LOGINحملت **لمى** روايتها المترجمة بهدوء، وضمتها إلى صدرها دون أن تسمح لملامحها بأن تكشف عن الخدش الصغير الذي أحدثته كلماته في كبريائها. لم تصرخ، ولم تضرب الطاولة غضباً، بل تراجعت خطوة واحدة إلى الوراء، ونظرت إلى **ليث** بعينين عسليتين تفيضان ببرود غريب، برودٍ جعل فمه المتغطرس يطبق بجمود مريب.
"مباركٌ عليك مستودعك الجديد يا ابن عمي،" نطق صوتها منخفضاً، رزيناً، وخالياً تماماً من أي انفعال: "لكن تذكر.. إغلاق الجدران لا يمحو الذكريات، بل يثبت فقط أن صاحب القرار عاجز عن مواجهتها." مرت بجانبه بخطوات متزنة وواثقة، ولم تلتفت لتراقب ملامحه التي تشنجت للحظة إثر ردها الهادئ والقاتل. بالنسبة لليث، كان صراخها أو بكاؤها أسهل بكثير من هذا العناد الصامت؛ فالصمت سلاحٌ لا يعرف كيف يروضه، ويشعره بأن كل قسوة يمارسها ترتد إليه كرماد بارد. في المساء.. خلف الباب المغلق عادت لمى إلى الجناح بعد يوم عمل طويل وهادئ في البرج الزجاجي، حيث تجنبت الاحتكاك به تماماً. كانت تقف أمام خزانة الملابس الكبيرة، ترتب دفاتر مذكراتها ورواياتها القليلة التي أنقذتها من غرفتها القديمة في رف خاص بها. انفتح باب الجناح، ودخل ليث بجسده المهيب وهيبته الصارمة. نزع ساعته الثمينة ووضعها على الطاولة، وجالت عيناه الصقريتان في أرجاء الغرفة حتى استقرتا عليها. تقدم بخطوات بطيئة، وتوقف خلفها مباشرة. رائحة عطرها الهادئ كانت تملأ المكان، مما زاد من رغبته الدفينة في استفزازها ليرى أي ردة فعل تكسر هذا القناع الجليدي الذي ترتديه أمامه. امتدت يده الضخمة من فوق كتفها ببطء، وتناول أحد الدفاتر الجلدية الصغيرة التي كانت ترتبها. كان دفتراً قديماً لتدوين الخواطر، قفله النحاسي الصغير مكسور. "قواعد هذا الجناح واضحة يا لمى،" قال بصوته الرجولي الخشن، ممعناً في استفزازها ببرود: "لا أريد مقتنيات قديمة بالية تشوه التنسيق الحديث للغرفة. هذا الدفتر لا مكان له هنا." التفتت لمى إليه ببطء شديد. لم تسحب الدفتر من يده بعنف، بل بقيت واقفة أمام قاماته الفارعة، وعيناها العسليتان تركّزان في عينيه البنيتين الداكنتين بثبات لا يتزعزع. "هذا الدفتر يحتوي على تفاصيل تخصني وحدي يا ليث،" قالت بنبرة هادئة، دافئة لكنها حاسمة كحد السيف: "وجوده في رفي الخاص لا يضر بتنسيق جناحك الفخم. وأعتقد أن رجلاً بذكائك ومكانتك، لديه قضايا أكبر ليشغل بها عقله من حجم دفتر صغير لزوجته." ضاقت عينا ليث، وتصلب فكه من دقة ردها وعقلانيتها التي تجرده من أي حجة منطقية. كان يريدها أن تغضب، أن تطالبه باحترام خصوصيتها بنبرة حادة ليجد مبرراً لفرض عقاب جديد أو إظهار سلطته، لكن هدوءها كان يكبله. تقرب منها خطوة إضافية حتى كادت أنفاسه الدافئة تلامس جبينها، وقال بنبرة منخفضة ممتلئة بالتهديد والتحدي البارد: "أنا هنا أقرر