เข้าสู่ระบบانتصفت ليلة إيطاليا، وتجاوزت الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. خيّم الظلام الدامس على الرصيف المهجور رقم (4) في الميناء الجنوبي. كانت الرياح الباردة تضرب الأمواج، وصوت المحركات يقترب من البعيد؛ إنها السفينة المحملة بالأطفال.تسلل إيفان بقناعه الأسود ومعه أصدقائه الثلاثة سام، ماثيو، وأدريان، واتخذوا مواقعهم خلف الصناديق الحديدية الضخمة شاهرين أسلحتهم الكاتمة للصوت، يراقبون رجال مارسيل وهم يستعدون لتفريغ الشحنة البشرية.همس إيفان بصوت متقطع مجهد وهو يضغط بقوة على قلبه الذي يضطرب بعنف:
«أدريان.. ماثيو.. تعاملا مع الحراس على الرصيف.. سام، اتبعني لفتح أبواب الحاويات وتحرير الأطفال.. يجب أن نتحرك كالصاعقة».وفجأة، رست السفينة وبدأ الرجال في فتح المقطورة، لتشتعل شرارة المعركة! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جاوزت الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. كان الضباب الكثيف يلف الميناء الجنوبي لمدينة روما ورائحة الملوحة تمتزج ببرودة الجو القارسة. ساد سكون غامض لا يقطعه سوى صوت ارتطام أمواج البحر الهادئة بالرصيف الخرساني المهجور رقم (4).خلف إحدى حاويات الشحن الحديدية الضخمة، كانت تقف الأجساد الأربعة المتشحة بالسواد. نزع إيفان قناعه لثوانٍ، مستنشقاً الهواء البارد بصعوبة وهو يشعر بغصة حارقة تمزق أسفل مريئه وتضغط على قفصه الصدري بعنف. كان التوتر الحاد من مواجهة مارسيل صباحاً قد أشعل نيران مرضه مجدداً. انتبه أدريان لنفس إيفان المتقطع، فتقدم منه خطوة ووضع يده على كتفه قائلاً بنبرة يملؤها قلق حقيقي:- "إيفان.. وجهك شاحب جداً، وتعرقك ليس طبيعياً في هذا البرد. هذا التعب.. لا تجعلني أشك بأنه قد عاد إليك مجدداً! لقد أقسمتَ لنا قبل سنتين عندما شُفيت من ذلك اللعين، أنك ستخبرنا إن شعرت بأي عرض!" شعر إيفان بوخزة في قلبه من خوف صديقه،... الصديق الذي سنده مع سام وماثيو عندما طرده والده العقيد وتركوه يصارع الموت وحيداً. أغمض عينيه بقوة، متجرعا غصته المريرة، ثم ألبس قناعه الأسود مجدداً ليخفي ملامحه الميتة وقال بصوت حاول جعله صارماً وثابتاً علي قدر المستطاع :- "أنا بخير يا أدريان.. مجرد توتر بسبب شكوك مارسيل اليوم. لقد أقسمتُ لكم سابقاً وأنا عند وعدي. ركزوا الآن.. الوقت ينفد." تبادل سام وماثيو نظرات قلقة، لكن صوت محرك سفينة ضخمة لوح في الأفق ليقطع حوارهم. بدأت الأضواء الخافتة للسفينة تقترب من الرصيف رقم 4.انطفأت المحركات، وبدأت رافعة السفينة بإنزال حاوية مغلقة بحذر شديد. وفي نفس اللحظة، ظهرت سيارتان سوداوان فخمتان من خلف المستودعات، وترجل منهما رجال مسلحون يرتدون سترات عصابة مارسيل.