Masukجلس إيفان خلف مكتبه في الشركة، وعيناه مسمرتان على الشاشة يراجع تفاصيل صفقة الأسلحة الجديدة لعصابة مارسيل التي يتخفى بين صفوفها، بينما كانت يده الأخرى تضغط بخفة على موضع الألم المألوف في صدره. فجأة، اهتز هاتفه الخفي معلناً وصول إشعار عاجل.فتح إيفان الشاشة لتظهر له الواجهة المظلمة لتطبيق المراقبة السري الذي يربطه بكاميرا متناهية الصغر خبأها بعناية في غرفته بالقصر. انقبض قلبه وهو يرى بثاً حياً ومباشراً لشقيقيه، لوكاس ورافيل، وهما داخل الغرفة!كان رافيل يفتش الأدراج ويبحث بين الكتب، بينما اتجه لوكاس مباشرة نحو الخزانة، وأزاح المعطف الأسود الطويل، وضغط بيده على اللوح الخشبي الخلفي لتصدر تكة رقمية صامتة.. وبدأ الباب الخفي يفتح ببطء!أطبق إيفان أصابعه حول الهاتف بغضب عارم، وتصلبت ملامحه. لم يضع ثانية واحدة، واتصل بوالدته أوليفيا فوراً على هاتفها الخاص:
"أمي، لست بخير.. لوكاس ورافيل يقتحمان غرفتي الآن ويعبثان بأغراضي الخاصة. أخبرتكم أن غرفتي خط أحمر. إن لم يخرجا منها حالاً، فلن تروا وجهي في هذا البيت مجدداً، وسأغادر إيطاليا نهائياً الليلة" .توسعت عينا أوليفيا برعب، ونهضت كالمجنونة وصعدت السلالم بلمح البصر، وفتحت باب الغرفة بقوة لتبعدهما وتصرخ فيهما بغضب عارم: "اخرجا حالاً ولا تطأ أقدامكما عتبة هذه الغرفة مجدداً!" أجبرتهما والدتهما على الخروج مجهضين محاولتهما في اللحظة الأخيرة، ليتنفس إيفان الصعداء من مكتبه وهو يرى شقيقيه يغادران الغرفة عبر الشاشة.فتح إيفان مجموعة الدردشة السرية وأرسل رسالة عاجلة إلى أصدقائه الثلاثة: ايفان: "سام، ماثيو، أدريان.. جهزوا أنفسكم. عائلتي بدأت تنبش خلفي في القصر، والوقت ينفد منا أسرع مما توقعنا. يجب أن نبدأ خطة التصفية فوراً" .لم تمر دقيقة حتى جاء الرد:سام: "نحن مستعدون منذ زمن يا إيفان. قل لنا من هو الهدف الأول وسنتحرك الليلة".ماثيو: "لكن هل أنت بخير؟ نبرة رسالتك توحي بأنك متعب" أدريان "اترك العائلة لنا إن كانوا يضايقونك، وركز على صحتك. لن نسمح لأحد بأن يقف في طريقنا الآن". أجابهم إيفان بسرعة واختصار:ايفان: "الهدف الأول سيكون الشخص الذي أصمبته بالأمس في الفندق.. لم يمت، وهو الآن في المستشفى تحت حراسة مشددة. المتاجرة بالأطفال والممنوعات يجب أن تنتهي، وهو الخيط الأول للوصول إلى بقية القائمة المعلقة على حائطي . سأرتب لكم الثغرة الأمنية للمستشفى، انتظروا إشارتي الليلة، هدفنا انتزاع اعتراف منه بالكامل" تجاوزت الساعة الحادية عشرة ليلاً. كان الهدوء يخيم على مشفى "سانت أندريا" في روما، حيث يرقد تاجر البشر المصاب في كتفه تحت حراسة مشددة من رجال الشرطة التابعين لعائلة جيوفاني.