LOGINلم تكن جنى تتخيل أن خبرًا واحدًا يمكن أن يحمل كل هذا القدر من المشاعر المتناقضة داخلها.منذ أن تأكدت من حملها، وهي تحاول استيعاب ما حدث. كانت تعرف أنها تنتظر طفلًا، وأن حياتها ستتغير خلال الأشهر القادمة، لكنها لم تكن قادرة على استقبال الخبر بالفرحة التي تخيلتها يومًا. فكلما فكرت في الحمل، تذكرت ما حدث بينها وبين يزن، وعادت إليها مشاعر الألم والارتباك التي لم تستطع التخلص منها.ومع ذلك، لم ترغب في أن تجعل خوفها يطغى على كل شيء. كان هذا الطفل جزءًا من حياتها الآن، وكانت تحتاج إلى بعض الوقت حتى تفهم مشاعرها وتتعامل معها بعيدًا عن ضغوط الآخرين.في ذلك الصباح، جلست جنى أمام المرآة، ترتب ملابسها استعدادًا للذهاب إلى عائلتها. كانت قد اتخذت قرارها بإخبارهم بالحمل، ولم ترغب في تأجيل الأمر أكثر.وضعت يدها على بطنها بحركة عفوية، ثم سحبتها سريعًا عندما سمعت صوت يزن يقترب من الغرفة.كان زواجهما لا يزال قائمًا، وكانا يعيشان تحت سقف واحد، لكن المسافة بينهما أصبحت أكبر مما يستطيع أي منهما تجاهله. لم تعد جنى تتحدث إليه بالطريقة نفسها، ولم يعد بإمكان يزن الاقتراب منها دون أن يلاحظ ترددها.توقف عند البا
امتلأ المنزل بالحركة منذ ساعات الصباح الأولى. كانت ليلة الحناء تقترب، والجميع يحاول إنهاء ما تبقى من التحضيرات قبل وصول الضيوف. أصوات النساء تتداخل في المطبخ، ورائحة الحلويات تنتشر في أرجاء المكان، بينما كانت بعض القريبات يراجعن قائمة الأشياء التي يجب تجهيزها.أما لينا، فكانت تجلس في غرفتها أمام المرآة، تحاول للمرة الثالثة أن تقرر كيف تريد تسريح شعرها.دخلت إيلينا وهي تحمل علبة صغيرة، ثم توقفت عندما رأتها تعبث بخصلات شعرها.«ألا تزالين تفكرين في شعرك؟»تنهدت لينا.«لا أعرف ماذا أفعل به. كلما تخيلت شكلي الليلة، شعرت أن هناك شيئًا ناقصًا.»وضعت إيلينا العلبة على الطاولة، ثم وقفت خلفها.«لينا، أنتِ تستعدين لليلة الحناء، لا لمسابقة. لن يقيّمك أحد على كل خصلة شعر.»«أعرف، لكنني أريد أن أبدو جميلة.»ابتسمت إيلينا وهي تمشط شعرها بأصابعها.«ستبدين جميلة. والأهم أنك ستكونين سعيدة. لا تدعي القلق يسرق منك هذه اللحظات.»نظرت لينا إلى انعكاسهما في المرآة، ثم ابتسمت.«أنتِ تقولين هذا الآن، لكنني إذا لم تعجبني النتيجة فسأحمّلك المسؤولية.»«لا بأس. سأتحمل مسؤولية شعرك، لكنني لن أتحمل مسؤولية مزاجك.»
لم تكن لينا تتخيل أن الاستعداد للزفاف يمكن أن يجعلها سعيدة ومرتبكة في الوقت نفسه. فمنذ أن وافقت على الزواج من زياد، أصبحت الأيام تمر بسرعة غريبة؛ مكالمات لا تنتهي، ومواعيد يجب ترتيبها، وقائمة طويلة من التفاصيل التي لم تكن تفكر فيها من قبل.في ذلك الصباح، وقفت أمام المرآة في غرفتها، تتأمل شعرها الذي جمعته على عجل، ثم نظرت إلى هاتفها الموضوع فوق السرير. كانت تنتظر رسالة من زياد، رغم أنها تحدثت إليه في الليلة الماضية حتى وقت متأخر.ظهر إشعار جديد على الشاشة.زياد: هل استيقظتِ أم ما زلتِ تحاولين إقناع نفسك بأن الزفاف مجرد حلم؟ابتسمت لينا وكتبت:لينا: استيقظت، لكنني بدأت أندم لأنني وافقت على رجل يزعجني منذ الصباح.زياد: تستطيعين التراجع.رفعت حاجبيها، ثم أجابت بسرعة:لينا: بهذه السهولة؟زياد: بالطبع. لكنني سأظل أذكّرك بأنك أنتِ من اختارتني، ولن أتحمل مسؤولية ذوقك السيئ بعد ذلك.ضحكت لينا بصوت مسموع، ثم كتبت له أنها ستغلق الهاتف حتى تتمكن من الاستعداد للخروج.زياد: اذهبي، لكن لا تختاري فستانًا يجعلني أندم على كل المال الذي سأدفعه.لينا: لا تقلق. سأختار فستانًا يجعل المال أقل ما ستفكر فيه.
