تسجيل الدخولمن وجهة نظر الكاتب.
لأول مرة منذ أن فتحت عينيها في هذا المكان الغريب، وجدت أفيني نفسها وحيدة تمامًا داخل الغرفة بعدما خرجت صوفي لتترك لها بعض الوقت لترتاح. ساد الصمت المكان، ولم يعد هناك سوى صوت احتراق الحطب داخل المدفأة الصغيرة الموجودة في زاوية الغرفة. جلست أفيني على طرف السرير وهي تضم ركبتيها إلى صدرها بصمت، وكأن عقلها أخيرًا بدأ يستوعب كل ما حدث خلال الأيام الماضية. "أنا حقًا لست في نورفاي بعد الآن..." لم تكن تعرف لماذا، لكن هذه الكلمات وحدها كانت كافية لتجعل عينيها تمتلئان بالدموع. ومع ذلك كانت ذئبتها كلارا تحاول تهدئتها واطمئنانها أنهم بتأكيد سوف يجديون طريق العودة. لقد عاشت طوال حياتها داخل مملكة نورفاي. كانت تعرف كل شجرة داخل غاباتها، وكل زاوية داخل القصر الملكي. كانت تسمع ضحكات أفراد عائلتها كل صباح، وتعتاد على رؤية والدها يركض خلف والدتها بسبب طلباتها الغريبة، وعلى شجار جديها زاك وهيفان حول من ستجلس بجانبه أثناء الغداء. أما الآن... فهي في عالم لا تعرف عنه شيئًا. تنهدت وهي تنظر إلى النافذة الكبيرة أمامها. "أتساءل ماذا يفعل الجميع الآن؟" هل عادوا إلى البحيرة؟ هل يعلمون أنها ما تزال على قيد الحياة؟ وهل والدتها تبكي الآن؟ فجأة تذكرت وجه والدها إيفان. لو علم أنها اختفت بهذه الطريقة، فمن المحتمل أنه قام بالفعل بقلب مملكة نورفاي بأكملها بحثًا عنها. أما زاك وهيفان... ارتجفت قليلًا وهي تتخيل غضبهما عندما يكتشفان أن حفيدتهما الوحيدة اختفت داخل بحيرة غامضة. ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تتمتم: "أشتاق إليكم جميعًا." وفي تلك اللحظة، سمع داخل عقلها صوت ذئبتها كلارا. "وأنا أيضًا أشتاق إلى الثلج." ضحكت أفيني بخفة لأول مرة منذ استيقاظها. لكن تلك الابتسامة اختفت بسرعة عندما تذكرت أمرًا مهمًا للغاية. "نيرو!" نهضت من مكانها بسرعة حتى كادت تتعثر بغطاء السرير. "كيف نسيت أمره؟!" لقد سحبته البحيرة معها في اللحظة نفسها! إذا كانت هي قد وصلت إلى هنا، فمن الممكن جدًا أن يكون نيرو قد انتقل إلى هذا العالم أيضًا. بدأت الأفكار السيئة تهاجم عقلها بسرعة. هل هو بخير؟ هل أصيب بأذى؟ هل وصل إلى مكان آمن؟ أم أنه وقع في مشكلة منذ اللحظة الأولى لوصوله؟ تنهدت وهي تضع يدها فوق جبينها. "إذا كان في هذا العالم، فلا بد أن أجده." ابتسمت كلارا داخل عقلها وهي تقول: "بصراحة، أنا أشفق على من سيحاول التسبب بالمشاكل لذلك الفتى." ضحكت أفيني قليلًا وهي توافقها الرأي. كان نيرو أهدأ شخص تعرفه، لكنه في الوقت نفسه أحد أقوى أبناء عائلة نورفاي. وبينما كانت تفكر في الأمر، أدركت فجأة أن لديها أهدافًا كثيرة يجب أن تحققها الآن. عليها أن تجد طريقة للعودة إلى موطنها. وعليها أن تعثر على نيرو. وعليها أن تبقى على قيد الحياة داخل هذا العالم الغريب. والأهم من ذلك كله... عليها أن تتظاهر بأنها مجرد فتاة عادية، بينما تعمل خادمة لدى ملك هذه المملكة الذي قد يقتلها لو علم كيف وصلت إلى هنا! تنهدت وهي تغطي وجهها بكلتا يديها. "لقد أصبحت حياتي رواية مجنونة خلال ثلاثة أيام فقط." لكن رغم خوفها واشتياقها لعائلتها، كانت تشعر بشيء غريب داخل قلبها. وكأن هذا العالم كان ينتظرها منذ زمن طويل. وكأن القدر أخيرًا قد فتح أمامها الباب الذي ظل يناديها منذ طفولتها. وللمرة الأولى في حياتها... كانت أفيني على وشك أن تبدأ قصتها الخاصة.