登入من وجهة نظر الكاتب.
حلَّ الليل أخيرًا فوق قصر نايت فورد، وعادت الأروقة الملكية إلى هدوئها المعتاد بعد يوم طويل مليء بالمفاجآت. أما الفتاة الغامضة، فكانت لا تزال نائمة داخل جناح الضيوف بعد أن أكد المعالجون أن جسدها قد وصل إلى حدوده القصوى من الإرهاق. كان الجميع قد عاد إلى غرفه باستثناء شخص واحد. الآن. وقف بصمت فوق إحدى شرفات القصر المطلة على حدائقه الملكية، وعيناه مثبتتان على القمر دون أن يطرف لهما جفن. بدا وكأنه يخوض معركة داخل رأسه أشد صعوبة من أي معركة خاضها في حياته. للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بدا قائد الحرس الملكي شارد الذهن. وبينما كان غارقًا في أفكاره، سمع خطوات هادئة تقترب منه. "كنت أعلم أنني سأجدك هنا." التفت الآن ليجد لايرس يقف خلفه وهو يحمل كوبًا من النبيذ بين يديه. اقترب منه ووقف بجواره مستندًا إلى حاجز الشرفة. "إذن؟" سأله لايرس بهدوء. "إذن ماذا؟" "كم من الوقت ستستمر في التظاهر بأنك لا تعرف سبب شرودك؟" تنهد الآن بضيق قبل أن يشيح بنظره بعيدًا. "أنت تعرف الإجابة بالفعل." ساد الصمت بينهما للحظات قبل أن يقول الآن أخيرًا: "إنها رفيقتي المقدرة." لم يكن الأمر مفاجئًا بالنسبة للايرس. في اللحظة التي رأى فيها نظرات الآن نحو تلك الفتاة، عرف الإجابة قبل أن ينطق بها أحد. "وما المشكلة في ذلك؟" ضحك الآن بسخرية خافتة. "كل شيء." "اشرح." تنهد بهدوء قبل أن يكمل حديثه: "أنا قائد الحرس الملكي، حياتي بأكملها كرستها لهذه المملكة. لم أفكر يومًا بالارتباط أو الزواج أو حتى البحث عن رفيقة مقدرة." ثم أكمل وهو ينظر نحو القمر: "والآن فجأة تظهر فتاة لا أعرف عنها شيئًا، نصف ميتة أمام بوابات القصر، ويخبرني قدري أنها رفيقتي؟" سكت للحظات قبل أن يقول بصوت جاد: "لذلك عندما تستيقظ، سأرفضها." رفع لايرس حاجبيه باستغراب وهو ينظر إليه. "هل هذا قرارك النهائي؟" "نعم." ابتسم لايرس ابتسامة صغيرة قبل أن يرتشف قليلًا من كوب النبيذ. "مثير للاهتمام." "ما المثير للاهتمام في الأمر؟" التفت نحوه هذه المرة وهو يبتسم بهدوء. "لأنني قلت الكلمات نفسها تمامًا قبل عدة أشهر." تجمد الآن قليلًا وهو ينظر إليه باستغراب. "ماذا تقصد؟" "عندما أخبرتني إلهة القمر أن أفيني هي رفيقتي المقدرة، أول شيء فكرت به هو رفضها." اتسعت عينا الآن قليلًا. "أنت؟" ضحك لايرس بخفة. "هل تظن أن ملك اليكان الذي عاش أكثر من مئة عام كان يحلم بأن يجد فتاة صغيرة من نورفاي تقلب حياته رأسًا على عقب؟" ابتسم وهو يتذكر أفيني. "في البداية كنت أعتقد أنها مجرد مسؤولية إضافية لا أحتاجها." ثم نظر إلى الآن نظرة جادة وأكمل حديثه: "لكنها دخلت حياتي دون أن أشعر." ابتسم هذه المرة بحنان وهو يقول: "أصبحت أول شخص أقلق عليه عندما يمرض، وأول شخص أبتسم عندما يضحك، وأول شخص أخشى خسارته." ساد الصمت بينهما للحظات. "أتعلم ما هو أكثر شيء أخاف منه الآن؟" هز الآن رأسه بالنفي. "أن أستيقظ يومًا وأجد أن أفيني لم تعد بجانبي." نظر إليه