Masukمن وجهة نظر لوكا
كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تارة أخرى. حتى انتهى جزء كبير من العمل. فجلسنا أخيرًا قرب أحد الجدران الحجرية المطلة على الساحة. تنهد خالي وهو ينظر إلى الجنود. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "يذكرني هذا بأيامنا." التفت نحوه باهتمام. "أيامكم؟" ضحك بخفة. "أنا ووالدك وهيفان." أصبحت مهتمًا فورًا. نادراً ما كانوا يتحدثون عن تلك الأيام. فأسندت ظهري إلى الحائط وقلت: "احكِ لي." ابتسم أيان. وبدا وكأنه عاد عشرين سنة إلى الماضي. "عندما كنا في صغار وحصلنا على ذئابنه اجبرنا على الذهاب الى المعسكر كنا نقضي وقتنا في معسكرات التدريب." "خصوصًا أنا وهيفان." ضحكت فورًا. "أستطيع تخيل الكارثة." ضحك هو الآخر. "بل كانت كارثة حقيقية." ثم تابع: "كان المدربون يوقظوننا قبل شروق الشمس." "نجري لعشرات الكيلومترات." "نتدرب بالسيوف." "ثم القتال بالأيدي." "ثم التحول." "ثم تدريبات التحمل." هززت رأسي مصدومًا. "هذا تعذيب." ضحك. "هذا ما كنا نقوله يوميًا." ثم أضاف: "لكن تلك التدريبات هي السبب في أننا ما زلنا أحياء حتى الآن." ساد الصمت للحظة. ثم ابتسم بخفة. "هيفان كان مرعبًا حتى وهو صغير." ضحكت. "لا أجد صعوبة في تصديق ذلك." "أما أنا فكنت أسبب المشاكل دائمًا." "ثم عندما عدنا الي نورفاي ،وعندما آتي والدك إلي نورفاي.....حسنا لم يكن التعامل معه افضل شئ." "وأمك كانت تنقذني من الموت في كل مره ،قبل أن أصبح طعام لوالدك." ضحكت أكثر. ذلك الجزء صدقته فورًا. والدتي ما زالت تفعل ذلك حتى اليوم. استمر الحديث لبعض الوقت. ومع كل قصة كان التوتر الذي يملأ المملكة يبتعد قليلًا. حتى نسينا الحرب لعدة دقائق. وهذا وحده كان كافيًا. بعد فترة نظر إليّ أيان فجأة. ثم قال: "بالمناسبة." "هل وجدت رفيقتك؟" كتمت ضحكة. "مباشرة إلى هذا السؤال؟" رفع كتفيه. "فترة التزاوج تقترب." "وأنت لم تعد صغيرًا." ضحكت وأنا أهز رأسي. "اسأل نفسك أولًا يا خالي." عقد حاجبيه. فأكملت: "عندما تجد رفيقتك أنت..." "سأجد رفيقتي أنا." انفجر ضاحكًا. "أيها الوقح." ضحكت أنا أيضًا. ثم نهض بعد قليل. وعاد لمتابعة استعدادات الجنود. أما أنا فبقيت وحدي. رفعت رأسي نحو السماء. كان القمر معلقًا فوق المملكة. كبيرًا ومضيئًا. وأشعته الفضية تغطي الأسوار والحجارة القديمة. تنهدت. فسمعت صوت أرون داخل رأسي. ذئبي. "أنت تفكر كثيرًا." ابتسمت بخفة. "وأنت تتنصت كثيرًا." ضحك أرون. "الحرب تقلقك." لم أجب. لأن ذلك كان صحيحًا. بعد لحظة قال: "لكننا سننجو." أغمضت عيني للحظة. "أتمنى ذلك." ثم أضاف بصوته المعتاد: "وربما نجد رفيقتنا أخيرًا." ضحكت رغماً عني. "حتى أنت بدأت؟" "طبعًا." "أنا أريد جراء وأمك تريد أحفاد ." كدت أختنق من الضحك. "أرون." "ماذا؟" "اصمت." "لا." بينما كنت أجادل ذئبي كالأحمق. وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. استدرت. فوجدت إيفان يقترب من جهة السور. كالعادة. وجهه بارد. تعبيره جامد. وكأنه يحمل مشاكل العالم كله فوق كتفيه. رفعت حاجبًا. "دعني أخمن." "تفكر في الحرب؟" توقف بجانبي. ثم قال ببرود: "نعم." نظرت إليه لثوانٍ. ثم ابتسمت بخبث. "كاذب." نظر إليّ. "ماذا؟" وضعت يدي خلف رأسي. ثم قلت: "أنت تفكر بلافندر." ساد الصمت. صمت طويل جدًا. ثم قال إيفان: "لوكا." ابتسمت أكثر. "نعم؟" نظر إليّ بعينين باردتين. وقال: "أخرس." انفجرت ضاحكًا. بينما كان أرون داخل رأسي يضحك أيضًا. وللمرة الأولى منذ أيام... شعرت أن الحرب لم تستطع سرقة كل شيء منا بعد.