في زقاق مظلم خلف المستشفى، التقت الأجساد الأربعة. كان إيفان يقف مرتدياً قناعه الأسود وسترته الداكنة، والى جانبه أصدقاؤه الثلاثة: سام، ماثيو، وأدريان. أخرج إيفان جهازاً صغيراً وعطل كاميرات المراقبة الخاصة بالطابق الثالث عبر ثغرة تقنية صنعها صباحاً. نظر إليهم وقال بصوت خافت مجهد: "الحراسة عند الباب الخارجي تابعة لشرطة عائلتي.. تذكروا، لا نريد قتلى من الشرطة. صاعق كهربائي أو غاز منوم فقط. هدفنا هو التاجر في الغرفة 305، أريد اعترافاً مسجلاً الليلة لينقطع أول خيط من خيوط الفساد" .تسلل الأربعة عبر مخرج الطوارئ كالأشباح. في الممر المؤدي للغرفة، باغتوا حارسي الشرطة بصواعق كهربائية صامتة ليسقطا أرضاً دون حراك. تقدم إيفان بخطوات مثقلة يحبس ألمه القاتل بصعوبة، وفتح باب الغرفة 305 ليجد التاجر مستلقياً على السرير.لم يكن إيفان ينوي قتله، بل كان هدفه هو انتزاع اعتراف حاسم يربطه بالشبكة. تقدم نحو السرير، وأخرج جهاز تسجيل صغير، ثم صوب مسدسه نحو ساق التاجر المصابة وضغط عليها بقوة قائلاً بصوت مرعب من خلف القناع: "أمامك خمس ثوانٍ لتعترف عن مكان الشحنة القادمة للأطفال، وإلا جعلت كتفك الآخر يلحق بالأول ارتجف التاجر رعباً وبدأ يتحدث بسرعة ويسجل اعترافه، لكن قبل أن يكمل إيفان سحب بقية التفاصيل.. صدر صوت تكة قوية من خلفهم، وأضيئت أنوار الممر بالكامل، ليرتفع صوت مألوف وصارم للغاية عبر مكبرات الصوت: "ضعوا أسلحتكم أرضاً وارفعوا أيديكم! المكان محاصر بالكامل!" تصلب إيفان في مكانه؛ لقد كان هذا صوت والده فولكوف جيوفاني، ومعه قوات الشرطة! لم يضع إيفان ثانية واحدة، أخذ جهاز التسجيل بسرعة وأشّر لأصدقائه للهروب. سحب سام وأدريان قنابل الغاز المنوم وألقوها في الممر، لينتشر دخان كثيف يسبب الخمول الفوري لرجال الشرطة.وسط الفوضى والسعال، شعر إيفان بوخزة حارقة تعتصر صدره ومريئه، وانقطع الأكسجين عن رئتيه، لكن كبرياءه رفض السقوط هنا.سانده ماثيو بسرعة، واندفع الأربعة نحو النافذة، وهبطوا بالحبال إلى الأزقة الخلفية المظلمة حيث تنتظرهم دراجاتهم النارية، تاركين خلفهم قوات الشرطة تتخبط في الغاز.انطلق إيفان بدراجته كالسهم نحو مخزنه السري، وهو يضغط بيد واحدة على قلبه النابض بالألم والتعرق البارد يغطيه. دخل المخزن وأغلق الباب الحديدي، ونزع قناعه ليرتمي أرضاً بوجه شاحب كالأموات. ابتلع حبتين من دوائه السرّي بصعوبة وغصة مؤلمة تنخر مريئه، وانتظر حتى هدأ الألم قليلاً، ثم نظر إلى جهاز التسجيل في يده وابتسم بافتخار؛ لقد حصل على أول خيط لتفكيك الشبكة. عاد إيفان إلى قصر عائلته في الواحدة ليلاً، ليجد والده فولكوف وشقيقيه لوكاس ورافيل يجلسون في الصالة بملابسهم الرسمية وعلامات الإحباط تملأ وجوههم بعد فشل كمين المستشفى.