من وجهة نظر أفيني. كنت ما أزال أحاول استيعاب كل ما قاله قبل لحظات، لكن الجملة التالية كانت كفيلة بجعل عقلي يتوقف عن العمل تمامًا. "وأمر آخر." رفعت رأسي نحوه باستغراب. "نعم يا مولاي؟" نظر إليّ بهدوء قبل أن يقول وكأنه يخبرني عن حالة الطقس اليوم: "من اليوم فصاعدًا، سوف تشاركينني هذا الجناح." ... تجمدت. بل إنني متأكدة أن روحي خرجت من جسدي وعادت إليه ثلاث مرات في أقل من ثانية! "ماذا؟!" "أقصد... ماذا؟!" حتى كلارا داخل عقلي بدأت تصرخ بحماس: "اعترفي أنه يحبك! هذا الرجل لم يعد يخفي شيئًا!" أما أنا فكنت على وشك الإصابة بنوبة قلبية. "مولاي! أنا خادمة!" "أعلم." "وأنت ملك!" "أعلم." "وهذا جناحك الخاص!" "أعلم." "إذن لماذا؟!" نظر إليّ للحظات قبل أن يتنهد بخفة. "لأنكِ أصبحتِ هدفًا للكثير من الأشخاص." ثم أكمل بهدوء: "ولا يوجد مكان أكثر أمانًا لكِ من البقاء بجانبي." بلعت ريقي وأنا أحاول البحث عن أي حجة مناسبة، لكنه كان يبدو وكأنه اتخذ قراره منذ وقت طويل. وفي النهاية... خسرت المعركة كعادتي أمام هدوئه المخيف. --- بعد انتهاء حديثنا، قررت أن أعود إلى عملي كالمعتاد. ففي النهاية
من وجهة نظر أفيني. استيقظت ببطء وأنا أشعر بثقل غريب في جسدي، وكأنني كنت نائمة لأيام طويلة. كان أول ما استقبلني هو رائحة مألوفة جعلت قلبي يخفق دون إرادة مني. هذه الرائحة... فتحت عيني ببطء، وما إن بدأت الرؤية تتضح أمامي حتى تجمدت لثوانٍ. "هذه ليست غرفتي!" جلست بسرعة فوق السرير قبل أن أتأوه من الألم الذي انتشر في كتفي. كانت الغرفة واسعة جدًا ومزينة بألوان داكنة يغلب عليها الأسود والذهبي، والأثاث الفاخر المنتشر فيها جعلني أعرف فورًا أنني لست في جناح الخدم. لكن أكثر ما أكد شكوكي هو تلك الرائحة الهادئة التي تملأ المكان. رائحة الملك لايرس. "لماذا أنا في غرفته؟!" في اللحظة نفسها، بدأت ذكريات ما حدث تعود إليّ تدريجيًا. الهجوم. القتال. الخنجر. ثم... "مولاي!" تذكرت كيف اندفعت أمامه دون تفكير، ثم كل شيء أصبح مظلمًا بعد ذلك. قبل أن أتمكن من ترتيب أفكاري، فُتح باب الغرفة ودخلت إحدى الخادمات وهي تحمل صينية عليها بعض الطعام الساخن. وما إن رأتني مستيقظة حتى ابتسمت بسعادة. "أخيرًا استيقظتِ يا آنسة أفيني!" نظرت إليها بتوتر وسألت بسرعة: "لماذا أنا هنا؟ وهل الملك بخير؟" ابتسمت الخادمة
