Share

بدايه كل شيء

last update publish date: 2026-06-06 01:59:10

انتصفت ليلة إيطاليا، وتجاوزت الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. خيّم الظلام الدامس على الرصيف المهجور رقم (4) في الميناء الجنوبي. كانت الرياح الباردة تضرب الأمواج، وصوت المحركات يقترب من البعيد؛ إنها السفينة المحملة بالأطفال.تسلل إيفان بقناعه الأسود ومعه أصدقائه الثلاثة سام، ماثيو، وأدريان، واتخذوا مواقعهم خلف الصناديق الحديدية الضخمة شاهرين أسلحتهم الكاتمة للصوت، يراقبون رجال مارسيل وهم يستعدون لتفريغ الشحنة البشرية.همس إيفان بصوت متقطع مجهد وهو يضغط بقوة على قلبه الذي يضطرب بعنف:

«أدريان.. ماثيو.. تعاملا مع الحراس على الرصيف.. سام، اتبعني لفتح أبواب الحاويات وتحرير الأطفال.. يجب أن نتحرك كالصاعقة».وفجأة، رست السفينة وبدأ الرجال في فتح المقطورة، لتشتعل شرارة المعركة!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جاوزت الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. كان الضباب الكثيف يلف الميناء الجنوبي لمدينة روما ورائحة الملوحة تمتزج ببرودة الجو القارسة. ساد سكون غامض لا يقطعه سوى صوت ارتطام أمواج البحر الهادئة بالرصيف الخرساني المهجور رقم (4).خلف إحدى حاويات الشحن الحديدية الضخمة،

كانت تقف الأجساد الأربعة المتشحة بالسواد. نزع إيفان قناعه لثوانٍ، مستنشقاً الهواء البارد بصعوبة وهو يشعر بغصة حارقة تمزق أسفل مريئه وتضغط على قفصه الصدري بعنف. كان التوتر الحاد من مواجهة مارسيل صباحاً قد أشعل نيران مرضه مجدداً.

انتبه أدريان لنفس إيفان المتقطع، فتقدم منه خطوة ووضع يده على كتفه قائلاً بنبرة يملؤها قلق حقيقي:- "إيفان.. وجهك شاحب جداً، وتعرقك ليس طبيعياً في هذا البرد. هذا التعب.. لا تجعلني أشك بأنه قد عاد إليك مجدداً! لقد أقسمتَ لنا قبل سنتين عندما شُفيت من ذلك اللعين، أنك ستخبرنا إن شعرت بأي عرض!"

شعر إيفان بوخزة في قلبه من خوف صديقه،... الصديق الذي سنده مع سام وماثيو عندما طرده والده العقيد وتركوه يصارع الموت وحيداً. أغمض عينيه بقوة، متجرعا غصته المريرة، ثم ألبس قناعه الأسود مجدداً ليخفي ملامحه الميتة وقال بصوت حاول جعله صارماً وثابتاً علي قدر المستطاع :-

"أنا بخير يا أدريان.. مجرد توتر بسبب شكوك مارسيل اليوم. لقد أقسمتُ لكم سابقاً وأنا عند وعدي. ركزوا الآن.. الوقت ينفد."

تبادل سام وماثيو نظرات قلقة، لكن صوت محرك سفينة ضخمة لوح في الأفق ليقطع حوارهم. بدأت الأضواء الخافتة للسفينة تقترب من الرصيف رقم 4.انطفأت المحركات، وبدأت رافعة السفينة بإنزال حاوية مغلقة بحذر شديد. وفي نفس اللحظة، ظهرت سيارتان سوداوان فخمتان من خلف المستودعات، وترجل منهما رجال مسلحون يرتدون سترات عصابة مارسيل.همس ماثيو وهو يرفع سلاحه الكاتم للصوت:-

"الذئاب وصلت.. الحاوية المغلقة هي الهدف. الأطفال بداخلها."

تصلبت ملامح إيفان خلف القناع، وضغط بيده اليسرى على صدره ليثبت نبضات قلبه المضطربة، بينما رفعت يده اليمنى السلاح وأمّن التوجيه:-

"سام، أدريان.. تكلّفا بالقناصة فوق المستودع بصمت. ماثيو.. أنت معي لفتح الحاوية وتأمين الأطفال. تذكروا.. لا نريد أي خطأ، أريد إحباط هذه القذارة الليلة قبل أن تتحرك شرطة عائلتي ببطئها المعهود. تحركوا!"

