Se connecterوصل شادي إلى مكتب جلال بخطوات واثقة، فوقع بصره على "رقية" وهي تنهمك بتركيز شديد في تزيين المكتب بالزهور، منغمسة في عالمها الخاص وكأنها في حديقة وليست في مقر عمل. وقف شادي يراقبها بابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيه، وهو يرى كيف تركت مهامها الوظيفية لتتفرغ لتنسيق الورود، ورأى في ذلك فرصة ذهبية لمباغتتها، فاقترب منها بهدوء ومال على أذنها قائلاً بنبرة تهكمية: _ والله عال يا آنسة! بقى سايبة شغلك وقاعدة تلعبي بالورد؟ أنا مش عارف إحنا هنا في شركة ولا في محل ورد! انتفضت رقية بذعر، والتفتت بسرعة لتجد شادي أمامها، فعقدت حاجبيها بغضب واعتدلت في وقفتها، ثم شبكت ساعديها أمام صدرها وأخذت تتفحصه من رأسه حتى قدميه بنظرات تقيمية ساخرة، وقالت بحدة: _ محدش قالك قبل كدا إن دمك تقيل؟ زم شادي شفتيه ببرود، ورفع إصبعه يلوحه أمام وجهها بحذر وقال: _ لسانك يا ماما، خلي بالك منه لأنه هيوديكي في داهية لو اتكلم أكتر من كدا! ضربت رقية الأرض بقدمها بنفاد صبر وصاحت بصوت مرتفع: _ واضح كدا إنك جاي تستظرف، ممكن أعرف سيادتك مين وعاوز إيه؟ تخطاها شادي بلا مبالاة واتجه مباشرة صوب مكتب جلال الخاص، فأسرعت رقية واعترضت ط
ولج يامن إلى غرفته وأوصد الباب خلفه بإحكام، ثم ارتمى على فراشه وهو يتنفس الصعداء، مغمض العينين ليترك العنان لعقله ليفكر في تلك الصدفة العجيبة التي جمعته بـ "روفيدا" من جديد بعد كل تلك السنوات، شعر يامن بطنين يهدر بداخله، صدىً يعيده إلى تلك اللحظة الفارقة التي وقع فيها بصره على روفيدا للمرة الأولى؛ يوم أن وجدها في مكتبه تحاول العبث بمحتوياته، فاقترب منها ليمنعها، ووقف أمامها يظنها طفلة تائهة جرفت براءتها الخطى إلى عرينه. حينها، وقفت أمامه صامتة كالطفلة التي حُرمت لتوها من لعبتها المفضلة، ليندهش يامن من هدوئها وتصرفها الغريب، فدنا منها وقال بنبرة هادئة وحنونة: _ هو أنتِ تايهة يا حلوة؟ قولي لي أنتِ جاية هنا مع مين، معلش بس لو ينفع يا حبيبتي تبعدي عن المكتب، علشان مافيش أي ورقة تضيع، ده مكتب شغل والحاجات اللي أنتِ بتلعبي فيها دي مال ناس في رقبتي ولازم أحافظ عليه، فلو عاوزة تلعبي يا شاطرة خدي موبايلي العبي عليه وما تعيطيش. حملقت روفيدا بوجهه بدهشة عارمة، وصدمتها كلماته التي وجدتها تقليلاً من شأنها، لتدرك أنه هو الآخر كغيره من الناس رأى فيها تلك الطفلة الصغيرة، ولم يلمح الفتاة الشابة الت
حدقت أشواق في وجه زوجها، وعيناها تغرقان في بحر من الدموع، تبكي بانكسار مرير أمام كلماته المهينة التي صار يرميها في وجهها كل يوم، يجرح بها أنوثتها ويسحق كرامتها، هزت رأسها بحزن وهي تتساءل في سرها عن سبب تبدل حال زوجها بهذا الشكل المخيف، ليتحول إلى ذلك الرجل البغيض الذي لا يتوانى عن إهانتها وجرحها في كل لحظة. بادلها رفعت النظرات باشمئزاز، ثم أشار إلى ملابس نومها المتحفظة وأردف بتهكم: _ بقى دي هدوم واحدة ست بتستقبل جوزها؟ لابسة لي مقفل ولا كأنك هتقفي تصلي يا شيخة! ده أنا بقيت حاسس إني عايش مع واحد صاحبي، ناقص له شنب! تدافعت الدموع في عيني أشواق بغزارة، وخفضت عينيها تنظر إلى ملابسها التي اشتراها هو بنفسه لها ذات يوم، وكانت تنال رضاه واستحسانه دوماً، تحيرت في أمر كراهيته المفاجئة لرؤيتها محتشمة خارج غرفة نومها؛ فهي منذ أن تخطت ابنتها ياسمين عامها التاسع، أصبحت تراعي ما ترتديه بدقة لتحافظ على حيائها أمام طفلتها الصغيرة، وتزرع بداخلها قيم الحياء والاحترام في الملبس. فرت الكلمات والقدرة على الرد من فم أشواق وهي ترى الكلمات تندفع من فم زوجها تنهرها بقسوة، وانتبهت فجأة على يده التي امتدت بغل
