LOGINلم تكن شاشات المؤشرات الحيوية داخل الجناح السفلي المعزول تطلق صفيراً عادياً، بل كانت تدق كنواقيس الموت في الغرفة المظلمة. انفتحت بوابات الجحيم الطبي على "تحالف الظل" في أصعب توقيت ميداني؛ فبينما كان جسد إيفان ملقى بلا حراك فوق الفراش، ووجهه الشاحب كالجثة مغطى بقناع الأكسجين، كانت رسالة فاليريا الطارئة تومض باللون الأزرق على شاشة سام لتعلن أن أسطول ماركوس المسلح يتحرك بكامل عتاده لإبادة قصر جيوفاني بعد اعترافات سيرش وجوزيبينا المطرودين."إيثان.. النبض يتلاشى تماماً والمؤشرات تقترب من الخط المستوي!" صرخ سام بصوت مرتجف غمرته الدموع وهو يرى شاشات القلب الرقمية تعلن السقوط الأخير لأنفاس زعيمهم وصديق عمرهم: "ماركوس على وشك اختراق الأسوار الخارجية للقصر، وإيفان يغرق في الغيبوبة الصامتة!"لم يلتفت الدكتور إيثان نحو الشاشة، بل تلاشت ملامحه الحادة تماماً وسحب جهاز الصدمات الكهربائية المحمول ببراعة وسرعة فائقة. وضعه فوق صدر إيفان الصلب المبتل بالعرق البارد، وزأر بنبرة خالية من أي برود: "أدريان.. ارفع درجة الشحن لـ مائتين جول فورا! سام.. اقطع أي تواصل خارجي وعطل شبكة اتصالات المافيا المحيطة ب
بعد أن انتهت عاصفة الطرد العائلي وسحب انزو وميلان لسيرش وجوزيبينا مطرودين خارج بوابات قصر جيوفاني العتيق، عاد الهدوء الخانق ليتشكل فوق الردهات. عاد إيفان وفريقه من المقر السري ليتمركزوا مجدداً في جناحهم المعزول بالممر السفلي للقصر، مستغلين حالة الانهيار والندم التي شلت العقيد فولكوف والجد ديمتريوس لترتيب اللمسات الأخيرة لاقتحام الجناح الغربي لماركوس.توجه أدريان وإيثان إلى غرفة الذخيرة الملحقة بالجناح لفحص السلاح الثقيل وفك شفرات سام الرقمية، بينما بقي إيفان بمفرده في المطبخ الصغير الخاص بالجناح المعزول. كان يرتدي قميصه الأسود وعيناه تراقبان خيوط المطر الكثيف خلف النافذة الزجاجية، مد يده ليصب كوباً من الماء البارد ليهدئ من حرارة النيران التي بدأت تنهش أحشاء صدره منذ ليلة الميناء.لكن، ثانيه واحده كانت كافيه، ثانية واحدة خاطفة، سقط إيفان في المطبخ، يده ترتجف وتترك الكأس الزجاجية لتتحطم على الأرض مفرزة شظايا متناثرة تومض تحت الضوء الخافت للقصر. يحاول التنفس، لكن الهواء يخون حلقه كأنه يبتلع شظايا زجاج حادة. يضع كفيه على رقبته، وعيناه متسعتان بذهول وصدمة من حجم الهجوم المباغت للم
لم ينتظر الجد ديمتريوس عودة إيفان وفريقه من الميدان الخارجي ليتخذ قراره الصارم؛ فكبرياء عائلة جيوفاني الذي تلوث بقذارة سيرجي وجوزيبينا كان يحتاج إلى بتر فوري وعقوبة تطهر صالون القصر حجرًا بحجر. وقف الجد في منتصف بهو القصر الكبير، وعصاه تضرب الأرض بحدة، وبجانبه كان العقيد فولكوف يوقع بأصابع مرتجفة على وثائق الإلغاء القانوني والمالي.بأوامر قاطعة من العقيد، اقتحم انزو وميلان الغرف المعزولة، وقاما بفك قيود سيرجي وجوزيبينا وسحبهما بعنف نحو الصالون الرئيسي حيث كانت العائلة الكبيرة تنتظرهم بوجوه ميتة خالية من أي عاطفة. كانت جوزيبينا تظن لثوانٍ أن دم الأمومة شفع لها، وأنهم سيطلقون سراحها لتعود لنفوذها.لكن الجد ديمتريوس نظر إليهما بنظرة حادة كالسكين جمدت الدماء في عروقهما، وقال بصوت أجش هدر في أركان القصر كالصاعقة: "سيرجي.. جوزيبينا.. لقد لوثتما شرف هذه العائله، وبعتما رقابنا للمافيا من أجل نفوذ وجشع فاسد، وطردتما إيفان الصادق الذي كان يحمينا في الخفاء. القانون في لبيتنا لا يسمح بوضعكما في السجون لتجنب الفضيحة العلنية لاسم جيوفاني.. لكن
