LOGINترجل إيفان عن دراجته النارية بخطوات مثقلة تكاد لا تحمله، كان التعب ينهش جسده النحيل والمنهك بعد ليلة طويلة وقاسية بلا نوم، تخللتها مهمة قنص خطيرة حبست أنفاسه ودقت طبول الأدرينالين في عروقه. فتح باب القصر الكبير بهدوء وحذر شديدين، محاولاً التسلل في عتمة الليل إلى غرفته دون أن يشعر به أحد من قاطني البيت، لكن الحظ لم يكن حليفه هذه المرة أبداً.كان شقيقه رافيل يقف في نهاية الممر المظلم المؤدي إلى السلالم، ممسكاً بكوب من الماء البارد. التفت رافيل فور سماعه حركة الباب الخفيفة، ووقعت عيناه على خيال إيفان الداخل. تصلب رافيل في مكانه، وتقدم نحو شقيقه ببطء وعيناه تتفحصانه بذهول وقلق
:"إيفان؟ ما بك؟ وجهك شاحب كالموتى.. ولماذا تتنفس بهذا الشكل المضطرب؟" حاول إيفان تجاوزه ببرود وجفاء وهو يرفع ياقة سترته السوداء ليخفي ملامحه: "أنا بخير، مجرد تعب عابر من العمل المتواصل.. ابتعد عن طريقي ودعني أمر." لكن رافيل، بدافع الخوف والأخوة، أمسك بذراعه فجأة ليوقفه ويجبره على المواجهة، وفي تلك اللحظة القريبة، التفتت حاسة رافيل الشرطية الصارمة إلى شيء آخر غير متوقع. ضيق عينيه بشك، واستنشق الهواء بقرب ثياب إيفان، لتتسع عيناه فجأة بصدمة بالغة وعنيفة. تراجع خطوة إلى الخلف وهو يهمس بنبرة يملؤها الذهول والارتباك:"هذه.. هذه رائحة بارود! إيفان، أنت تفوح برائحة رصاص وبارود محترق كأنك كنت في ساحة معركة! أين كنت في هذا الوقت من الليل؟!" نزع إيفان ذراعه من قبضة أخيه بقوة وعنف صب فيهما كل غضبه، وهتف بجفاء قلت لك مئات المرات ليس من شأنك! لا تتدخل فيما لا يعنيك يا رافيل، ولا تقحم نفسك في حياتي!" في هذه اللحظة المشحونة، فُتح باب غرفة المعيشة المجاورة، وخرج لوكاس على صوت مشادتهما الحادة والجهورية التي قطعت سكون القصر، لينظر إليهما بتعجب واستنكار :"ما الذي يحدث هنا بينكما؟ ولماذا تصرخان في هذا الوقت المتأخر من الليل؟ "التفت رافيل إلى لوكاس والذهول والشك يملآن وجهه بالكامل، وقال بنبرة مرتجفة: "لوكاس.. اقترب وانظر، إن رائحة البارود المحترق تفوح من ثيابه وجسده بشكل لا يمكن إخفاؤه! إنه يخفي عنا شيئاً كارثياً ومصيبة لا نعلمها!" كان إيفان على وشك الرد بحدة والتحرك بسرعة نحو السلالم لينهي هذا التحقيق المزعج، لكن فجأة.. تجمد جسده بالكامل في مكانه كأنه صُعق. شعر بوخزة حارقة، مباغتة وعنيفة في منتصف صدره، امتدت كأنها نِصال سكاكين حادة تمزق أحشاءه وقلبه من الداخل وصولاً إلى منتصف ظهره. اضطربت ضربات قلبه بشكل جنوني ومتسارع لدرجة شعر معها أن قفصه الصدري سينفجر، وهاجمه غثيان حاد وضيق نفس شديد شعر معه وكأن مجرى طعامه وهواؤه قد أُغلقا تماماً لينقطع عنه الأكسجين.انسحبت الدماء من وجهه دفعة واحدة ليصبح أبيض كفن الموتى، واهتزت ركبتاه بضعف شديد وخارت قواه، ولولا أنه مد يده واستند بسرعة على حافة الحائط الإسمنتي لسقط أرضاً بكامل طوله. وضع يده الأخرى فوق صدره يضغط بقوة اعتصار مؤلمة، محاولاً التقاط ذرة أكسجين واحدة تغذي رئتيه المتعبتين، بينما خرجت تنهيداته مسموعة ومصحوبة بأنين مكتوم وموجع يمزق القلوب من شدة الألم.