Mag-log inمرّ الوقت في الطوارئ بشكل متسارع ومُتعب، ولم تنتبه لينا لذلك.
بقيت تعمل مع الممرضات دون توقف، تنتقل بين الغرف، تسجل الملاحظات، وتراقب الحالات بصمت، وكأنها تحاول أن تثبت لنفسها أنها قادرة على الاستمرار مهما كان الثمن. لكنها لم تنتبه أنها لم تأكل شيئًا منذ الصباح. ولا أنها لم تجلس حتى لدقائق حقيقية. بدأ جسدها يرسل إشارات خفيفة في البداية… دوار بسيط، ثقل في الرأس، وبرودة خفيفة في أطرافها. لكنها تجاهلت ذلك، ظنًا أنه مجرد تعب عابر. حتى في إحدى اللحظات، وبينما كانت تقف في الممر مع الممرضة، شعرت بأن الأرض لم تعد ثابتة كما يجب. تأرجحت قليلًا، وارتدت خطوة للخلف دون وعي. كانت على وشك أن تفقد توازنها تمامًا… لكن يدًا قوية أمسكت بذراعها بسرعة وثبات. “مهلًا.” رفعها الطبيب سامر، رئيس قسم الأطباء، نظره نحوها بقلق واضح. ثبتها جيدًا حتى استعادت وقفتها، ثم حدّق في وجهها مباشرة: “ما بكِ؟ لماذا تبدين هكذا؟” حاولت لينا أن تستقيم بسرعة، وتمسح أثر الارتباك: “أنا بخير… فقط تعب بسيط.” لكن ملامحها كانت تقول العكس تمامًا. ضيق سامر عينيه قليلًا: “هل أخذتِ استراحة؟ هل تناولتِ شيئًا منذ الصباح؟” سكتت لحظة. ثم هزّت رأسها بخجل خفيف: “لم أتمكن…” ارتفع حاجباه بدهشة واضحة: “لم تتمكني؟” لم تجد جوابًا. تنهد سامر خفيفة، ثم نظر نحو الممرضة التي كانت معها: “كم ساعة وهي تعمل هكذا؟” “منذ بداية الشفت تقريبًا، بدون توقف.” “هذا غير مقبول. لن تستطيعي الاستمرار بهذا الشكل.” لكن قبل أن يكمل، اقترب أكثر قليلًا، وخفض صوته: “أين الدكتور أسر؟ من سمح لها بهذا الضغط؟” “الدكتور أسر… هو من وجهة للعمل.” ظهرت على ملامحه دهشة واضحة، امتزجت بعدم تصديق. “أسر؟” أعاد الكلمة وكأنه يتأكد أنه سمعها بشكل صحيح. “تركك تعملين طوال هذا الوقت بدون استراحة؟ وبهذا الشكل؟” نظرت لينا إلى الأسفل دون أن ترد. لكن سامر كان قد فهم الصورة. “هذا ليس أسلوبه المعتاد… ليس هكذا يُدار الأمر.” “تعالي. ستجلسين الآن، وتأكلين، قبل أن تسقطي فعلًا.” وبينما كان يقودها بعيدًا عن الممر، بقيت لينا صامتة، تشعر بثقل التعب في جسدها، وثقل آخر أكبر في صدرها… لا تعرف هل هو من الإرهاق، أم من فكرة أنها لم تكن مرئية كما ظنت حتى الآن. سار بها الدكتور سامر حتى غرفة الاستراحة القريبة، ثم أشار لها بهدوء: “اجلسي هنا.” جلست لينا بصمت، وقد بدا الإرهاق واضحًا على ملامحها. بعد دقائق، عاد سامر ومعه طعام وماء، ووضعهما أمامها: “كلي.” رفعت لينا نظرها إليه قليلًا، ثم إلى الطعام، وكأنها تتذكر فجأة أنها لم تأكل منذ ساعات طويلة. بدأت تأكل ببطء، دون شهية حقيقية، فقط لأنها تشعر أن جسدها لم يعد يحتمل. راقبها سامر للحظة، ثم قال بنبرة هادئة: “هل تشعرين بالدوار الآن؟” هزّت رأسها بخفة: “أخفّ قليلًا…” تنهد سامر، ثم جلس مقابِلها: “هذا ليس طبيعيًا. لا يجب أن تصل الطبيبة إلى هذا الحد من الإرهاق.” “أنا من تركتك تحت إشرافه.” “وثقت به، لأنه من الأفضل في القسم، ولأنه يعرف كيف يدير الطوارئ.” “لكن يبدو أنه لم يضعك في المكان الصحيح.” “مكانك ليس خلف الممرضات وتسجيل الملاحظات فقط.” “مكانك