ما هو الصغير وما هو الكبير يا ابنة عمي. وطالما أنكِ لم تفهمي بعد معنى الانصياع التام لقوانيني، فربما يحتاج هذا الرف بأكمله إلى إعادة تقييم." نظرت إلى الدفتر في يده، ثم رفعت عينيها إليه وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، باردة وذكية: "إن كنت تشعر بالتهديد من بضعة أوراق كتبتُها في مراهقتي يا ليث.. فصادرها. لن أمنعك.. لكن تذكر أنك بفعلك هذا، لا تبدو كزوج يفرض سلطته، بل كطفل يحاول إخفاء ما يعجز عن فهمه." ساد صمت مطبق في الجناح. شعر ليث بلسعة حارقة تضرب كبرياءه في مقتل. هذه المرأة لا تنكسر، وكل محاولة منه لاستفزازها وتحقير ممتلكاتها تنتهي بجعله يبدو صغيراً أمام نضجها وعنادها الصامت. اشتعلت في عروقه رغبة وحشية غريبة في إمساك كتفيها وهزها بعنف ليرى دمعة واحدة في عينيها، ليرى اعترافاً بالخوف أو الرجاء... لكنه كبح نفسه بصعوبة بالغة. ألقى بالدفتر على الرف بقسوة خفيفة، وتراجع خطوة وهو ينظر إليها بنظرات مظلمة تفيض بالغيظ المكتوم: "غداً.. لدينا اجتماع عائلي هام مع الجد عاصم لمناقشة توزيع الأرباح السنوية. وأريد منكِ أن تكوني بجانبي، بكامل هدوئكِ المصطنع هذا.. فلا تختبري صبري أمام العائلة." استدار وترك الغرفة متوجهاً إلى الحمام الملحق بالجناح، بينما تنفست لمى الصعداء ببطء. أعادت الدفتر إلى مكانه برفق، وأدركت أن المعركة بينهما أصبحت معركة أنفاس طويلة... ومن يغضب أولاً، يخسر كبرياءه للأبد. في الصباح التالي.. كانت العائلة بأكملها مجتمعة في صالون القصر الفخم. الجد عاصم يترأس الجلسة، والجميع يترقب بدء النقاش. كان **فارس** يتبادل مع لمى نظرات مطمئنة وهادئة، بينما كان **زين** و**شادي** يتحدثان معها بعفوية خفيفة قبل جلوس ليث. وعندما دخل ليث وجلس بجانب لمى بوقاره المعتاد، لاحظ فوراً تلك الكيمياء الهادئة والمريحة بين زوجته وأبناء عمومتها. ومع بدء الجد عاصم في طرح تفاصيل الإرث وتوزيعه، حدث شيء لم يكن يتوقعه أحد...انسحب الاثنان من المطعم في صمتٍ خانق يغلي تحت السطح، صمتٍ أشبه بالهدوء الذي يسبق الانفجار. طوال طريق العودة، كانت قبضة ليث على عجلة القيادة قاسية حتى ابيضّت مفاصل أصابعه، وعيناه الداكنتان ترصدان بحدّة كل حركة خفيفة تندرج تحت غضب لمى المكتوم. أما هي، فكانت تتطلع إلى الشارع بعينين تحبسان دمعة كبرياء جريح، تشعر وكأن كل دفء ليلة الأمس قد تبخر أمام هذا البرود القاتل والجفاء الذي استفز كل خلية في كيانها. وما إن انفتح باب الجناح في الفندق، حتى خطت لمى إلى الداخل بجمود ورغبة عارمة في الابتعاد، محاولةً التوجه مباشرة نحو الغرفة لتنعزل بوجعها. لكن يد ليث الفولاذية أطبقت على معصمها بطلبٍ حاسم، ودفع الباب بخلفه بقدَمه ليغلقه بدوِيّ حاد اهتزت له أرجاء المكان! "إلى أين؟" خرج صوته خفيضاً كحفيف شفرة حادة، يسحبها ببطء نحو مركز الصالة ليحاصر مسارها بجسده الضخم وهيبته المرعبة. التفتت إليه لمى بقسوة، وسحبت يدها بحدة محاولة التملص منه، ورفعت رأسها لتحدق في عينيه المشتعلتين بغضبٍ مكتوم، وقالت بصوت يرتجف بوجعٍ كاسر وسخرية: "إلى حيث لا أرى برودك وتصنعك يا ليث! اترك يدي... اذهب وأكمل مواعيدك الصباحية مع