همس ماثيو وهو يرفع سلاحه الكاتم للصوت:- "الذئاب وصلت.. الحاوية المغلقة هي الهدف. الأطفال بداخلها." تصلبت ملامح إيفان خلف القناع، وضغط بيده اليسرى على صدره ليثبت نبضات قلبه المضطربة، بينما رفعت يده اليمنى السلاح وأمّن التوجيه:- "سام، أدريان.. تكلّفا بالقناصة فوق المستودع بصمت. ماثيو.. أنت معي لفتح الحاوية وتأمين الأطفال. تذكروا.. لا نريد أي خطأ، أريد إحباط هذه القذارة الليلة قبل أن تتحرك شرطة عائلتي ببطئها المعهود. تحركوا!" اعطى إيفان إشارة صامتة بيده لماثيو، وفي نفس اللحظة ضغط على زر جهاز اللاسلكي الصغير ليسمعه سام وأدريان. همس بصوت متحشرج يخفي ألمه:- "الآن.. أشعلوا الجحيم تحت أقدامهم." في ثانية واحدة، انطلقت أربع قنابل غاز مطورة من زوايا مختلفة لتسقط بدقة بين رجال مارسيل وعند باب الحاوية. انفتحت القنابل بإصدار صوت فحيح مرعب، لينتشر غاز أبيض كثيف للغاية حجب الرؤية تماماً في أقل من خمس ثوانٍ.عمّت الفوضى المكان، وارتفع صوت سعال الحراس العنيف وصراخهم المتخبط. تراجع مارسيل بسرعة إلى الخلف محاطاً بحراسه الشخصيين الذين حاولوا حمايته وهم يطلقون النار عشوائياً في الهواء بذعر.اندفع إيفان وماثيو كالأشباح وسط الضباب الأبيض، مستغلين قناعهما الواقي المتطور. ركض إيفان نحو الحاوية، وكان صدره يغلي ومريئه يتأكل من شدة المجهود والتوتر، لكن رؤية الأطفال المذعورين بالداخل أعطته قوة انتحارية.صاح إيفان بالأطفال بصوت منخفض ومطمئن من خلف القناع:- "لا تخافوا.. جاءت النجدة، اتبعوا صديقي بسرعة!" بدأ ماثيو وسام وأدريان الذين انضموا إليهم في توجيه الأطفال وتهريبهم بسرعة نحو الشاحنة الكبيرة التي جهزها الأصدقاء مسبقاً في الزقاق الخلفي للميناء.في هذه الأثناء، كان إيفان يغطي ظهرهم بالسلاح، ويطلق الرصاص بدقة على أقدام حراس مارسيل الذين يحاولون الاقترب وسط الدخان، دون أن يترك لهم فرصة لرؤية وجهه أو التعرف على هويته.ومع خروج آخر طفل من الحاوية، شعر إيفان بضربة مفاجئة وعنيفة في قفصه الصدري.. لم تكن رصاصة، بل كانت طعنة المرض الحادة التي جعلت الدنيا تسود في عينيه، ليسقط على ركبتيه فوق أرضية الرصيف الباردة وهو يسعل بشدة، ويمسك قناعه محاولاً التقاط أنفاسه الهاربة.. كان الدخان الأبيض يبدأ بالتشتت ببطء، وأصوات خطوات رجال مارسيل الغاضبة تقترب كخطوات الموت. جثا إيفان على ركبتيه، يضغط بكل قوته على قفصه الصدري الذي اشتعل بنيران مرضه، وشعر بطعم الدم المألوف يملأ حلقه. كاد وعيه أن ينفلت، لولا يدان قويتان امتدتا من وسط الضباب لترفعاه عن الأرض بعنف.كان هذا ماثيو، ومعه أدريان الذي همس برعب وصوت خافت:- "إيفان! تماسك أرجوك.. مارسيل يقترب، يجب أن نخرج من هنا حالاً!" سنداه بكل قوتهما، وجروه بسرعة نحو الأزقة الخلفية المظلمة حيث تقف دراجاتهم النارية. وما إن صعد إيفان خلف ماثيو وأداروا المحركات، حتى انطلقوا كالسهام في عتمة الليل، تاركين خلفهم الرصيف رقم (4) يشتعل بغضب مارسيل الذي اكتشف اختفاء شحنة الأطفال بالكامل. في تمام الساعة الثالثة فجراً، استقر الأصدقاء داخل المخزن السري. ارتمى إيفان على المقعد الخشبي، ونزع قناعه ل يظهر وجهه شاحباً كالأموات، والتعرق البارد يغرق جسده. سعل بعنف، لتخرج بضع قطرات من الدماء على كفه.