في غرفة الأطباء، مع الفريق، تتعلمين وتشاركين في القرار، لا مجرد متابعة من الخلف.” “هذا ليس تقليلًا منك، بل خطأ في التوجيه.” انخفض نظر لينا، ولم تجد ما تقوله. شعرت بشيء مختلط داخلها… ارتياح خفيف لأنه لم يحمّلها كل اللوم، لكن في الوقت نفسه ثقل جديد لأنها أدركت أن ما عاشته اليوم لم يكن بالضرورة مكانها الحقيقي. “سأتحدث مع أسر بشأن هذا.” رفعت لينا نظرها ببطء نحو الباب دون أن تشعر. وبعد لحظات، ظهر الدكتور أسر عند المدخل. توقف للحظة فقط، ثم دخل بهدوء، ونظر مباشرة إلى الداخل. لم يتحدث أولًا، لكن عينيه انتقلتا بين سامر ولينا بسرعة، وكأنه يقرأ المشهد قبل أن يُقال له شيء. قال سامر بهدوء، : “كنت أبحث عنك.” بعد ان وجدتها تكاد تفقد وعيها من الإرهاق. نظرات أسر استقرت على لينا لثوانٍ، ثم قال ببرود: “إنها طبيبة. الإرهاق جزء من العمل.” رفع سامر حاجبه قليلًا: “الإرهاق شيء، وترك طبيبة مبتدئة تعمل لساعات طويلة بدون تنظيم أو فواصل شيء آخر.” لم يرفع أسر صوته، لكنه اقترب أكثر: “لم أتركها. كانت تعمل ضمن الفريق.” تنهد سامر، ثم أشار نحو لينا: “ضمن الفريق؟ كانت خلف الممرضات فقط، دون دور حقيقي، حتى كادت تنهار جسديًا.” تحركت نظرة أسر قليلًا نحوها مرة أخرى. “لم تطلب استراحة.” ارتبكت لينا قليلًا، وخفضت نظرها فورًا. لكن سامر قاطعه: “وهل تنتظر منها أن تطلب وهي في أول يوم لها تقريبًا هنا؟” اعتذر “كان يجب أن تُوجَّه بشكل مختلف.” اقترب سامر:“وهذا ما أقوله.” “مكانك ليس في هذا الدور المحدود. يجب أن تكوني مع الأطباء في التقييم والقرارات، لا مجرد متابعة.” “هي ليست ممرضة مساعدة. هي طبيبة.” عند هذه الجملة، تغيرت ملامح أسر قليلًا، لكنه لم يُظهر انفعالًا واضحًا. نظر إلى لينا بصمت طويل، ثم قال أخيرًا بنبرة منخفضة: “سأعيد ترتيب موقعها غدًا.” ثم التفت: “لكن في المستشفى… نحن لا نُدار بالعاطفة.” وبعد لحظة قصيرة، خرج من الغرفة دون أن ينتظر ردًا. بقيت لينا جالسة مكانها، لا تنظر إلى أحد، فقط تمسك كوب الماء بين يديها وكأنه الشيء الوحيد الذي يثبتها في مكانها. وسامر ظل واقفًا للحظة، ثم قال بصوت أخف: “غدًا… لن تكوني في الخلف.” استريحي الان وعودي للمنزل انتهى عملك لليوم.بعد أن سلم ريان على جدته نورة وبقية أفراد العائلة، وتبادل معهم كلمات قليلة عن عودته، اتجه إلى غرفته مباشرة. كان يشعر بالتعب فعلًا، وكل ما يريده أن يبدّل ملابسه وينام، لكن ما إن دخل غرفته وأغلق الباب حتى سمع طرقًا خفيفًا، وقبل أن يجيب فُتح الباب وظهرت لارا بابتسامة واسعة.نظر إليها ريان لارا… ماذا تريدين؟ أنا متعب.دخلت وأغلقت الباب خلفها، ثم جلست على طرف السرير وكأنها لم تسمع شيئًا، وقالت بمكر: أريد أن أعرف كيف كان أسبوعك.رفع ريان حاجبه. كان جيدًا.جيدًا فقط؟اقتربت منه بنظرة فضولية ، وكيف كانت لينا؟تنهد ريان وهو يخلع ساعته ويضعها على الطاولة. بخير.وهل كنتما مرتاحين؟نعم.وهل اعترفت لها أخيرًا؟توقف ريان لحظة ونظر إليها. اعترفت لها بماذا؟ابتسمت لارا بمكر. لا تتظاهر بأنك لا تعرف. هل أخبرتها أنك تحبها؟صمت ريان، فعرفت لارا من صمته أنها أصابت الهدف، فتابعت بسرعة: أم أنك أخبرتها أنك تحبها منذ أيام المدرسة؟ هل قلت لها إنك لم تتوقف عن حبها طوال هذه السنوات؟ وهل…قاطعها ريان: لارا!لكنها لم تتوقف، بل ازدادت ابتسامتها اتساعًا وهي تقول: وماذا فعلتما طوال هذا الأسبوع؟ هل خرجتما؟ هل ذهبتم إ
بقي ريان لبعض الوقت يتبادل الحديث مع ياسر وزين، إلى أن شعر بالتعب، فنهض من مكانه ، أعتقد أنني سأعود إلى المنزل. كان الطريق طويلًا، وأحتاج إلى بعض الراحة. وقف ياسر معه .بالطبع، ارتح يا بني. وشكرًا مرة أخرى على كل ما فعلته من أجل لينا. ابتسم ريان وصافحه، ثم صافح زين الذي قال له: شكرا ، يا ريان. لقد كنت بجانبها في وقت لم يكن أحد منا يستطيع أن يكون فيه معها. أومأ ريان بهدوء، ثم التفت نحو لينا. كانت واقفة بالقرب من والدها، تنظر إليه بصمت. للحظة، تمنى لو كانا وحدهما. أراد أن يقترب منها، أن يحتضنها ولو للحظات، وأن يقول لها إنه اشتاق إليها رغم أنه لم يفارقها طوال الأسبوع. لكن عينيه انتقلتا إلى ياسر، ثم إلى زين. كانا ينظران إليه الآن بطريقة مختلفة تمامًا؛ نظرة رجلين يريان فيه الرجل الذي أنقذ لينا، والذي وقف إلى جانبها وحماها عندما كانت في خطر. لم يكونا يعرفان أن الأمر لم يكن بهذه البساطة. لم يعرفا أن ريان ولينا لم يبتعدا فقط لحمايتها، بل قررا الهرب معًا، وأن الأيام التي قضياها بعيدًا لم تكن مجرد اختباء من الخطر. والمفارقة أن كل ما فعلاه سرًا انقلب الآن لصالحهما دون أن يضطرا إلى شرح شي
انتهى الأسبوع أسرع مما توقع ريان ولينا. كانت الأيام الماضية قد منحت كليهما فرصة للابتعاد قليلًا عن ضغوط ما حدث، لكنهما كانا يعرفان أن العودة إلى الواقع لا يمكن تأجيلها إلى الأبد. في صباح اليوم الأخير، كان ريان يرتب بعض أغراضهما استعدادًا للعودة، بينما كانت لينا تجمع ملابسها في حقيبتها. وعندما انتهت، جلست للحظات على طرف السرير، تتأمل المكان الذي شهد بينهما أيامًا لم تكن تشبه أي شيء عاشته من قبل. دخل ريان الغرفة، وحمل حقيبته ثم قال هل أنتِ مستعدة للعودة؟ رفعت لينا عينيها إليه وأومأت.نعم. أعتقد أن الوقت حان. ابتسم ريان ابتسامة خفيفة، ثم أخذ هاتفه واتصل بالضابط سامر ليخبره بأنهما سيعودان.بعد لحظات، جاءه صوت سامر عبر الهاتف: لا بأس، يمكنكما العودة. لكن أريد منك أمرًا واحدًا يا ريان. تغيرت ملامح ريان قليلًا. ما هو؟ قال سامر بجدية: لينا لا تخرج وحدها، ولا تذهب إلى أي مكان دون أن يكون معها أحد تثقون به. إلى أن نقبض على غادة ولمى، من الأفضل ألا نترك أي فرصة قد تستغلانها للوصول إليها. نظر ريان إلى لينا التي كانت تراقبه من بعيد، ثم قال: فهمت. تابع سامر: الأمر ليس معناه أن تبقيا مختبئين ك
