Share

الفصل 5

Author: عابر الفصول الثلاثة
"همم..."

تقلبت مرام على السرير، فانكشفت بشرتها البيضاء الناصعة، تتلألأ بلمعانٍ خزفيّ تحت خيوط ضوء الصباح المتسرّبة.

فتحت عيناها اللوزيتان المغمضتان قليلًا، وبعد لحظةٍ من الضبابية عاد إليهما الصفاء.

جلست مرام على السرير دفعةً واحدة، وقد أفاقت تمامًا.

كانت تحلم!

وفي الحلم كان رائد...

فضربت جبينها بكفّها، واحمرّ وجهها خجلًا.

يا مرام، يا مرام، لا أمل فيكِ حقًّا.

أيًّا كان الموضوع، ما إن يظهر رائد حتى تنحرف أفكاركِ إلى اتجاهٍ واحد!

وفي تلك اللحظة، دوّى رنين الهاتف فجأة، فألقت نظرة خاطفة إلى اسم المتصل... اسمان لا غير.

وسرعان ما هدأ خفقان قلبها المتسارع، وانطفأت الحرارة التي كانت تعتمل في جسدها.

"ألو؟"

انفجر صوت ياسر الجبالي عبر الهاتف غضبًا: "عودي فورًا!"

...

تقع فيلا عائلة الجبالي في ضواحي مدينة الزهراء؛ وهو موقعٌ يشتري فيه الفيلات غالبًا أمثال ياسر، لا يملكون ثراءً كافيًا، لكنهم يحتاجون إلى التباهي بالمظاهر في عالم الأعمال.

قبل اثني عشر عامًا، انتقلت أسرة ياسر إلى محافظةٍ أخرى للعمل في التجارة، واصطحبوا الجدّة معهم. وفي السنوات القليلة الماضية، توسّعت تجارتهم حتى وصلت إلى مدينة الزهراء، فعادوا وانتقلوا إليها واستقرّوا فيها، وبذلك دخلوا بالكاد جزءًا من أوساط الزهراء.

وللمضيّ قدمًا نحو طبقةٍ أعلى، أخذ ياسر الجبالي يتزلّف إلى عائلة الشربيني، كبار تجّار العقارات.

كانت هذه أول مرة تزور فيها مرام فيلا عائلة الجبالي. وما إن دخلت صالة الاستقبال حتى رأت ياسر وزوجته سهام العشري، وكان وجهه أسود كقاع القدر من شدّة الغضب.

وكانت ابنة خالها سما الجبالي تجلس بهدوءٍ ورقّة على الأريكة، تحمل في يدها كتابًا عن فنّ إعداد الشاي.

سارت مرام بخطواتٍ واسعة بكعبيها العاليين إلى الداخل، وجلست من دون استئذان على الأريكة المقابلة لياسر وزوجته.

"ما الأمر؟"

ارتسمت ابتسامة عند زاوية شفتيها، وجاءت نبرتها خفيفة تنطوي على تباعدٍ واضح.

ألقى ياسر عليها نظرةً باردة حادّة، وقال بصوتٍ غاضب: "مرام! طلبتُ منكِ الليلة الماضية أن تتودّدي إلى آسر، فهل جعلتِ كلامي هباءً؟"

رمشت مرام بعينيها ببراءة، وقالت: "لقد ذهبتُ."

لم تستطع سهام الاحتمال، فسألت بحدّة: "وماذا فعلتِ هناك؟ أذهبتِ لتخربي المكان؟"

وضربت صورةً بقوّة على الطاولة، قائلة: "مرام، يبدو أن جرأتكِ كبيرة حقًّا! كيف تجرّأتِ على معاملة وريث عائلة الشربيني بهذه الطريقة؟"

ألقت مرام نظرةً على الصورة، فإذا بها تُظهر لحظة سكبها الشراب على آسر، ولا تدري أيُّ مُثيرٍ للمشاكل التقطها.

وفي الصورة، بدا وريث عائلة الشربيني المدلّل مبلّلًا تمامًا كمن خرج لتوّه من الماء.

بدا في الصورة في حالٍ يُرثى لها.

ولو انتشرت هذه الصورة، فستكون فعلًا فضيحةً لعائلة الشربيني.

ولا سيّما أن من سكبت عليه الشراب ليست سوى مرام؛ فتاةٌ بلا نسبٍ ولا مكانةٍ ولا سند.

