登入الكاتب…
بعد انتهاء العشاء… بقي الجميع مجتمعين لبعض الوقت داخل القاعة الكبرى. ضحكات خفيفة… أحاديث هادئة… وصوت لافندر وهي تزعج الجميع كعادتها لكن بعد مدة… انسحب إيفان ولوكا إلى إحدى الشرفات الجانبية. كان الليل هادئًا… والقمر يضيء غابات نورفاي البعيدة. جلس لوكا على حافة السور الحجري وهو يشرب. بينما وقف إيفان بصمته المعتاد. تنهد لوكا فجأة. — “هل فكرت يومًا بموضوع الرفيقة؟” رفع إيفان حاجبه قليلًا. — “لا.” ضحك لوكا بخفة. — “كاذب.” لكن إيفان فقط شرب بهدوء. — “الأمر مزعج.” لوكا ضحك أكثر. — “الحب؟” — “الناس.” — “أنت حالة ميؤوس منها.” رفع إيفان نظره نحو الغابة بصمت. بينما قال ذئبه الداخلي “إيف” بملل: — “هو محق.” — “اصمت.” — “حتى أنت تعرف أنك ستقع يومًا.” إيفان تجاهله تمامًا. لكن لوكا استمر بالكلام. — “أعتقد أن الأمر جميل… أن تجد شخصًا يصبح بيتك.” ساد الصمت للحظة. ثم قال إيفان ببرود: — “أنت ثمل.” — “قليلًا فقط…” وبعد ساعة تقريبًا… كان لوكا بالكاد يستطيع المشي — “إيفان… أنت أفضل أخ بالعالم.” — “تحرك.” — “أنا أحبك.” — “سأرميك من الشرفة.” وفي النهاية… اضطر إيفان أن يحمل لوكا فعليًا إلى غرفته. رماه على السرير دون رحمة. ثم خرج وهو ينفض يديه بانزعاج. لكن أثناء مروره في الممرات… توقف فجأة. شم رائحة يعرفها جيدًا. لافندر. ضيق عينيه فورًا. وبدون صوت تقريبًا… لحقها. رآها تتسلل نحو الطابق العلوي القديم من القصر. المكان الذي نادرًا ما يدخله أحد. وكان الكتاب القديم بين يديها. تنهد إيفان بانزعاج. — “هذه الفتاة لن تجعلني أعيش بسلام.” قالها لذئبه. فرد إيف فورًا: — “قلت لك… ستموت مبكرًا بسببها.” تابعها بصمت… حتى دخلت إحدى الغرف المهجورة. كانت مليئة بالغبار والأثاث القديم. وقفت لافندر في منتصف الغرفة وهي تفتح الكتاب بحماس واضح. ثم بدأت تتمتم بتعويذة غريبة. الهواء داخل الغرفة تغير فورًا. والشموع القديمة اشتعلت وحدها. اتسعت عينا إيفان قليلًا. — “لافندر…” لكن قبل أن يكمل— انفجر الظلام أمامها فجأة. وظهر كائن أسود ضخم. جسده مشوه… وعيناه حمراوان بشكل مرعب. أصدر صوتًا مخيفًا قبل أن يهجم عليها مباشرة. شهقت لافندر وتراجعت بسرعة. — “ما هذا بحق—؟!” قفز الوحش نحوها. لكن إيفان تحرك فورًا. دفعها بعيدًا قبل أن تضربه مخالب الكائن. اصطدمت الحائط بقوة. زمجر إيفان بعنف وتحولت عيناه للأزرق اللامع. بينما لافندر حاولت استخدام تعاويذها بتوتر. الغرفة تحولت إلى فوضى. الطاولات تحطمت. والظلال السوداء كانت تهاجم من كل اتجاه. لكن بالنهاية… استطاع إيفان تمزيق الكائن بمخالبه بينما استخدمت لافندر التعويذة لإغلاق الدائرة السحرية. وفجأة— اختفى كل شيء. ساد الصمت. كانت لافندر تلهث بقوة… ويدها فوق قلبها. بينما إيفان اقترب منها بغضب واضح. — “هل فقدتِ عقلك؟!” لكن قبل أن تكلمه… نزل الدم من أنفها فجأة. اتسعت عينا إيفان. — “لافندر؟” ترنحت خطواتها… ثم فقدت الوعي. ولأول مرة منذ سنوات طويلة… شعر