفضل بكثير! لقد استسلمت وأدركت حجمها الطبيعي!) ركب سيارته الفاخرة متجهاً إلى الشركة. وفي الطريق، اتصل بكريستينا ليصارحها بتأنيب ضمير خفيف ويهدئ الأوضاع: ـ "صباح الخير كريستينا... أردتُ الاعتذار منكِ عن انفعالي أمس. بالأمس استعملتكِ ككارت انتقام وضغط ضد سيندي، وأخبرتها أنكِ حامل بطفلي لتأديبها وإظهار قوتي فقط." وقع الخبر على مسامع كريستينا كالصاعقة، وحبست أنفاسها والذهول يغمرها! شهقت في سرها وقالت لنفسها بشر وذعر: (ماذا؟! حامل بطفله؟! كيف لم أفكر بهذه الحيلة الخبيثة من قبل لإجباره على الزواج بي فوراً؟!) تداركت موقفها سريعاً، وردت عليه بنبرة حنونة ومصطنعة تجيد إتقانها: ـ "أوه جورج يا حبيبي... لا عليك أبداً، الأمر عادي جداً ولا داعي للاعتذار. على أية حال، الجميع يعلم قصة حبنا، وإذا رزقنا بطفل حقيقي في يوم ما، فسيكون أجمل هدية أتلقاها منك ومن القَدر."تتبع سيندي إيلين عبر الممر الطويل المؤدي إلى الجناح القديم، بينما تمسك بالدفتر الجلدي بيد وتضع اليد الأخرى فوق بطنها بين لحظة وأخرى. الطريق هادئ، والبيت الذي بدا لها واسعًا منذ وصولها أصبح الآن يبدو أكبر بكثير، وكأن كل باب فيه يخفي جزءًا من حياة والدتها لم تكن مستعدة لمعرفته من قبل. تتوقف إيلين أمام جدار حجري في نهاية الممر، ثم ترفع لوحة قديمة معلقة عليه، فتظهر فتحة صغيرة في الجدار. «ضعي المفتاح هنا.» تنظر سيندي إلى المفتاح الموجود في يدها، ثم إلى الفتحة. «كنتِ تعرفين مكانها طوال الوقت؟» «كنت أعرف أين توجد، لكنني لم أملك الحق في فتحها.» تدخل سيندي المفتاح وتديره ببطء. تسمع صوت آلية قديمة تتحرك داخل الجدار، ثم ينفتح جزء من الحجر إلى الداخل، كاشفًا عن درج ضيق ينزل إلى أسفل. تنظر سيندي إلى إيلين بدهشة. «هناك غرفة تحت البيت؟» «كانت تستخدم لحفظ الأشياء التي لا يجب أن يراها أحد.» تنزل سيندي أولى الدرجات، لكن إيلين تمسك بذراعها. «ببطء. أنت حامل.» تبتسم سيندي. «بني انه بخير.» وكأن الطفل سمع اسمه، تتحرك بطنها تحت يدها بركلة صغيرة. تضحك. «رأيتِ؟ إنه يوافقني.» تنزل الدرج حتى تصل
في صباح اليوم التالي، تستيقظ سيندي وهي تشعر بثقل خفيف في جسدها. تمد يدها نحو بطنها قبل أن تفتح عينيها تمامًا، فتجد جنينها يتحرك بهدوء تحت راحة يدها. تبتسم، ثم تتمتم: «صباح الخير أيها المشاغب.» تأتي ركلة صغيرة كأنها إجابة، فتضحك وحدها وتجلس على السرير. منذ أن بدأت تشعر بحركته بوضوح، أصبحت أيامها مختلفة. لم تعد تستيقظ وهي تفكر فقط في الماضي أو في جورج أو في السنوات التي ضاعت منها. أصبح هناك شخص صغير ينتظرها في نهاية هذه الرحلة، وهذا وحده يمنحها سببًا للاستمرار. بعد الإفطار، تعود سيندي إلى الورشة القديمة. تحمل معها ملف والدتها والمفتاح الذي أعطتها إياه إيلين، ثم تقف أمام الباب الموجود في آخر الممر. الباب خشبي قديم، لونه أغمق من بقية الأبواب، والمقبض المعدني عليه طبقة خفيفة من الغبار. تضع يدها عليه، لكنها تتردد للحظة. «ماذا كنت تخفين هنا يا أمي؟» تدخل المفتاح في القفل وتديره ببطء. يصدر صوت طقطقة خافت، ثم ينفتح الباب. تدخل سيندي بحذر، فتجد نفسها أمام غرفة واسعة لم تشبه بقية أجزاء الورشة. الرفوف تمتد على الجدران، وعلى بعضها عشرات القوارير الزجاجية القديمة، بينما توجد في المنتصف طاولة خ
تستيقظ سيندي قبل شروق الشمس بقليل، لا بسبب صوت أو حلم، بل بسبب حركة خفيفة تحت يدها. تفتح عينيها ببطء وتبقى ساكنة للحظات، ثم تضع كفها على بطنها المنتفخ وتبتسم عندما تشعر بالحركة مرة أخرى.«صباح الخير يا حبيبي .»تخرج الكلمات منها هامسة، وكأنها تخشى أن توقظ الطفل الذي يقضي معظم وقته هادئًا داخلها. تمرر أصابعها فوق بطنها برفق، ثم تستلقي على جانبها وتتنفس بعمق. منذ أيام بدأت تشعر بركلات واضحة، لكنها في كل مرة تشعر بها تتوقف عن أي شيء تفعله وكأن العالم كله يمكنه الانتظار.تضحك عندما تأتي ركلة أخرى أقوى من سابقتها.«أنت مستعجل جدًا، أليس كذلك؟»تجلس على طرف السرير، وتضع يدها على ظهرها قبل أن تنهض. الحمل جعل أبسط الحركات تحتاج إلى لحظة تفكير، لكن سيندي لم تسمح لذلك بأن يوقفها. منذ أن وصلت إلى فرنسا، وهي تحاول ترتيب حياتها من جديد، خطوة بعد أخرى. أمامها بيت العائلة القديم، وملفات والدتها، وإرث العطر الذي اكتشفت أنه كان ينتظرها طوال هذه السنوات، وفوق كل ذلك طفل سيأتي إلى حياتها قريبًا.تدخل الحمام وتغسل وجهها، ثم تقف أمام المرآة للحظات. تنظر إلى انعكاسها وإلى بطنها الواضح تحت قميص النوم، فتضع
