تسجيل الدخول**قلب في غيبوبة**
**الفصل الخامس** الصباح التالي كان مختلفاً منذ اللحظة الأولى. عندما فتحت لينا عينيها وهي لا تزال جالسة على الكرسي، شعرت بشيء دافئ يتحرك تحت أصابعها. نظرت إلى يد زياد. أصابعه لم تعد ساكنة تماماً. كانت ترتجف ارتجافاً خفيفاً متقطعاً، كأن شخصاً يحاول أن يفتح قبضة مغلقة منذ زمن طويل. صرخت بصوت منخفض: ـ عمه سليمان... عمه! سليمان الذي كان نائماً في الكرسي المقابل قفز مفزوعاً. ركض نحو السرير، وضع يده فوق يد ابنه، وأخذ ينادي باسمه بصوت مبحوح: ـ زياد... زياد يا بني... أنا هنا. لم يفتح زياد عينيه، لكن أصابعه انقبضت قليلاً على يد أبيه. دموع سليمان نزلت بصمت وهو يكرر الاسم مرة بعد مرة. استُدعي الطبيب فوراً. جاء مع اثنين من أطباء الأعصاب. أجروا فحوصات سريعة، ثم نظر الطبيب الرئيسي إلى سليمان وقال بحذر شديد: ـ هناك بوادر استجابة. الحركة في الأصابع والرموش ليست عشوائية. سنرفع مستوى المراقبة، ونبدأ بتقليل بعض المهدئات تدريجياً. لكن لا نعدك بشيء بعد. الغيبوبة لا تزال عميقة. رغم التحفظ الطبي، امتلأ الجناح بشيء يشبه الأمل لأول مرة منذ أسابيع. لينا لم تغادر المكان طوال اليوم. كانت تمسك يد زياد اليمنى بينما سليمان يمسك اليسرى. تحدثت إليه بصوت مرتجف: ـ إذا كنت تسمعني... اضغط على يدي. فقط مرة واحدة. بعد دقائق طويلة، شعرت بضغط خفيف جداً. كاد قلبها يتوقف. نظرت إلى سليمان فرأته يبتسم والدموع لا تزال في عينيه. في الأيام التالية تسارعت العلامات الصغيرة. في اليوم الثالث تحركت شفتاه حركة بطيئة كأنه يحاول أن يقول شيئاً. في اليوم الخامس فتح عينيه لثوانٍ معدودة، ونظر إلى السقف نظرة فارغة قبل أن يغلقهما من جديد. لينا كانت حاضرة في كل مرة. كانت تبكي من الفرحة ثم تمسح دموعها بسرعة حتى لا يراها أحد ضعيفة. سليمان صار يقضي معظم وقته في الجناح. مرضه كان يتقدم، والجهاز المناعي يضعف، لكن الأمل في ابنه أعطاه قوة مؤقتة. في إحدى الليالي، بينما كانت لينا تقرأ، قال لها فجأة: ـ إذا صحى... قد يرفضكِ في البداية. يجب أن تكوني مستعدة. رفعت رأسها ونظرت إليه. ـ أعرف. أنا لم أتزوجه لأنه اختارني. تزوجته لأنك اخترتني له. إذا رفضني... سأبقى إلى أن يأمرني بالرحيل. هذا كل ما أستطيع أن أعدك به. ابتسم سليمان ابتسامة متعبة. ـ أنتِ فتاة طيبة يا لينا. أطال الله في عمرك. في الجانب الآخر من الفيلا، كان القلق يتحول إلى غضب صامت. عبد الرحمن جمع ابنيه فهد وتركي في غرفة المكتب الخاصة بعد منتصف الليل. الصوت كان منخفضاً جداً. ـ الولد بدأ يستجيب. إذا صحى بالكامل وأبوه لا يزال حياً، فكل خططنا تنتهي. الوصية الحالية واضحة: كل شيء لزياد. وإذا مات زياد قبل أبيه أو معه... يتوزع الإرث. فهد اتكأ على الطاولة وقال ببرود: ـ نستطيع أن نلعب على الدواء. الممرض الليلي الجديد... أعرفه من زمن. يحب المال أكثر مما يحب مهنته. عبد الرحمن هز رأسه ببطء. ـ لا تتسرع. راقب أولاً. إذا استمرت الاستجابة بهذا الشكل، سنحتاج إلى خطة أوضح. وهذه البنت... صارت عقبة. هي تلاحظ كل شيء. تركيب ابتسم ابتسامة جانبية: ـ يمكن إبعادها. فضيحة صغيرة، أو اتهام بالسرقة، أو شيء يجعل سليمان نفسه يطردها. عبد الرحمن رفع يده. ـ ليس الآن. الأب لا يزال يثق بها. انتظروا. لينا لم تكن تعرف تفاصيل ما يُحاك، لكنها شعرت بالعداء في الهواء. صارت تتجنب المرور من الجناح الغربي. وعندما تضطر إلى الجلوس على مائدة الغداء الأسبوعية التي يصر سليمان على إقامتها رغم مرضه، كانت تتكلم بأدب وتأكل بسرعة ثم تعتذر للعودة إلى زياد. في أحد تلك الغداءات، سألتها زوجة عبد الرحمن بصوت ناعم مسموم: ـ كيف تجدين الحياة هنا يا لينا؟ أليست الفيلا كبيرة جداً على فتاة قادمة من... الحي الجنوبي؟ ابتسمت لينا ابتسامة هادئة وردت: ـ الفيلا كبيرة نعم... لكن زوجي فيها، وهذا يكفي. صمت الجميع لحظة. سليمان نظر إليها بإعجاب صامت، بينما تغيرت نظرة فهد للحظة قبل أن يعود إلى طعامه. في الليلة نفسها، بعد أن نام الجميع، جلست لينا بجانب زياد وأخذت تحدثه بصوت أقرب إلى الهمس: ـ الناس هنا لا يحبون وجودي. أشعر بذلك كل يوم. لكنني لا أبالي. أنا لم آتِ من أجلهم. جئت من أجل أمي وأختي... ومن أجلك أنت. حتى لو لم تكن تعرفني بعد. أمسكت يده ووضعتهما على خدها. ـ اصْحُ يا زياد. أريد أن أسمع صوتك. حتى لو كان أول شيء تقوله هو «من هذه المرأة؟». فقط تكلم. فجأة... تحركت أصابع زياد بقوة أوضح من أي مرة سابقة. ثم سمعَتْ صوتاً خافتاً جداً، مبحوحاً، كأنه يخرج من بئر عميق: ـ ... ماء. تجمدت لينا في مكانها. نظرت إلى وجهه. عيناه كانتا لا تزالان مغلقتين، لكن شفتيه تحركتا مرة أخرى. صرخت هذه المرة بصوت مسموع: ـ عمه سليمان! تعال بسرعة! ركض سليمان مرتدياً عباءة النوم. عندما وصل وسمع الكلمة التي أعادتها لينا، سقط على ركبتيه بجانب السرير وأمسك وجه ابنه بيديه المرتجفتين. ـ زياد... أنا أبوك... أنا هنا يا بني. زياد فتح عينيه ببطء هذه المرة. نظرات غائمة، تائهة، تدور في الغرفة ثم تتوقف للحظة على وجه أبيه، ثم على وجه لينا. لم يتكلم مجدداً. لكن عينيه بقيتا مفتوحتين لأكثر من دقيقة كاملة قبل أن تغلقا من جديد من الإرهاق. الطبيب جاء في منتصف الليل. بعد الفحص قال بصوت يحمل حذراً وأملاً معاً: ـ هذه ليست مجرد استجابة عشوائية. هو يقترب من السطح. قد يستغرق الأمر أياماً أو أسابيع... لكن الوعي بدأ يعود. بعد خروج الطبيب، جلس سليمان ولينا على الأرض بجانب السرير، متعبين وممتنين. سليمان وضع يده على كتف لينا وقال بصوت منخفض: ـ شكراً لكِ... لأنكِ بقيتِ. لينا لم ترد. كانت تنظر إلى وجه زياد، وفي داخلها شيء جديد يولد: خوف من اللحظة التي سيفتح فيها عينيه حقاً ويعرف من هي... وفرح لا يوصف بأنها ستكون أول وجه يراه بعد الغيبوبة الطويلة. في الظلام خارج النافذة، كان فهد يقف في الحديقة ويحدق في ضوء الجناح الشرقي المضاء. أخرج هاتفه وكتب رسالة قصيرة: «بدأ يستيقظ. نحتاج إلى الاجتماع غداً.» ثم اختفى بين الأشجار.**قلب في غيبوبة** **الفصل الثامن والعشرون**مرت الأسابيع بهدوء تدريجي يشبه الشفاء البطيء بعد مرض طويل.زياد لم يعد يستيقظ مرعوباً في منتصف الليل كما في الأيام الأولى بعد اكتشاف الحقيقة. الكوابيس صارت أقل حدة، وإذا جاءته واحدة كانت لينا هناك دائماً، تضع يدها على صدره وتهمس له حتى يعود تنفسه إلى طبيعته. في الصباح كانا يجلسان على الشرفة يشربان القهوة وينظران إلى الحديقة التي بدأت تستعيد حيويتها مع أيدي البستانيين الجدد الذين عيّنهما زياد.