اعطى إيفان إشارة صامتة بيده لماثيو، وفي نفس اللحظة ضغط على زر جهاز اللاسلكي الصغير ليسمعه سام وأدريان. همس بصوت متحشرج يخفي ألمه:-

"الآن.. أشعلوا الجحيم تحت أقدامهم."

في ثانية واحدة، انطلقت أربع قنابل غاز مطورة من زوايا مختلفة لتسقط بدقة بين رجال مارسيل وعند باب الحاوية. انفتحت القنابل بإصدار صوت فحيح مرعب، لينتشر غاز أبيض كثيف للغاية حجب الرؤية تماماً في أقل من خمس ثوانٍ.عمّت الفوضى المكان، وارتفع صوت سعال الحراس العنيف وصراخهم المتخبط. تراجع مارسيل بسرعة إلى الخلف محاطاً بحراسه الشخصيين الذين حاولوا حمايته وهم يطلقون النار عشوائياً في الهواء بذعر.اندفع إيفان وماثيو كالأشباح وسط الضباب الأبيض، مستغلين قناعهما الواقي المتطور. ركض إيفان نحو الحاوية، وكان صدره يغلي ومريئه يتأكل من شدة المجهود والتوتر، لكن رؤية الأطفال المذعورين بالداخل أعطته قوة انتحارية.صاح إيفان بالأطفال بصوت منخفض ومطمئن من خلف القناع:-

"لا تخافوا.. جاءت النجدة، اتبعوا صديقي بسرعة!"

بدأ ماثيو وسام وأدريان الذين انضموا إليهم في توجيه الأطفال وتهريبهم بسرعة نحو الشاحنة الكبيرة التي جهزها الأصدقاء مسبقاً في الزقاق الخلفي للميناء.في هذه الأثناء، كان إيفان يغطي ظهرهم بالسلاح، ويطلق الرصاص بدقة على أقدام حراس مارسيل الذين يحاولون الاقترب وسط الدخان، دون أن يترك لهم فرصة لرؤية وجهه أو التعرف على هويته.ومع خروج آخر طفل من الحاوية، شعر إيفان بضربة مفاجئة وعنيفة في قفصه الصدري.. لم تكن رصاصة، بل كانت طعنة المرض الحادة التي جعلت الدنيا تسود في عينيه، ليسقط على ركبتيه فوق أرضية الرصيف الباردة وهو يسعل بشدة، ويمسك قناعه محاولاً التقاط أنفاسه الهاربة..

كان الدخان الأبيض يبدأ بالتشتت ببطء، وأصوات خطوات رجال مارسيل الغاضبة تقترب كخطوات الموت. جثا إيفان على ركبتيه، يضغط بكل قوته على قفصه الصدري الذي اشتعل بنيران مرضه، وشعر بطعم الدم المألوف يملأ حلقه. كاد وعيه أن ينفلت، لولا يدان قويتان امتدتا من وسط الضباب لترفعاه عن الأرض بعنف.كان هذا ماثيو، ومعه أدريان الذي همس برعب وصوت خافت:-

"إيفان! تماسك أرجوك.. مارسيل يقترب، يجب أن نخرج من هنا حالاً!"

سنداه بكل قوتهما، وجروه بسرعة نحو الأزقة الخلفية المظلمة حيث تقف دراجاتهم النارية. وما إن صعد إيفان خلف ماثيو وأداروا المحركات، حتى انطلقوا كالسهام في عتمة الليل، تاركين خلفهم الرصيف رقم (4) يشتعل بغضب مارسيل الذي اكتشف اختفاء شحنة الأطفال بالكامل.

