LOGINعادت سيندي إلى فيلتها بخطوات ثابتة وروح تولدت من جديد وسط رماد الخذلان. لم تسكب دمعة واحدة بعد الآن؛ بل بدأت فوراً في جمع ملابسها وأغراضها الشخصية الثمينة، ورتبتها في حقائب السفر الكبيرة ثم نقلتها بثبات إلى صندوق سيارتها الخاصة، كأنها تطوي بيديها الرقيقتين صفحات ست سنوات كاملة من قيد الزواج الصوري والمهانة.
أثناء إغلاقها للحقيبة الأخيرة، ارتفع صوت رنين هاتفها في الغرفة الصامتة... كانت المتصلة صديقتها المقربة "ماريا"، والتي تساءلت بنبرة يملؤها القلق والاضطراب: ـ "سيندي... هل أنتِ جادة حقاً في قراركِ هذا؟ هل تراجعتِ أو غيرتِ رأيكِ بعد كل الصدمات التي حدثت أمس؟" ردت سيندي بصوت هادئ، عميق، وخالٍ تماماً من أي تردد أو انكسار: ـ "لم يعد لي مكان في هذا القصر ولا في هذه المدينة يا ماريا... انتهى كل شيء بيني وبين جورج، وحُسم الأمر بلا رجعة." تساءلت ماريا بنبرة متأثرة يخنقها العاطفة: ـ "ومتى ستغادرين بظنك؟" ردت سيندي بنبرة قاطعة: ـ "طائرتي تقلع غداً في تمام الساعة الخامسة صباحاً." أنهت سيندي المكالمة بكياسة دون أن تفصح لأحد—حتى لصديقتيها المقربتين—عن وجهتها القادمة أو الدولة التي ستسافر إليها؛ فقد كانت حريصة كل الحرص على الاختفاء الكامل والبدء من النقطة صفر، بعيداً عن أيدي جورج ونفوذ عائلته. وقبل أن تضع هاتفها جانباً فوق الطاولة، أطلت مكالمة هاتفية أخرى من "أنابيلا"، تلك السيدة الأنيقة والمثيرة التي عاشت سنوات طويلة من حياتها في المكسيك وعادت مؤخراً محملة بطقوسهم وثقافتهم الغريبة وحفلاتهم الصاخبة. قالت أنابيلا بصوت مبهج ونبرة ملؤها الحماس: ـ "سيندي يا عزيزتي! لقد أرسلتُ لكِ دعوة خاصة ورمزية لحضور حفلي الاستثنائي الليلة في فيلتي... إياكِ أن تعتذري أو تختلقي الأعذار!" ردت سيندي بتعجب واستغراب: ـ "أي حفل يا أنابيلا؟ ولأي مناسبة تقيمين هذا التجمع في هذا الوقت؟" ضحكت أنابيلا بخفة وقالت بنبرة تشويق: ـ "بلا مناسبة محددة! إنه حفل ساحر بالأقنعة... حفل ملغز يعتمد على الغموض؛ من تنجذبين إليه وينجذب إليكِ لن يتعرف أحدكما على الآخر خلف القناع الأسود. صدقيني، إنها تجربة مثيرة ولن تندمي مطلقاً إن حضرتِ." بعد انتهاء المكالمة، استلقت سيندي على سريرها الشاسع، وتسمرت عيناها في السقف العالي تتأمل الفراغ والظلال المتداخلة... تراكمت الأفكار السوداء والمريرة في رأسها كشريط سينمائي حاد ومؤلم: ست سنوات ونصف من الزواج المفروض، وما زالت عذراء لم يلمسها زوجها جورج قط أو ينظر إليها بكينونتها كأنثى تشع جمالاً، بينما كان يندفع بلا مبالاة خلف نزواته ونومه في أحضان كريستينا... والآن، تأتي كريستينا لتكمل التمثيلية وتدّعي الحمل منه! انقبض قلبها بمرارة وجرح عميق، وقررت فجأة في لحظة اندفاع كبرياء أن تحضر هذا الحفل التنكري... ليكون ليلتها الأخيرة، ونخب وداعها النهائي لمدينة باريس ولملكية فرنسا بأكملها. قامت من سريرها بنشاط غريب، وتجملت بأفخم مساحيق التجميل