انقبضت قلوب الأصدقاء الثلاثة. تقدم أدريان بخطوات ترتجف، ونظر إلى الدماء في يد إيفان، ثم قال بصوت يملؤه صدمة مرعبة وحزن مكسور:- "إيفان.. الدم.. هذا السعال.. لا تكذب علي مجدداً! المرض.. اللعين قد عاد، أليس كذلك؟" أغلق إيفان قبضته بسرعة ليخفي الدماء عن أعينهم، وأخذ نفساً متقطعاً يملؤه العناد، ثم قال بنبرة جافة محاولاً إظهار القوة:- "أخبرتكم.. أنا بخير. هذا مجرد جرح طفيف في لثتي بسبب ضغط القناع والتنفس العنيف وسط الغاز.. لا تكبروا الأمر." لكن أدريان لم يتراجع، بل تقدم وضرب الطاولة بقبضته، والدموع تلمع في عينيه غضباً وخوفاً:- "إلى متى ستكذب يا إيفان؟! نحن عشنا معك الكابوس الأول خطوة بخطوة عندما تخلى عنك الجميع وطردك والدك! نحن من سهرنا بجانبك في المشافي أعراض هذا اللعين نحفظها أكثر منك! شحوبك، امتناعك عن الأكل معنا، والآن هذا الدم.. أرجوك.. قل الحقيقة!" نظر إيفان إلى وجوه أصدقائه الثلاثة؛ سام الصامت بصدمة، ماثيو الذي يرتجف، وأدريان المكسور. شعر بغصة مريرة في مريئه، وأدرك أن إنكاره لم يعد يجدي نفعاً أمام من أنقذوا حياته سابقاً.تنهد بثقل شديد، وأسند ظهره على المقعد بإنهاك تام، ثم نظر إليهم بعيون غائرة ومتعبة وقال بصوت خافت مجهد:- "نعم.. لقد عاد.. ووصل إلى قلبي هذه المرة. وانا من رفضت البدء بالعلاج " تقدم أدريان خطوة سريعة، وامتدت يده لتمسك ياقة قميص إيفان بعنف وهزه بقوة، بينما تشنجت ملامحه وخرج صوته أشبه بصرخة مكتومة تملؤها الهستيريا والدموع: "رفضته؟! هل جُننت تباً لك يا إيفان؟! أنت تملك ثروة كاملة في حساباتك! تملك المال والقدرة لتشتري أفضل مشافي وأطباء هذا العالم رغماً عن الجميع! لست عاجزاً ولست فقيراً لتموت بلا ثمن.. لماذا تنتحر بإرادتك؟! لماذا تختار الموت؟!" أبعد إيفان يدي أدريان عن كتفيه بلطف ولكن بحسم، وارتسمت على شفتيه الشاحبتين ابتسامة باردة تحمل كبرياءً لا ينكسر، ثم أجاب بصوت خافت وهادئ:- "المال لا يشتري الوقت يا أدريان.. غرف العمليات والجرعات الآن ستجعلني طريح الفراش لشهور، يفقدني القدرة على الحركة، ويجعل المافيا تكسب المعركة. أنا لست مستسلماً.. أنا أختار أن أقاتل بكامل قوتي وجسدي واقف على قدميه، بدلاً من أن أموت ببطء فوق سرير المشفى والشبكة تتوسع. أريد كامل قوتي الآن لأنهي شبكة ماركوس ومارسيل، وبعدها.. فليحدث ما يحدث. أريد فقط أن تسندوني.. ولا يجب أن يعلم احد " صمت أدريان عاجزاً أمام عناد صديقه وهو يتنفس بحدة والدموع تخنق حنجرته. في تلك اللحظة، لم يستطع ماثيو السيطرة على نفسه؛ تقدم بخطوات مشتعلة وضغط بقبضته على الطاولة الحديدية ليصدر منها دويّ قوي هز أركان المكان، وصاح بصوت مخنوق تملؤه الصدمة:- "وماذا عنا نحن يا إيفان؟! هل فكرت بنا لدقيقة واحدة؟! تظن أننا