لايرس بهدوء قبل أن يكمل: "لذلك لا تتخذ قرارًا ستندم عليه لاحقًا." "لكنني لا أعرف عنها شيئًا." "إذن تعرف عليها." "وماذا لو لم أنجح؟" ابتسم لايرس بخفة. "على الأقل ستكون قد منحت قدرك فرصة واحدة." نظر الآن نحو القمر مجددًا بصمت بينما بدأت كلمات لايرس تتردد داخل رأسه. للمرة الأولى منذ سنوات طويلة... بدأ يتساءل إن كان رفضها قبل أن يمنحها فرصة واحدة هو القرار الصحيح فعلًا. وفي مكان ما داخل القصر، كانت رفيقته المقدرة نائمة بهدوء، غير مدركة أنها أصبحت سبب أول أزمة عاطفية في حياة قائد حرس نايت فورد.من وجهة نظر نيرو كانت حديقة القصر هادئة بشكل غريب. على عكس ضجيج المعارك والأيام الماضية، لم يكن هناك سوى صوت الرياح وهي تحرك أوراق الأشجار، ورائحة الزهور التي انتشرت في المكان. كنت جالسًا تحت إحدى الأشجار الكبيرة، بينما كانت ثيا بجانبي. كانت رأسها مستندة إلى صدري، وعيناها مغمضتان بهدوء، بينما كنت أعبث بخصلات شعرها البني الطويل بلا وعي. لم أكن أظن أنني سأصل إلى هذه اللحظة يومًا. أنا الذي قضيت معظم حياتي أهرب من ماضيي... أصبحت الآن أملك مكانًا أشعر فيه بالراحة. ابتسمت قليلًا وأنا أنظر إليها. لكن اللحظة الهادئة لم تستمر طويلًا. "اح... اح... اح." تجمدت في مكاني. فتحت ثيا عينيها بسرعة، ثم احمر وجهها عندما رأت لايرس واقفًا أمامنا وهو يحاول إخفاء ابتسامته. "جلالتك..." قالتها ثيا بإحراج وهي تعدل جلستها بسرعة. رفع لايرس حاجبه. "يبدو أنني أتيت في وقت غير مناسب." "لا!" قالتها ثيا بسرعة جعلتني أضحك قليلًا. نظرت إليها، فازدادت حمرة وجهها. قال لايرس بهدوء: "ثيا، هل تتركينا قليلًا؟ أريد التحدث مع نيرو." أومأت برأسها بسرعة، ثم نهضت وغادرت الحديقة وهي تحاول ألا تنظر إلينا. تابعت
من وجهة نظر لايرس بعد أن انتهى الحديث مع الآن، لم أجد نفسي متجهًا إلى قاعة العرش أو غرفة التخطيط... بل إلى جناحي. كان هناك شيء واحد يشغل تفكيري أكثر من الرجل ذي الشعر الأبيض، وأكثر من المارقين. أفيني. فتحت الباب بهدوء، ودخلت الغرفة. كانت لا تزال غارقة في نوم عميق، وكأنها لم تشعر بكل ما حدث خارج القصر. اقتربت منها وجلست بجانب السرير. كانت ملامحها هادئة بشكل غريب، بعيدًا عن تلك الفتاة التي تملأ المكان بالحركة والأسئلة. قال بلاك داخل عقلي: "إنها تثق بك كثيرًا." نظرت إليها للحظات. "أعرف." "ولهذا أنت خائف." لم أجب. لأن بلاك كان محقًا. أفيني لم تعد مجرد شخص أحميه... بل أصبحت جزءًا من حياتي. وبينما كنت أفكر، تحركت فجأة. فتحت عينيها ببطء، وكأنها تحاول معرفة أين هي. وما إن رأتني حتى ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم مدت يدها نحوي وتمسكت بي قبل أن تعود للنوم مجددًا. تجمدت للحظة. ثم تنهدت بهدوء. حتى وهي نصف نائمة... ما زالت تعرف كيف تجعلني أتوقف عن التفكير. بعد دقائق، بدأت تتمتم بكلمات غير واضحة. نظرت إليها باستغراب. "ماذا تقولين؟" لكنها لم تجب، فقط