لو كانت التي سكبت عليه الشراب إحدى آنسات أوساط الزهراء، لاضطرّ آسر أن يلعق ما سُكب حتى آخر قطرة.

مجرّد التفكير في الأمر يبعث على الضحك.

فانفلتت ضحكة خفيفة من مرام دون أن تنتبه.

ولمّا رآها ياسر ما تزال قادرة على الضحك، ازداد وجهه سوادًا، وقال بغضبٍ محتدم: "أتعلمين أن عائلة الشربيني اتصلت منذ الصباح تطالبنا بتفسير؟ السيد جلال الشربيني في غاية الغضب!"

"طلبتُ منكِ أن تتودّدي إلى آسر وتُتمّي الخطوبة به بسلاسة، لا أن تعودي إلى البلاد وتُوقعي لنا كارثة من أوّل يوم!"

لم تبدِ مرام اكتراثًا يُذكر، وقالت بنبرةٍ بريئة: "كان ذلك عن غير قصد، سأنتبه في المرة المقبلة."

في المرة المقبلة، إن سكبت الشراب، فعليها أن تحرص ألّا يلتقط أحدٌ لها صورةً!

"كفّي عن هذا التظاهر! أراكِ تتعمّدين ذلك!" ضحكت سهام ببرود، "مرام، أنتِ تتعمّدين إفساد علاقتنا بعائلة الشربيني، أليس كذلك؟ تريدين أن تفشل الشراكة بين عائلتينا؟"

"قلتُ إنكِ ناكرةُ جميل! أمثالكِ لا يُربَّون!"

نهضت سهام، وحدّقت في ياسر، ثم أشارت إلى مرام قائلة: "بعد أن مات والدها، نحن من تكفّل بها لعامين! وفي النهاية ربّينا ناكرةَ جميل! ومع ذلك تريد أن تعيدها، وتزوّجها آسر بصفتها ابنة أختك؟! مثل هذا النعيم، هل يليق بها أصلًا؟"

لم يُغضب هذا الكلام مرام، بل كاد يُضحكها.

"خالتي، ما هذا الذي تقولينه؟" ابتسمت ابتسامة خفيفة، ونظرت إلى سهام بنظرةٍ هادئة باهتة، ثم تابعت: "إن كان هذا النعيم لا يليق بي، فلماذا لا تدعين سما تأخذه؟"

"ألم تدفعاني للزواج من آسر لأن سما لا ترغب في هذه المصاهرة؟ لذلك بذلتما كل السبل وذهبتم حتى إلى الخارج لتجداني، كي أتزوّجه بدلًا عنها."

كانت أسرة ياسر الجبالي بأكملها تعلم أيّ نوعٍ من الرجال هو آسر؛ أرادوا توثيق العلاقة بين العائلتين، لكنهم لم يشاؤوا أن يدفعوا بابنتهم إلى حفرة النار، ولذلك لجؤوا إلى مرام.

ووفقًا لرأيهم، تُعدّ مرام في نظرهم نصفَ فردٍ من عائلة الجبالي، كما أن ملامحها لافتة، لذلك لم تُبدِ عائلة الشربيني اعتراضًا يُذكر.

أما موافقة مرام على هذا الأمر، فلم تكن إلا لأن ياسر الجبالي يمسك بالشيء الذي تريده في يده.

وإلّا، فهي لا ترغب في رؤية أيٍّ منهم!

عندها رفعت سما، التي كانت منشغلة بالقراءة طوال الوقت، عينيها ونظرت إليها بابتسامةٍ مفعمة: "أختي، هذا الكلام ليس في محلّه. أبي وأمي طلبا منكِ الزواج من عائلة الشربيني حرصًا على مصلحتكِ. وإلّا، فبمكانتكِ وخلفيتكِ، كيف لكِ أن تبلغي مستوى عائلة الشربيني؟"

أغلقت الكتاب، ولم تخفُ ابتسامتها: "لعلّكِ كنتِ ما تزالين تائهةً في الخارج، بلا سندٍ ولا مأوى، كم يبدو ذلك مثيرًا للشفقة."