التي أبرزت سحر عينيها وجمال شفتيها، وتضمخت بعطرها المفضل الفواح النادر الذي يترك أثراً لا يُنسى، ثم ارتدت أجمل أثوابها الساحرة المصنوعة من الحرير الأسود الذي يلتصق بقوامها الممشوق. اتصلت بـ "ماريا" وقالت: ـ "ماريا... هل ستذهبين لحفل أقنعة أنابيلا الليلة؟" ردت ماريا بحماس وتلهف: ـ "بالطبع! وهل يُفوت حفل أسطوري كهذا؟" ـ "حسناً، ارتدي ملابسكِ وسأمر عليكِ بسيارتي لنذهب سوياً." عند وصولهما إلى فيلا أنابيلا المضاءة بالشموع والتي تعزف في أرجائها الموسيقى الكلاسيكية الدافئة وتتحرك بين أروقتها الظلال الأنيقة، ارتدت كل منهما قناعاً أسود غامضاً يخفي نصف الوجه العلوي. لم تمضِ فترة طويلة حتى افترقتا داخل القاعة الكبرى؛ إذ وقعت عين ماريا على شاب مفتول العضلات يرتدي قناعاً فضياً، فلم ترغب في تفويت فرصة الحديث معه، بينما انسحبت سيندي بهدوء ورقة نحو حديقة الفيلا الخلفية المترامية الأطراف بين الأشجار والنوافير، وجلست في زاوية بعيدة عن صخب الحضور والإضاءة القوية، تتأمل سكون الليل ونسيمه البارد. مرت بضع دقائق والهدوء يغمر المكان، حتى دخل ضيفان جديدان إلى الحفل عبر الممر الخشبي... إنه جورج يرافقه صديقه المقرب إيثان. تعرفت سيندي على إيثان فوراً دون تردد؛ لأن ميريام كانت قد أخبرتها سابقاً في المقهى أنها اتفقت مع زوجها إيثان على وضع علامة ذهبية مميزة فوق قناعه ليجدا بعضهما بسهولة في الحفل. وبما أن إيثان هو الظل الملازم لجورج دائماً، عرفت سيندي أن الرجل الأنيق ذو الجسد الممشوق والكتفين العريضين بجانبه ليس سوى زوجها جورج! سرعان ما افترق إيثان متسللاً بين الحضور ليحث الخطى بحثاً عن ميريام، بينما تجمعت النساء الأنيقات حول جورج يغازلنه بضحكات خافتة ونظرات إعجاب صريحة. لكنه قاطعهن ببرود ودهاء، وتملص منهن بخفة ووقار، ثم مشى بخطوات هادئة ومتزنة عبر الحديقة المظلمة حتى وصل بالصدفة المحضة إلى الزاوية الهادئة التي تجلس فيها سيندي. لم يتعرف جورج عليها إطلاقاً بسبب القناع الغامض والعتمة المخيمة على الزاوية وعطرها المبتكر الذي يختلف عن عطره اليومي المعتاد منها، لكن سيندي عرفته جيداً من مشيته وهيبته. تأملها جورج بفضول ورغبة استكشاف، وقال بنبرة هادئة، رزينة ومغرية: ـ "هل تنتظرين أحداً في هذه العتمة يا سيدتي؟" هزت سيندي رأسها بنفي صامت دون أن تنبس ببنت شفة لكي لا يتعرف على نبرة صوتها. كانت تمسك بين أصابعها الدقيقة كأساً بلورياً من المارتيني، فرفعته قليلاً في الهواء وحركته برقة ودلال، كأنها تقول له بصلف: "نخبك!" ابتسم جورج بدهاء وجاذبية، وتمتم وهو يدنو منها خطوة: ـ "يبدو أنكِ ثملة جداً يا سيدتي الجميلة..." نهضت سيندي من مكانها بسرعة ورغبت في الابتعاد والتملص من وجوده قبل أن يُكشف أمرها أو يتدفق نوره في عينيها، لكن خطوة خاطئة مع كعبها العالي المرتفع أربكت أطراف ثوبها الطويل... فعثرت بشكل مفاجئ! وسقطت مباشرة بين أحضانه الدافئة! في تلك اللحظة الحرجة، استقرت