في صباح اليوم التالي، استيقظت غادة ولمى باكرًا، وقد بدت على كلتيهما حماسة لم تشعرا بها منذ بداية هروبهما. ارتدت كل منهما ملابس بسيطة لا تلفت الانتباه، ثم خرجتا من المنزل واتجهتا إلى السوق في المدينة القريبة.كانت غادة أكثر حذرًا؛ ظلت تراقب المكان من حولها بين حين وآخر، بينما كانت لمى تسير إلى جوارها وهي تتحدث بحماس عن كل ما تريد شراءه.دخلتا أولًا إلى أحد المتاجر الكبيرة، وبدأتا باختيار ملابس جديدة. ابتعدتا عن الملابس التي اعتادتا ارتداءها، واختارتا ألوانًا وقصّات مختلفة تمامًا، حتى إن لمى وقفت أمام المرآة وهي تحمل عدة قطع وقالت:لا أصدق أننا نفعل هذا فعلًا.»ابتسمت غادة إذا كنا سنبدأ من جديد، فعلينا أن نبدأ فعلًا.بعد ذلك اتجهتا إلى متجر آخر، واشترتا أحذية وحقائب وبعض الأغراض الشخصية، ثم توقفتا أمام واجهة محل متخصص في الشعر.نظرت لمى إلى أمها هل أنتِ جادة بشأن تغيير لون شعرك؟بالطبع.وأنا أيضًا سأغيره.دخلتا الصالون، وجلستا لساعات، حتى خرجتا بمظهر مختلف تمامًا عما عرفهما به الناس. غيّرت غادة لون شعرها وقصته، واختارت لمى لونًا جديدًا وقصة مختلفة، ثم وقفتا أمام المرآة تتأملان شكليهما.ض
نهض أحمد من مكانه بهدوء، وألقى نظرة سريعة على الجالسين، ثم قال بنبرة هادئة تخفي شيئًا من الامتعاض: عن إذنكم. يبدو أن وجودي غير مرغوب فيه، ولا أريد أن أفرض نفسي على أحد.قالت نورة: أحمد…لكنه اكتفى بابتسامة قصيرة، ثم أضاف: لا بأس يا أمي. سأترككم تتحدثون براحتكم.غادر الغرفة واتجه إلى جناحه في الطابق العلوي، وأغلق الباب خلفه. وما إن ابتعد عن أصواتهم حتى تغيرت ملامحه تمامًا.أخرج هاتفه، وانتظر لحظات قبل أن يجري اتصالًا.ما إن جاءه الرد، قال بصوت منخفض: لا تقلقا. الوضع ما زال تحت السيطرة.استمع إلى الطرف الآخر، ثم تابع: الشرطة لم تتوصل إلى أي أثر جديد حتى الآن، لذلك لا يوجد ما يدعو للقلق. أنتما في أمان.صمت قليلًا، ثم قال: سأرسل المبلغ كما اتفقنا. سيكون معكما قبل الموعد المحدد.استمع مجددًا، ثم أجاب: لا، لا ابقيا حيث أنتما، ولا تفعلا أي شيء قد يلفت الانتباه.أنهى المكالمة بعد لحظات، وظل ممسكًا بالهاتف وهو ينظر إلى الشاشة.ثم قال لنفسه بصوت خافت: طالما أن الشرطة لم تجدكما… فلا داعي للعجلة.بعد أن أنهى المكالمة، وضع هاتفه على الطاولة، ثم وقف أمام المرآة يعدّل شعره بهدوء. ظل يحدق في انعكاسه
مرت أربعة أيام ، وما زالت الشرطة تواصل البحث عن غادة ولمى دون توقف.كانت فرق التحقيق قد راجعت سجلات الرحلات التي غادرت المدينة، وتتبعت الرحلة الداخلية التي استخدمتاها بدلًا من الرحلة الدولية، ثم بدأت بمراجعة سجلات محطات القطار في المدينة التي وصلتا إليها. لكن كلما ظنوا أنهم اقتربوا من أثر واضح، اكتشفوا أن المرأتين سبقتاهما بخطوة.في مركز الشرطة، كان الضابط سامر يقف أمام لوحة كبيرة علقت عليها خرائط ومسارات وصور وتقارير السفر. أمضى ساعات طويلة في مراجعة التفاصيل نفسها، محاولًا فهم الطريقة التي تمكنت بها غادة من توقع تحركات الشرطة بهذه الدقة.دخل أحد أفراد الفريق إلى الغرفة، يحمل مجموعة من الأوراق.قال: سيدي، راجعنا تسجيلات المحطة، لكن لا يوجد شيء مؤكد حتى الآن. لدينا عدة أشخاص يشبهون لمى، لكن لا يمكننا تأكيد هويتها.أخذ سامر الأوراق منه، وقلبها واحدة تلو الأخرى.وماذا عن غادة؟لا شيء.رفع سامر عينيه إليه.ولا أي تسجيل واضح؟لا شيء يمكن الاعتماد عليه.أعاد سامر الأوراق إلى الطاولة، ثم نظر إلى الخريطة أمامه.إذن هما تتعمدان ألا تتركا وراءهما أي أثر.قال الضابط الآخر: يبدو ذلك.في منزل ياسر،