من وجهة نظر أفيني. مع مرور الأيام، بدأت أشعر أنني أصبحت أكثر اعتيادًا على حياتي الجديدة داخل مملكة نايت فورد. الغريب أنني لم أعد أشعر بذلك الخوف الشديد كلما كنت أقف بالقرب من الملك لايرس كما في الأيام الأولى. صحيح أنني ما زلت أتوتر كلما اقترب مني أو تحدث معي، لكنني أصبحت أحب الأوقات التي أرافقه فيها أثناء شربه للشاي أو عندما يقرأ كتبه بصمت بينما أقوم بترتيب مكتبه. بل إنني بدأت أكتشف أن هناك جانبًا مختلفًا منه لا يعرفه الكثيرون. كان هادئًا أكثر مما ينبغي، وكأنه يحمل فوق كتفيه أشياء لا يستطيع إخبار أحد عنها. وفي ذلك اليوم، وبعد يوم طويل من العمل، عدت أخيرًا إلى غرفتي وأنا أتمنى فقط أن أغط في النوم حتى صباح الغد. لكن بعد دقائق قليلة، سمعت طرقات خفيفة على الباب. "ادخلي." فتحت صوفي الباب وهي تحمل معها إبريقًا صغيرًا من الشاي وبعض الحلوى التي أحضرتها من مطبخ القصر. ابتسمت لها وهي تجلس بجانبي فوق الأريكة الصغيرة الموجودة في الغرفة. "يبدو أنك متعبة اليوم." ضحكت بخفة وأنا أتنهد. "الملك كان مشغولًا طوال اليوم، لذلك كان عليّ أن أركض خلفه في نصف أنحاء القصر." ضحكت صوفي قليلًا قبل أن
من وجهة نظر أفيني. بصراحة، منذ حادثة الصباح وأنا لا أفهم ما الذي يجري مع الملك لايرس. أقصد، كيف يمكن لشخص أن يغضب لمجرد أنني تحدثت مع أحد الحراس لمدة دقيقة واحدة فقط؟ ثم يقول لي بكل هدوء إنني "ملكه" ما دمت أعمل لديه؟ حتى الآن لا أعرف إن كان هذا أمرًا طبيعيًا بالنسبة لملوك نايت فورد أم أن ملكنا فقط غريب الأطوار قليلًا. على أي حال، قررت أن أتوقف عن التفكير بالأمر، لأنني إذا حاولت فهمه أكثر فمن المحتمل أن أصاب بالجنون قبل أن أجد طريقة للعودة إلى منزلي. حل الليل أخيرًا، وكان موعد العشاء قد حان. رتبت الطاولة كما أفعل كل يوم، وتأكدت من أن الشاي بدرجة الحرارة التي يفضلها، وأن جميع الأطباق موضوعة في أماكنها الصحيحة. ثم وقفت في مكاني المعتاد بالقرب من الحائط أنتظر وصوله. خمس دقائق... عشر دقائق... ثم خمس عشرة دقيقة أخرى. رفعت رأسي قليلًا نحو الساعة المعلقة على الحائط وأنا أعبس بخفة. "هذا غريب." عادةً لا يتأخر عن موعد العشاء أبدًا. حتى صوفي أخبرتني منذ أيام أنه أكثر شخص منظم عرفته في حياتها. لذلك، وبعد أن تأكدت من أن الطعام سيبرد قريبًا، قررت أن أذهب للاطمئنان عليه. طرقت باب جناح