التفت فولكوف نحو إيفان بشك وغضب: "أين كنت إلى هذا الوقت يا إيفان؟ إيطاليا الليلة كانت تشتعل، وتعرضنا لهجوم من عصابة محترفة أفشلت مهمتنا للقبض على مهاجم الفندق واقتحمت الطابق!" نظر إليهم إيفان ببرود وجفاء، وارتسمت على شفتيه الشاحبتين ابتسامة ساخرة خفيفة، ثم قال بصوت مجهد "ألم أخبركم من قبل؟ أنا لست مسؤولاً عن فشل تحقيقاتكم الشرطية.. كنت في عملي، والان أنا متعب وأريد النوم" تجاوزهم وصعد إلى غرفته، تاركاً خلفه رجال الشرطة في حيرة تامة، دون أن يعلموا أن شقيقهم الأصغر يتفوق عليهم بخطوات في محاربة الجريمة!. ـ في صباح اليوم التالي، استيقظ إيفان على أثر الوخزات المألوفة في صدره. تحامل على جسده وارتدى ملابسه بسرعة، ممسكاً بجهاز التسجيل الصغير الذي انتزع به اعتراف التاجر ليلة أمس. كان يعلم أن الوقت يداهمه، وأن كل نبضة من قلبه المضطرب تعد تنازلياً لخطته.جلس إيفان في زاوية معزولة بمكتبه، ووضع سماعات الأذن ليفرغ التسجيل بحذر، وضغط على زر التشغيل ليأتيه صوت التاجر المرتجف تحت وطأة الخوف: «الشحنة.. الشحنة القادمة ستصل الليلة في تمام الساعة الثانية فجراً.. عند الرصيف المهجور رقم (4) في الميناء الجنوبي.. الأطفال قادمون من شرق أوروبا لصالح المشتري الكبير..»انتهى التسجيل، وتوسعت عينا إيفان بغضب عارم شلّ مريئه المريض لثوانٍ. فتح مجموعة الدردشة السرية وأرسل لأصدقائه: إيفان: «لدينا موقع الشحنة وتوقيتها. الليلة الساعة 2 فجراً، الرصيف رقم 4 بالميناء الجنوبي. سنحبط العملية وننقذ الأطفال بأنفسنا قبل أن تتحرك شرطة عائلتي وتفسد الأمر ببطئها. كونوا على أهبة الاستعداد».جاءه رد سام فوراً: «سندمر مخططهم الليلة يا إيفان، اعتمد علينا».بينما أرسل أدريان: «تأكد من أخذ جرعة مسكنك قبل التحرك، لا نريد أي مفاجآت لجسدك الليلة» في تمام الساعة الواحدة ظهراً، استدعى مارسيل إيفان إلى مكتبه الفخم بالمقر السري للعصابة. كان مارسيل يجلس وراء مكتبه الضخم، ممسكاً بسيجاره، وعيناه الحادتان تفحصان إيفان بنظرات غامضة تحمل الكثير من الشك والريبة.قال مارسيل بنبرة هادئة لكنها تخفي خلفها تهديداً مبطناً: «إيفان.. علمتُ بما حدث ليلة أمس في المشفى. هناك مجموعة مقنعة ومحترفة اقتحمت الطابق الثالث وانتزعت شيئاً من التاجر قبل أن تفلت من كمين شرطة "جيوفاني" بطريقة عبقرية» .حافظ إيفان على بروده المعتاد، ووقف بثبات رغم الألم الطفيف الذي بدأ ينهش صدره، وأجاب بجفاء: «وما علاقتي أنا بهذا الأمر؟ ».نهض مارسيل من مقعده وتقدم نحو إيفان ببطء، ونفث الدخان في الهواء قائلاً: «علاقتك هي أن تلك المجموعة استخدمت قنابل غاز منوم مخصصة ومطورة.. وهي نفس القنابل التي طلبتَ أنت أوراق شحنتها الأسبوع الماضي يا إيفان! كما أن تحركاتك ليلة أمس غامضة، وهناك من أفاد برؤية دراجة نارية تشبه دراجتك بالقرب من محيط المشفى» .