من وجهة نظر لايرس وصلنا إلى بوابات نايت فورد قبل بزوغ الفجر بقليل. كانت السماء لا تزال ملبدة بالغيوم، بينما غطى الضباب الأبيض أسوار القصر والمدينة، حتى بدت المملكة وكأنها تستيقظ على أنفاس حربٍ جديدة. ما إن فتحت البوابات الحديدية الضخمة حتى اصطف الحراس على الجانبين. "المجد لملك اليكان!" لم ألتفت إليهم. كانت عيناي تراقبان العربات التي تحمل المصابين، ثم الأسرى المقيدين بالسلاسل الحديدية. تقدم الآن حتى أصبح بمحاذاتي. "أُرسل الأسرى مباشرة إلى الزنزانات؟" هززت رأسي. "لا." نظر إلي باستغراب. "أريد فصلهم." "فصلهم؟" "كل واحد في زنزانة منفصلة." عقد الآن حاجبيه. "تظن أنهم تدربوا على عدم الكلام." أجبته ببرود: "لا." توقفت لحظة. "لكنني أريد أن أعرف من منهم سيكسر صمته أولًا." ابتسم الآن ابتسامة خفيفة. كان يعرف جيدًا أنني لا أحب التعذيب... لكنني أجيد قراءة البشر. وأحيانًا... الصمت يخبرني أكثر من الكلمات. دخلنا ساحة القصر، وسرعان ما بدأ الجنود ينقلون المصابين إلى المعالجين، بينما اقتيد الأسرى إلى الأقبية الحجرية تحت القصر. راقبتهم حتى اختفى آخر واحد منهم خلف الأبواب الحديدية.
من وجهة نظر لايرس. من وجهة نظر لايرس لم أُبعد نظري عنه. حتى وهو يقف بعيدًا بين ظلال الأشجار، كنت أشعر بذلك الضغط الغريب الذي يحيط به، وكأن الظلام نفسه يلتف حول قدميه. قال بلاك داخل عقلي بصوت منخفض: "لقد رأيته من قبل." عقدت حاجبي. "وأنا أيضًا..." لكن أين؟ رفع الرجل يده ببطء، ثم خلع القناع الذي كان يغطي نصف وجهه. وفي اللحظة نفسها... تجمدت في مكاني. شعر أبيض طويل تداعب خصلاته الرياح. وعينان حمراوان تلمعان بطريقة لم أرَ مثلها إلا مرة واحدة. همس بلاك: "إنه هو..." عاد ذلك المشهد إلى ذهني دفعة واحدة. ليلة الاحتفال. اختفاء أفيني. الرائحة الغريبة التي بقيت في المكان. وذلك الرجل الذي تمكن من التسلل إلى داخل القصر دون أن يشعر به أحد. ضغطت على مقبض سيفي بقوة. "أنت..." ابتسم الرجل ابتسامة باردة. "أخيرًا تذكرتني." قالها وكأنه يستمتع بكل لحظة. ثم أضاف بهدوء: "كنت أظن أن ملك اليكان يتمتع بذاكرة أفضل." قال الآن وهو يقترب خطوة مني: "هل تعرفه؟" لم أُجب مباشرة. كنت أحدق فيه فقط. ذلك الوجه... وتلك العينان... لا يمكن أن أنساهما. هو نفسه الذي اقترب من أفيني. وهو نفسه الذي
من وجهة نظر لايرس لفَّ الليل غابات مونريف بستاره الأسود، ولم يكن يُسمع سوى صوت الرياح وهي تعبر بين الأشجار العملاقة. كانت القافلة تتحرك ببطء فوق الطريق الترابي. عربتان محملتان بأكياس الحبوب، يحيط بهما عدد قليل من الجنود، تمامًا كما أردنا أن يبدو المشهد. أي شخص يراقب من بعيد سيعتقد أنها مجرد قافلة اعتيادية. لكن الحقيقة... أن أكثر من مئة وخمسين مقاتلًا من نخبة جيش اليكان كانوا مختبئين بين الأشجار، ينتظرون إشارتي. وقفت فوق إحدى الصخور المرتفعة، أراقب الطريق بصمت. إلى جانبي كان الآن يحدق في الغابة بعينين لا تفوتهما حركة. همس: "هل تظن أنهم سيأتون؟" أجبته دون أن أرفع نظري. "بل هم هنا بالفعل." ساد الصمت. وبعد ثوانٍ... بدأت الطيور تحلق فجأة من بين الأشجار. ابتسم بلاك داخل عقلي. "بدأت الرقصة." وفي اللحظة التالية... اخترق سهم الهواء ليستقر في صدر أحد الجنود الذين يرافقون القافلة. صرخة واحدة فقط... ثم انفجرت الغابة بالحركة. خرج عشرات الرجال المقنعين من بين الأشجار وهم يصرخون، يحملون السيوف والفؤوس والأقواس. "هاجموا!" اندفعوا نحو القافلة بسرعة هائلة. أما الجنود الذين كانو