سيندي في أحضان جورج... شمت رائحة عطره المتميز المألوف الذي طالما يحمل عبق الخزامى والجلد الفاخر، ولمست بيديها الرقيقتين قماش قميصه العريض وصدره الذي لطالما حلمت بالاستلقاء عليه والاحتماء به لسنوات طويلة دون جدوى. حاولت النهوض فوراً والابتساد والابتعاد، لكن جسدها خذلها تماماً في تلك اللحظة؛ فكيف يتزن جسدها العاطش بعد أن شربت أربعة كؤوس متتالية من المارتيني وكأسين من الشامبانيا الفاخرة على معدة خاوية؟ لم يتردد جورج لثانية واحدة... انحنى ببراعة وحملها بين يديه برفق وثبات أدهشها، وصعد بها عبر درجات السلم الخارجي المعتم نحو إحدى غرف النوم الفاخرة والمخصصة للضيوف في الطابق العلوي لفيلا أنابيلا. قطع خطواته الثابتة داخل الغرفة الهادئة والدافئة، ثم ألقى بها برفق ولين فوق السرير العريض. لكنه عندما حاول الاعتدال للوقوف والابتعاد عنها قليلاً ليعيد أنفاسه، سُحب نحوها بقوة غير متوقعة وسقط فوق جسدها؛ إذ إن العقد الذهبي الدقيق الملفوف حول عنق سيندي والمزين باللؤلؤ قد اشتبك بأحكام بقفل قميصه المفتوح! وفي تلك العتمة المطبقة، سقطت شفتاه الداكنتان مباشرة فوق شفتيها الدافئتين... ذاق جورج طعم الدفء وشغف شفتيها النقي الساحر الذي لم يختبره من قبل، ولم يحاول النهوض أو الهروب أو فك العقد المربك، بل استسلم كلياً للسحر الغامض الذي غمره وسيطر على حواسه. أما سيندي، وفي غمرة الشوق المكبوت والحزن الدفين، فقد رفعت ذراعيها الناعمتين وطوّقت عنقه بكل ما أوتيت من قوة وحنان، وهي تهمس لنفسها في ذروة مشاعرها المعتصرة ودمعة صامتة تتسلل خلف قناعها الأسود: (هذه المكافأة هي الهبة... هي هديتي الأخيرة واستردادي لكرامتي الأنثوية عن ست سنوات ونصف من الضياع والجفاف!)في صباح اليوم التالي، تستيقظ سيندي وهي تشعر بثقل خفيف في جسدها. تمد يدها نحو بطنها قبل أن تفتح عينيها تمامًا، فتجد جنينها يتحرك بهدوء تحت راحة يدها. تبتسم، ثم تتمتم: «صباح الخير أيها المشاغب.» تأتي ركلة صغيرة كأنها إجابة، فتضحك وحدها وتجلس على السرير. منذ أن بدأت تشعر بحركته بوضوح، أصبحت أيامها مختلفة. لم تعد تستيقظ وهي تفكر فقط في الماضي أو في جورج أو في السنوات التي ضاعت منها. أصبح هناك شخص صغير ينتظرها في نهاية هذه الرحلة، وهذا وحده يمنحها سببًا للاستمرار. بعد الإفطار، تعود سيندي إلى الورشة القديمة. تحمل معها ملف والدتها والمفتاح الذي أعطتها إياه إيلين، ثم تقف أمام الباب الموجود في آخر الممر. الباب خشبي قديم، لونه أغمق من بقية الأبواب، والمقبض المعدني عليه طبقة خفيفة من الغبار. تضع يدها عليه، لكنها تتردد للحظة. «ماذا كنت تخفين هنا يا أمي؟» تدخل المفتاح في القفل وتديره ببطء. يصدر صوت طقطقة خافت، ثم ينفتح الباب. تدخل سيندي بحذر، فتجد نفسها أمام غرفة واسعة لم تشبه بقية أجزاء الورشة. الرفوف تمتد على الجدران، وعلى بعضها عشرات القوارير الزجاجية القديمة، بينما توجد في المنتصف طاولة خ