الجناح الغربي ظل مغلقاً لأسابيع. ثم قرر زياد يوماً أن يفتحه مع لينا. مشيا معاً في الممرات التي كانت مليئة بالظلال، فتحا النوافذ واحدة تلو الأخرى، وسمحا للشمس أن تدخل الغرف المظلمة. لينا اقترحت أن يُحوَّل الجزء الأكبر منه إلى مركز للقسم الاجتماعي الذي أسسوه: مكاتب صغيرة، قاعة اجتماعات للعائلات المستفيدة، وغرفة ألعاب للأطفال. زياد وافق فوراً وقبّل يدها وقال:ـ أحب كيف تحولين الأماكن الميتة إلى أماكن حية.العمل في الشركات عاد إلى إيقاعه الطبيعي، بل صار أفضل. لينا أثبتت وجودها كشريكة حقيقية لا كاسم على الورق. في اجتماعات مجلس الإدارة كانت تطرح أسئلة مباشر
**قلب في غيبوبة** **الفصل السابع والعشرون**في الأيام التالية لعملية القبض، بدت الفيلا أكبر وأكثر فراغاً من أي وقت مضى.الجناح الغربي أُغلق رسمياً بأمر من زياد بعد أن نُقل أثاث عبد الرحمن وأبنائه إلى مستودع خارجي تحت حراسة الشرطة كجزء من التحقيق. الغرف التي كانت مليئة بالهمسات والخطط صارت مظلمة ومهجورة. الخدم كانوا يمرون بها بسرعة ودون كلام، كأن المكان أصبح محرماً.زياد لم ينم جيداً طوال ثلاث ليالٍ متتالية. كان يستيقظ فجأة في منتصف الليل، يتعرق، ويجلس على حافة السرير يحدق في الظلام. لينا كانت تستيقظ معه في كل مرة، تضع يدها على ظهره، وتمسح شعره برفق دون أن تسأله أن يتكلم إن لم يرد. في الليلة الثالثة فقط فتح فمه وقال بصوت أجش:ـ كل مرة كنت أفتح عيني في الغيبوبة وأرى عمي يقف عند الباب مبتسماً... كان قد دفع مالاً كي أبقى نائماً إلى الأبد. كيف يبتسم إنسان بعد أن يفعل هذا؟لينا جلست خلفه ووضعت خديها على كتفه.ـ لأن بعض الناس يفقدون إنسانيتهم حين يتعلق الأمر بالمال. لكنك لم تفقدها أنت. ولهذا نجوت، ولهذا نحن هنا الآن.التفت إليها فجأة وسحبها إلى حضنه بقوة. دفن وجهه في عنقها وظل كذلك وقتاً ط
**قلب في غيبوبة** **الفصل السادس والعشرون**الصباح بدأ عادياً داخل الجناح الشرقي.زياد ولينا كانا يجلسان على طاولة الإفطار الصغيرة قرب النافذة، هو يقرأ تقريراً سريعاً على جهازه اللوحي وهي تسكب له القهوة وتضيف لها الحليب كما يحب. تالا كانت قد نامت في غرفة الضيوف مع أمها بعد ليلة هادئة نسبياً، والحراسة خارج الأبواب مشددة كما في الأيام السابقة.فجأة رنّ هاتف زياد من رقم رسمي. نظر إلى الشاشة ثم رفعه إلى أذنه.ـ نعم، زياد الراشد.الصوت في الطرف الآخر كان لضابط تحقيق يعرفه من قضية التهديدات الأخيرة.ـ السيد زياد... نعتذر عن الإزعاج في هذا الوقت. لدينا تطور مهم يتعلق بحادثك القديم. تم القبض فجر اليوم على سائق الشاحنة الذي اصطدم بسيارتك في الحادث الذي أدى إلى غيبوبتك. الرجل كان مختبئاً في مدينة أخرى تحت اسم مستعار. بعد التحقيق الأولي اعترف بأشياء... نحتاج إلى وجودك في مركز الشرطة في أقرب وقت ممكن.تجمد زياد مكانه. لينا رأت التغيير في وجهه فوراً وأمسكت ذراعه.ـ ماذا قالوا؟أغلق الخط ببطء ونظر إليها بعينين مليئتين بصدمة قديمة تفتح من جديد.ـ قبضوا على سائق الشاحنة... سائق الحادث الذي كاد يقتل
**قلب في غيبوبة** **الفصل الخامس والعشرون**بعد الاتصال المجهول، لم تعد الفيلا هادئة تماماً كما بدت في الأسابيع الأولى بعد الحكم.