تصلبت ملامح إيفان، وشعر بغثيان مفاجئ يضغط على حلقه ومريئه جراء التوتر الحاد، لكن كبرياءه منعه من الاهتزاز. نظر في عيني مارسيل مباشرة وقال بثقة مرعبة: «إذا كنت تشك بأني أعمل لحسابي الخاص أو لحساب عائلتي في الشرطة، فيمكنك إنهاء عملي الآن وتصفية الحساب. لكن تذكر.. أنا من أمن لك صفقة أسلحة "ايفانوف" الأخيرة، وبدوني لن تجد شخصاً بذكائي يدير لك عملياتك في إيطاليا».صمت مارسيل مطولاً، وبدت تفاصيله القاسية تسترخي قليلاً أمام قوة عين إيفان، ثم أطلق ضحكة قصيرة: «حسناً، حسناً.. لا تنفعل هكذا يا فتى. أنا فقط أختبر ولاءك. الليلة لدينا عمل كبير، وأريدك أن تكون بعيداً عن الشبهات».أومأ إيفان برأسه ببرود واستدار مغادراً المكتب، وما إن أغلق الباب خلفه وابتعد عن الأنظار، حتى استند بيده على الحائط يلهث بصعوبة، وأخرج زجاجة دوائه السرية ليبتلع حبة على عجل متمتماً بغضب: «ثعلب ماكر.. لقد بدأ يشك بي فعلاً، وعليّ إنهاء شبكته ».حلّت الساعة السابعة صباحاً، وهو موعد الإفطار الرسمي والمقدس لدى عائلة جيوفاني. اجتمعت العائلة الكبيرة حول المائدة الطويلة؛ الجد ديمتريوس يستند بحزن على عصاه، والعقيد فولكوف بملامحه المرهقة، والأم أوليفيا وعيناها منتفختان من البكاء، بالإضافة إلى انزو وميلان اللذين كانا يتبادلان نظرات صامتة مريبة. انفتح الباب الجانبي ودخل إيفان ببروده المعتاد وهالته الجليدية، متقدماً بقميصه الأسود، لكن وجود ضمادة الشاش البيضاء الطبية الملفوفة حول جبينه صدمت الجميع وأوقفت حركة أيديهم.نظرت الأم أوليفيا بذهول وذعر، ووضعت كفيها على صدرها قائلة بنبرة مرتجفة: "إيفان! يا إلهي، ما هذا الجرح الذي يغطي رأسك؟! ماذا حدث لك في جوف الليل؟!"نظر إيفان إليها بعينين صقريتين باردتين خالتين من أي تعبير، وجلس بهدوء على مقعده دون أن تهتز ملامحه لمليمتر واحد، وأجاب بنبرة صوت رخامية منخفضة وجافة كالملح: "لا شيء يستدعي الذعر.. لقد ارتطمت بركن جدار صلب في العتمة فحسب."تبادلت العائلة نظرات الشك وعدم التصديق؛ فالعقيد فولكوف والجد ديمتريوس يعرفان تماماً أن ضابطاً محترفاً ومقاتلاً بقامته لا يمكن أن يرتطم بجدار بعفوية أو يصاب ب
كان السكون يلف أركان بيت ايفان الخاص، ذلك القصر الصغير المنعزل والمحاط بالحدائق في أطراف المدينة المعزولة، والذي اتخذه إيفان ملاذاً سرياً بعيداً عن أعين الجميع. جلس إيفان بمفرده تماماً في بهو منزله، واضعاً قدماً فوق الأخرى فوق مقعده الجلدي الفخم، مرتدياً قميصه الأسود الصارم، وعيناه الصقريتان تراقبان خيوط المطر الكثيف خلف النافذة الزجاجية ببرود تملكه الكبرياء المظلم. لقد أمر رجاله بالكامل بالمغادرة والتفرق سراً لتأمين محيط المرفأ الشرقي ومراقبة تحركات المافيا، مفضلاً البقاء وحيداً ليريح جسده الرياضي الذي طالما خانه بصمت لسنوات جراء مرض صامت ينهش رئتيه في الخفاء.