في تمام الساعة الثالثة فجراً، استقر الأصدقاء داخل المخزن السري. ارتمى إيفان على المقعد الخشبي، ونزع قناعه ل يظهر وجهه شاحباً كالأموات، والتعرق البارد يغرق جسده. سعل بعنف، لتخرج بضع قطرات من الدماء على كفه.انقبضت قلوب الأصدقاء الثلاثة. تقدم أدريان بخطوات ترتجف، ونظر إلى الدماء في يد إيفان، ثم قال بصوت يملؤه صدمة مرعبة وحزن مكسور:-

"إيفان.. الدم.. هذا السعال.. لا تكذب علي مجدداً! المرض.. اللعين قد عاد، أليس كذلك؟"

أغلق إيفان قبضته بسرعة ليخفي الدماء عن أعينهم، وأخذ نفساً متقطعاً يملؤه العناد، ثم قال بنبرة جافة محاولاً إظهار القوة:-

"أخبرتكم.. أنا بخير. هذا مجرد جرح طفيف في لثتي بسبب ضغط القناع والتنفس العنيف وسط الغاز.. لا تكبروا الأمر."

لكن أدريان لم يتراجع، بل تقدم وضرب الطاولة بقبضته، والدموع تلمع في عينيه غضباً وخوفاً:-

"إلى متى ستكذب يا إيفان؟! نحن عشنا معك الكابوس الأول خطوة بخطوة عندما تخلى عنك الجميع وطردك والدك! نحن من سهرنا بجانبك في المشافي أعراض هذا اللعين نحفظها أكثر منك! شحوبك، امتناعك عن الأكل معنا، والآن هذا الدم.. أرجوك.. قل الحقيقة!"

نظر إيفان إلى وجوه أصدقائه الثلاثة؛ سام الصامت بصدمة، ماثيو الذي يرتجف، وأدريان المكسور. شعر بغصة مريرة في مريئه، وأدرك أن إنكاره لم يعد يجدي نفعاً أمام من أنقذوا حياته سابقاً.تنهد بثقل شديد، وأسند ظهره على المقعد بإنهاك تام، ثم نظر إليهم بعيون غائرة ومتعبة وقال بصوت خافت مجهد:-

"نعم.. لقد عاد.. ووصل إلى قلبي هذه المرة. وانا من رفضت البدء بالعلاج "

تقدم أدريان خطوة سريعة، وامتدت يده لتمسك ياقة قميص إيفان بعنف وهزه بقوة، بينما تشنجت ملامحه وخرج صوته أشبه بصرخة مكتومة تملؤها الهستيريا والدموع:

"رفضته؟! هل جُننت تباً لك يا إيفان؟! أنت تملك ثروة كاملة في حساباتك! تملك المال والقدرة لتشتري أفضل مشافي وأطباء هذا العالم رغماً عن الجميع! لست عاجزاً ولست فقيراً لتموت بلا ثمن.. لماذا تنتحر بإرادتك؟! لماذا تختار الموت؟!"

أبعد إيفان يدي أدريان عن كتفيه بلطف ولكن بحسم، وارتسمت على شفتيه الشاحبتين ابتسامة باردة تحمل كبرياءً لا ينكسر، ثم أجاب بصوت خافت وهادئ:-

"المال لا يشتري الوقت يا أدريان.. غرف العمليات والجرعات الآن ستجعلني طريح الفراش لشهور، يفقدني القدرة على الحركة، ويجعل المافيا تكسب المعركة. أنا لست مستسلماً.. أنا أختار أن أقاتل بكامل قوتي وجسدي واقف على قدميه، بدلاً من أن أموت ببطء فوق سرير المشفى والشبكة تتوسع. أريد كامل قوتي الآن لأنهي شبكة ماركوس ومارسيل، وبعدها.. فليحدث ما يحدث. أريد فقط أن تسندوني.. ولا يجب أن يعلم احد "

صمت أدريان عاجزاً أمام عناد صديقه وهو يتنفس بحدة والدموع تخنق حنجرته. في تلك اللحظة، لم يستطع ماثيو السيطرة على نفسه؛ تقدم بخطوات مشتعلة وضغط بقبضته على الطاولة الحديدية ليصدر منها دويّ قوي هز أركان المكان، وصاح بصوت مخنوق تملؤه الصدمة:-

"وماذا عنا نحن يا إيفان؟! هل فكرت بنا لدقيقة واحدة؟! تظن أننا سنقف نشاهدك وأنت تذبل وتموت أمام أعيننا من أجل انتقام لعين؟! نحن عشنا معك جحيم خطفك و لم نتركك في المرة الأولى، ولن نسمح لك بأن تقتل نفسك في هذه المرة!"