مرّت الدقائق هادئة داخل السيارة، ولمى تتأمل أضواء الشارع الخافتة التي تنعكس على الزجاج. كان هدوء الليل يبعث في روحها سكينة غريبة بعد صخب الأيام الماضية، وعقلها لا يزال يستعيد تفاصيل الساعات الأخيرة؛ نبرة صوته الخفيضة، دفء جسده، واستسلامه الذي كشف عن جانبٍ دافء ومخبأ خلف أسوار كبريائه الفولاذي. وفجأة، لمحته يخرج من البوابة الزجاجية للمبنى المكتبي. كان يسير بخطواتٍ ثقيلة وموزونة، يحمل بيده ملفاً جلدياً أسود. ورغم ثياب العمل الرسمية وهيئته الجادة، إلا أن هيبته العالية كانت تفرض حضورها الحاد في عتمة الشارع. لكن ما جعل أنفاس لمى تتجمّد في صدرها، هو تلك الفتاة الشابة التي كانت تسير بجانبه محاولةً مجاراته في الخطى. كانت ترتدي بدلة أنيقة وتتحدث معه بلهفة واضحة، حاطةً يدها لثوانٍ معدودة على ذراعه وهي تعرض عليه بعض المستندات، بينما ابتسامتها المتملقة تنعكس تحت أضواء المدخل. انقبض قلب لمى فوراً، وسرت في عروقها شرارة غيرة مفاجئة وأليمة! تصلبت في جلساتها داخل السيارة، وعيناها مثبتتان على يد تلك الفتاة التي تلامس ذراعه. ورغم أن ليث سحب ذراعه ببرود ورزانة وهو يحرك رأسه بحديثٍ رسمي جاف، إلا أن ت
مرّ بقية النهار بسلامٍ وسكونٍ أطال انتظام أنفاسهما. تحسنت حالة ليث تدريجياً طوال تلك الساعات؛ إذ فعلت كمادات لمى وراحتها بجانبه فعل السحر، فغرق في نومٍ عميق ودافئ، مستسلماً كلياً لهدوء الفراش وأمان وجودها. ومع هبوط الليل وتسلل الظلام الهدوء إلى أرجاء الجناح، بدأ ليث يستعيد وعيه ببطء. فتح عينيه الداكنتين، ولكن هذه المرة لم يكن هناك ثقل الحمى ولا غشاوة التعب. كان عقله صافياً، وحرارة جسده قد استقرت كلياً. شعر بالدفء الذي يحيط به، ولما تفحص وضعيته، وجد نفسه غارقاً بالكامل بين أحضانها؛ رأسه يستقر عند انحناءة صدرها، ويده الضخمة تطوق خصرها بتمسكٍ شديد! توقف نبضه لثوانٍ، واستعاد شريط الليل والصباح كالومضات السريعة: قبله المندفعة، استسلامه الخالص، وتمتمته باسمها الذي يفرّ منه كلما سقطت دروعه! تسللت حرارة خفيفة إلى وجنتيه، ونظر إلى وجهها الغارق في نومٍ هادئ بجانبه، ويدها الناعمة لا تزال ترتاح فوق شعره. سحب ذراعه ببطء وحذر متناهٍ كي لا يوقظها، واستقام بجلسته على طرف السرير. جلس لثوانٍ يمرر يده على وجهه، مستجمعاً هيبته ورزانته المعهودة، محاولاً تغليف تلك اللحظات بوشاحٍ من الهدوء المتصنع ك