حاول جلال عبثاً كسر حاجز الصمت الثقيل الذي شيدته والدته نبيلة منذ لحظة مغادرة رقية للمكتب؛ فقد كانت نظراتها الغامضة تلاحقه كظله، بينما لزمت هي وفجر صمتاً مريباً جعله يفقد تركيزه تماماً في الأوراق التي أمامه، زفر جلال بضيق وأغلق الملف بعنف قائلاً: _ يلا بينا نمشي، أنا هاخد الأوراق دي معايا أخلصها في البيت، مفيش فايدة من القعدة هنا. وقفت فجر ونظرت إلى زوجة عمها بخبث ومرح لا يخلو من رسائل مبطنة وقالت: _ تمام يا "جلجل" يلا بينا، رغم إن كان مفروض ننزل نلف شوية في المحلات علشان أجيب الحاجات اللي لزماني، بس شكل مرات عمي تعبت ولا إيه؟ وأنت كمان مش عارفة حساك مبقتش في "المود" خالص، وكمان علشان الوقت تأخر وزمان ياسمين زهقت من القعدة لوحدها في البيت. زفر جلال مرة أخرى ونظر إلى والدته التي كانت تتجاهله تماماً، وقال بقلة حيلة: _ هتفضلي ساكتة كتير يا ست الكل؟ أشاحت نبيلة بعينيها عنه ببرود قائلة: _ ساكتة ولا بتكلم كله محصل بعضه يا ابن نور، عموماً يلا، كفاية أوي إننا سايبين البنت لوحدها كل الوقت ده، كفاية عليها اللي شافته. صمتت نبيلة برهة، ثم التفتت إلى فجر وغمزتها غزة خفية وقالت بصوت مسموع ق
اتجه يامن إلى شقيقته رقية، وكانت ملامح وجهه يغلفها غموض مقلق، قبض على يدها وأسندها إلى ساعده، لكنه ضغط بقوة ملحوظة على أصابعها وكأنه يفرغ غضبه المكتوم في تلك القبضة، فخفضت رقية رأسها هاربة من نظراته، ورحلت بصحبته في صمت ثقيل، وما إن أُغلق باب المكتب خلفهما وانفردا في الردهة، حتى قبض يامن على كتفيها بعنف، ونظر في عينيها بغضب صريح صبّ فيه كل شكوكه قائلاً: _ ممكن أفهم إيه المسخرة اللي أنتِ عملتيها جوا دي؟ أشاحت رقية بعينيها بعيداً، وحاولت استجماع شتات كبريائها الجريح وقالت بنبرة حادة: _ أنا معملتش مساخر يا يامن! أنا فجأة محستش بالدنيا ووقعت من طولي، إيه، هو حرام إني أتعب؟ ما أنت شايف أنا شايلة المكتب ده إزاي فوق راسي من ساعة ما جيت، وأنت بنفسك شهدت بشغلي وقلت إني بسهل شغل الكل حتى أكتر من مدام ،.. يبقى ده جزائي إنك تقول بعمل مسخرة؟ وبعدين لو أنت مش واثق في أختك، يبقى على الأقل خلي عندك ثقة في صاحبك! استمع يامن إليها بضيقٍ يتصاعد، فهو يعلم جيداً ما تخفيه رقية في أعماقها؛ فقد سبق له ورأى تلك النظرات من قبل، وخاض معها سابقاً نفس التصرفات المستميتة لنيل ما تريد، فهي حين تضع أمراً نصب عين
بعدما غادرت دودي، حتى ارتعش هاتف حسين برنين متواصل، وزفر بضيق حين رأى هوية المتصل؛ إنه أحد رجاله المكلفين بمراقبة رفعت، فأجاب حسين بحدة: _ ها إيه الأخبار عندك؟ اخلص. أجابه الرجل بنبرة يملؤها الفتور والملل: _ والله يا باشا، أنا أهو ليا أسبوعين مرابط قدام العمارة، ورفعت لا خرج منها ولا راح في أي مكان، وبصراحة أنا مش لاقي أي سبب يخليني أطلع له فوق، العمارة من بعد ما كنت حضرتك فيها مع ممدوح باشا وهي ملغمة حراسة غريبة، وبيدققوا مع أي حد غريب يدخل. استشاط حسين غضباً وعقد حاجبيه صائحاً: _ يعني إيه مطلعتش تطمن عليه يا غبي؟ أنا مش قايلك تاخد بالك منه وأوعى يغيب عن عينك ثانية؟ إزاي ميخرجش من أسبوعين ومتبلغنيش؟ أنت مش عارف إنه ممكن يجراله حاجة وبالشكل ده هنخسر كتير؟ اتفضل اتصرف واطلع اعرف لي رفعت بيعمل إيه وبيجيب "الشم" إزاي، وبعدها تجيلي على المخزن، لأن الظاهر كدا إنك بدأت تخيب، ولما تشوف خيبة غيرك في المخزن هتبدأ تفوق لنفسك. استولى الرعب على وجه الرجل خلف الهاتف، فأسرع يقول بصوت مرتجف: _ لا يا باشا أبوس إيدك أنا مش حمل المخزن! بص يا باشا هي ساعة زمن وهعرف لك كل حاجة، أنا بس مش عاوز غير