اما سام، الذي كان يلتزم الصمت دائماً ويخفي مشاعره وراء قناع من البرود فقد بدأت ملامحه تتداعى. تقدم ببطء وثبت نظراته الحادة التي امتزجت بالانكسار لأول مرة في عيني إيفان، وقال بنبرة منخفضة لكنها كانت تحمل وزناً كالجبال حسم الموقف:-

"إذاً، هذا هو قرارك الأخير؟ تريد أن تموت واقفاً على قدميك في أرض المعركة بدلاً من أسرة المشافي.. حسناً يا إيفان.. لن نتركك تسقط وحدك. نحن معك حتى النفَس الأخير.. سنساعدك في تفكيك شبكة ماركوس ومارسيل بأسرع مما تتخيل.. ولكن أقسم لك باسم أخوتنا، في اللحظة التي يسقط فيها آخر رأس في هذه المافيا، سنأخذك إلى آخر الأرض ليتعالج هذا الجسد رغماً عن عنادك.. لن نخسرك مجدداً، أسمعتني؟"نظر إيفان إلى وجوههم الثلاثة؛ أدريان المنهار، ماثيو الثائر غضباً، وسام الحاسم. ولأول مرة منذ سنوات، شعر بدفء حقيقي يخترق برودة قلبه المريض، وأومأ برأسه موافقاً بصمت والامتنان يملأ عينيه المتعبتين..

صباح اليوم التالي في مقر المافيا

في تمام الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي، انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة لمقر المافيا السري. دخل إيفان بخطوات واثقة، يخفي شحوبه وجسده المنهك مستنداً على نفوذه وقوته.في نهاية الغرفة خلف المكتب، كان يجلس ماركوس وإلى جانبه يقف مارسيل بوجه محتقن من الغضب بعد كارثة سرقة الأطفال من الرصيف رقم 4.صاح ماركوس بعنف ضارباً المكتب بقبضته:-

"كيف يتبخر الأطفال في خمس دقائق يا مارسيل؟! من هؤلاء الأشباح؟!"

التفت مارسيل بنظرات مسمومة نحو إيفان يحاول رمي التهمة عنه:-

"سيادة الزعيم .. إيفان كان في مكتبي بالأمس، والشبهات تحوم حوله منذ حادثة المشفى ودراجته النارية!"

لم تهتز شعرة واحدة في جسد إيفان. نظر إلى ماركوس بكبرياء صلب، ثم التفت نحو مارسيل بابتسامة ساخرة، وأخرج هاتفاً محمولاً مشفراً وضعه فوق الطاولة قائلاً بثقة:-

"كنتُ أعلم أن فشلك الذريع ليلة أمس سيجعلك تبحث عن شماعة لتعلق عليها خيبتك يا مارسيل.. لذلك بحثتُ خلف تلك الأشباح بنفسي."

ضغط إيفان على الشاشة ليعرض تسجيلاً رقمياً معدلاً بدقة بواسطة أصدقائه، وتابع

"هذا تتبع للترددات اللاسلكية التي استُخدمت ليلة أمس لتفجير قنابل الغاز في الميناء.. الإشارة خرجت من أجهزة تخص عائلة (فلاد) المنافسة لكم، والذين يريدون احتكار تجارة الأطفال لأنفسهم. دراجتي كانت في مخزن الشركة طوال الليل والكاميرات تثبت ذلك!"

تحولت نظرات ماركوس فوراً نحو مارسيل، وتضاعف الغضب في عينيه ليصرخ بمارسيل بعنف:-

"عائلة فلاد؟! يتلاعبون بنا تحت أنفك وأنت تأتي لتهذي هنا باتهام أفضل رجالي؟! اخرج من وجهي الآن واكتشف أين خبأ فلاد بضاعتي، وإلا سيكون رأسك هو الثمن!"

ومأ إيفان برأسه لماركوس ببرود واستدار مغادراً الغرفة الخشبية الضخمة. وما إن أغلق الباب خلفه وخطا خطوات قليلة في الممر المعزول بعيداً عن أعين الحراس، حتى شعر بطعنة ألم حادة تمزق مريئه وصدره جراء التوتر والتمثيل الذي بذله بالداخل. استند بيده على الحائط الحديدي يلهث بصعوبة، ووجهه شاحب كالأموات.