لكن، في تلك الساعة الخانقة من الليل، انفتحت بوابات الجحيم بدم بارد.فقد نجح رجال الزعيم ماركوس في تتبع خط سير إحدى سيارات الفرقة الشبحية المنسحبة سابقاً، و قادتهم الخيوط إلى هذا البيت المعزول. و بأوامر هستيرية من ماركوس المصاب و الراغب في الانتقام، سكب حراس المافيا آلاف اللترات من الوقود حول جدران المنزل، و أشعلوا النيران بالكامل ليتصاعد الدخان الأسود الكثيف و الخانق، محولين عرينه السري إلى قطعة مستعرة من النيران التهمت أجهز
لم تدع محركات سيارات ماركوس المصفحة مجالاً للشك داخل قصر جيوفاني؛ فقد اقتحم أسطول المافيا الشوارع المحيطة بالأسوار تحت خطوط المطر الغزير، وبدأت الرصاصات الثقيلة تخترق الواجهات الزجاجية والجدران الإسمنتية لتعلن بدء مجزرة اختراق حقيقية. استيقظ الجد ديمتريوس والعقيد فولكوف من ذهول الندم بالأعلى، وتحركت غريزتهم العسكرية فوراً؛ سحب العقيد سلاحه الرسمي وصاح بالحرس لتعبئة خطوط الدفاع، بينما انطلق انزو وميلان لصد الهجوم من ممرات الحديقة الجانبية لمنع الأعداء من الوصول للجناح السفلي المعزول حيث يقبع إيفان .اشتعلت معركة حامية تحت الأسوار الفولاذية، وتبادل حرس القصر النيران مع رجال نخبة ماركوس المدججين بالعتاد. كان ماركوس يتحرك في الخلف بجنون حاقد، يصرخ برجاله لإحراق القصر وإبادة الجميع بعد أن زحف إليه سيرش وجوزيبينا المطرودان بذل وأخبراه أن تحالف الظل يدار من داخل هذا الحصن العتيق.وفجأة، حدثت الثغرة القاتلة؛ نجح ثلاثة من رجال ماركوس في الالتفاف واخترقوا السور الشمالي، ووجد العقيد فولكوف نفسه محاصراً وسط نيران كثيفة. وقبل أن يتمكن من إعادة تذخير سلاحه، انقض عليه أحد رجال المافيا الأشداء من
لم تكن شاشات المؤشرات الحيوية داخل الجناح السفلي المعزول تطلق صفيراً عادياً، بل كانت تدق كنواقيس الموت في الغرفة المظلمة. انفتحت بوابات الجحيم الطبي على "تحالف الظل" في أصعب توقيت ميداني؛ فبينما كان جسد إيفان ملقى بلا حراك فوق الفراش، ووجهه الشاحب كالجثة مغطى بقناع الأكسجين، كانت رسالة فاليريا الطارئة تومض باللون الأزرق على شاشة سام لتعلن أن أسطول ماركوس المسلح يتحرك بكامل عتاده لإبادة قصر جيوفاني بعد اعترافات سيرش وجوزيبينا المطرودين."إيثان.. النبض يتلاشى تماماً والمؤشرات تقترب من الخط المستوي!" صرخ سام بصوت مرتجف غمرته الدموع وهو يرى شاشات القلب الرقمية تعلن السقوط الأخير لأنفاس زعيمهم وصديق عمرهم: "ماركوس على وشك اختراق الأسوار الخارجية للقصر، وإيفان يغرق في الغيبوبة الصامتة!"لم يلتفت الدكتور إيثان نحو الشاشة، بل تلاشت ملامحه الحادة تماماً وسحب جهاز الصدمات الكهربائية المحمول ببراعة وسرعة فائقة. وضعه فوق صدر إيفان الصلب المبتل بالعرق البارد، وزأر بنبرة خالية من أي برود: "أدريان.. ارفع درجة الشحن لـ مائتين جول فورا! سام.. اقطع أي تواصل خارجي وعطل شبكة اتصالات المافيا المحيطة ب