في الأيام التالية، حاول يزن أن يلتزم بالقرار الذي اتخذه: ألا يفرض نفسه على جنى، وألا يحول كل لقاء بينهما إلى محاولة جديدة لتبرير ما حدث. لم يكن الأمر سهلًا عليه. كان يشعر برغبة مستمرة في السؤال عنها، وفي التأكد من أنها بخير، لكنه بدأ يفهم أن رغبته في الاطمئنان لا تمنحه الحق في اقتحام مساحتها. لذلك، اختار أن يساعدها بطريقة لا تجبرها على مواجهته. لاحظ أن بعض الاحتياجات الأساسية في المنزل أصبحت تنفد، فاشترى ما ينقص ووضعه في مكان واضح. وحين وجد أن المصباح في الممر لا يعمل، أصلحه أثناء غيابها. لم يترك رسائل طويلة، ولم يكتب عبارات تطلب منها أن تفهم نواياه. كان يفعل ما يستطيع، ثم يبتعد. في أحد الأيام، عادت جنى إلى المنزل لتجد كيسًا يحتوي على بعض الأشياء التي احتاجت إليها. لم يكن هناك أي شيء مبالغ فيه، ولا هدية تحمل معنى عاطفيًا تحاول فرضه عليها. توقفت أمام الكيس، ثم نظرت حولها. كان يزن في غرفة الجلوس، يتابع عمله على حاسوبه. سألته بحذر: «هل اشتريت هذه الأشياء؟» رفع رأسه. «نعم. لاحظت أنها انتهت». لم يضف شيئًا، ولم يبتسم ابتسامة توحي بأنه ينتظر منها الثناء. عادت تنظر إلى الكيس. «
كانت جنى تقف في المطبخ، تحاول إعداد شيء خفيف لتأكله، لكن التعب جعل حركاتها أبطأ من المعتاد.وضعت يدها على حافة الطاولة، وأغمضت عينيها للحظات حتى يهدأ الدوار الذي باغتها. لم تكن تريد أن تمنح نفسها فرصة للتفكير في كل ما يحدث، لكن جسدها كان يفرض عليها التوقف أحيانًا، مهما حاولت تجاهل ما تشعر به.كان حملها لايعلم به احد من العائلة بعد .كانت تعرف أن يزن يعلم بالحمل، لكن معرفته لم تجعلها تشعر بالراحة تجاهه. فما زالت صورته مرتبطة لديها باللحظة التي لم يحترم فيها رفضها، ولم يكن اعتذاره كافيًا لمحو أثر ذلك.سمعت صوت الباب، فعرفت أنه عاد إلى المنزل.تصلب جسدها تلقائيًا.دخل يزن بعد دقائق، ووضع مفاتيحه في مكانها المعتاد. كان يبدو مرهقًا هو الآخر، لكنه انتبه إلى صمت المنزل وإلى جنى التي وقفت قرب الطاولة من دون أن تلتفت نحوه.«هل أعددتِ الطعام؟»ندمت جنى على أنها لم تجهز إجابة مسبقًا.«سأفعل الآن».لاحظ بطء صوتها، ثم نظر إلى يدها التي كانت تستند إلى الطاولة.«هل أنت متعبة؟»سحبت يدها بسرعة، وكأن سؤاله محاولة جديدة للاقتراب منها.«أنا بخير».لم يجادلها، ولم يكرر السؤال. كان يستطيع أن يرى أنها لا ت
لم تجب لينا فورًا.كانت تنظر إلى زياد، الذي حاول أن يبدو هادئًا بعدما سألها عن قرارها، لكن أصابعه التي تتحرك فوق الطاولة فضحته. لم تكن معتادة على رؤيته متوترًا بهذا الشكل، فقد كان غالبًا الرجل الذي يعرف ما يريد قوله، ويجد الكلمات المناسبة في الوقت المناسب.أما الآن، فقد بدا كأنه ينتظر حكمًا مصيريًا.مالت برأسها قليلًا وقالت:«لم أتوقع أن تفعلها بهذه السرعة».رفع حاجبه.«هل تعتبرين أنني تأخرت؟»«لم أقل ذلك».«إذن، هل يمكنني أن أفهم ما الذي يحدث داخل رأسك؟»ابتسمت، لكنها لم تجبه مباشرة. تذكرت المرات التي اختلفا فيها، وكيف كان زياد يتراجع حين يشعر بأنها تحتاج إلى مساحة، ثم يعود إلى الحديث معها دون أن يتصرف وكأنها ارتكبت خطأ لأنها لم توافقه.لم تكن علاقتهما خالية من التوتر، لكنها لم تشعر معه بأنها مطالبة بالتظاهر كي تحافظ على مشاعره.قالت أخيرًا:«أفكر في أنني لا أريد رجلًا يقرر عني كيف يجب أن تكون حياتي».أومأ زياد.«وأنا لا أريد امرأة تضطر إلى إخفاء رأيها حتى لا تغضبني».«وأريد أن أواصل عملي».«ستواصلين عملك».«وأريد أن يكون لي وقتي الخاص».«سأطالبك فقط بأن تخبريني إذا كنت ستختفين أسبوع