من وجهة نظر لايرس. لم يبقَ في قاعة الاجتماعات سوى أنا والآن بعد انصراف بقية القادة لتنفيذ الأوامر. ساد الصمت لثوانٍ، ولم يُسمع سوى صوت المطر الخفيف الذي بدأ يطرق نوافذ القصر. وقفت أمام الخريطة مرة أخرى، أحدق في الطرق المؤدية إلى مونريف. لم تكن المشكلة في المارقين. بل في الشخص الذي يحركهم. كل خطوة قاموا بها خلال الأسابيع الماضية كانت مدروسة بعناية؛ يضربون القرى التي تغذي المملكة، يهاجمون القوافل دون سرقة معظم حمولتها، ثم يختفون قبل وصول الجيش. لم يكن هدفهم الغنائم... كانوا يريدون زرع الخوف. تحدث بلاك داخل عقلي بصوته العميق. "إنهم يختبرونك." أجبته بصمت. "وأنا سأجعلهم يندمون على ذلك." رفع الآن إحدى اللفافات ووضعها أمامي. "فرق الاستطلاع جاهزة." "الجناح الغربي؟" "تم إخلاؤه من المدنيين." "الحرس؟" "ضاعفنا عددهم حول القرى." أومأت برأسي. "جيد." لكن قبل أن أتابع، قلت بهدوء: "هناك أمر آخر." نظر إلي الآن منتظرًا. "لن تعرف أفيني شيئًا." ابتسم ابتسامة خفيفة. "كنت أعلم أنك ستقول ذلك." اقتربت من النافذة وأنا أراقب أضواء القصر البعيدة. "إن علمت بما يحدث..." تنهدت بهدوء. "
هرلين بعد انتهاء العشاء، بقيت شاردة طوال الوقت. حتى وأنا جالسة قرب هيفان، لم أستطع التوقف عن التفكير بما حدث قبل قليل. “لينيا.” الاسم وحده جعل أمي ترتجف. وأبي أيضًا. وكأنهما يعرفان هذه الفتاة. أو يعرفان شيئًا عنها. شعرت بالاختناق كلما تذكرت الحلم الذي رأيته… وصوت الفتاة التي تشبهني وهي تتو
هرلين ما إن انتهى الجميع من الاطمئنان عليّ، حتى اقترب هيفان مني دون أن يقول شيئًا. ثم فجأة حملني بين ذراعيه بسهولة. شهقت بخفة وأنا أتمسك بعنقه تلقائيًا. لكنني لم أعترض. في الحقيقة… شعرت براحة غريبة وأنا أدفن وجهي قرب رقبته مجددًا. رائحته وحدها كانت كافية لتجعل كل خوفي يهدأ. حتى جوليا كانت
زاك وقفت بصمت أمام بوابات نورفاي، بينما الرياح الباردة تحرك شعري الأسود الطويل حولي. لكنني بالكاد كنت أشعر بالبرد. كل ما كان يدور داخل رأسي… هو هي. هرلين. أو بالأصح… الشبح الذي أعاد فتح جروح ظننت أنها ماتت منذ قرون. أغمضت عيني للحظة. حتى الآن لم أستوعب كيف حدث ذلك. بعد كل تلك السنوات… بع
هيفان كنت على وشك الخروج من القصر مجددًا. لم أعد أشعر بالتعب أصلًا. رغم أنني لم أنم منذ اختفاء هرلين، ورغم أن جسدي كان مرهقًا حتى العظم… لم أستطع التوقف. كيف أنام وهي ليست هنا؟ كنت أنزل درجات القصر بسرعة عندما أوقفني أحد الحراس. — “سيدي الألفا…” صوته كان مترددًا. التفت إليه ببرود م







