ログイン**قلب في غيبوبة**
**الفصل السادس** بعد تلك الليلة التي نطق فيها زياد كلمة «ماء»، تغير كل شيء داخل الجناح الشرقي. صار الأطباء يأتون مرتين يومياً. قُلّلت المهدئات تدريجياً، وبدأ زياد يفتح عينيه لفترات أطول. كانت نظراته لا تزال غائمة وتائهة، لكنه صار يحدق في الوجوه المحيطة به لثوانٍ قبل أن يغلق جفنيه من جديد من الإرهاق. أحياناً كانت شفتاه تتحركان كأنه يحاول أن يقول شيئاً، لكن الصوت لم يعد بعد. لينا لم تعد تغادر الجناح إلا للضرورة. صارت تنام على كرسي مريح أُحضر خصيصاً بجانب السرير، وتستيقظ عند أي حركة صغيرة. تغسل وجهه، ترطب شفتيه، وتمسك يده ساعات طويلة وهي تحدثه عن أشياء بسيطة: عن الطقس، عن الحديقة، عن أختها تالا التي صارت تحب مدرستها الجديدة، وعن أمه التي تدعو له كل ليلة. سليمان كان يجلس معهما في الصباح والمساء، ثم يختفي لساعات في غرفته الخاصة. مرضه كان يتقدم بسرعة أكبر مما يعترف به. لينا لاحظت أنه صار يتكئ على الجدران وهو يمشي، وأن يديه ترتجفان حين يمسك الكوب. لم تسأله. كانت تعرف أنه يحتفظ بآخر قوته لابنها. في الليلة الرابعة بعد نطق كلمة «ماء»، حدث ما لم تكن لينا تتوقعه. كان الوقت بعد منتصف الليل. الممرضة خرجت لتغيير الوردية، وسليمان كان نائماً في غرفته بعد أن ألحّت عليه لينا أن يرتاح. الغرفة هادئة إلا من صفير الأجهزة الخافت. زياد كان مستلقياً وعيناه مغمضتين، لكن تنفسه بدا أعمق من المعتاد. لينا جلست على حافة السرير كما تفعل كل ليلة. أمسكت يده، وضعتها على خدها، وهمست: ـ أنا هنا يا زياد. لا أعرف إن كنت تسمعني حقاً... لكنني أحس أحياناً أنك قريب. انحنت أكثر، ووضعت جبينها على جبينه لحظة. شعرت بدفء بشرته، ورائحة الدواء الخفيفة، وشيء آخر لا تستطيع تسميته. قلبها كان يخفق بسرعة. منذ أيام وهي تشعر بهذا الشيء الغريب يتكاثر داخلها: تعلق لم تعد قادرة على إنكاره. لم يكن حباً واضحاً بعد، لكنه كان أكثر من واجب، وأكثر من شفقة. رفعت رأسها قليلاً ونظرت إلى وجهه من مسافة قريبة جداً. الرموش الطويلة، الأنف المستقيم، الشفتان اللتان تحركتا قبل أيام بكلمة واحدة فقط. انحنت دون أن تفكر كثيراً، ووضعت شفتيها على شفتيه قبلة خفيفة، قصيرة، مرتجفة. كانت تقبلة كمن يعتذر، أو كمن يخاف أن يُكتشف. شفتاها لمستا شفتيه لثانيتين فقط، ثم ابتعدت بسرعة واحمرّ وجهها حتى الأذنين. همست وهي تلمس فمها بأصابعها: ـ سامحني... لا أعرف لماذا فعلت هذا. أنت لا تعرفني أصلاً. جلست على الكرسي وغطت وجهها بكفيها. كانت خجلة من نفسها، ومن هذا الشعور الذي ينمو رغم أن صاحبه لا يزال نائماً. بعد دقائق رفعت رأسها ونظرت إليه من جديد. كان وجهه هادئاً كما هو دائماً. لم تتحرك ملامحه. شعرت بالراحة والخجل في الوقت نفسه. اقتربت مرة أخرى، هذه المرة ببطء أكبر. وضعت يدها على خده، ومسحت بأصبعها خط الفك برفق. ثم انحنت وقبلته مرة ثانية. هذه المرة كانت القبلة أطول قليلاً، وأعمق قليلاً. شعرت أن شفتيه دافئتان، وأن أنفاسه الخفيفة تلامس خدها. أغلقت عينيها، وتركت نفسها للحظة نادرة من الصدق مع قلبها. عندما ابتعدت، كانت دموعها قد نزلت على خديها. مسحتها بسرعة وهمست: ـ إذا صحوتَ وكرهتني... سأفهم. لكن الآن... دعني أحبك وأنت نائم. هذا أسهل. وضعت رأسها على حافة المخدة