Compartir

الفصل 6

Autor: عابر الفصول الثلاثة
اشتعلت سهام غضبًا، لكنها حين رأت الاتصال على شاشة الهاتف لم تجرؤ على مدّ يدها، وحدّقت في مرام بعينين يغلي فيهما الحقد.

"كفى!"

صاح ياسر بحدّة: "مرام، سنقيم مأدبة الليلة في قاعة الغيوم، ولم أترك كلمة مجاملة إلا وقلتُها حتى تمكّنتُ من دعوة عائلة الشربيني للحضور."

عبس وجهه ونظر إلى مرام: "من الأفضل لكِ أن تُحسني التصرّف وتعتذري لآسر. ما دمتِ تتزوّجين آسر بسلاسة، فسأعطيكِ ما وعدتكِ به. وحينها، فاستمراركِ معه من عدمه يعود إليكِ."

باختصار، ما إن يتمّ الزواج وتتمّ الشراكة بين عائلة الجبالي وعائلة الشربيني، فلن يبقى لها أيّ ارتباط بعائلة الجبالي.

هه، هذا ما كانت تتوق إليه أصلًا.

"حسنًا."

ابتسمت مرام بخفّة، ثم استدارت وغادرت فيلا عائلة الجبالي.

ولمّا ابتعدت كثيرًا، أخذت نفسًا عميقًا.

تنمّلت راحة يدها التي صفعت بها سما بخفّة.

وتذكّرت أن أحدهم علّمها يومًا: إذا ضُربتِ، فردّي الضربة. وإن انهار كلّ شيء، فأنا أتحمّل عنكِ.

ما دام هو هناك، فلن ينهار شيء.

لكن...

قاعة الغيوم تحت نفوذ عائلة السويفي.

وما قد يحدث الليلة يمكن توقّعه.

دلّكت صدغها الذي بدأ يؤلمها قليلًا، وتمنّت ألّا تصادف رائد هذا المساء.

...

عند السابعة مساءً، خيّم الغسق.

توقّف تاكسي أمام مدخل قاعة الغيوم.

جلست مرام في المقعد الخلفي للتاكسي، تتأمّل عبر النافذة ذلك المبنى الأنيق القائم على سفح الجبل في ضواحي مدينة الزهراء. جدرانه بيضاء وبلاطه رمادي، تحيط به الأشجار والجبال، فيبدو بطابعٍ عريقٍ أنيق.

مرّت نسمة خفيفة، فأخذت أوراق الأشجار بين الأغصان تُصدر حفيفًا.

وكانت الأضواء الصفراء الدافئة المتناثرة تضفي سحرًا خاصًا.

هذا المكان عادةً ما يرتاده أصحاب النفوذ والوجاهة في أوساط الزهراء لاستقبال ضيوفهم المهمّين.

وحجز قاعةٍ خاصة هنا ليس مسألة مالٍ فحسب، بل يحتاج إلى علاقات ونفوذ واسع.

إقامة ياسر مأدبة هنا للاعتذار لعائلة الشربيني دليلٌ كافٍ على مدى حرصه على المصاهرة معهم.

وبعبارةٍ أخرى، لا بدّ أن مكاسب الشراكة التي ستجنيها عائلة الجبالي منهم كبيرةٌ للغاية.

أطرقت بعينيها، ونقرت أصابعها النحيلة البيضاء على شاشة الهاتف، فكتبت: "قاعة الغيوم، جناح الروابي"

أطفأت شاشة هاتفها، وشكرت السائق بأدب، ثم دفعت الأجرة ونزلت.

سارت خلف النادل عبر الممرّات بين الأشجار، وما إن وصلت إلى باب جناح الروابي حتى سمعت من الداخل أصوات تبادل الكؤوس، وصوت ياسر يضحك بتزلّف.