كانت ابتسامة سما تخفي خنجرًا خلف نعومتها. التقت مرام نظرتها وضحكت بخفّة: "يا ابنة خالي، ما دمتِ بهذه الحكمة، فلماذا لا تُخفّفين عن والديكِ بعض العبء؟ أليس الزواج من آسر خيارًا رائعًا؟ سيمنحكِ عشرات الأخوات، فلن تكوني وحيدة أبدًا."

ولم تكن سما بالهيّنة؛ فبعد أن سمعت هذا الكلام، لم تغضب، بل ابتسمت وقالت لياسر: "أعرف لماذا أختي مرام غير راضية عن آسر؛ فهي تراه يعبث مع النساء في الخارج، ولا يتحلّى بما يكفي من الاستقامة."

وما إن سمع ياسر هذا الكلام حتى ازداد غضبًا: "أليس من الطبيعي أن يكون للرجل نساءٌ عدّة في الخارج؟ ومن أعطاكِ الحقّ لتضعي كلّ هذه الشروط؟"

"خالتي، اسمعي هذا!" قالت مرام بابتسامةٍ هادئة وهي تنهض، ثم التفتت إلى سهام: "عليكِ أن تنتبهي جيّدًا؛ فمَن يدري، لعلّ خالي هو الآخر له نساءٌ عدّة في الخارج، وحينها قد يظهر بعض الأبناء غير الشرعيين، ليزاحموا ابنكِ وابنتكِ على الميراث."

تغيّر لون وجه سهام، وارتجفت أصابعها من شدّة الغضب.

ولم تُرِد مرام أن تستمع إلى ثرثرتهم، فرفعت قدمها واستعدّت للمغادرة.

انبعث صوت سما من خلفها ببطءٍ متعمّد: "تحتقرين وريث عائلة الشربيني لأنه غير مستقيم، وكأنكِ أنتِ أفضل حالًا."

وعند سماعها ذلك، توقّفت مرام في مكانها.

"بعد أن غادرتِ بيتنا، إلى أين ذهبتِ يا مرام؟ المال الذي تركه لكِ والدكِ قبل وفاته، غالبًا لم يكن كافيًا ليُعيلكِ حتى تكبري، فضلًا عن الدراسة في الخارج."

حين عثرت عليها عائلة الجبالي في الخارج قبل عامين، كانت ترتدي ملابس من علاماتٍ فاخرة، وتتمتّع بهالةٍ لافتة، أينما حلّت أصبحت محطّ الأنظار.

ومثل هذه الهيبة لا بدّ أنها صُنعت بالمال.

قالت سما بصوتٍ ناعمٍ يختلط بابتسامةٍ ساخرة: "يا مرام، من كانت يومًا تعيش على حساب رجل لا يليق بها أن تظهر في العلن. على الأقل بزواجكِ من آسر، ستنالين بعض المال."

"لهذه الدرجة أنتِ خبيرة؟" استدارت مرام، ورفعت حاجبها قليلًا، ثم أردفت ببرود: "أم أنّكِ كنتِ يومًا تعيشين على حساب أحد؟"

كانت سما منذ صغرها متعالية، وأكثر ما تكرهه أن يُلمَّح إليها بمثل هذا الكلام.

وكما توقّعت، تلاشت ابتسامتها فورًا، وقالت بحدّة: "لسانكِ سليط! بلا تربية!"

برَد وجه مرام، وشعرت كأنّ الدم اندفع عكس اتجاهه في عروقها.

قبل أن تبلغ الثامنة، كانت تربيتها على يد والدها.

وبعد الثامنة، كان رائد هو من تولّى تربيتها.

أيًّا ما قاله أفراد عائلة الجبالي عنها، كان بوسعها ألّا تأخذه على محمل الجدّ.

أمّا أن يُمسَّ أكثر شخصين أهمّيّة في حياتها، فذلك ما لا يمكنها احتماله!

قبضت على كفّها بإحكام، وتقدّمت بخطواتٍ واسعة، ثم هوَت بصفعةٍ قوية على وجه سما الناعم.

تلقّت سما الصفعة فبُهِتت، وسقطت على الأريكة.

"مرام!"

صاحت سهام بفزع، وهمّت أن تردّ الصفعة دفاعًا عن ابنتها.

لكن مرام كانت أسرع؛ فقبضت على معصمها بيدٍ، ورفعت الهاتف باليد الأخرى.

كانت الشاشة تُظهر اتصالًا من آسر.