سنقف نشاهدك وأنت تذبل وتموت أمام أعيننا من أجل انتقام لعين؟! نحن عشنا معك جحيم خطفك و لم نتركك في المرة الأولى، ولن نسمح لك بأن تقتل نفسك في هذه المرة!" اما سام، الذي كان يلتزم الصمت دائماً ويخفي مشاعره وراء قناع من البرود فقد بدأت ملامحه تتداعى. تقدم ببطء وثبت نظراته الحادة التي امتزجت بالانكسار لأول مرة في عيني إيفان، وقال بنبرة منخفضة لكنها كانت تحمل وزناً كالجبال حسم الموقف:- "إذاً، هذا هو قرارك الأخير؟ تريد أن تموت واقفاً على قدميك في أرض المعركة بدلاً من أسرة المشافي.. حسناً يا إيفان.. لن نتركك تسقط وحدك. نحن معك حتى النفَس الأخير.. سنساعدك في تفكيك شبكة ماركوس ومارسيل بأسرع مما تتخيل.. ولكن أقسم لك باسم أخوتنا، في اللحظة التي يسقط فيها آخر رأس في هذه المافيا، سنأخذك إلى آخر الأرض ليتعالج هذا الجسد رغماً عن عنادك.. لن نخسرك مجدداً، أسمعتني؟"نظر إيفان إلى وجوههم الثلاثة؛ أدريان المنهار، ماثيو الثائر غضباً، وسام الحاسم. ولأول مرة منذ سنوات، شعر بدفء حقيقي يخترق برودة قلبه المريض، وأومأ برأسه موافقاً بصمت والامتنان يملأ عينيه المتعبتين.. صباح اليوم التالي في مقر المافيا في تمام الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي، انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة لمقر المافيا السري. دخل إيفان بخطوات واثقة، يخفي شحوبه وجسده المنهك مستنداً على نفوذه وقوته.في نهاية الغرفة خلف المكتب، كان يجلس ماركوس وإلى جانبه يقف مارسيل بوجه محتقن من الغضب بعد كارثة سرقة الأطفال من الرصيف رقم 4.صاح ماركوس بعنف ضارباً المكتب بقبضته:- "كيف يتبخر الأطفال في خمس دقائق يا مارسيل؟! من هؤلاء الأشباح؟!" التفت مارسيل بنظرات مسمومة نحو إيفان يحاول رمي التهمة عنه:- "سيادة الزعيم .. إيفان كان في مكتبي بالأمس، والشبهات تحوم حوله منذ حادثة المشفى ودراجته النارية!" لم تهتز شعرة واحدة في جسد إيفان. نظر إلى ماركوس بكبرياء صلب، ثم التفت نحو مارسيل بابتسامة ساخرة، وأخرج هاتفاً محمولاً مشفراً وضعه فوق الطاولة قائلاً بثقة:- "كنتُ أعلم أن فشلك الذريع ليلة أمس سيجعلك تبحث عن شماعة لتعلق عليها خيبتك يا مارسيل.. لذلك بحثتُ خلف تلك الأشباح بنفسي." ضغط إيفان على الشاشة ليعرض تسجيلاً رقمياً معدلاً بدقة بواسطة أصدقائه، وتابع "هذا تتبع للترددات اللاسلكية التي استُخدمت ليلة أمس لتفجير قنابل الغاز في الميناء.. الإشارة خرجت من أجهزة تخص عائلة (فلاد) المنافسة لكم، والذين يريدون احتكار تجارة الأطفال لأنفسهم. دراجتي كانت في مخزن الشركة طوال الليل والكاميرات تثبت ذلك!" تحولت نظرات ماركوس فوراً نحو مارسيل، وتضاعف الغضب في عينيه ليصرخ بمارسيل بعنف:- "عائلة فلاد؟! يتلاعبون بنا تحت أنفك وأنت تأتي لتهذي هنا باتهام أفضل رجالي؟! اخرج من وجهي الآن واكتشف أين خبأ فلاد بضاعتي، وإلا سيكون رأسك هو الثمن!" ومأ إيفان برأسه لماركوس ببرود واستدار مغادراً الغرفة الخشبية الضخمة. وما إن أغلق الباب خلفه وخطا خطوات قليلة في الممر المعزول بعيداً عن أعين الحراس، حتى شعر بطعنة ألم حادة تمزق مريئه وصدره جراء التوتر والتمثيل الذي بذله بالداخل. استند بيده على الحائط الحديدي يلهث بصعوبة، ووجهه شاحب كالأموات. "إيفان!" جاءه صوت أنثوي خافت ومليء بالقلق من زاوية الممر المظلمة. التفت بجسده المنهك ليجد فاليريا تتقدم نحوه بخطوات سريعة ومرتبكة، وعيناها تتفحصان ملامحه بتوتر شديد. نظرت حولها لتتأكد أن الممر خالٍ، ثم اقتربت منه وقالت بنبرة خفيضة تكاد تكون مسموعة:- "رأيتُ مارسيل يخرج كالمجنون.. ماذا حدث بالداخل؟ ووجهك.. لماذا أنت شاحب هكذا؟ هل ضغط عليك ماركوس في الاستجواب؟" ابتلع إيفان الغصة الحارقة في حلقه، وأجبر شفتيه على الابتسام ببرود ليطمئنها، ووضع يده في جيبه قائلاً بصوت مجهد يحاول جعله طبيعياً:- "لا تقلقي.. مارسيل كان يحاول النجاة برأسه بعد فشل ليلة أمس، لكني لقنته درساً لن ينساه أمام ماركوس.. أنا بخير، مجرد إرهاق من العمل." لم تقتنع بنبرته، واقتربت خطوة إضافية، والدموع تلمع في عينيها خوفاً عليه، وقالت بعتاب رقيق:- "أنت تكذب.. ملامحك تخبرني أنك لست بخير أبداً. أرجوك يا إيفان، هذا العالم مليء بالدماء والشر، ولا أريدك أن تؤذي نفسك.. تذكر وعدك لي دائماً." نظر في عينيها الغارقتين بالقلق، وشعر بوخزة في قلبه المريض؛ هو يقاتل لينتقم من ماركوس، وفي نفس الوقت يريد حمايتها هي بالذات من السقوط الذي يقترب.. أومأ لها برأسه مطمئنًا، وسار مبتعداً في الممر قبل أن يلمحهما أحد.حلّت الساعة السابعة صباحاً، وهو موعد الإفطار الرسمي والمقدس لدى عائلة جيوفاني. اجتمعت العائلة الكبيرة حول المائدة الطويلة؛ الجد ديمتريوس يستند بحزن على عصاه، والعقيد فولكوف بملامحه المرهقة، والأم أوليفيا وعيناها منتفختان من البكاء، بالإضافة إلى انزو وميلان اللذين كانا يتبادلان نظرات صامتة مريبة. انفتح الباب الجانبي ودخل إيفان ببروده المعتاد وهالته الجليدية، متقدماً بقميصه الأسود، لكن وجود ضمادة الشاش البيضاء الطبية الملفوفة حول جبينه صدمت الجميع وأوقفت حركة أيديهم.نظرت الأم أوليفيا بذهول وذعر، ووضعت كفيها على صدرها قائلة بنبرة مرتجفة: "إيفان! يا إلهي، ما هذا الجرح الذي يغطي رأسك؟! ماذا حدث لك في جوف الليل؟!"نظر إيفان إليها بعينين صقريتين باردتين خالتين من أي تعبير، وجلس بهدوء على مقعده دون أن تهتز ملامحه لمليمتر واحد، وأجاب بنبرة صوت رخامية منخفضة وجافة كالملح: "لا شيء يستدعي الذعر.. لقد ارتطمت بركن جدار صلب في العتمة فحسب."تبادلت العائلة نظرات الشك وعدم التصديق؛ فالعقيد فولكوف والجد ديمتريوس يعرفان تماماً أن ضابطاً محترفاً ومقاتلاً بقامته لا يمكن أن يرتطم بجدار بعفوية أو يصاب ب