"السيد جلال، السيدة هناء، مرام هي التي تصرّفت بطيش. لقد دلّلناها منذ صغرها حتى أفسدناها. وبّختها بالفعل، وأضمن لكم أن مثل هذا الأمر لن يتكرّر. وعندما تصل بعد قليل، عاتبوها كما تشاؤون، فهي لن تجرؤ على إظهار أيّ تجهّم أمامكم أو أمام السيد آسر."

"هه! لم تدخل بيت عائلة الشربيني بعد، وتجرأت على سكب الشراب على ابني أمام الناس!" انطلق صوتٌ حادٌّ لاذع: "لو دخلت بيتنا زوجةً، فهل عليّ أن أتنازل لها عن موقعي كسيدة عائلة الشربيني؟"

كان آسر الجالس إلى جانبهم مطأطئ الرأس، يضغط على هاتفه بعنف، وكتب في مجموعة أصدقائه: "من الذي التقط صورةً لي حين سُكِبَ عليّ الشراب؟ أتعمدون رفع شأن تلك المرأة، مرام، وتضييع هيبتي؟!"

"سيدة هناء، لقد بالغتِ في هذا القول." بادرت سهام بالردّ، وابتسامةُ تملّقٍ تعلو وجهها: "مرام، وإن كانت ابنة أختنا، فإذا أصبحت يومًا زوجةً لابنكِ، فعليها أن تلتزم بقواعد عائلة الشربيني."

"إن فعلت ما لا يليق، فأنتم أدرى بكيفية تأديبها؛ سواء بالضرب أو التوبيخ أو العقاب، فالأمر لكم. نحن، بوصفنا خالها وزوجة خالها، لن ندافع عنها ولو قليلًا."

كان واضحًا أن سهام وياسر قد أمضيا وقتًا طويلًا في الاعتذار لعائلة الشربيني، وأغدقا عليهم سيلًا من عبارات الاسترضاء. أمّا تلك الكلمات التي سُمعت للتو، فقد أثارت في نفس مرام، الواقفة خارج الجناح، سخريةً مكتومة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة، فيما غاصت عيناها في برودٍ وجفاء.

رفعت يدها ودَفعت باب الجناح.

وفي تلك اللحظة، التفتت نحوها عدّةُ نظراتٍ من الداخل.

كان هناك ياسر وزوجته، والسيد جلال الشربيني وزوجته، وكذلك آسر، ذلك الفتى المترف المستهتر.

مناسبٌ تمامًا.

ففي مسرحية الليلة، هو البطل.

ومن دونه، لن يكون العرض ممتعًا.

ما إن دخلت حتى لاحظت أن وجه ياسر قد ازداد برودًا.

وقبل أن يفتح فمه ليوبّخها، سارعت مرام لترسم على شفتيها الحمراوين ابتسامةً عذبة: "أعتذر يا عمّ جلال، يا خالة هناء، في هذا الوقت يصعب العثور على تاكسي، لذا تأخّرت قليلًا، أرجو المعذرة."

حين ابتسمت، انحنت عيناها اللوزيتان، وظهرت غمازتاها الخفيفتان، وصار صوتها أكثر عذوبة؛ وكان من الصعب حقًّا أن يصدّق أحد أن الفتاة الرقيقة الوديعة الواقفة أمامهم هي نفسها من سكبت الشراب على آسر أمام الجميع الليلة الماضية.

وبدا آسر مأخوذًا للحظة، وقد استقرّت نظراته على قوامها النحيل.

فستانها الأبيض يحدّد خصرها، وقوامها متناسق رشيق، وبشرتها بيضاء كالثلج.

انسدل شعرها الطويل المتموّج كموج البحر، يحيط بوجهها البيضاوي الدقيق ويزيده براءةً ونقاءً.

حتى إن آسر شعر بأن مرام، من حيث المظهر وحده، كانت بالفعل أشدَّ فتنةً من جميع النساء اللواتي عبث بهنّ من قبل.

"مرام، تعالي بسرعة واعتذري للسيد جلال والسيدة هناء." قال ياسر، وعلى وجهه ابتسامةٌ مصطنعة ملتصقة، وأشار إليها بيده.