من وجهة نظر أفيني. مر أسبوع كامل، ثم تبعه أسبوع آخر دون أن أشعر كيف مضى الوقت. الغريب في الأمر أنني بدأت أعتاد هذا العالم شيئًا فشيئًا. في البداية كنت أظن أنني سأهرب في أول فرصة تتاح لي، لكن مع مرور الأيام بدأت أشعر بالفضول تجاه مملكة نايت فورد أكثر فأكثر. كانت مملكة جميلة ومختلفة تمامًا عن نورفاي. فإذا كانت نورفاي تشبه الشتاء الأبدي والثلوج البيضاء، فإن نايت فورد كانت تشبه الليل الهادئ. حتى القصر الملكي بني من حجارة سوداء تتزين بخطوط فضية جعلته يبدو وكأنه خرج من إحدى القصص الخيالية. أما بالنسبة لعملي... فقد أصبح جزءًا من روتيني اليومي. أستيقظ قبل شروق الشمس، وأساعد في تجهيز ملابس الملك، وأتأكد من أن طعامه جاهز في موعده، وأرافقه أحيانًا أثناء اجتماعاته المهمة حتى أحضر له ما يحتاج إليه. وخلال هذين الأسبوعين اكتشفت الكثير من الأشياء عنه. أولها أن اسمه هو "لايرس". بصراحة، تفاجأت قليلًا عندما أخبرتني صوفي باسمه، لأنه بدا اسمًا مناسبًا له بطريقة غريبة. وثانيها أنه ليس مخيفًا كما كنت أعتقد. أعني... نعم، هو مرعب عندما يغضب على ما يبدو، لكنني لم أره يغضب ولو مرة واحدة منذ وصولي إل
من وجهة نظر أيفني. إذا كان هناك شيء واحد تعلمته خلال أول يوم لي في هذا العالم، فهو أن العمل خادمةً لدى ملك اليكان أصعب بكثير من النجاة من تدريبات والدي إيفان في طفولتي. بل وأكثر رعبًا بقليل من غضب جدي زاك عندما كنت أسرق قطع الحلوى الخاصة به. بعد أن قبل الملك أن أعمل لديه، خرجت أنا وصوفي من جناحه الخاص، وما إن أغلق الباب خلفنا حتى أطلقت الزفير الذي كنت أحبسه طوال الوقت. نظرت إليَّ صوفي بفخر وكأنني نجحت في اجتياز اختبار دخول الجيش الملكي. "أهنئك." رمشت عدة مرات باستغراب. "على ماذا؟" "لقد نجوتِ." "..." "هناك ثلاث خادمات بكين خلال أول خمس دقائق من مقابلته." بصراحة، لا أعلم إن كان عليّ الشعور بالفخر أو بالخوف أكثر. وبعدها بدأت رحلتي الحقيقية مع العمل. اكتشفت أن الملك شخص منظم بشكل مرعب. فكل شيء في جناحه مرتب بدقة شديدة، حتى الكتب الموجودة داخل مكتبته كانت مرتبة بحسب أحجامها وألوان أغلفتها! كما اكتشفت أنه لا يحب الفوضى إطلاقًا. خلال الصباح، كان عليَّ تحضير طاولة الإفطار، ثم الانتظار بجانب الباب حتى ينتهي من تناول طعامه في حال احتاج إلى شيء. وبالمناسبة... كا
من وجهة نظر أفيني. إذا كان هناك شيء تعلمته خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، فهو أن القدر يكرهني. حقًا، لا أجد تفسيرًا آخر لما يحدث معي. فأنا انتقلت إلى عالم آخر، وكدت أُعدم قبل أن أستيقظ، وأصبحت خادمة لدى ملك مرعب يقتلع الأشجار عندما يغضب، والآن أنا أقف أمام المرآة منذ الفجر أحاول ألا أموت في أول يوم عمل لي. استيقظت قبل شروق الشمس كما طلبت مني صوفي، وما إن انتهيت من غسل وجهي حتى دخلت الغرفة وهي تحمل بين يديها فستانًا بسيطًا لكنه جميل للغاية. كان بلون العسل الفاتح تتداخل معه خيوط بيضاء ناعمة عند أطرافه، كما أن تصميمه كان أنيقًا بشكل لا يليق بخادمة عادية. "ألستِ متأكدة أنه خاص بالخادمات؟" سألتها بتردد. ضحكت وهي تعطيني الفستان. "بالطبع! الملك يكره الأشخاص غير المرتبين، لذلك حتى خدم القصر يجب أن يكونوا في أفضل مظهر لهم." بدأت أشعر أنني أعمل لدى شخص مهووس بالكمال قليلًا. بعد أن ارتديته وساعدتني صوفي في ترتيب شعري، خرجنا متجهتين نحو جناح الملك. طوال الطريق كانت تعطيني تعليمات جديدة جعلتني أتساءل إن كنت سأتمكن من تذكر اسمي في النهاية. "أولًا، لا ترفعي رأسك أمام الملك." "حسنًا.