كان السكون يلف أركان بيت ايفان الخاص، ذلك القصر الصغير المنعزل والمحاط بالحدائق في أطراف المدينة المعزولة، والذي اتخذه إيفان ملاذاً سرياً بعيداً عن أعين الجميع. جلس إيفان بمفرده تماماً في بهو منزله، واضعاً قدماً فوق الأخرى فوق مقعده الجلدي الفخم، مرتدياً قميصه الأسود الصارم، وعيناه الصقريتان تراقبان خيوط المطر الكثيف خلف النافذة الزجاجية ببرود تملكه الكبرياء المظلم. لقد أمر رجاله بالكامل بالمغادرة والتفرق سراً لتأمين محيط المرفأ الشرقي ومراقبة تحركات المافيا، مفضلاً البقاء وحيداً ليريح جسده الرياضي الذي طالما خانه بصمت لسنوات جراء مرض صامت ينهش رئتيه في الخفاء.لكن، في تلك الساعة الخانقة من الليل، انفتحت بوابات الجحيم بدم بارد.فقد نجح رجال الزعيم ماركوس في تتبع خط سير إحدى سيارات الفرقة الشبحية المنسحبة سابقاً، و قادتهم الخيوط إلى هذا البيت المعزول. و بأوامر هستيرية من ماركوس المصاب و الراغب في الانتقام، سكب حراس المافيا آلاف اللترات من الوقود حول جدران المنزل، و أشعلوا النيران بالكامل ليتصاعد الدخان الأسود الكثيف و الخانق، محولين عرينه السري إلى قطعة مستعرة من النيران التهمت أجهز
لم تدع محركات سيارات ماركوس المصفحة مجالاً للشك داخل قصر جيوفاني؛ فقد اقتحم أسطول المافيا الشوارع المحيطة بالأسوار تحت خطوط المطر الغزير، وبدأت الرصاصات الثقيلة تخترق الواجهات الزجاجية والجدران الإسمنتية لتعلن بدء مجزرة اختراق حقيقية. استيقظ الجد ديمتريوس والعقيد فولكوف من ذهول الندم بالأعلى، وتحركت غريزتهم العسكرية فوراً؛ سحب العقيد سلاحه الرسمي وصاح بالحرس لتعبئة خطوط الدفاع، بينما انطلق انزو وميلان لصد الهجوم من ممرات الحديقة الجانبية لمنع الأعداء من الوصول للجناح السفلي المعزول حيث يقبع إيفان .اشتعلت معركة حامية تحت الأسوار الفولاذية، وتبادل حرس القصر النيران مع رجال نخبة ماركوس المدججين بالعتاد. كان ماركوس يتحرك في الخلف بجنون حاقد، يصرخ برجاله لإحراق القصر وإبادة الجميع بعد أن زحف إليه سيرش وجوزيبينا المطرودان بذل وأخبراه أن تحالف الظل يدار من داخل هذا الحصن العتيق.وفجأة، حدثت الثغرة القاتلة؛ نجح ثلاثة من رجال ماركوس في الالتفاف واخترقوا السور الشمالي، ووجد العقيد فولكوف نفسه محاصراً وسط نيران كثيفة. وقبل أن يتمكن من إعادة تذخير سلاحه، انقض عليه أحد رجال المافيا الأشداء من
لم تكن شاشات المؤشرات الحيوية داخل الجناح السفلي المعزول تطلق صفيراً عادياً، بل كانت تدق كنواقيس الموت في الغرفة المظلمة. انفتحت بوابات الجحيم الطبي على "تحالف الظل" في أصعب توقيت ميداني؛ فبينما كان جسد إيفان ملقى بلا حراك فوق الفراش، ووجهه الشاحب كالجثة مغطى بقناع الأكسجين، كانت رسالة فاليريا الطارئة تومض باللون الأزرق على شاشة سام لتعلن أن أسطول ماركوس المسلح يتحرك بكامل عتاده لإبادة قصر جيوفاني بعد اعترافات سيرش وجوزيبينا المطرودين."