ابتسمت مرام ابتسامةً لطيفة وهي تتقدّم، وصبّت كأسًا من الشراب: "يا عمّ جلال، يا خالة هناء، ما حدث أمس لم يكن سوى سوء فهمٍ بسيط."

وبينما كانت تتحدّث، نظرت إلى آسر الذي لم تفارقها نظراته، ثم لمست بإصبعها الهاتف الموضوع على الطاولة كأنها من غير قصد، ورفعت حاجبها قليلًا.

أفاق آسر من شروده، وانخفضت عيناه إلى هاتفها.

ففي هاتف مرام مقطعٌ مصوَّر له وهو يقبّل الممثلة الشابة نادين صفوان.

صحيحٌ أن له علاقاتٍ ملتبسةً مع نساءٍ عدة، لكن عائلة الشربيني كانت تجد دائمًا طريقةً لطمس الشائعات.

أمّا إن خرج المقطع الذي بيد مرام إلى العلن، فستنقلب عائلة الشربيني رأسًا على عقب.

سارع آسر إلى التدخّل قائلًا: "أبي، أمي، ما حدث أمس لم يكن عن قصدٍ من مرام، فلننهِ الموضوع."

كان جلال الشربيني غاضبًا في الأصل لأن ابنه تعرّض للإهانة علنًا حين سُكِب عليه الشراب، وكان ينوي أن يطالب عائلة الجبالي بتفسيرٍ واضح.

وبعد أن اعتذرت عائلة الجبالي وأظهرت قدرًا من الصدق، فضلًا عن أن مصالح الأعمال قد تقتضي الاستفادة من ياسر لاحقًا، وابنه نفسه قد قدّم لهم مخرجًا، لانَت ملامحه الباردة قليلًا.

"بما أن الأمر كذلك، فنرجو من الآنسة مرام أن تُحسن ضبط انفعالها مستقبلًا، وألّا تُقدم على ما يسيء إلى سمعة عائلتنا."

فسارع ياسر إلى الردّ: "بالتأكيد، بالتأكيد، اطمئنّ يا سيد جلال."

كانت الفتيات عادةً يتودّدن إلى آسر طمعًا فيه، وهذه أول فتاة تدفعه إلى أن يقول "لننهِ الموضوع"، ولم تستطع هناء إلا أن تُمعن النظر في مرام أكثر من مرة؛ فملامحها دقيقة آسرة، وجمالها لافتٌ حقًّا، ذلك النوع من الجمال الذي يفتن الرجال.

لكنها كانت تشعر دائمًا أن هذه الفتاة لا تشبه مظهرها؛ فليست بتلك الرقيقة الطيّبة السهلة التحكّم كما تبدو.

"سأشرب هذا الكأس كاملًا احترامًا لكما، وأرجو منكما المعذرة يا عمّ جلال، يا خالة هناء."

رفعت مرام الكأس وأفرغته دفعةً واحدة.

ولمّا رأى جلال وهناء أنها أظهرت قدرًا من الصدق، رفعا كأسهما أخيرًا وارتشفا منه رشفة.

وكان ذلك في حدّ ذاته مراعاةً لهم.

وكانت سهام تعرف كيف تتصرّف؛ فلمّا رأت أن عائلة الشربيني لم تُمعن في إحراجهم، سارعت إلى جذب مرام لتجلس ملاصقةً لآسر.

"يا مرام، هيا قدّمي للسيد آسر كأسًا." وما إن انتهت من كلامها، حتى صبّت في كأس مرام نصفَه شرابًا.

ابتسمت مرام ابتسامةً خفيفة وقالت: "شكرًا لك يا آسر على سعة صدرك وتغاضيك عمّا حدث، هذا الكأس لك."

رفعت الكأس قليلًا، وشربته دفعةً واحدة مرةً أخرى.

راقبها آسر وهي تشرب، وفكّر في سرّه.