تستيقظ سيندي قبل شروق الشمس بقليل، لا بسبب صوت أو حلم، بل بسبب حركة خفيفة تحت يدها. تفتح عينيها ببطء وتبقى ساكنة للحظات، ثم تضع كفها على بطنها المنتفخ وتبتسم عندما تشعر بالحركة مرة أخرى.«صباح الخير يا حبيبي .»تخرج الكلمات منها هامسة، وكأنها تخشى أن توقظ الطفل الذي يقضي معظم وقته هادئًا داخلها. تمرر أصابعها فوق بطنها برفق، ثم تستلقي على جانبها وتتنفس بعمق. منذ أيام بدأت تشعر بركلات واضحة، لكنها في كل مرة تشعر بها تتوقف عن أي شيء تفعله وكأن العالم كله يمكنه الانتظار.تضحك عندما تأتي ركلة أخرى أقوى من سابقتها.«أنت مستعجل جدًا، أليس كذلك؟»تجلس على طرف السرير، وتضع يدها على ظهرها قبل أن تنهض. الحمل جعل أبسط الحركات تحتاج إلى لحظة تفكير، لكن سيندي لم تسمح لذلك بأن يوقفها. منذ أن وصلت إلى فرنسا، وهي تحاول ترتيب حياتها من جديد، خطوة بعد أخرى. أمامها بيت العائلة القديم، وملفات والدتها، وإرث العطر الذي اكتشفت أنه كان ينتظرها طوال هذه السنوات، وفوق كل ذلك طفل سيأتي إلى حياتها قريبًا.تدخل الحمام وتغسل وجهها، ثم تقف أمام المرآة للحظات. تنظر إلى انعكاسها وإلى بطنها الواضح تحت قميص النوم، فتضع
تتوقف سيارة الأجرة أمام الطريق الحجري المؤدي إلى أطراف القرية، فتنزل سيندي وهي تحمل حقيبتها والصندوق الخشبي الذي أصبح منذ الأمس أثمن ما تملكه. تدفع للسائق، ثم تبقى للحظات تنظر إلى الطريق الممتد أمامها. المكان أكثر هدوءًا مما تخيلت، والبيوت القديمة تنتشر بين الأشجار، بينما يظهر في نهاية الطريق مبنى حجري ضخم تحيط به حديقة واسعة وسياج حديدي قديم. تخرج الورقة من حقيبتها مرة أخرى وتتأكد من العنوان، ثم تبدأ بالسير. كلما اقتربت، تشعر بشيء غريب في داخلها. لا تعرف المكان، ومع ذلك تشعر أن هناك شيئًا مألوفًا فيه. ربما الرائحة القادمة من الحديقة، أو شكل الأشجار القديمة، أو ذلك الهدوء الذي يحيط بالمبنى. تتوقف أمام البوابة، وتجد العلامة المعدنية نفسها التي رأتها على الزجاجة القديمة؛ وردة محفورة داخل دائرة. تمد يدها وتلمسها بأطراف أصابعها. «إذن أنت هنا.» تسمع صوتًا خلفها، فتلتفت بسرعة. إنها امرأة في الخمسينيات تقف قرب المنزل وتحمل مجموعة من المفاتيح. تنظر إليها للحظات قبل أن تسأل: «هل أنت سيندي؟» تتردد سيندي. «نعم.» تتقدم المرأة ببطء. «اسمي إيلين. كنت أعمل مع عائلتك منذ سنوات، ثم بقيت هنا بع
في صباح اليوم التالي، تضع سيندي الصندوق الخشبي فوق طاولة العمل وتبقى أمامه للحظات دون أن تفتحه. منذ عودتها من لقائها بهنري، لم تستطع النوم جيدًا. كلما أغمضت عينيها، رأت الزجاجة القديمة وتوقيع والدتها واسم القرية الفرنسية المكتوب على الورقة الصغيرة. وأكثر ما يربكها أنها لم تعد قادرة على النظر إلى عملها بالطريقة نفسها. العطور التي صنعتها بيديها طوال الأشهر الماضية لم تعد بالنسبة إليها مجرد محاولة لبناء مشروع صغير من الصفر، وربما كانت تلك الموهبة جزءًا من شيء ورثته دون أن