من وجهة نظر لايرس. لم أستطع تذكر آخر مرة شعرت فيها بهذا القدر من الخوف. كانت فاقدة للوعي بين ذراعي، وملابسها ملطخة بدمائها، بينما كنت أضغط على الجرح محاولًا إيقاف النزيف بأسرع ما يمكن. لم أفكر في شيء وأنا أعود إلى القصر. كل ما كنت أفكر به هو أنها يجب أن تستيقظ. وفور وصولنا، حملتها مباشرة إلى جناحي الخاص وأمرت باستدعاء أفضل معالج في المملكة. مرت الدقائق ببطء قاتل حتى انتهى من فحصها، لكن ما إن أخبرته بما حدث حتى تجمدت ملامحه. "هذا... مستحيل." ضيقت عيني وأنا أنظر إليه. "ما الذي تقصده؟" تنهد المعالج وهو ينظر إلى كأس الدم الذي أُخذ منها أثناء الفحص. "هناك ثلاثة احتمالات لا غير." رفع ثلاثة أصابع أمامي ثم أكمل: "إما أن السم الذي أصابها غريب وتفاعل مع دم الملك." "أو أنها تنتمي إلى سلالة خاصة لم نسمع عنها من قبل." توقف قليلًا قبل أن يشيح بنظره بعيدًا. "أو..." "أو ماذا؟" ساد الصمت داخل الغرفة للحظات. "الاحتمال الأخير ما زال مجرد فرضية، لذلك أفضل عدم التسرع في الحديث عنه." لم تعجبني إجابته، لكنني لم أجبره على المتابعة. "لن تخبر أحدًا بما حدث." "أمرك يا مولاي." وبعد أن غادر
من وجهة نظر لايرس. كانت الشمس قد اختفت خلف الجبال منذ ساعات، ولم يبقَ سوى ضوء القمر الذي ينير الطريق المؤدي إلى مملكة نايت فورد. كنت أجلس داخل العربة الملكية بصمت، أحاول إنهاء أحد التقارير التي أحضرها معي من إيلدارا، بينما كانت أفيني تجلس أمامي تقرأ أحد الكتب التي استعارتها من مكتبة القصر. الغريب في الأمر أن وجودها أصبح جزءًا من يومي خلال الأسابيع الماضية. حتى إنني أصبحت ألاحظ عندما لا تتحدث كثيرًا أو عندما تكون شاردة الذهن. "مولاي؟" رفعت نظري نحوها عندما نادتني. "نعم؟" ابتسمت بخفة وهي تشير إلى النافذة. "أعتقد أن نايت فورد ستكون جميلة تحت ضوء القمر أيضًا." لم أستطع منع نفسي من الابتسام قليلًا. "أعتقد ذلك." ساد الهدوء بيننا مرة أخرى، لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا. فجأة! توقفت العربة بعنف جعل أفيني تسقط قليلًا من مكانها. وفي اللحظة نفسها، دوى صوت انفجار قوي خارج العربة. "احموا الملك!" صرخ أحد الحراس من الخارج. رفعت رأسي بسرعة، بينما اتسعت عينا أفيني بصدمة. "ما الذي يحدث؟" لم أجبها، بل فتحت باب العربة ونزلت بسرعة. كان أكثر من ثلاثين رجلًا مقنعًا ي
من وجهة نظر لايرس. لطالما كنت أعتقد أن أكثر ما أجيده في حياتي هو التحكم بمشاعري. فبصفتي ملك مملكة نايت فورد، لم يكن لدي ترف التصرف باندفاع أو السماح لغضبي بالسيطرة عليّ. تعلمت منذ طفولتي أن أخفي كل ما أشعر به خلف ملامح هادئة وقرارات عقلانية. إلى أن ظهرت أفيني. في ذلك الصباح، عندما دخلت قاعة الطعام مرتدية الفستان الذي طلبت أن يُصنع لها، أدركت أن قراري كان صائبًا. كان اللون الفضي مناسبًا لها بشكل جعلني أتساءل إن كانت إلهة القمر قد صنعت ذلك اللون خصيصًا لعينيها الزرقاوين. ولهذا السبب بالتحديد بدأت أشعر بالندم عندما سمحت لها بالذهاب إلى السوق. في البداية، كنت أظن أن الأمر لن يكون سوى نزهة قصيرة مع سيرين، لكن طوال الاجتماع الذي جمعني بألفا كايلان وكبار مستشاري المملكة، لم أستطع التركيز على نصف ما كانوا يقولونه. "مولاي، ماذا تظن بشأن الاتفاقية الجديدة؟" لم أسمع السؤال أصلًا. كنت أفكر إن كانت قد تناولت فطورها جيدًا قبل أن تذهب. وهل أحضرت معها العباءة التي أعطيتها إياها. وإن كان هناك من سيزعجها هناك. بل إنني وجدت نفسي أنظر من النافذة للمرة الخامسة خلال نصف ساعة. نظر إليّ ألفا كا