مرام المطيعة أمامه الآن تبدو كشخصٍ مختلف تمامًا عن تلك المتعجرفة التي كانت عليها أمس.

هذه المرأة سكبت عليه الشراب الليلة الماضية، واليوم تجرّأت على تهديده بالفيديو أمام والديه. امرأة بلا نسبٍ ولا خلفية تُذكر، ومع ذلك ليست أساليبها بالهيّنة.

وهو يراها ترفع عنقها الأبيض اللافت، مرّ في عينيه بريقُ مكر.

فالنساء، في نظره، لا يطعن إلا بعد أن يُروَّضن أولًا.

كانت هيئة مرام المطيعة ترضي ياسر وسهام كثيرًا، فاستغلا الفرصة ليحوّلا الحديث إلى موضوع الخطوبة.

وأثناء الحديث، اتّضح لمرام الأمر على نحوٍ عام؛ فإذا تمّت المصاهرة بين عائلة الجبالي وعائلة الشربيني، فسيتكفّل جلال الشربيني بتقديم صفقةٍ بقيمة ثلاثة ملايين دولار لياسر، تُعدّ بمثابة مهر، بل وسيعرّفه على كبار الشخصيات في أوساط الزهراء.

لا غرابة أن ياسر يتذلّل بإلحاح ليزوّجها من آسر.

وبعد بضع كؤوس من الشراب، بدأت العائلتان تناقشان موعد الخطوبة.

كانت مرام تدير هاتفها بين أصابعها بملل، وألقت نظرة جانبية إلى آسر الجالس إلى جوارها، ثم انحنت شفتاها وهمست: "يا آسر، هل فكّرت في اقتراحي أمس؟"

كانت قد شربت قدرًا لا بأس به من الشراب، فبان على بشرتها البيضاء احمرارٌ خفيف يوحي بالسكر.

وتذكّر آسر كلماتها حين هدّدته أمس وهي تصوّر المقطع... فسخ الخطوبة أم الفضيحة العلنية؟ أيّهما تختار؟

سخر في سرّه؛ فممّا يراه من معاملة ياسر وزوجته لمرام، لا يبدو أنهم أفرطوا في تدليلها.

"فسخ الخطوبة لن يكون في مصلحتكِ، أليس كذلك؟" سأل بصوتٍ خافت.

ابتسمت مرام وقالت: "لا داعي لأن يشغل السيد آسر نفسه بالأمر."

صبّ لها آسر كأسًا وقال بصوتٍ منخفض: "أتريدينني أن أطرح مسألة فسخ الخطوبة الآن؟ أليس في ذلك إفسادٌ لأجواء الكبار؟"

ثم وضع يده على ظهر كرسيها مستغلًا الموقف، وكأنه يوشك أن يطوّق كتفها بذراعه.

ألقت مرام نظرةً خاطفة إلى ذراعه، ثم ابتسمت بخفّة ونهضت قائلةً: "سأذهب إلى الحمّام."

ومضت على كعبيها العاليين نحو الخارج، وما إن فُتح باب الجناح حتى لفحتها رائحة خشبية باردةٌ نقيّة.

كانت الرائحة حادّةً وقويّة، فاستعاد ذهنها المثقل بأثر الشراب بعض صفائه.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 496