بجانب رأسه، وأمسكت يده، ونامت على هذه الهيئة. في الصباح التالي، عندما دخل سليمان، وجدها على هذه الحال. لم يوقظها فوراً. وقف ينظر إليهما طويلاً، وابتسامة حزينة ارتسمت على وجهه. اقترب ووضع يده على كتفها برفق. استيقظت مفزوعة، فاعتذرت بسرعة وهي تصلح شعرها. سليمان هز رأسه وقال بصوت هادئ: ـ لا داعي للخجل يا ابنتي. القلب أحياناً يسبق الإذن. في الأيام التالية تسارعت علامات الوعي. صار زياد يفتح عينيه لفترات تصل إلى عشر دقائق. ينظر إلى أبيه، ثم إلى لينا، ثم يعود إلى السقف. أحياناً كانت عيناه تدمعان دون سبب واضح. الأطباء قالوا إن الذاكرة والحواس تعودان تدريجياً، وأن الكلام قد يتأخر قليلاً. لينا صارت أكثر حذراً في التعبير عن مشاعرها أمام الآخرين، لكنها في الليل، حين ينام الجميع، كانت تعود إلى عادتها. تمسك يده، تقبله على جبينه أو على خده، وأحياناً على شفتيه قبلة خفيفة كأنها سر صغير بينهما. كانت تشعر في كل مرة أن شيئاً ما في داخله يستجيب، حتى لو لم يتحرك. في الليلة السابعة بعد أول قبلة، حدث شيء مختلف. كانت لينا جالسة بجانبه، تقرأ له بصوت خافت من رواية قديمة أحضرتها من الشقة. فجأة شعرت أن أصابعه تنقبض على يدها بقوة أوضح من أي مرة سابقة. رفعت رأسها فوجدت عينيه مفتوحتين ويحدقان فيها مباشرة. النظرة لم تكن فارغة هذه المرة. كانت هناك محاولة للتركيز، ومحاولة للفهم. همست مرتجفة: ـ زياد... هل تراني؟ شفتاه تحركتا بصعوبة. صوت مبحوح جداً خرج هذه المرة أوضح: ـ ... من... أنتِ؟ قلبها توقف لحظة ثم راح يخفق بعنف. ابتسمت والدموع تملأ عينيها، وأمسكت يده أقوى. ـ أنا لينا... زوجتك. نظر إليها طويلاً، نظرة غائمة ومليئة بالحيرة، ثم أغلقت عيناه من جديد من الإرهاق. لكنه لم يفلت يدها. ظل ممسكاً بها حتى بعد أن نام. لينا جلست مكانها ساعات وهي تبكي بصمت من الفرحة والخوف معاً. الفرحة لأنه تعرف عليها ولو بكلمة، والخوف من اللحظة التي سيصحو فيها تماماً ويعرف القصة كاملة. في الطابق الغربي، كان فهد يراقب الضوء المضاء في جناح زياد عبر النافذة. أخرج هاتفه واتصل بأبيه رغم تأخر الوقت. ـ بدأ يتكلم. قال شيئاً للبنت. نحتاج إلى التحرك قبل أن يعود كاملاً. عبد الرحمن رد بصوت بارد: ـ اجمع المعلومات عن الممرض الليلي. غداً نتحدث في التفاصيل. ثم أغلق الخط. أما لينا، فبقيت طوال الليل تمسك يد زياد، وتقبل أصابعه من حين لآخر، وتهمس له كأنها تخاف أن يسمعها العالم كله: ـ أنا هنا... وسأبقى. حتى لو رفضتني حين تصحو تماماً... سأبقى إلى آخر لحظة تسمح لي بها. وخارج النافذة، كان الفجر يبدأ في التسلل ببطء، حاملاً معه يوماً جديداً أقرب إلى الحقيقة... وأقرب إلى الخطر.**قلب في غيبوبة** **الفصل الثامن والعشرون**مرت الأسابيع بهدوء تدريجي يشبه الشفاء البطيء بعد مرض طويل.زياد لم يعد يستيقظ مرعوباً في منتصف الليل كما في الأيام الأولى بعد اكتشاف الحقيقة. الكوابيس صارت أقل حدة، وإذا جاءته واحدة كانت لينا هناك دائماً، تضع يدها على صدره وتهمس له حتى يعود تنفسه إلى طبيعته. في الصباح كانا يجلسان على الشرفة يشربان القهوة وينظران إلى الحديقة التي بدأت تستعيد حيويتها مع أيدي البستانيين الجدد الذين عيّنهما زياد.