"إيفان!" جاءه صوت أنثوي خافت ومليء بالقلق من زاوية الممر المظلمة. التفت بجسده المنهك ليجد فاليريا تتقدم نحوه بخطوات سريعة ومرتبكة، وعيناها تتفحصان ملامحه بتوتر شديد. نظرت حولها لتتأكد أن الممر خالٍ، ثم اقتربت منه وقالت بنبرة خفيضة تكاد تكون مسموعة:-

"رأيتُ مارسيل يخرج كالمجنون.. ماذا حدث بالداخل؟ ووجهك.. لماذا أنت شاحب هكذا؟ هل ضغط عليك ماركوس في الاستجواب؟"

ابتلع إيفان الغصة الحارقة في حلقه، وأجبر شفتيه على الابتسام ببرود ليطمئنها، ووضع يده في جيبه قائلاً بصوت مجهد يحاول جعله طبيعياً:-

"لا تقلقي.. مارسيل كان يحاول النجاة برأسه بعد فشل ليلة أمس، لكني لقنته درساً لن ينساه أمام ماركوس.. أنا بخير، مجرد إرهاق من العمل."

لم تقتنع بنبرته، واقتربت خطوة إضافية، والدموع تلمع في عينيها خوفاً عليه، وقالت بعتاب رقيق:-

"أنت تكذب.. ملامحك تخبرني أنك لست بخير أبداً. أرجوك يا إيفان، هذا العالم مليء بالدماء والشر، ولا أريدك أن تؤذي نفسك.. تذكر وعدك لي دائماً."

نظر في عينيها الغارقتين بالقلق، وشعر بوخزة في قلبه المريض؛ هو يقاتل لينتقم من ماركوس، وفي نفس الوقت يريد حمايتها هي بالذات من السقوط الذي يقترب.. أومأ لها برأسه مطمئنًا، وسار مبتعداً في الممر قبل أن يلمحهما أحد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قبل السقوط الأخير    غسق المرفأ الشرقي

    انطلقت ثلاث سيارات مصفحة سوداء تابعة للفرقة الشبحية لتحالف الظل في قلب العاصفة الممطرة، تشق الطرقات السريعة المؤدية إلى المرفأ الشرقي للميناء ببرود تام وثبات انفعالي كانت قطرات المطر تضرب الزجاج الداكن للمركبات بعنف، بينما في الداخل، كان الصمت المهيب يقود أجساد الرجال المدججين بالسلاح الثقيل وكواتم الصوت الفولاذية. ارتدى الجميع الأقنعة القماشية السوداء التي تخفي ملامحهم بالكامل، لكي تظل الهوية مجهولة تماماً أمام رجال ماركوس .كانت المصابيح الخلفية للشاحنات المصفحة تومض ببرود وسط الشوارع الخالية، لتبدو كأشباح حقيقية تتحرك في جوف الليل لتنفيذ حكم الموت. في المقعد الخلفي للمركبة الرئيسية، كان إيفان يتفقد بندقيته الآلية بنظرات صقرية حادة، وعيناه تشتعلان بهالة مظلمة من خلف قناعه. وبجانبه كان أدريان يراجع خريطة المرفأ الرقمية عبر ساعته التكتيكية، بينما كان صوت سام ينساب خافتاً وجافاً عبر السماعات اللاسلكية المشفرة من غرفة العمليات بالقبو: "زعيم.. أنا في نظام الميناء الآن. ماركوس حشد قوة مرعبة حول الحاويات رقم 9؛ هناك اثنا عشر حارساً في الميدان السفلي، وثلاثة قناصة متمركزين فوق أسطح الرا

