Se connecterظلّ ريان يراقب لمى من خلف الطاولة، ينتظر أن تبدأ حديثها، لكنها لم تفعل. وحين طال صمتها، أسند ظهره إلى الكرسي وقال بنبرة هادئة تخلو من أي مودة.أخبريني يا لمى، لماذا كل هذا الحقد على لينا؟ ماذا فعلت لكِ حتى تحاولي تدمير حياتها بهذه الطريقة؟رفعت لمى رأسها نحوه، وكأن سؤاله استخرج من أعماقها شيئًا حاولت طويلًا إخفاءه. ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة، ثم قالت بمرارة:ماذا فعلت؟ لا شيء! تلك هي المشكلة يا ريان، أنها لم تكن مضطرة إلى فعل أي شيء كي تحصل على كل شيء. كانت أميرة أبيها المدللة، تعيش في بيت واسع، تحيط بها المحبة، وتجد كل ما تتمناه أمامها. لم تكن تعرف معنى أن تنام خائفة، أو أن تراقب وجه أبيها لتعرف إن كان سيعود إلى المنزل سكيرًا أم سيصبّ غضبه عليها وعلى أمها وأخيها. لم تعرف يومًا كيف يكون الفقر، ولا كيف يصبح المنزل الذي يفترض أن يكون ملاذًا للمرء أكثر الأماكن التي يخشاها.توقفت لحظة، لكن المرارة التي تراكمت في صوتها لم تخفت، بل ازدادت قسوة.أما أنا، فقد كبرت وأنا أشاهد أمي تتحمل الإهانة والضرب، وأبي يبدد ما نملكه، ونحن عاجزون حتى عن تغيير أبسط تفاصيل حياتنا. كنت أرى لينا تأتي إلى م
غادر ريان مستشفى الشفاء بعد أن أنهى بعض الأعمال التي لم يعد قادرًا على التركيز فيها، فذهنه كان مشغولًا بلينا، وبحديث ياسر الذي لم يستطع إخراجه من رأسه، وبالحقيقة التي ظل يؤجل مواجهتها منذ اكتشف أن عقد قرانه على لمى أصبح قيدًا يربط حياته بامرأة لم يعد يعرف عنها شيئًا سوى الأكاذيب.كان يعلم أن الوقت لم يعد يسمح له بالتهرب، وأن عليه أن يسمع من لمى نفسها ما لم يستطع فهمه حتى الآن. ولا أن يظل أسير أسئلة لا تنتهي. أراد أن ينظر في عينيها ويسألها عن كل شيء؛ عن لينا، وعن ما فعلته، وعن عقد قرانهما الذي تم رغمًا عن إرادته، وعن الأسباب التي دفعتها إلى تدمير حياة امرأة كانت يومًا ابنة خالتها وصديقتها.قاد سيارته إلى مركز الشرطة، وما إن وصل حتى توجه إلى مكتب الضابط سامر، الذي رفع رأسه عن الأوراق أمامه عندما طرق ريان الباب ودخل.دكتور ريان؟ لم أتوقع رؤيتك هنا اليوم. هل حدث شيء جديد؟جلس ريان أمامه دون أن يطيل المقدمات.أريد أن أقابل لمى.توقفت يد سامر فوق الملف الذي كان يراجعه، ثم رفع عينيه إليه بتأنٍّ.لمى؟نعم. أريد التحدث إليها لبضع دقائق.أغلق سامر الملف أمامه، وأسند ظهره إلى مقعده.أخشى أن ذلك
ضحكت لينا ضحكة خافتة، لكنها لم تلبث أن انكسرت إلى ابتسامة حزينة.لا أتذكر ذلك… لكنني أشعر أنني أعرف هذا الحساء.لا بأس يا حبيبتي. ليس عليكِ أن تتذكري كل شيء الآن. المهم أن تعودي إلى صحتك، وسنترك للذكريات وقتها.ثم التفتت سلمى نحو ياسر، الذي كان يجلس في الجهة المقابلة من الأريكة، وسألته بأدب سيدي، هل تسمح لي بأن أطعمها بيدي؟ إنها لا تزال متعبة، وأخشى أن تترك الطعام إذا وضعت الطبق أمامها.نظر ياسر إلى ابنته، ثم إلى سلمى.بالطبع أرجوكِ، ساعديها على تناول ما تستطيع. لقد أوصى الطبيب بأن تهتم بطعامها.أزاحت سلمى الصينية إلى جوارها، ثم حملت الملعقة ونفخت برفق على الحساء قبل أن تقربها من فم لينا.هيا يا صغيرتي، افتحي فمكِ. لن أسمح لكِ بالاعتراض اليوم.ابتسمت لينا، وأطاعتها. تناولت الملعقة الأولى، ثم الثانية، ومع كل لقمة كانت سلمى تسألها إن كان الحساء ساخنًا، أو إن كانت تريد قليلًا من الملح، كما لو أن لينا ما زالت تلك الفتاة الصغيرة التي اعتادت تدليلها.وبعد عدة ملاعق، استندت لينا إلى الوسادة، وقالت بخجل أشعر أنني أزعجكِ . أستطيع أن آكل وحدي.هزت سلمى رأسها باعتراض لطيف.أنتِ لا تزعجينني أبدًا. د