زياد ضاعف عدد رجال الأمن حول الجناح الشرقي والشقة التي تسكنها أم لينا وتالا، رغم أنهما تقضيان أياماً متزايدة داخل الفيلا. صارت سيارة ثانية ترافقهما أينما ذهبا، وكاميرات إضافية رُكّبت في نقاط كانت خفية من قبل. لينا في البداية شعرت بضيق من هذا الطوق الأمني، لكنها فهمت سريعاً أنه ثمن الأمان في عالم سليمان الراشد القديم الذي ورثاه معاً.في أحد الصباحات جلسا في المكتب يراجعان تقريراً أمنياً أولياً. مدير الأمن، رجل في الخمسينيات يدعى أبو فهد (لا علاقة له بابن العم)، وضع أمامهما ملفاً صغيراً.ـ الرقم الذي اتصل بالسيدة لينا مرتبط بشبكة قديمة كانت على خلاف تجاري حاد مع والدكم قبل ثماني سنوات. القضية انتهت بخسارة الطرف الآخر لمبلغ كبير جداً. الرجل الأساسي في تلك الشبكة اسمه راكان الغامدي، يقيم معظم الوقت في الخارج، وله بعض الوكلاء هنا. لا نملك دليلاً دامغاً أنه وراء الاتصال، لكن التوقيت واللغة يشيران إليه أو إلى أحد مقربيه.زياد استمع بوجه جامد ثم قال:ـ راقبوا كل
**قلب في غيبوبة** **الفصل الرابع والعشرون**الأسابيع التالية لحكم المحكمة مرت بهدوء لم تعرفه الفيلا منذ زمن طويل.زياد ولينا استيقظا كل صباح على روتين جديد دافئ. يجلسان معاً على شرفة الجناح الشرقي يشربان القهوة، يراجعان جدول اليوم، ثم ينزلان إلى المكتب أو يخرجان إلى الشركات حسب الحاجة. لينا صارت تحضر معظم الاجتماعات المهمة، وصوتها أصبح مألوفاً ومحترماً. المديرين الذين كانوا ينظرون إليها في البداية بعين الشك صاروا يطلبون رأيها في بعض التفاصيل التسويقية والإدارية.في أحد الأيام اقترح زياد فكرة أثناء اجتماع مغلق:ـ أريد أن نؤسس قسماً جديداً للمسؤولية الاجتماعية داخل المجموعة. جزء من أرباحنا يذهب لدعم الأيتام والأرامل في الأحياء الفقيرة... مثل الحي الذي جاءت منه لينا. هي من ستشرف على هذا القسم.لينا نظرت إليه بدهشة وسعادة صامتة. بعد الاجتماع أمسكت يده في الممر وقالت:ـ لماذا فعلت هذا؟ـ لأنني أريد أن أرى بعينيكِ الفرحة نفسها التي رأيتها حين انتقلت أسرتكِ إلى الشقة الجديدة. ولأن المال الذي تركه أبي يجب أن يصنع شيئاً طيباً أكثر من مجرد زيادة في الحسابات.في المساء احتفلا بالفكرة بطريقتهما
**قلب في غيبوبة** **الفصل الثالث والعشرون**الصباح الأول بعد حكم المحكمة كان خفيفاً كأن الهواء نفسه قد تغير داخل الفيلا.زياد استيقظ قبل لينا كالعادة، لكن هذه المرة لم يكن هناك ثقل على صدره. نظر إلى السقف لحظة ثم التفت إليها وهي نائمة على جانبها، يدها لا تزال ممدودة نحوه حتى في النوم. ابتسم وقبّل كتفها العاري برفق حتى تحركت وفتحت عينيها.ـ صباح الخير يا شريكتي... الشريكة الرسمية والنهائية الآن.ضحكت ضحكة ناعسة ومدّت يديها لتحيط رقبته وتسحبه إليها لقبلة صباحية طويلة. بعد أن افترقا قال وهو يمرر إبهامه على خدها:ـ اليوم لا اجتماعات طويلة. اليوم لنا فقط. أريد أن أمشي معكِ في الحديقة، وأن نأكل معاً دون أن ننظر إلى الساعة، وأن أقبلكِ في كل غرفة من هذا الجناح إن أردتِ.ـ أريد كل ذلك... وأكثر.نزلَا بعد ساعة إلى الحديقة. الطقس كان معتدلاً والشمس دافئة دون حر. مشيا ببطء بين الأشجار والنوافير، يدا أحدهما في يد الآخر. زياد كان لا يزال يستخدم عكازاً خفيفاً أحياناً، لكنها كانت تسير إلى جانبه ببطء يناسبه. توقفا عند المقعد الخشبي نفسه الذي جلسا عليه أول مرة بعد استيقاظه، وجلسا من جديد.زياد وضع ذر