    وكأن كلماتها أشعلت فتيل الغضب في داخله، فعقد رائد حاجبيه، وأشاح بنظره عنها.ثم أدار رأسه إلى الجانب، متجاهلًا إياها.وبعد كل ما قضياه معًا، أصبحت مرام تعرف طباعه جيدًا.فلو كان غاضبًا فحسب، لما تحدث بهذه الطريقة الملتوية، بل لكانت كلماته أشد قسوة.أما هذه الكلمات، فكان واضحًا أنها تحمل غيرةً لاذعة."سأعترف بكل شيء، وآمل أن تسامحني."ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي مرام، ثم جلست إلى جوار رائد.ولم يلتفت إليها، بل انتظر أن تكمل حديثها."ما قلته صحيح، يحيى ليس حبيبي السابق.""لم نرتبط يومًا، ولم تكن بيننا أي علاقة من أي نوع."وعند سماع ذلك، التفت إليها رائد، وقال: "ماذا تقصدين؟"التقت عينا مرام بعينيه العميقتين الحادتين، وضمّت شفتيها، وقالت: "أقصد... هذا بالضبط."وسرعان ما فهم رائد ما ترمي إليه، وظل حاجباه معقودين، لكن ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وقال: "إذًا، فعلتِ ذلك عمدًا؟"أطرقت مرام برأسها، وأخذت تعبث بأطراف قميصه عند خصره بأطراف أصابعها، وقالت: "أردت فقط أن أعرف كيف سيكون رد فعلك."ثم رفعت عينيها، وقد أشرقتا ببريق واضح، وقالت: "لذلك، لم تكن الأمور اليوم كما رأيتها."ثم شرحت له بال

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 495

    "بيت الضيافة." ردد رائد الكلمتين، وقد أظلمت عيناه، وكانت ملامحه باردة ومتجهمة.وعندما خرجت مرام من الحمام، لم تجد في غرفة المعيشة سوى رائد.وكانت حقيبة سفرها موضوعة بجانب الأريكة.كان قد خلع سترته، ولم يكن يرتدي سوى قميص أسود، وجلس على الأريكة يدخن.وتحت خيوط الدخان المتصاعدة، بدا وجهه البارد الوسيم يبعث على الرهبة.أما مرام، فبعد أن انتهت من الاستحمام، كانت قد لفت شعرها المبلل بمنشفة فقط.خشيت مرام أن يرحل رائد، فلم تمهل نفسها حتى تجفف شعرها، وخرجت على عجل.وتقدمت حتى وقفت أمام الأريكة، ونظرت إلى رائد.ورغم أنها كانت تنظر إليه من علٍ، فإن حضورها كان خافتًا، وبدت تمامًا كتلميذة مطيعة.كان رائد جالسًا على الأريكة، فرفع عينيه إليها ببطء وبلا اكتراث.وكانت نظراته الحادة كأنها تنفذ إلى أعماقها.فرأى أن أطراف شعرها لا تزال تقطر ماءً من تحت المنشفة الملفوفة حول رأسها.انعقد حاجبا رائد قليلًا، وقال: "حتى تجفيف شعرك لا تعرفين كيف تفعلينه؟"لم يعجب مرام أسلوبه البارد في الحديث، فأطرقت برأسها، وقالت: "سأجففه بعد قليل."فدرجة الحرارة داخل الغرفة لم تكن منخفضة، ولم تكن تشعر بالبرد رغم أن شعرها لا

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 494

    كان الفندق الذي يقيم فيه رائد يقع في وسط مدينة الضياء. ورغم أنه لا يُقارن بالمكان الذي كان يقيم فيه في مدينة الزهراء، فإنه كان أفضل فندق في المدينة.وتوقفت السيارة أمام مدخل الفندق.لم ينتظرها رائد كما اعتاد، بل ما إن ترجل من السيارة حتى اتجه إلى بهو الفندق من دون أن ينبس بكلمة.وكانت مرام لا تزال تلف سترته حول جسدها، وبسبب دفء السيارة، أصبحت ملابسها المبللة تلتصق بها قليلًا.وما إن نزلت من السيارة، حتى لفحتها برودة الخارج فجأة، فاقشعر جسدها لا إراديًا.ألقى رائد عليها نظرة، فتباطأت خطواته للحظة، بينما ازدادت ملامحه قتامة، ثم واصل السير إلى الداخل بخطوات واسعة.فسارعت مرام للحاق به."رائد، تمهل قليلًا."كانت أرضية الفندق ملساء، فانزلقت قدم مرام قليلًا وهي تمشي عليها.وكان رائد طويل الساقين، حتى إن خطوته الواحدة تعادل خطوتين منها.ولما عجزت عن مجاراته، اضطرت إلى الهرولة للحاق به.كان رائد يسير أمامها، ورغم ملامحه الباردة وصمته، ورغم اتساع خطواته، فقد خفف من سرعته بوضوح.فأسرعت مرام بضع خطوات، ثم أمسكت بيده.ولم يسحب رائد يده منها، لكنه لم يبادلها الإمساك أيضًا.بل تركها تمسك بيده كما تش