أنهى الطبيب مراجعة نتائج الفحوصات، ثم التفت إلى ياسر الذي كان ينتظر جوابه بقلق واضح، وقال مطمئنًا، لا داعي للقلق، سيد ياسر. يمكن للينا أن تغادر المستشفى الآن، لكنني أريدكم أن تنتبهوا إلى بعض الأمور خلال الأيام المقبلة. عليها أن تبتعد قدر الإمكان عن الضغط النفسي والانفعالات الشديدة، وأن تحصل على قسط كافٍ من الراحة والنوم. كذلك، يجب أن تهتم بتغذيتها، وألا تهمل وجباتها، وإذا تكرر فقدان الوعي أو ظهرت عليها أعراض أخرى، فعليكم إعادتها إلى المستشفى فورًا.تنفس ياسر براحة، وشكره قبل أن يتجه إلى الغرفة لإخبار ابنته بأنها تستطيع العودة إلى المنزل.كان زين ينتظر عند الباب، وما إن رأى خالة يقترب حتى نهض وسأله بلهفة ماذا قال الطبيب؟ هل لينا بخير؟أجابه ياسر وهو يفتح الباب إنها بخير، والحمد لله. يمكننا أخذها إلى المنزل، لكن عليها أن ترتاح وتبتعد عن كل ما يسبب لها الضغط.دخل الاثنان إلى الغرفة، فوجدا لينا جالسة على السرير، وقد استعادت بعضًا من نشاطها، وإن ظل التعب ظاهرًا على وجهها. رفعت رأسها نحوهما، وسألت بقلق ماذا قال الطبيب؟ هل يمكنني العودة إلى المنزل؟اقترب ياسر منها، ثم مرر يده على شعرها بحنان
اتجه ياسر نحو مكتب الاستقبال بخطوات متثاقلة، وقد ازدحمت الأفكار في رأسه، ولم يعد قادرًا على تجاهل ذلك الشعور بالندم الذي أخذ يتسلل إلى صدره منذ دخوله مستشفى الشفاء.كان يعرف أن إحضار ابنته إلى المستشفى كان التصرف الصحيح، فلم يكن بوسعه أن يتركها فاقدة للوعي في المنزل، لكن المشكلة لم تكن في قراره بإسعافها، بل في المكان الذي اختاره لذلك.مستشفى الشفاء… المستشفى الذي يرتبط اسمه بعائلة المنصور.وقف أمام موظفة الاستقبال، ثم سألها عن الإجراءات اللازمة لإخراج لينا بعد انتهاء الفحوصات. شرحت له أن عليه انتظار نتائج التقييم الطبي وموافقة الطبيب على خروجها، فأومأ برأسه، طالبًا منها أن تخبره فور جاهزية الأوراق.كان قد اتخذ قراره؛ بمجرد أن يسمح الأطباء بخروجها، سيأخذها إلى المنزل، ولن يسمح ببقائها في هذا المستشفى أكثر مما يلزم.تنهد بعمق، ثم تمتم لنفسه بمرارة ،ما كان ينبغي لي أن آتي بها إلى هنا من الأساس.رفع رأسه حين اقتربت منه موظفة الاستقبال لتسأله إن كان يحتاج إلى شيء آخر، فأجابها بالنفي، ثم ابتعد قليلًا عن المكتب وجلس على أحد المقاعد.لم يرد أن يصبح اسم ابنته مرتبطًا بعائلة المنصور، لا بسبب زو
كان ياسر يراقبهما من الجانب الآخر للسرير. فهناك أمور أخرى لا يستطيع تجاهلها، وفي مقدمتها اسم عائلة المنصور الذي لم يعد يرغب في ارتباطه بعائلته مرة أخرى.نهض ياسر من مكانه، ثم التفت إلى ريان قائلًا بنبرة هادئة لا تخلو من الحزم دكتور ريان، هل يمكن أن نتحدث في الخارج قليلًا؟رفع ريان عينيه إليه، ثم نظر إلى لينا التي كانت تستريح على الوسادة بالطبع.انحنى نحوها وقال بصوت خافت،سأعود بعد قليل، اتفقنا؟ حاولي أن ترتاحي.أومأت لينا، فعدل الغطاء فوقها، ثم نهض وتبع ياسر إلى الممر.ما إن ابتعدا عن الغرفة حتى توقف ياسر واستدار إليه، وقد اختفت من ملامحه المجاملة التي اعتاد إظهارها أمام الآخرين.سأكون صريحًا معك يا دكتور ريان، وأتمنى أن تتفهم كلامي دون أن تعتبره إساءة شخصية.قطب ريان حاجبيه قليلًا، تفضل ، أنا أستمع إليك.تأمل ياسر وجهه لثوانٍ قبل أن يقول مباشرة أنت خطيب لمى.تغيرت ملامح ريان، لكنه لم يقاطعه.تابع ياسر بلهجة أكثر صرامة أعلم أن لمى الآن في السجن، وأعلم ما فعلته هي ووالدتها، لكن هذا لا يغير حقيقة أنك كنت خطيبها. وحتى لو انتهى الأمر بها إلى البقاء في السجن سنوات، فإن ذلك لا يمنحك الحق في