في ثانية واحدة، انقلاب ملامح رافيل ولوكاس من الشك، الاتهام، والتحقيق الشرطي إلى الرعب والهلع الخالص على شقيقهما الأصغر. تناسيا أمر رائحة البارود والأسلحة تماماً، واندفعا نحوه بسرعة جنونية يمسكان بجسده المتصلب الذي بدأ يترنح ويتهاوى ببطء نحو الأرض.صاح لوكاس بهلع وصوت جهوري هز أرجاء الممر :"إيفان! إيفان ما بك؟ أين يؤلمك؟! تحدث معي!" وهتف رافيل وهو يحيط خصر شقيقه ويسنده بقوة مانعاً إياه من السقوط: "أنت لست بخير على الإطلاق! وجهك شاحب تماماً كالأموات، وجسدك يرتجف بين يدي كالريشة في مهب الريح! لوكاس، أحضر طبيباً فوراً!" ستجمع إيفان آخر ذرة من كبريائه وقوته المتبقية، ودفعهما عنه بضعف مسيطر، مستنشقاً الهواء بصعوبة بالغة. لم يكن يريد أن يرى أحد عجز جسده الذي يخذله يوماً بعد يوم، ولا يريد شفقة من العائلة التي تخلت عنه يوماً. مسح جبهته التي غطتها دموع الألم والتعرق البارد، وقال بصوت متحشرج ومتقطع: "ابتعدا.. عني.. أنا.. بخير..".تحامل على جسده المتهالك، وبخطوات ثقيلة يجر فيها قدميه جراً، صعد السلالم متجهاً لغرفته، تاركاً شقيقيه في الأسفل يتملكهما رعب حقيقي؛ ليس من رائحة سلاحه هذه المرة، بل من ذلك الضعف الخفي والمفاجئ الذي بدا يلتهم شقيقهما الأصغر أمام أعينهما.دلف غرفته وأغلق الباب بالقفل، ثم انهار خلفه جالساً على الأرض. أخرج زجاجة دوائه بطلب عاجل من حقيبته، وابتلع حبتين بصعوبة بالغة وغصة مؤلمة في حلقه، مغمضاً عينيه وهو يدعو في سره أن يمهله هذا الألم اللعين وقتاً كافياً فقط.. لينتهي من قائمة تصفية الحسابات المعلقة على حائطه قبل أن ينفد وقته.حلّت الساعة السابعة صباحاً، وهو موعد الإفطار الرسمي والمقدس لدى عائلة جيوفاني. اجتمعت العائلة الكبيرة حول المائدة الطويلة؛ الجد ديمتريوس يستند بحزن على عصاه، والعقيد فولكوف بملامحه المرهقة، والأم أوليفيا وعيناها منتفختان من البكاء، بالإضافة إلى انزو وميلان اللذين كانا يتبادلان نظرات صامتة مريبة. انفتح الباب الجانبي ودخل إيفان ببروده المعتاد وهالته الجليدية، متقدماً بقميصه الأسود، لكن وجود ضمادة الشاش البيضاء الطبية الملفوفة حول جبينه صدمت الجميع وأوقفت حركة أيديهم.نظرت الأم أوليفيا بذهول وذعر، ووضعت كفيها على صدرها قائلة بنبرة مرتجفة: "إيفان! يا إلهي، ما هذا الجرح الذي يغطي رأسك؟! ماذا حدث لك في جوف الليل؟!"نظر إيفان إليها بعينين صقريتين باردتين خالتين من أي تعبير، وجلس بهدوء على مقعده دون أن تهتز ملامحه لمليمتر واحد، وأجاب بنبرة صوت رخامية منخفضة وجافة كالملح: "لا شيء يستدعي الذعر.. لقد ارتطمت بركن جدار صلب في العتمة فحسب."تبادلت العائلة نظرات الشك وعدم التصديق؛ فالعقيد فولكوف والجد ديمتريوس يعرفان تماماً أن ضابطاً محترفاً ومقاتلاً بقامته لا يمكن أن يرتطم بجدار بعفوية أو يصاب ب