الجناح الغربي ظل مغلقاً لأسابيع. ثم قرر زياد يوماً أن يفتحه مع لينا. مشيا معاً في الممرات التي كانت مليئة بالظلال، فتحا النوافذ واحدة تلو الأخرى، وسمحا للشمس أن تدخل الغرف المظلمة. لينا اقترحت أن يُحوَّل الجزء الأكبر منه إلى مركز للقسم الاجتماعي الذي أسسوه: مكاتب صغيرة، قاعة اجتماعات للعائلات المستفيدة، وغرفة ألعاب للأطفال. زياد وافق فوراً وقبّل يدها وقال:ـ أحب كيف تحولين الأماكن الميتة إلى أماكن حية.العمل في الشركات عاد إلى إيقاعه الطبيعي، بل صار أفضل. لينا أثبتت وجودها كشريكة حقيقية لا كاسم على الورق. في اجتماعات مجلس الإدارة كانت تطرح أسئلة مباشر
**قلب في غيبوبة** **الفصل السابع والعشرون**في الأيام التالية لعملية القبض، بدت الفيلا أكبر وأكثر فراغاً من أي وقت مضى.الجناح الغربي أُغلق رسمياً بأمر من زياد بعد أن نُقل أثاث عبد الرحمن وأبنائه إلى مستودع خارجي تحت حراسة الشرطة كجزء من التحقيق. الغرف التي كانت مليئة بالهمسات والخطط صارت مظلمة ومهجورة. الخدم كانوا يمرون بها بسرعة ودون كلام، كأن المكان أصبح محرماً.زياد لم ينم جيداً طوال ثلاث ليالٍ متتالية. كان يستيقظ فجأة في منتصف الليل، يتعرق، ويجلس على حافة السرير يحدق في الظلام. لينا كانت تستيقظ معه في كل مرة، تضع يدها على ظهره، وتمسح شعره برفق دون أن تسأله أن يتكلم إن لم يرد. في الليلة الثالثة فقط فتح فمه وقال بصوت أجش:ـ كل مرة كنت أفتح عيني في الغيبوبة وأرى عمي يقف عند الباب مبتسماً... كان قد دفع مالاً كي أبقى نائماً إلى الأبد. كيف يبتسم إنسان بعد أن يفعل هذا؟لينا جلست خلفه ووضعت خديها على كتفه.ـ لأن بعض الناس يفقدون إنسانيتهم حين يتعلق الأمر بالمال. لكنك لم تفقدها أنت. ولهذا نجوت، ولهذا نحن هنا الآن.التفت إليها فجأة وسحبها إلى حضنه بقوة. دفن وجهه في عنقها وظل كذلك وقتاً ط
**قلب في غيبوبة** **الفصل السادس والعشرون**الصباح بدأ عادياً داخل الجناح الشرقي.زياد ولينا كانا يجلسان على طاولة الإفطار الصغيرة قرب النافذة، هو يقرأ تقريراً سريعاً على جهازه اللوحي وهي تسكب له القهوة وتضيف لها الحليب كما يحب. تالا كانت قد نامت في غرفة الضيوف مع أمها بعد ليلة هادئة نسبياً، والحراسة خارج الأبواب مشددة كما في الأيام السابقة.فجأة رنّ هاتف زياد من رقم رسمي. نظر إلى الشاشة ثم رفعه إلى أذنه.ـ نعم، زياد الراشد.الصوت في الطرف الآخر كان لضابط تحقيق يعرفه من قضية التهديدات الأخيرة.ـ السيد زياد... نعتذر عن الإزعاج في هذا الوقت. لدينا تطور مهم يتعلق بحادثك القديم. تم القبض فجر اليوم على سائق الشاحنة الذي اصطدم بسيارتك في الحادث الذي أدى إلى غيبوبتك. الرجل كان مختبئاً في مدينة أخرى تحت اسم مستعار. بعد التحقيق الأولي اعترف بأشياء... نحتاج إلى وجودك في مركز الشرطة في أقرب وقت ممكن.تجمد زياد مكانه. لينا رأت التغيير في وجهه فوراً وأمسكت ذراعه.ـ ماذا قالوا؟أغلق الخط ببطء ونظر إليها بعينين مليئتين بصدمة قديمة تفتح من جديد.ـ قبضوا على سائق الشاحنة... سائق الحادث الذي كاد يقتل
**قلب في غيبوبة** **الفصل الخامس والعشرون**بعد الاتصال المجهول، لم تعد الفيلا هادئة تماماً كما بدت في الأسابيع الأولى بعد الحكم.