بعد أن انتهت عاصفة الطرد العائلي وسحب انزو وميلان لسيرش وجوزيبينا مطرودين خارج بوابات قصر جيوفاني العتيق، عاد الهدوء الخانق ليتشكل فوق الردهات. عاد إيفان وفريقه من المقر السري ليتمركزوا مجدداً في جناحهم المعزول بالممر السفلي للقصر، مستغلين حالة الانهيار والندم التي شلت العقيد فولكوف والجد ديمتريوس لترتيب اللمسات الأخيرة لاقتحام الجناح الغربي لماركوس.توجه أدريان وإيثان إلى غرفة الذخيرة الملحقة بالجناح لفحص السلاح الثقيل وفك شفرات سام الرقمية، بينما بقي إيفان بمفرده في المطبخ الصغير الخاص بالجناح المعزول. كان يرتدي قميصه الأسود وعيناه تراقبان خيوط المطر الكثيف خلف النافذة الزجاجية، مد يده ليصب كوباً من الماء البارد ليهدئ من حرارة النيران التي بدأت تنهش أحشاء صدره منذ ليلة الميناء.لكن، ثانيه واحده كانت كافيه، ثانية واحدة خاطفة، سقط إيفان في المطبخ، يده ترتجف وتترك الكأس الزجاجية لتتحطم على الأرض مفرزة شظايا متناثرة تومض تحت الضوء الخافت للقصر. يحاول التنفس، لكن الهواء يخون حلقه كأنه يبتلع شظايا زجاج حادة. يضع كفيه على رقبته، وعيناه متسعتان بذهول وصدمة من حجم الهجوم المباغت للم
لم ينتظر الجد ديمتريوس عودة إيفان وفريقه من الميدان الخارجي ليتخذ قراره الصارم؛ فكبرياء عائلة جيوفاني الذي تلوث بقذارة سيرجي وجوزيبينا كان يحتاج إلى بتر فوري وعقوبة تطهر صالون القصر حجرًا بحجر. وقف الجد في منتصف بهو القصر الكبير، وعصاه تضرب الأرض بحدة، وبجانبه كان العقيد فولكوف يوقع بأصابع مرتجفة على وثائق الإلغاء القانوني والمالي.بأوامر قاطعة من العقيد، اقتحم انزو وميلان الغرف المعزولة، وقاما بفك قيود سيرجي وجوزيبينا وسحبهما بعنف نحو الصالون الرئيسي حيث كانت العائلة الكبيرة تنتظرهم بوجوه ميتة خالية من أي عاطفة. كانت جوزيبينا تظن لثوانٍ أن دم الأمومة شفع لها، وأنهم سيطلقون سراحها لتعود لنفوذها.لكن الجد ديمتريوس نظر إليهما بنظرة حادة كالسكين جمدت الدماء في عروقهما، وقال بصوت أجش هدر في أركان القصر كالصاعقة: "سيرجي.. جوزيبينا.. لقد لوثتما شرف هذه العائله، وبعتما رقابنا للمافيا من أجل نفوذ وجشع فاسد، وطردتما إيفان الصادق الذي كان يحمينا في الخفاء. القانون في لبيتنا لا يسمح بوضعكما في السجون لتجنب الفضيحة العلنية لاسم جيوفاني.. لكن