كان السكون يلف أركان بيت ايفان الخاص، ذلك القصر الصغير المنعزل والمحاط بالحدائق في أطراف المدينة المعزولة، والذي اتخذه إيفان ملاذاً سرياً بعيداً عن أعين الجميع. جلس إيفان بمفرده تماماً في بهو منزله، واضعاً قدماً فوق الأخرى فوق مقعده الجلدي الفخم، مرتدياً قميصه الأسود الصارم، وعيناه الصقريتان تراقبان خيوط المطر الكثيف خلف النافذة الزجاجية ببرود تملكه الكبرياء المظلم. لقد أمر رجاله بالكامل بالمغادرة والتفرق سراً لتأمين محيط المرفأ الشرقي ومراقبة تحركات المافيا، مفضلاً البقاء وحيداً ليريح جسده الرياضي الذي طالما خانه بصمت لسنوات جراء مرض صامت ينهش رئتيه في الخفاء.لكن، في تلك الساعة الخانقة من الليل، انفتحت بوابات الجحيم بدم بارد.فقد نجح رجال الزعيم ماركوس في تتبع خط سير إحدى سيارات الفرقة الشبحية المنسحبة سابقاً، و قادتهم الخيوط إلى هذا البيت المعزول. و بأوامر هستيرية من ماركوس المصاب و الراغب في الانتقام، سكب حراس المافيا آلاف اللترات من الوقود حول جدران المنزل، و أشعلوا النيران بالكامل ليتصاعد الدخان الأسود الكثيف و الخانق، محولين عرينه السري إلى قطعة مستعرة من النيران التهمت أجهز
لم تدع محركات سيارات ماركوس المصفحة مجالاً للشك داخل قصر جيوفاني؛ فقد اقتحم أسطول المافيا الشوارع المحيطة بالأسوار تحت خطوط المطر الغزير، وبدأت الرصاصات الثقيلة تخترق الواجهات الزجاجية والجدران الإسمنتية لتعلن بدء مجزرة اختراق حقيقية. استيقظ الجد ديمتريوس والعقيد فولكوف من ذهول الندم بالأعلى، وتحركت غريزتهم العسكرية فوراً؛ سحب العقيد سلاحه الرسمي وصاح بالحرس لتعبئة خطوط الدفاع، بينما انطلق انزو وميلان لصد الهجوم من ممرات الحديقة الجانبية لمنع الأعداء من الوصول للجناح السفلي المعزول حيث يقبع إيفان .اشتعلت معركة حامية تحت الأسوار الفولاذية، وتبادل حرس القصر النيران مع رجال نخبة ماركوس المدججين بالعتاد. كان ماركوس يتحرك في الخلف بجنون حاقد، يصرخ برجاله لإحراق القصر وإبادة الجميع بعد أن زحف إليه سيرش وجوزيبينا المطرودان بذل وأخبراه أن تحالف الظل يدار من داخل هذا الحصن العتيق.وفجأة، حدثت الثغرة القاتلة؛ نجح ثلاثة من رجال ماركوس في الالتفاف واخترقوا السور الشمالي، ووجد العقيد فولكوف نفسه محاصراً وسط نيران كثيفة. وقبل أن يتمكن من إعادة تذخير سلاحه، انقض عليه أحد رجال المافيا الأشداء من
لم تكن شاشات المؤشرات الحيوية داخل الجناح السفلي المعزول تطلق صفيراً عادياً، بل كانت تدق كنواقيس الموت في الغرفة المظلمة. انفتحت بوابات الجحيم الطبي على "تحالف الظل" في أصعب توقيت ميداني؛ فبينما كان جسد إيفان ملقى بلا حراك فوق الفراش، ووجهه الشاحب كالجثة مغطى بقناع الأكسجين، كانت رسالة فاليريا الطارئة تومض باللون الأزرق على شاشة سام لتعلن أن أسطول ماركوس المسلح يتحرك بكامل عتاده لإبادة قصر جيوفاني بعد اعترافات سيرش وجوزيبينا المطرودين."