زياد ضاعف عدد رجال الأمن حول الجناح الشرقي والشقة التي تسكنها أم لينا وتالا، رغم أنهما تقضيان أياماً متزايدة داخل الفيلا. صارت سيارة ثانية ترافقهما أينما ذهبا، وكاميرات إضافية رُكّبت في نقاط كانت خفية من قبل. لينا في البداية شعرت بضيق من هذا الطوق الأمني، لكنها فهمت سريعاً أنه ثمن الأمان في عالم سليمان الراشد القديم الذي ورثاه معاً.في أحد الصباحات جلسا في المكتب يراجعان تقريراً أمنياً أولياً. مدير الأمن، رجل في الخمسينيات يدعى أبو فهد (لا علاقة له بابن العم)، وضع أمامهما ملفاً صغيراً.ـ الرقم الذي اتصل بالسيدة لينا مرتبط بشبكة قديمة كانت على خلاف تجاري حاد مع والدكم قبل ثماني سنوات. القضية انتهت بخسارة الطرف الآخر لمبلغ كبير جداً. الرجل الأساسي في تلك الشبكة اسمه راكان الغامدي، يقيم معظم الوقت في الخارج، وله بعض الوكلاء هنا. لا نملك دليلاً دامغاً أنه وراء الاتصال، لكن التوقيت واللغة يشيران إليه أو إلى أحد مقربيه.زياد استمع بوجه جامد ثم قال:ـ راقبوا كل
**قلب في غيبوبة** **الفصل الرابع والعشرون**الأسابيع التالية لحكم المحكمة مرت بهدوء لم تعرفه الفيلا منذ زمن طويل.زياد ولينا استيقظا كل صباح على روتين جديد دافئ. يجلسان معاً على شرفة الجناح الشرقي يشربان القهوة، يراجعان جدول اليوم، ثم ينزلان إلى المكتب أو يخرجان إلى الشركات حسب الحاجة. لينا صارت تحضر معظم الاجتماعات المهمة، وصوتها أصبح مألوفاً ومحترماً. المديرين الذين كانوا ينظرون إليها في البداية بعين الشك صاروا يطلبون رأيها في بعض التفاصيل التسويقية والإدارية.في أحد الأيام اقترح زياد فكرة أثناء اجتماع مغلق:ـ أريد أن نؤسس قسماً جديداً للمسؤولية الاجتماعية داخل المجموعة. جزء من أرباحنا يذهب لدعم الأيتام والأرامل في الأحياء الفقيرة... مثل الحي الذي جاءت منه لينا. هي من ستشرف على هذا القسم.لينا نظرت إليه بدهشة وسعادة صامتة. بعد الاجتماع أمسكت يده في الممر وقالت:ـ لماذا فعلت هذا؟ـ لأنني أريد أن أرى بعينيكِ الفرحة نفسها التي رأيتها حين انتقلت أسرتكِ إلى الشقة الجديدة. ولأن المال الذي تركه أبي يجب أن يصنع شيئاً طيباً أكثر من مجرد زيادة في الحسابات.في المساء احتفلا بالفكرة بطريقتهما
**قلب في غيبوبة** **الفصل الثالث والعشرون**الصباح الأول بعد حكم المحكمة كان خفيفاً كأن الهواء نفسه قد تغير داخل الفيلا.زياد استيقظ قبل لينا كالعادة، لكن هذه المرة لم يكن هناك ثقل على صدره. نظر إلى السقف لحظة ثم التفت إليها وهي نائمة على جانبها، يدها لا تزال ممدودة نحوه حتى في النوم. ابتسم وقبّل كتفها العاري برفق حتى تحركت وفتحت عينيها.ـ صباح الخير يا شريكتي... الشريكة الرسمية والنهائية الآن.ضحكت ضحكة ناعسة ومدّت يديها لتحيط رقبته وتسحبه إليها لقبلة صباحية طويلة. بعد أن افترقا قال وهو يمرر إبهامه على خدها:ـ اليوم لا اجتماعات طويلة. اليوم لنا فقط. أريد أن أمشي معكِ في الحديقة، وأن نأكل معاً دون أن ننظر إلى الساعة، وأن أقبلكِ في كل غرفة من هذا الجناح إن أردتِ.ـ أريد كل ذلك... وأكثر.نزلَا بعد ساعة إلى الحديقة. الطقس كان معتدلاً والشمس دافئة دون حر. مشيا ببطء بين الأشجار والنوافير، يدا أحدهما في يد الآخر. زياد كان لا يزال يستخدم عكازاً خفيفاً أحياناً، لكنها كانت تسير إلى جانبه ببطء يناسبه. توقفا عند المقعد الخشبي نفسه الذي جلسا عليه أول مرة بعد استيقاظه، وجلسا من جديد.زياد وضع ذر