إيفان بالخوف الحقيقي. — عندما فتحت لافندر عينيها مجددًا… كانت في غرفتها. والضوء الخافت يملأ المكان. رفعت رأسها ببطء… ثم رأت إيفان جالسًا قرب النافذة. كان يراقبها بصمت مخيف. همست بتعب: — “ماذا حدث…؟” نهض فورًا. وكان الغضب واضحًا بعينيه. — “ماذا حدث؟!” حتى صوته كان حادًا بشكل أخافها. — “كدتِ تقتلين نفسك!” رمشت لافندر بصمت. بينما أكمل بغضب: — “تستخدمين تعاويذ لا تفهمينها؟ وحدك؟ في منتصف الليل؟!” خفضت عينيها قليلًا. ولأول مرة… بدت صغيرة فعلًا. — “أنا فقط أردت التجربة…” — “هذا ليس لعبًا!” سكتت. ثم همست بخفوت: — “آسفة…” كانت عيناها دامعتين… لكنها لم تبكِ. وهذا وحده جعل غضب إيفان يختنق داخله. تنهد بعنف وهو يمرر يده بين شعره الأبيض. ثم قال ببرود حاول إجباره: — “نامي.” وبدون كلمة أخرى… خرج من الغرفة. لكن عندما وصل إلى جناحه… سقط جالسًا على طرف التخت وهو يغلق عينيه. فقال ذئبه “إيف” بهدوء هذه المرة: — “كنت خائفًا عليها.” فتح إيفان عينيه فورًا. — “لا.” — “كاذب.” صمت. ثم عاد صوت الذئب: — “لو ماتت… كنت ستنهار.” قبض إيفان يده بقوة. لأنه… للمرة الأولى بحياته… لم يستطع إنكار ذلك.من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تارة أخرى. حتى انتهى جزء كبير من العمل. فجلسنا أخيرًا قرب أحد الجدران الحجرية المطلة على الساحة. تنهد خالي وهو ينظر إلى الجنود. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "يذكرني هذا بأيامنا." التفت نحوه باهتمام. "أيامكم؟" ضحك بخفة. "أنا ووالدك وهيفان." أصبحت مهتمًا فورًا. نادراً ما كانوا يتحدثون عن تلك الأيام. فأسندت ظهري إلى الحائط وقلت: "احكِ لي." ابتسم أيان. وبدا وكأنه عاد عشرين سنة إلى الماضي. "عندما كنا في صغار وحصلنا على ذئابنه اجبرنا على الذهاب الى المعسكر كنا نقضي وقتنا في معسكرات التدريب." "خصوصًا أنا وهيفان." ضحكت فورًا. "أستطيع تخيل الكارثة." ضحك هو الآخر. "بل كانت كارثة حقيقية." ثم تابع: "كان المدربون يوقظوننا قبل شروق الشمس." "نجري لعشرات الكيلومت
من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "اقترابك من إيفان." سكتت لحظة، ثم أجابت: "كنت أتحدث معه فقط." "فقط؟" أومأت برأسها. "نعم." "لكنّك كنتِ قريبة جدًا." هزّت كتفيها بلا اكتراث: "لم أنتبه." أغمضتُ عينيّ للحظة. هذا الجيل سيصيبني بالجنون. تقدمتُ خطوة نحوها، لكن قبل أن أتكلم، فُتح الباب فجأة. دخلت لينيا. نظرة واحدة منها كانت كافية لتدرك الموقف. قالت بهدوء: "زاك." "يكفي." نظرت بيني وبين لافندر، ثم أضافت: "سأتولى الأمر." كنت على وشك الاعتراض، لكنها أوقفتني بنظرة واحدة. نظرة تعني أن النقاش انتهى. خرجتُ من الغرفة بصمت. لكن طول الوقت كنت اسمع تذمر لافندر وتوبيخ لينيا. لاحقًا، كنت مع لينيا في غرفتنا. الغضب ما زال يسيطر عليّ. قلت بانفعال: "لا أحد يفهم خطورة الوضع." "لا أحد يدرك أن اقترابه
من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