إيثان.. النبض يتلاشى تماماً والمؤشرات تقترب من الخط المستوي!" صرخ سام بصوت مرتجف غمرته الدموع وهو يرى شاشات القلب الرقمية تعلن السقوط الأخير لأنفاس زعيمهم وصديق عمرهم: "ماركوس على وشك اختراق الأسوار الخارجية للقصر، وإيفان يغرق في الغيبوبة الصامتة!"لم يلتفت الدكتور إيثان نحو الشاشة، بل تلاشت ملامحه الحادة تماماً وسحب جهاز الصدمات الكهربائية المحمول ببراعة وسرعة فائقة. وضعه فوق صدر إيفان الصلب المبتل بالعرق البارد، وزأر بنبرة خالية من أي برود: "أدريان.. ارفع درجة الشحن لـ مائتين جول فورا! سام.. اقطع أي تواصل خارجي وعطل شبكة اتصالات المافيا المحيطة ب
بعد أن انتهت عاصفة الطرد العائلي وسحب انزو وميلان لسيرش وجوزيبينا مطرودين خارج بوابات قصر جيوفاني العتيق، عاد الهدوء الخانق ليتشكل فوق الردهات. عاد إيفان وفريقه من المقر السري ليتمركزوا مجدداً في جناحهم المعزول بالممر السفلي للقصر، مستغلين حالة الانهيار والندم التي شلت العقيد فولكوف والجد ديمتريوس لترتيب اللمسات الأخيرة لاقتحام الجناح الغربي لماركوس.توجه أدريان وإيثان إلى غرفة الذخيرة الملحقة بالجناح لفحص السلاح الثقيل وفك شفرات سام الرقمية، بينما بقي إيفان بمفرده في المطبخ الصغير الخاص بالجناح المعزول. كان يرتدي قميصه الأسود وعيناه تراقبان خيوط المطر الكثيف خلف النافذة الزجاجية، مد يده ليصب كوباً من الماء البارد ليهدئ من حرارة النيران التي بدأت تنهش أحشاء صدره منذ ليلة الميناء.لكن، ثانيه واحده كانت كافيه، ثانية واحدة خاطفة، سقط إيفان في المطبخ، يده ترتجف وتترك الكأس الزجاجية لتتحطم على الأرض مفرزة شظايا متناثرة تومض تحت الضوء الخافت للقصر. يحاول التنفس، لكن الهواء يخون حلقه كأنه يبتلع شظايا زجاج حادة. يضع كفيه على رقبته، وعيناه متسعتان بذهول وصدمة من حجم الهجوم المباغت للم
لم ينتظر الجد ديمتريوس عودة إيفان وفريقه من الميدان الخارجي ليتخذ قراره الصارم؛ فكبرياء عائلة جيوفاني الذي تلوث بقذارة سيرجي وجوزيبينا كان يحتاج إلى بتر فوري وعقوبة تطهر صالون القصر حجرًا بحجر. وقف الجد في منتصف بهو القصر الكبير، وعصاه تضرب الأرض بحدة، وبجانبه كان العقيد فولكوف يوقع بأصابع مرتجفة على وثائق الإلغاء القانوني والمالي.بأوامر قاطعة من العقيد، اقتحم انزو وميلان الغرف المعزولة، وقاما بفك قيود سيرجي وجوزيبينا وسحبهما بعنف نحو الصالون الرئيسي حيث كانت العائلة الكبيرة تنتظرهم بوجوه ميتة خالية من أي عاطفة. كانت جوزيبينا تظن لثوانٍ أن دم الأمومة شفع لها، وأنهم سيطلقون سراحها لتعود لنفوذها.لكن الجد ديمتريوس نظر إليهما بنظرة حادة كالسكين جمدت الدماء في عروقهما، وقال بصوت أجش هدر في أركان القصر كالصاعقة: "سيرجي.. جوزيبينا.. لقد لوثتما شرف هذه العائله، وبعتما رقابنا للمافيا من أجل نفوذ وجشع فاسد، وطردتما إيفان الصادق الذي كان يحمينا في الخفاء. القانون في لبيتنا لا يسمح بوضعكما في السجون لتجنب الفضيحة العلنية لاسم جيوفاني.. لكن