من وجهة نظر الكاتب. حلَّ الليل أخيرًا فوق القصر الملكي، وكانت أفيني ما تزال جالسة قرب النافذة وهي تنظر إلى القمرين المعلقين في سماء هذا العالم الغريب. ورغم جمال المنظر، لم تستطع منع نفسها من التفكير في عائلتها وفي ما إذا كانوا بخير الآن. قطع صوت طرقات خفيفة على الباب شرودها. "أدخلي." دخلت صوفي وهي تحمل صينية كبيرة مليئة بالطعام الساخن، وكان يعلو وجهها تعبير جاد لم تره أفيني منذ استيقاظها. وضعت الصينية فوق الطاولة ثم جلست بجانبها. "حسنًا، لقد حان الوقت للحديث الجدي." رمشت أفيني باستغراب. "عن ماذا؟" تنهدت صوفي قبل أن تقول: "عن كيفية بقائكِ على قيد الحياة ابتداءً من الغد." ساد الصمت داخل الغرفة للحظات. "هل الأمر بهذا السوء؟" "أسوأ." شعرت أفيني أن حياتها أصبحت أكثر صعوبة مع كل دقيقة تمضي في هذا العالم. أخذت صوفي نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ بالشرح. "أولًا، استيقظي قبل شروق الشمس. الملك يستيقظ مبكرًا جدًا ويكره الأشخاص الكسالى." "حسنًا." "ثانيًا، لا توقظيه من نومه." "هذا طبيعي." "ثالثًا، لا تلمسي أغراضه الخاصة." "مفهوم." "رابعًا، لا تسأليه عن البركة المقدسة مهما حدث." هن
من وجهة نظر الراوي مرت الأيام بهدوء. ثم الأسابيع. ثم الأشهر. وكما يحدث دائمًا... استمرت الحياة. عادت نورفاي إلى ازدهارها تدريجيًا. اختفت آثار الحرب شيئًا فشيئًا. أعيد بناء الأبنية المدمرة. وعادت الأسواق تمتلئ بالناس. وامتلأت الشوارع بالضحكات مجددًا. وكأن المملكة كانت تحاول تضميد جراحها ب
من وجهة نظر إيفان بعد أن تركت قبرها... عدت إلي لقصر. كان المكان هادئًا بشكل غريب. كأن كل شخص بداخله صار يتكلم بصوت أخفض من المعتاد. حتى الخدم. حتى الحراس. الجميع كانوا يتحركون وكأنهم يخشون كسر شيء هش لا يزال موجودًا في الهواء. وصلت إلى قاعة الطعام. وكان الجميع مجتمعين حول الطاولة
من وجهة نظر إيفان بعد أن رحل الجميع... بقيت وحدي. لم أتحرك. ولم أنظر خلفي. فقط بقيت واقفًا أمام قبرها. الرياح الخفيفة كانت تحرك أغصان الأشجار فوقي. والسماء بدأت تميل إلى ألوان الغروب. لكنني لم ألاحظ شيئًا. كل ما كنت أراه... هو اسمها. المحفور على الحجر الأبيض أمامي. لافندر..
من وجهة نظر هرلين كان الجو هادئًا بشكل غريب. هادئًا أكثر مما ينبغي. حتى الرياح التي كانت تمر بين الأشجار بدت وكأنها تتحرك بحذر. وقفت بين الجميع وأنا أحدق في المكان الذي ستُدفن فيه لافندر. مكان الدفن الخاص بالعائلة المالكة. حديقة واسعة مليئة بالأشجار والورود البيضاء. مكان جميل... جميل أكثر م