انحنت شفاهها بابتسامةٍ خفيفة وقالت: "أظننتِ أنكِ ما تزالين قادرة على ضربي كما في السابق دون رادع؟ إن تجرّأتِ ولمستِني، فسأجري هذا الاتصال فورًا، وليسمع أفراد عائلة الشربيني بأنفسهم لماذا لا تزوّجون ابنتكم."

"ولينهَر تمامًا حلمُكم في التقرّب من عائلة الشربيني والصعود على أكتافهم!"

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 498

    دخلت مرام غرفة النوم، فوجدت رائد قد انتهى من الاستحمام، وكان يرتدي رداء الفندق، ويجلس عند رأس السرير في انتظارها.وكان شعره الأسود قد جف نصفه، ولا تزال الرطوبة عالقة به، بينما انسدلت خصلات شعره الأمامية على عظمتي حاجبيه البارزتين، من دون أن تحجب حدة نظراته.كان مجرد النظر إلى عينيه كافيًا ليملأ قلب مرام بالرهبة.لكنها لم تكن رهبة منه كشخص.بل كانت تخشى أن يفقد أعصابه معها في السرير.فهو لم يكن يعرف الكثير من الرفق بها في مثل تلك اللحظات، وفي النهاية كانت هي من تعاني.وفي تلك اللحظة، كانت نظرات رائد إليها تشبه نظرات ذئب جائع منذ أيام إلى فريسة ظفر بها أخيرًا.وفوق ذلك، كان لا يزال غاضبًا ويموت غيرة، فلا بد أنه سيُتعبها كثيرًا هذه الليلة.دخلت مرام غرفة النوم بتؤدة، تارة تعبث بهذا، وتارة ترتب ذاك.ولم يقل رائد شيئًا، بل ظل جالسًا عند رأس السرير، وعيناه تتبعانها."سأشرب قليلًا من الماء أولًا."ولما لم يعد لديها ما تفعله، سكبت لنفسها كوبًا من الماء، وأخذت ترتشفه على مهل.لم يفعل رائد سوى أن ظل ينظر إليها بصمت.وكانت قد استحمت وارتدت رداء الفندق الأبيض النظيف، فزاد ذلك بشرة ذراعيها وساقيها

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 497

    وخشية أن يخطئ في تقدير القوة فيؤلمها، كان يحرص على أن تكون حركاته غاية في اللطف، بينما كانت أصابعه الطويلة تمر برفق بين خصلات شعرها الناعمة.وكانت مرام تجلس على منضدة المغسلة، مغمضة العينين من شدة الراحة، بينما كانت ساقاها النحيلتان المتناسقتان تتأرجحان بخفة."لم تخبرني بعد، لماذا أنت أيضًا في مدينة الضياء؟"واصل رائد تمرير أصابعه بين خصلات شعرها، وقال: "لأمرٍ ما.""وما هو؟" سألت مرام وعيناها نصف مغمضتين."أمر شخصي."وما إن سمعت ذلك، حتى فتحت مرام عينيها، ورفعت رأسها إليه، وسألته: "وما هذا الأمر الشخصي؟"ألقى رائد عليها نظرة، والتقت عيناه بعينيها الصافيتين، فتوقف للحظة، ثم واصل تمرير أصابعه بين خصلات شعرها."على أي حال، ليس لأعانق امرأة أخرى."ضحكت مرام بخفة، وقالت: "أما زلت تغار؟"وفجأة، انقطع صوت مجفف الشعر. وقال رائد: "اخرجي، أريد أن أستحم."ورغم أنه طلب منها الخروج، فإنه لم ينزلها عن منضدة المغسلة.كان شعر مرام قد جف إلى حدٍّ كبير، فابتسمت، وأمسكت وجه رائد بكلتا يديها، ثم طبعت قبلة على وجنته."سأنتظرك في الخارج."وما إن همّت بأن تستند إلى منضدة المغسلة لتقفز منها، حتى أحاطت ذراعٌ ق