إيثان.. النبض يتلاشى تماماً والمؤشرات تقترب من الخط المستوي!" صرخ سام بصوت مرتجف غمرته الدموع وهو يرى شاشات القلب الرقمية تعلن السقوط الأخير لأنفاس زعيمهم وصديق عمرهم: "ماركوس على وشك اختراق الأسوار الخارجية للقصر، وإيفان يغرق في الغيبوبة الصامتة!"لم يلتفت الدكتور إيثان نحو الشاشة، بل تلاشت ملامحه الحادة تماماً وسحب جهاز الصدمات الكهربائية المحمول ببراعة وسرعة فائقة. وضعه فوق صدر إيفان الصلب المبتل بالعرق البارد، وزأر بنبرة خالية من أي برود: "أدريان.. ارفع درجة الشحن لـ مائتين جول فورا! سام.. اقطع أي تواصل خارجي وعطل شبكة اتصالات المافيا المحيطة ب
بعد أن انتهت عاصفة الطرد العائلي وسحب انزو وميلان لسيرش وجوزيبينا مطرودين خارج بوابات قصر جيوفاني العتيق، عاد الهدوء الخانق ليتشكل فوق الردهات. عاد إيفان وفريقه من المقر السري ليتمركزوا مجدداً في جناحهم المعزول بالممر السفلي للقصر، مستغلين حالة الانهيار والندم التي شلت العقيد فولكوف والجد ديمتريوس لترتيب اللمسات الأخيرة لاقتحام الجناح الغربي لماركوس.توجه أدريان وإيثان إلى غرفة الذخيرة الملحقة بالجناح لفحص السلاح الثقيل وفك شفرات سام الرقمية، بينما بقي إيفان بمفرده في المطبخ الصغير الخاص بالجناح المعزول. كان يرتدي قميصه الأسود وعيناه تراقبان خيوط المطر الكثيف خلف النافذة الزجاجية، مد يده ليصب كوباً من الماء البارد ليهدئ من حرارة النيران التي بدأت تنهش أحشاء صدره منذ ليلة الميناء.لكن، ثانيه واحده كانت كافيه، ثانية واحدة خاطفة، سقط إيفان في المطبخ، يده ترتجف وتترك الكأس الزجاجية لتتحطم على الأرض مفرزة شظايا متناثرة تومض تحت الضوء الخافت للقصر. يحاول التنفس، لكن الهواء يخون حلقه كأنه يبتلع شظايا زجاج حادة. يضع كفيه على رقبته، وعيناه متسعتان بذهول وصدمة من حجم الهجوم المباغت للم
لم ينتظر الجد ديمتريوس عودة إيفان وفريقه من الميدان الخارجي ليتخذ قراره الصارم؛ فكبرياء عائلة جيوفاني الذي تلوث بقذارة سيرجي وجوزيبينا كان يحتاج إلى بتر فوري وعقوبة تطهر صالون القصر حجرًا بحجر. وقف الجد في منتصف بهو القصر الكبير، وعصاه تضرب الأرض بحدة، وبجانبه كان العقيد فولكوف يوقع بأصابع مرتجفة على وثائق الإلغاء القانوني والمالي.بأوامر قاطعة من العقيد، اقتحم انزو وميلان الغرف المعزولة، وقاما بفك قيود سيرجي وجوزيبينا وسحبهما بعنف نحو الصالون الرئيسي حيث كانت العائلة الكبيرة تنتظرهم بوجوه ميتة خالية من أي عاطفة. كانت جوزيبينا تظن لثوانٍ أن دم الأمومة شفع لها، وأنهم سيطلقون سراحها لتعود لنفوذها.لكن الجد ديمتريوس نظر إليهما بنظرة حادة كالسكين جمدت الدماء في عروقهما، وقال بصوت أجش هدر في أركان القصر كالصاعقة: "سيرجي.. جوزيبينا.. لقد لوثتما شرف هذه العائله، وبعتما رقابنا للمافيا من أجل نفوذ وجشع فاسد، وطردتما إيفان الصادق الذي كان يحمينا في الخفاء. القانون في لبيتنا لا يسمح بوضعكما في السجون لتجنب الفضيحة العلنية لاسم جيوفاني.. لكن