  • قبل السقوط الأخير    صدمة في الصالون

    عاد السكون الثقيل والمقيت ليتشكل فوق ردهات قصر جيوفاني العريق بعد خروج إيفان وفريقه المندفع نحو خط النار. في الصالون الرئيسي، كان العقيد فولكوف يجلس بجسد منهار تماماً وعينين غارقتين في دموع الحسرة وعذاب الضمير، بينما كان الجد ديمتريوس يستند بكل ثقله على عصاه الآبنوسية بغضب صامت مكسور، والملف الجلدي الأسود الذي يحمل وثائق براءة إيفان ورشاوى جوزيبينا وسيرجي لا يزال ملقى في المنتصف كقنبلة فجرت كبرياء العائلة الكبيرة بالكامل.انتبه الجد ديمتريوس فجأة إلى خلو الصالون من حركة سيرجي الذي كان يرتجف قبل قليل. التفت بنظرته الحادة والمجهدة نحو ابنه العقيد وقال بنبرة أجشة مكسورة: "فولكوف.. أين ذهب سيرجي؟ وجوزيبينا لم تنزل من جناحها منذ أن ألقى ميلان تلك الصاعقة فوق رؤوسنا."مسح العقيد فولكوف وجهه بيدين مرتعشتين، وحاول الوقوف بجسده المنهك: "لا أعلم يا أبي.. ربما هربا بعد أن انكشفت قذارتهما أمامنا. سأذهب لتفقد الأمر بنفسي قبل أن يرتد رصاص إيفان البارد فوق هذا القصر."وقبل أن يخطو العقيد خطوة واحدة نحو المخرج، انفتح الباب الرئيسي للصالون ببطء شديد. دخل انزو وميلان بخطوات منتظمة وثابتة، وكانت ملا

  • قبل السقوط الأخير    شفرة العاصفه

    وقف الزعيم ماركوس في منتصف المساحة المتفحمة التي كانت قبل ساعات قليلة المستودع رقم 14، وعيناه تشتعلان بجنون مطلق لم يسبق له مثيل. النيران كانت لا تزال تلتهم بعض بقايا الصناديق الخشبية، والدخان الأسود الكثيف يتصاعد ليغطي سماء الفجر، محولاً ملايين الدولارات من الأسلحة والعتاد الثقيل إلى مجرد رماد وحطام متفحم. كان يصرخ بهستيريا عارمة، ويوجه ركلاته للحطام، بينما يقف رجاله حوله برؤوس منكسة وارتجاف خالص يملأ أوصالهم خوفاً من بطشه "من فعل هذا؟! انطقوا أيها الفاشلون!" زأر ماركوس بصوت أجش أرعب الطيور في السماء: "تفجير المستودع واختفاء مارسيل في نفس الليلة؟! هذه ليست حركة هواة.. هناك منظمة دولية كبرى، أو عائلة مافيا عريقة تريد سحقي من الوجود والاستيلاء على نفوذي في المدينة! وسيرجي القذر اختفى ولم يعد يجيب على خطوطي المشفرة! أقسم أنني سأبيد الجميع.. سأحرق الأخضر واليابس حتى أعثر على من تجرأ على تدمير هيبتي!"على بعد مسافة آمنة خلف الجدار الإسمنتي المتشقق، كانت فاليريا تقف بجسد متصلب وثبات انفعالي خارق يخفي وراءه دقات قلبها المتسارعة بعنف. كانت ترتدي معطفها الداكن، وعيناها الصقريتان تراقبان تح

  • قبل السقوط الأخير    استيقاظ الورقه الأخيرة

    تسلل النور الأبيض الحاد والبارد إلى جفني مارسيل الثقيلين، ليفتح عينيه ببطء شديد وسط حشرجة ألم مزقت حنجرته الجافة كانت أنفاسه متقطعة، وعقله الباطن لا يزال يستحضر صرخات العذاب وظلام "قبو الدم" وسياط حراس ماركوس التي نهشت لحمه طوال الأيام الماضية. انتفض بجسده فجأة بذعر مميت، متوقعاً رؤية وجه والده الروحي ماركوس وهو يوجه السلاح نحو رأسه بتهمة الخيانة لكن الرؤية بدأت تتضح أمامه لتصدمه تماماً؛ لم يكن هناك قبو دم، ولا جدران إسمنتية رطبة، ولا رائحة عفن. كان ممدداً فوق فراش طبي معقم داخل غرفة زجاجية بيضاء بالكامل ومحاطة بجدران زجاجية سميكة عازلة للصوت من اتجاه واحد. نظر إلى جسده ليجده ملفوفاً بالضمادات الطبية النظيفة، ومحقن محلول البلازما مثبت في ذراعه ببراعة فائقة أوقفت نزيفه القاتل."أين.. أين أنا؟" همس مارسيل بصوت مبحوح وهو يحاول التحرك، لكن جسده المنهك رفض الاستجابة: "هل هذا هو جحيم ماركوس الجديد؟"على الجانب الآخر من الزجاج العازل للرؤية، كان يقف إيفان عاقداً ذراعيه فوق صدره، وهالته الجليدية المرعبة تملأ فراغ غرفة التحكم المظلمة. وبجانبه كان يقف الدكتور إيثان ممسكاً بملفه الطبي، وعينا