تحرك الجد ديمتريوس بخطوات بطيئة حسمت صمتها طرقة عصاه الآبنوسية فوق الأرضية الرخامية للممر، وتبعه العقيد فولكوف الذي بدت ملامحه كأنه تقدم في العمر عشر سنوات خلال ليلة واحدة. كان الغضب الصامت والندم الحارق ينهشان أنفاس الأب وهو يتذكر اعتراف سيرجي الصادم في الغرفة المعزولة؛ تلك المؤامرة التي لم تكن تستهدف طرد إيفان فحسب، بل كانت تخطط لاستئصال رقابهم هم أيضاً للاستحواذ على إرث السلالة بالكامل بالتعاون مع المافيا.وصلا إلى عتبة الجناح الخاص بـ جوزيبينا. كان انزو يقف هناك كالحارس الصارم، بملامح شاحبة ميتة تخلو من أي عاطفة تجاه الدماء التي تجري في عروقه. مد يده وقفل مفتاح الغرفة، ثم دفع الباب الخشبي الثقيل ليدخل والده وجده إلى العتمة التي فرضها على والدته المكبّلة.تقدم انزو بجمود، ونزع القماش الأبيض عن فم جوزيبينا. التمعت عيناها بذعر خالص تحول سريعاً إلى نظرة حقد دفين وهي ترى ڤولوكوف ووالده يقفان فوق رأسها، وخيوط لعبتها قد تم تمزيقها بالكامل على يد تحالف الظل.حاولت جوزيبينا التقاط أنفاسها المتقطعة، وصاحت بنبرة حادة تحاول استعاطفهم "ها انتم قد اتيتم انظرا ماذا فعل بي! لقد قيدني كالمجرم
كان مارسيل يجلس فوق فراشه الطبي داخل الغرفة الزجاجية المحصنة بالمقر السري التكتيكي لتحالف الظل، وعيناه معلقتان بالشاشة الرقمية التي ثبتها سام أمامه بأمر من إيفان. لم تكن الشاشة تعرض بيانات أمنية، بل كانت تنقل بثاً حياً ومباشراً من قنوات الأخبار المحلية والعالمية التي تقطع برامجها لتذيع النبأ العاجل والصادم: [انفجار هستيري غامض يدمر الحاويات رقم 9 في المرفأ الشرقي للميناء بالكامل، ومصادر سرية تؤكد إبادة شحنة أسلحة كبرى مجهولة المصدر دون ترك أي دليل جنائي].اتسع بؤبؤ عين مارسيل بصدمة وذهول شل أطرافه بالكامل، وانقبضت أنفاسه المتقطعة وهو يرى ألسنة اللهب النيونية البرتقالية في البث وهي تلتهم الترسانة والأمل المالي الأخير لوالده الروحي ماركوس. لقد تحقق وعيد هذه القوة الشبحية السوداء؛ ففي غضون ساعات قليلة من انتزاع اعترافه، تحركوا كالأشباح وسحقوا ثكنة ماركوس العسكرية بدم بارد ودون أن يجرأ أحد على إيقافهم.من هؤلاء؟ همس مارسيل بصوت مرتجف وخوف خالص ينهش أحشاءه: "أي نوع من الشياطين يملكون هذه القوة لمحو ماركوس من الوجود في ليلة واحدة؟"وفي تلك اللحظة المتفجرة بالذهول، سُمع صوت تكة ميكانيكية
أشرقت شمس الصباح بكامل نورها الذهبي على النوافذ الزجاجية العملاقة لقصر جيوفاني العتيق، لكن هذا النور لم يطهر الأرجاء، بل جاء ليعري القذارة والمكائد التي طبخت في الظلام لسنوات. لم ينم الجد ديمتريوس ولا العقيد فولكوف لثانية واحدة طوال الليل؛ فقد كان عذاب الضمير والندم ينهش أحشاءهما كالنار الناتجة عن رؤية ملف براءة إيفان من جريمة القتل القديمة.ومع حلول الساعة الثامنة صباحاً، حسم الجد ديمتريوس أمره. وقف بكامل هيبته العسكرية المكسورة، وضغط بعصاه الآبنوسية الثقيلة فوق الأرضية الرخامية بقوة أحدثت صدى مخيفاً في الردهات، والتفت نحو ابنه العقيد فولكوف قائلاً بنبرة أجشة ميتة: "فولكوف.. تحرك معي إلى الجناح الشرقي. لقد حان الوقت لننبش هذا الماضي الفاسد بأنفسنا ونرى الأفاعي التي ربّيناها في بيتنا."تحرك الاثنان بخطوات ثقيلة ونظامية نحو الغرف المعزولة والمغلقة بأوامر انزو وميلان. فتح العقيد فولكوف المزلاج الحديدي لغرفة سيرجي أولاً ودخلا كالعاصفة الجريحة. كان سيرجي مقيداً ومربوطاً بإحكام فوق المقعد، والذعر الخالص يملأ عيناه الزائغتين بعد ليلة كاملة قضاها في العتمة والخوف. وفي الغرفة المجاورة،