تتوقف سيارة الأجرة أمام الطريق الحجري المؤدي إلى أطراف القرية، فتنزل سيندي وهي تحمل حقيبتها والصندوق الخشبي الذي أصبح منذ الأمس أثمن ما تملكه. تدفع للسائق، ثم تبقى للحظات تنظر إلى الطريق الممتد أمامها. المكان أكثر هدوءًا مما تخيلت، والبيوت القديمة تنتشر بين الأشجار، بينما يظهر في نهاية الطريق مبنى حجري ضخم تحيط به حديقة واسعة وسياج حديدي قديم. تخرج الورقة من حقيبتها مرة أخرى وتتأكد من العنوان، ثم تبدأ بالسير. كلما اقتربت، تشعر بشيء غريب في داخلها. لا تعرف المكان، ومع ذلك تشعر أن هناك شيئًا مألوفًا فيه. ربما الرائحة القادمة من الحديقة، أو شكل الأشجار القديمة، أو ذلك الهدوء الذي يحيط بالمبنى. تتوقف أمام البوابة، وتجد العلامة المعدنية نفسها التي رأتها على الزجاجة القديمة؛ وردة محفورة داخل دائرة. تمد يدها وتلمسها بأطراف أصابعها. «إذن أنت هنا.» تسمع صوتًا خلفها، فتلتفت بسرعة. إنها امرأة في الخمسينيات تقف قرب المنزل وتحمل مجموعة من المفاتيح. تنظر إليها للحظات قبل أن تسأل: «هل أنت سيندي؟» تتردد سيندي. «نعم.» تتقدم المرأة ببطء. «اسمي إيلين. كنت أعمل مع عائلتك منذ سنوات، ثم بقيت هنا بع
في صباح اليوم التالي، تضع سيندي الصندوق الخشبي فوق طاولة العمل وتبقى أمامه للحظات دون أن تفتحه. منذ عودتها من لقائها بهنري، لم تستطع النوم جيدًا. كلما أغمضت عينيها، رأت الزجاجة القديمة وتوقيع والدتها واسم القرية الفرنسية المكتوب على الورقة الصغيرة. وأكثر ما يربكها أنها لم تعد قادرة على النظر إلى عملها بالطريقة نفسها. العطور التي صنعتها بيديها طوال الأشهر الماضية لم تعد بالنسبة إليها مجرد محاولة لبناء مشروع صغير من الصفر، وربما كانت تلك الموهبة جزءًا من شيء ورثته دون أن تعرف. تفتح الصندوق وتلتقط الزجاجة القديمة، ثم تضع قطرة صغيرة على قطعة ورق مخصصة للاختبار. تنتظر للحظات، فتظهر رائحة ناعمة أولًا، ثم تتغير تدريجيًا إلى مزيج من الورد والياسمين ولمسة خشبية دافئة، قبل أن تظهر رائحة أخرى لا تستطيع تحديدها. تقرب الورقة من أنفها مرة ثانية، ثم تتمتم: «أين شممت هذه الرائحة من قبل؟» تتوقف قليلًا عندما تتذكر شيئًا. منذ أشهر، عندما بدأت تطوير أول تركيبة خاصة بها، أضافت مادة عطرية معينة دون تخطيط. لم تعرف وقتها لماذا شعرت أن وجودها ضروري، لكنها أبقتها في التركيبة. والآن تدرك أن الرائحة قريبة جدًا
بقيت سيندي تحدق في شاشة هاتفها بعد انقطاع المكالمة. الرجل قال إنه يعرف شيئًا عن والدتها. لم يكن صوته مألوفًا، ولم يذكر اسمه، لكنه تحدث بثقة جعلت قلبها يضطرب بطريقة لم تستطع تفسيرها. تنظر إلى الملف الموجود أمامها، ثم تعود إلى الهاتف. تضغط على الرقم وتحاول الاتصال. مرة. مرتين. ثلاثًا. لا إجابة. تضع الهاتف على الطاولة، ثم تلتقطه من جديد عندما يصل إشعار برسالة. تفتحها فورًا. «إذا كنتِ تريدين معرفة الحقيقة عن والدتك، تعالي إلى العنوان المرفق. سأكون هناك لمدة ساعة واحدة فقط.» أسفل الرسالة يظهر عنوان مقهى صغير في إحدى البلدات القريبة. تقرأه مرتين. ثم تنظر إلى الملف. «ماذا كنتِ تخفين عني يا أمي؟» تبقى للحظات في مكانها، قبل أن تغلق الورشة وتغادر. لم تأخذ معها سوى حقيبتها والوثيقة التي تحمل توقيع والدتها. بعد نحو نصف ساعة، تدخل المقهى. المكان هادئ، لا يوجد فيه سوى عدد قليل من الزبائن. تتفحص الوجوه حتى ترى رجلًا يجلس في الزاوية الأخيرة، أمامه فنجان قهوة لم يلمسه. رجل في أواخر الستينيات، شعره رمادي، وملامحه هادئة. عندما يراها، ينهض. «سيندي؟» «نعم.»