  • قبل السقوط الأخير    مواجهه

    لم يضيع انزو دقيقة واحدة بعد أن أمن قيام ميلان بسحب سيرجي وتقييده في الغرفة المعزولة بالجناح الشرقي. كانت أنفاسه متلاحقة، وقلبه يغلي بمزيج حارق من الخزي والغضب الصامت. سار بخطوات سريعة وحاسمة في الممر الطويل المؤدي إلى الجناح الخاص بوالدته جوزيبينا، وكان يشعر بكل خطوة يخطوها كأنها جمرة تحرق كبرياء عائلته الفاسدة.كان يمسك في يده النسخة الثانية من ملف الجريمة القديمة؛ أوراق الرشاوى، وتزوير الطب الشرعي، وبصمة والدته الرقمية التي اشترت بها ذمم الشهود والضباط العسكريين لتلفيق تهمة القتل لإيفان قبل سنوات. ومن وراء الجدران، كان يسمع صدى نحيب الأم أوليفيا وعويل الأب النادم في الصالون، مما زاد من إصراره على استئصال الأفاعي من هذا البيت.بدون إذن أو طرقة واحدة، دفع انزو الباب الخشبي الضخم لغرفة والدته ودخل كالعاصفة التي تقتحم وكر الأسرار.كانت جوزيبينا تقف عند النافذة، ملامحها شاحبة كالموت، وتضم يديها المرتجفتين إلى صدرها وهي تراقب سيارات الشرطة والحراسة العسكرية في الخارج بعد زلزال الصالون. كانت أنفاسها متقطعة ودقات قلبها متسارعة بعنف كطبول مذعورة، والتفتت بذعر وصدمة وهي ترى اقتحام ابنها المفا

  • قبل السقوط الأخير    انفاس الثعلب محاصر

    كانت الأجواء داخل قصر جيوفاني بعد مغادرة إيفان واصدقائه اشبه بساحة معركة غطاها الرماد والصمت الخانق. ومع دقات الساعة السادسة صباحا، بدأت الهواتف المشفرة لشبكات الظل تهتز بعنف، لينتشر عبر قنوات المافيا السرية خبر تفجير المستودع 14 التابع لماركوس وسحق حراسه بالكامل على يد قوة مجهولة الهوية واختفاء مارسيل المعذب من قلب قبو الدم.في الممر الشرقي المظلم للقصر، كان سيرجي يقف وراء الستار، وجسده يتنفس بصعوبة كجرذ محاصر في زاوية ضيقة. كان يتصبب عرقا باردا، وعيناه زائغتان تراقبان شاشة هاتفه التي تومض بمحاولات اتصال فاشلة بماركوس."اللعنة.. ماركوس لا يجيب.. المستودع تم تدميره بالكامل وقوتنا المهاجمة أُبيدت قديما في الزقاق!" همس سيرجي بنبرة مليئة بالرعب وهو يمسح جبهته بيد ترتجف بعنف. أدرك الثعلب الخائن أن مسرحيته قد سقطت، وأن إيفان يمتلك الملف الأصلي الذي يحمل بصمات رشاويه وجريمة القتل القديمة، مما يعني أن نهايته أصبحت مسألة ساعات فقط. قرر أن يجمع ملفاته السرية ويهرب فورا من المدينة قبل أن يرتد عليه رصاص إيفان البارد.تحرك سيرجي بخطوات متسارعة وخفيفة نحو مكتب الجد ديمتريوس لسرقة وثائق وتأمين

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status