من وجهة نظر أفيني. استيقظت في صباح اليوم التالي وأنا أشعر بشيء غريب يملأ صدري. ولأول مرة منذ مدة طويلة، لم يكن أول ما خطر في بالي هو عائلتي أو مملكتي. بل... وجه الملك لايرس تحت ضوء القمر ليلة أمس. احمر وجهي فورًا ودفنت رأسي تحت الوسادة وأنا أتمتم بخجل: "مستحيل! لماذا أتذكر وجهه أول ما استيقظت؟!" ضحكت كلارا داخل عقلي ضحكة طويلة قبل أن تقول بسخرية: "أعتقد أنك وقعت في حبه." قفزت من السرير وكدت أسقط على الأرض من الصدمة. "ماذا؟! لا! مستحيل!" "أوه هيا! لقد رأيت هذا كثيرًا في القصص التي كانت تقرؤها إيلي! تبدأ الفتاة بالتفكير بوجه الرجل صباحًا ثم..." "كلارا!" ضحكت أكثر وهي تقول: "لقد أحببته!" "أنا لم أحبه!" قبل أن أستطيع متابعة شجاري معها، صدر صوت طرقات خفيفة على الباب. دخلت إحدى الخادمات وهي تحمل بين يديها فستانًا فضيًا جميلًا مطرزًا بخيوط بيضاء ناعمة. "الملك لايرس طلب مني تسليمه لكِ، وأخبرني أن أخبرك بألا تتأخري عن موعد الفطور مع ألفا كايلان." بعد أن غادرت الخادمة، بقيت أحدق بالفستان لبعض الوقت. "هل يهتم الملك فعلًا بما سأرتديه كل يوم؟" بعد أن استحممت وارتديته، نزلت بسر
هيفان خرجتُ من غرفة هرلين بسرعة قبل أن أفعل شيئًا أندم عليه. أغلقت الباب خلفي بقوة، ثم أكملت السير في الممرات الطويلة دون هدف حقيقي، بينما أنفاسي تخرج بعنف وكأنني كنت أركض. ما الذي كان يحدث لي؟ حتى أنا لم أعد أفهم نفسي. كل ما أعرفه أن مجرد الاقتراب منها بدأ يحطم هدوئي بالكامل. شددت قبض
هيفان بقيت واقفًا في الشرفة أحدق نحو الممر السفلي حتى بعد أن اختفى سيران وهرلين من أمامي. كنت أحاول إقناع نفسي أن الأمر لا يعنيني. أنها حرة في التحدث مع من تريد. في الابتسام لمن تريد. لكن كل ذلك انهار في اللحظة التي رأيتها فيها تقترب منه… وتطبع قبلة خفيفة على خده. تجمد كل شيء داخلي.
هرلين وصلنا أخيرًا إلى نهاية الممر الطويل داخل قصر سيلفرا، حيث كانت الإضاءة خافتة والهواء باردًا بشكلٍ مريح. لكن كنت أشعر بفراغ غريب منذ أن غادر هيفان العشاء فجأة. كان سيران سوليف يمشي بجانبي بهدوء، يشرح لي بعض أروقة القصر بطريقة لطيفة وكأنه يريد أن يجعلني أشعر أنني في بيتي. لكن طوال الطريق
هيفان دخلت غرفتي وأغلقت الباب خلفي بقوة لم أعتدها. الصوت ارتدّ في الجدران الحجرية وكأنه يعكس ما بداخلي. لم أكن بحاجة لأن أسأل نفسي لماذا خرجت من القاعة. كنت أعرف الإجابة جيدًا… وهذا ما جعل الأمر اسوأ. خلعت قفازي ببطء ثم اقتربت من الشرفة، وفتحتها على الهواء البارد القادم من جبال سيلفرا.