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 496

    وكأن كلماتها أشعلت فتيل الغضب في داخله، فعقد رائد حاجبيه، وأشاح بنظره عنها.ثم أدار رأسه إلى الجانب، متجاهلًا إياها.وبعد كل ما قضياه معًا، أصبحت مرام تعرف طباعه جيدًا.فلو كان غاضبًا فحسب، لما تحدث بهذه الطريقة الملتوية، بل لكانت كلماته أشد قسوة.أما هذه الكلمات، فكان واضحًا أنها تحمل غيرةً لاذعة."سأعترف بكل شيء، وآمل أن تسامحني."ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي مرام، ثم جلست إلى جوار رائد.ولم يلتفت إليها، بل انتظر أن تكمل حديثها."ما قلته صحيح، يحيى ليس حبيبي السابق.""لم نرتبط يومًا، ولم تكن بيننا أي علاقة من أي نوع."وعند سماع ذلك، التفت إليها رائد، وقال: "ماذا تقصدين؟"التقت عينا مرام بعينيه العميقتين الحادتين، وضمّت شفتيها، وقالت: "أقصد... هذا بالضبط."وسرعان ما فهم رائد ما ترمي إليه، وظل حاجباه معقودين، لكن ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وقال: "إذًا، فعلتِ ذلك عمدًا؟"أطرقت مرام برأسها، وأخذت تعبث بأطراف قميصه عند خصره بأطراف أصابعها، وقالت: "أردت فقط أن أعرف كيف سيكون رد فعلك."ثم رفعت عينيها، وقد أشرقتا ببريق واضح، وقالت: "لذلك، لم تكن الأمور اليوم كما رأيتها."ثم شرحت له بال

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 495

    "بيت الضيافة." ردد رائد الكلمتين، وقد أظلمت عيناه، وكانت ملامحه باردة ومتجهمة.وعندما خرجت مرام من الحمام، لم تجد في غرفة المعيشة سوى رائد.وكانت حقيبة سفرها موضوعة بجانب الأريكة.كان قد خلع سترته، ولم يكن يرتدي سوى قميص أسود، وجلس على الأريكة يدخن.وتحت خيوط الدخان المتصاعدة، بدا وجهه البارد الوسيم يبعث على الرهبة.أما مرام، فبعد أن انتهت من الاستحمام، كانت قد لفت شعرها المبلل بمنشفة فقط.خشيت مرام أن يرحل رائد، فلم تمهل نفسها حتى تجفف شعرها، وخرجت على عجل.وتقدمت حتى وقفت أمام الأريكة، ونظرت إلى رائد.ورغم أنها كانت تنظر إليه من علٍ، فإن حضورها كان خافتًا، وبدت تمامًا كتلميذة مطيعة.كان رائد جالسًا على الأريكة، فرفع عينيه إليها ببطء وبلا اكتراث.وكانت نظراته الحادة كأنها تنفذ إلى أعماقها.فرأى أن أطراف شعرها لا تزال تقطر ماءً من تحت المنشفة الملفوفة حول رأسها.انعقد حاجبا رائد قليلًا، وقال: "حتى تجفيف شعرك لا تعرفين كيف تفعلينه؟"لم يعجب مرام أسلوبه البارد في الحديث، فأطرقت برأسها، وقالت: "سأجففه بعد قليل."فدرجة الحرارة داخل الغرفة لم تكن منخفضة، ولم تكن تشعر بالبرد رغم أن شعرها لا

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 494

    كان الفندق الذي يقيم فيه رائد يقع في وسط مدينة الضياء. ورغم أنه لا يُقارن بالمكان الذي كان يقيم فيه في مدينة الزهراء، فإنه كان أفضل فندق في المدينة.وتوقفت السيارة أمام مدخل الفندق.لم ينتظرها رائد كما اعتاد، بل ما إن ترجل من السيارة حتى اتجه إلى بهو الفندق من دون أن ينبس بكلمة.وكانت مرام لا تزال تلف سترته حول جسدها، وبسبب دفء السيارة، أصبحت ملابسها المبللة تلتصق بها قليلًا.وما إن نزلت من السيارة، حتى لفحتها برودة الخارج فجأة، فاقشعر جسدها لا إراديًا.ألقى رائد عليها نظرة، فتباطأت خطواته للحظة، بينما ازدادت ملامحه قتامة، ثم واصل السير إلى الداخل بخطوات واسعة.فسارعت مرام للحاق به."رائد، تمهل قليلًا."كانت أرضية الفندق ملساء، فانزلقت قدم مرام قليلًا وهي تمشي عليها.وكان رائد طويل الساقين، حتى إن خطوته الواحدة تعادل خطوتين منها.ولما عجزت عن مجاراته، اضطرت إلى الهرولة للحاق به.كان رائد يسير أمامها، ورغم ملامحه الباردة وصمته، ورغم اتساع خطواته، فقد خفف من سرعته بوضوح.فأسرعت مرام بضع خطوات، ثم أمسكت بيده.ولم يسحب رائد يده منها، لكنه لم يبادلها الإمساك أيضًا.بل تركها تمسك بيده كما تش