تعرف. تفتح الصندوق وتلتقط الزجاجة القديمة، ثم تضع قطرة صغيرة على قطعة ورق مخصصة للاختبار. تنتظر للحظات، فتظهر رائحة ناعمة أولًا، ثم تتغير تدريجيًا إلى مزيج من الورد والياسمين ولمسة خشبية دافئة، قبل أن تظهر رائحة أخرى لا تستطيع تحديدها. تقرب الورقة من أنفها مرة ثانية، ثم تتمتم: «أين شممت هذه الرائحة من قبل؟» تتوقف قليلًا عندما تتذكر شيئًا. منذ أشهر، عندما بدأت تطوير أول تركيبة خاصة بها، أضافت مادة عطرية معينة دون تخطيط. لم تعرف وقتها لماذا شعرت أن وجودها ضروري، لكنها أبقتها في التركيبة. والآن تدرك أن الرائحة قريبة جدًا
بقيت سيندي تحدق في شاشة هاتفها بعد انقطاع المكالمة. الرجل قال إنه يعرف شيئًا عن والدتها. لم يكن صوته مألوفًا، ولم يذكر اسمه، لكنه تحدث بثقة جعلت قلبها يضطرب بطريقة لم تستطع تفسيرها. تنظر إلى الملف الموجود أمامها، ثم تعود إلى الهاتف. تضغط على الرقم وتحاول الاتصال. مرة. مرتين. ثلاثًا. لا إجابة. تضع الهاتف على الطاولة، ثم تلتقطه من جديد عندما يصل إشعار برسالة. تفتحها فورًا. «إذا كنتِ تريدين معرفة الحقيقة عن والدتك، تعالي إلى العنوان المرفق. سأكون هناك لمدة ساعة واحدة فقط.» أسفل الرسالة يظهر عنوان مقهى صغير في إحدى البلدات القريبة. تقرأه مرتين. ثم تنظر إلى الملف. «ماذا كنتِ تخفين عني يا أمي؟» تبقى للحظات في مكانها، قبل أن تغلق الورشة وتغادر. لم تأخذ معها سوى حقيبتها والوثيقة التي تحمل توقيع والدتها. بعد نحو نصف ساعة، تدخل المقهى. المكان هادئ، لا يوجد فيه سوى عدد قليل من الزبائن. تتفحص الوجوه حتى ترى رجلًا يجلس في الزاوية الأخيرة، أمامه فنجان قهوة لم يلمسه. رجل في أواخر الستينيات، شعره رمادي، وملامحه هادئة. عندما يراها، ينهض. «سيندي؟» «نعم.»
في صباح اليوم التالي، تستيقظ سيندي قبل أن يرن المنبه. تبقى للحظات تحدق في السقف، بينما تعود صورة الظرف البني إلى ذهنها بكل تفاصيله؛ ختم عائلة أبراهام، الأوراق التي تحمل اسمها، ونسبة العشرين بالمئة المكتوبة بوضوح في إحدى الصفحات. تمد يدها إلى الطاولة بجانب السرير وتفتح الملف مرة أخرى. تقرأ السطر نفسه للمرة الثالثة. عشرون بالمئة. تحتها توقيع والدتها. تشعر بانقباض في صدرها، فتغلق الملف ببطء وتضع كفها على بطنها. «أمي... ماذا كنت تخفين عني؟» لا يأتيها جواب سوى الصمت. تنهض وتستعد للذهاب إلى ورشة العطور. لديها طلبات يجب تجهيزها، وبعض الزجاجات التي وعدت بإرسالها إلى متجر صغير في المدينة، لكنها تجد نفسها عاجزة عن التركيز. كلما أمسكت بزجاجة أو بدأت في كتابة ملاحظة، عادت عيناها إلى الملف. لماذا اختار جيرالد أن يترك هذه الوثائق الآن؟ لماذا انتظر كل هذه السنوات قبل أن يكشف لي شيئًا يتعلق بأبي وأمي؟ تضع القلم جانبًا عندما تسمع طرقًا على الباب الخارجي للورشة. تتجمد للحظة. لا أحد يعرف عنوان منزلها، ولا تسمح لأي شخص بالوصول إليه. لكن هذه ورشة العمل، ومواعيدها المهنية ليست سرًا.