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 493

    لم يلتفت إليها حتى بنظرة، بل أدار وجهه نحو النافذة، ولم ترَ منه سوى جانب وجهه وفكه المشدود.وفي ذلك الحيز الضيق، كان الشعور بالاختناق والضغط يكاد يطغى على كل شيء.وفوق ذلك، كانت مرام تعلم أن ما حدث اليوم كان خطأها بالفعل، فازداد توترها وقلقها.بل إنها شعرت بأنها لم تكن بهذا القدر من التوتر والذعر حتى عندما ضربت ذلك الرجل بالطوبة قبل قليل.وكان قلبها يكاد يقفز من شدة اضطرابها.ابتلعت ريقها، ثم فتحت فمها بحذر لتتكلم."أ... أستطيع أن أشرح..."لم يرد رائد بكلمة.لكن مرام لم تعبأ إن كان يرغب في الاستماع إليها أم لا. فما دام لم يطردها من السيارة، فعليها أن تغتنم الفرصة لتشرح له ما حدث."لقد أخطأت حين أخفيت عنك أنني جئت إلى مدينة الضياء... أنا آسفة..."بدأت بالاعتذار والاعتراف بخطئها، وكان اعتذارها صادقًا.ثم سارعت إلى شرح ما حدث قبل قليل، وقالت: "لقد واجهنا مشكلة، ولم تكن الأمور كما بدت لك..."ولم تكن تدري أكان ذلك من شدة البرد أم من فرط التوتر.فعندما قالت ذلك، كان صوتها لا يزال يرتجف."أنا... لا توجد أي علاقة بيني وبينه...""حقًا، لا يوجد بيننا أي شيء، فلا تُسئ الفهم."ألقت عليه نظرةً حذرة

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 492

    كان أول ما ظنته مرام أنها أخطأت في الرؤية.لا بد أن ما حدث قبل قليل أربكها، لذلك ما إن رأت تلك العينين، حتى خطر ببالها اسم رائد.رمشت مرام عدة مرات، فتساقطت قطرات المطر من رموشها الطويلة.وفي مجال رؤيتها، ظلت عينا الرجل باردتين وعميقتين كما هما.وكانتا أشد برودةً من مطر ليلة الشتاء.هبط قلبها فجأة، فدفعت يحيى بعيدًا عنها على الفور."يحيى، دعني أولًا."شحبت شفتاها، وارتجف صوتها.وكأن يحيى لم يدرك ما يحدث، فظل يضمها دون أن يرخي قبضته. وقال: "مرام، لا بد أنكِ كنتِ خائفة جدًا قبل قليل. لا بأس، لقد انتهى الأمر.""دعني أولًا!" قالت مرام بقلق، وهي تتحرر من قبضته بقوة.ومن خلف ستار المطر، ظلت مرام تحدق في تلك العينين داخل السيارة، وارتجف جسدها لا إراديًا.وأسرعت نحو السيارة على عجل، وما إن خطت نصف خطوة، وقبل أن تتمكن من مناداته باسمه، حتى أُغلق الزجاج الأسود للنافذة.وحجب عنها رؤيته.وظلت مرام تنظر إلى السيارة الفاخرة السوداء وهي تنطلق مبتعدة دون أدنى تردد.رحل من دون أن يقول كلمة واحدة.وتركها في تلك الليلة المظلمة الممطرة.وكأنه لم يرها أصلًا."رائـ..."تحركت شفتاها الشاحبتان بصعوبة، بينما ك