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 493

    لم يلتفت إليها حتى بنظرة، بل أدار وجهه نحو النافذة، ولم ترَ منه سوى جانب وجهه وفكه المشدود.وفي ذلك الحيز الضيق، كان الشعور بالاختناق والضغط يكاد يطغى على كل شيء.وفوق ذلك، كانت مرام تعلم أن ما حدث اليوم كان خطأها بالفعل، فازداد توترها وقلقها.بل إنها شعرت بأنها لم تكن بهذا القدر من التوتر والذعر حتى عندما ضربت ذلك الرجل بالطوبة قبل قليل.وكان قلبها يكاد يقفز من شدة اضطرابها.ابتلعت ريقها، ثم فتحت فمها بحذر لتتكلم."أ... أستطيع أن أشرح..."لم يرد رائد بكلمة.لكن مرام لم تعبأ إن كان يرغب في الاستماع إليها أم لا. فما دام لم يطردها من السيارة، فعليها أن تغتنم الفرصة لتشرح له ما حدث."لقد أخطأت حين أخفيت عنك أنني جئت إلى مدينة الضياء... أنا آسفة..."بدأت بالاعتذار والاعتراف بخطئها، وكان اعتذارها صادقًا.ثم سارعت إلى شرح ما حدث قبل قليل، وقالت: "لقد واجهنا مشكلة، ولم تكن الأمور كما بدت لك..."ولم تكن تدري أكان ذلك من شدة البرد أم من فرط التوتر.فعندما قالت ذلك، كان صوتها لا يزال يرتجف."أنا... لا توجد أي علاقة بيني وبينه...""حقًا، لا يوجد بيننا أي شيء، فلا تُسئ الفهم."ألقت عليه نظرةً حذرة

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 7

    رفعت عينيها فجأة، ولم يكن خارج الجناح سوى سكون الليل، ولا أحد في المكان.لكن تلك الرائحة الخشبية الباردة الخفيفة ظلّت تتسلّل في الهواء من حولها، وتتغلغل في كلّ خليةٍ من جسدها، وكلّ عصبٍ فيه.أخذت تتنفّس بخفّة، وشعرت بغصّةٍ غامضةٍ تتصاعد في صدرها.رمشت مرام؛ أهيَ شربت أكثر من اللازم؟ كيف لها أن تشمّ

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 6

    اشتعلت سهام غضبًا، لكنها حين رأت الاتصال على شاشة الهاتف لم تجرؤ على مدّ يدها، وحدّقت في مرام بعينين يغلي فيهما الحقد."كفى!"صاح ياسر بحدّة: "مرام، سنقيم مأدبة الليلة في قاعة الغيوم، ولم أترك كلمة مجاملة إلا وقلتُها حتى تمكّنتُ من دعوة عائلة الشربيني للحضور."عبس وجهه ونظر إلى مرام: "من الأفضل لكِ

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 4

    لم تكن مرام مطيعة إلى حدّ أن تُنهي المكالمة وتذهب فورًا لتتودّد إلى آسر.لكنها كانت تعلم أنه ما دامت هذه الخطوبة لم تُفسخ، فستظل مضطرة إلى التعامل مع عائلة الشربيني.ذلك لأن الشيء الذي تريده في يد ياسر الجبالي، ولا يملكه سواه.لم يكن لها حقّ فسخ الخطوبة، ولو أن ابن عائلة الشربيني هو من بادر بفسخها،

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 3

    بعد عامين، كانت هذه أول مرة تنظر فيها مباشرةً إلى ملامحه.في ملامحه مسحة غربية ممزوجة بنعومة شرقية، وحاجبان ما يزالان حادّين صارمين، يشيان بهيبةٍ ضاغطة تنمّ عن صاحب مكانةٍ عليا، ومع ذلك ظلّت ملامحه وسيمة إلى حدٍّ يأسر الأنفاس.كان يرتدي بدلة سوداء من دون ربطة عنق، وقميصه الأبيض مفتوحًا قليلًا، وتحت

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status