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 491

    "طاخ!"دوّى في الليل الممطر صوت ارتطامٍ مكتوم وثقيل....ظل المطر البارد يهطل بلا انقطاع، متناثرًا على الأرض ومثيرًا رذاذًا متلألئًا.وتدلت الطوبة الحمراء الملطخة بالدم ببطء، بينما سالت منها دماء حمراء داكنة، وتقاطرت في المياه المتجمعة على الأرض، وانتشرت فيها."مرام!"ومن خلال الرؤية التي غشاها المطر، رأى يحيى الفتاة تمسك بطوبة ثقيلة، بينما كان جسدها يرتجف وكأنها فقدت وعيها بما حولها.وكان الدم يتدفق بغزارة من رأس الرجل الذي كان فوقه.دفع يحيى الرجل بقوة حتى سقط أرضًا، ثم نهض وانتزع الطوبة الحمراء من يد مرام، وألقاها بعيدًا."لا بأس... لا بأس."كانت مرام ترتجف من شدة الخوف، وكانت يدها التي أمسكت بالطوبة ترتعش بشدة.كان يحيى يلتقط أنفاسه بصعوبة، ونظر إلى وجه مرام الشاحب، وقال: "لقد كنتِ شجاعة يا مرام."ففي اللحظة الحاسمة، ركضت نحوه، والتقطت الطوبة الحمراء من الأرض، ثم هوت بها على رأس ذلك الرجل من دون أي تردد.وتناثر الدم في كل اتجاه، فأصابها الذهول من شدة الخوف.وظلت تحدق في الرجل الملقى على الأرض بذهول، بينما كانت ترتجف بشدة."هـ... هل مات؟"ارتجف صوتها حتى كاد لا يُسمع."لن يموت، إنه

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 7

    رفعت عينيها فجأة، ولم يكن خارج الجناح سوى سكون الليل، ولا أحد في المكان.لكن تلك الرائحة الخشبية الباردة الخفيفة ظلّت تتسلّل في الهواء من حولها، وتتغلغل في كلّ خليةٍ من جسدها، وكلّ عصبٍ فيه.أخذت تتنفّس بخفّة، وشعرت بغصّةٍ غامضةٍ تتصاعد في صدرها.رمشت مرام؛ أهيَ شربت أكثر من اللازم؟ كيف لها أن تشمّ

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 5

    "همم..."تقلبت مرام على السرير، فانكشفت بشرتها البيضاء الناصعة، تتلألأ بلمعانٍ خزفيّ تحت خيوط ضوء الصباح المتسرّبة.فتحت عيناها اللوزيتان المغمضتان قليلًا، وبعد لحظةٍ من الضبابية عاد إليهما الصفاء.جلست مرام على السرير دفعةً واحدة، وقد أفاقت تمامًا.كانت تحلم!وفي الحلم كان رائد...فضربت جبينها بكفّ

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 4

    لم تكن مرام مطيعة إلى حدّ أن تُنهي المكالمة وتذهب فورًا لتتودّد إلى آسر.لكنها كانت تعلم أنه ما دامت هذه الخطوبة لم تُفسخ، فستظل مضطرة إلى التعامل مع عائلة الشربيني.ذلك لأن الشيء الذي تريده في يد ياسر الجبالي، ولا يملكه سواه.لم يكن لها حقّ فسخ الخطوبة، ولو أن ابن عائلة الشربيني هو من بادر بفسخها،

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 3

    بعد عامين، كانت هذه أول مرة تنظر فيها مباشرةً إلى ملامحه.في ملامحه مسحة غربية ممزوجة بنعومة شرقية، وحاجبان ما يزالان حادّين صارمين، يشيان بهيبةٍ ضاغطة تنمّ عن صاحب مكانةٍ عليا، ومع ذلك ظلّت ملامحه وسيمة إلى حدٍّ يأسر الأنفاس.كان يرتدي بدلة سوداء من دون ربطة عنق، وقميصه الأبيض مفتوحًا قليلًا، وتحت

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status