حدقت فيه لمى لثوانٍ، وشعرت بضيقٍ خفيف يتسلل إلى صدرها من محاولته السريعة لإعادة جدار البرود بينهما، لكنها أدركت بعمق أن هذا الدفاع المتأخر ليس إلا محاولة بائسة لترميم كبريائه المخدوش بعد ليلةٍ شهدت استسلامه الكامل في أحضانها. لم تسحب يديها، ولم تبتعد كما طلب، بل أمالت رأسها قليلاً وهي تنظر في أعمق نقطة من عينيه الداكنتين المتظاهرتين بالصلابة. "حقاً؟..." خرجت منها الكلمة بصوت خفيض وناعس، يقطر بهدوءٍ آسر ودفءٍ لا يُقاوم. في تلك اللحظة، تعمدت لمى ألا تتراجع، بل تخللت أصابعها الناعمة بين خصلات شعره الدافئة من جديد، تداعبها برقة ومسد هادئ، واضعةً يدها الأخرى بثبات ولطف فوق عنقه العريض. تصلب ليث في بداية الأمر، وحاول أن يبتعد ليرسل إشارة جفاء جديدة، لكن لمساتها الدافئة وسحر قربها كانا أقوى من أي درع حاول ارتداءه! بدأ جسده الضخم يرتخي رغماً عنه؛ فتلاشت تلك التشنجات من كتفيه، وأخذ رأسه الثقيل ينزل ببطء شديد، مستسلماً لجاذبية حنانها حتى استقر بالكامل عند صدرها، مغمض العينين كأنه يغرق في دفئها من جديد. وفي تلك اللحظة بالذات... فقد ليث كلياً الشعور بحدوده وكبريائه ومقاومته! تحركت شفتاه ا
انقضت ساعات النهار والليل ثقيلة، ينهكها الانتظار والترقب.لم تذق لمى طعم الراحة طوال اليوم؛ بل ظلت متوترة ومستلقية على السرير، عينها على الساعة وأذنها مشدودة نحو الباب. كان عقلها يسجّل سيناريوهات مخيفة لجداول عمله الخانقة، بين اجتماعات الوفد ومواقع المشاريع، وهي تتخيل جسده المشتعل يصارع الانهيار وسط رجالات الأعمال دون أن يرفّ له جفنٌ من الكبرياء. ومع حلول منتصف الليل... سمعت أخيراً صوت فتح القفل! انتفضت لمى في مكانها فوق السرير، وجلست بتوتر تراقب الباب. دخل ليث بخطواتٍ ثقيلة ومتهالكة، كأنه يجرّ جسده جراً. كانت سترة بدلته معلقة على ذراعه بإهمال، وقميصه مفتوحاً عند الياقة، بينما وجهه الشاحب يشتعل بحمرة الحمى مجدداً. ألقى أوراقه وسترته على أقرب طاولة، وسار بخطوات غير متزنة نحو السرير مباشرة، ثم ينشلح وينهار بجسده الضخم بجانبها على الفراش دون أن ينبس ببنت شفة، وكأن طاقة الكلام ورسم الجفاء قد استُنزفتا بالكامل في معركة يومه الطويل. انقبض قلب لمى خائفة، واقتربت منه فوراً لتتفحصه. مدت يدها المرتجفة وتلامست بأصابعها جبينه، فتراجعت يدها لثوانٍ من شدة الحرارة التي تتسلل منه؛ كان وجهه يشتعل
مرت الساعات القليلة المتبقية من الليل بطيئة ومجهدة. لم تكن قد مرت سوى ساعتين تقريباً منذ أن استطاعت لمى إسناده وإخراجه من الشرفة عند تباشير الفجر. كانت الحمى قد بدأت تخف تدريجياً بفعل الكمادات المستمرة، لكن جسده كان لا يزال يتصبب عرقاً، وأنفاسه ثقيلة بفعل الإرهاق الشديد الذي أنهكه طوال الساعات الماضية. ومع شروق شمس الصباح الأولى، امتدت يد ليث الفولاذية دون وعي لتتحسس المكان بجانبه، وكأنه ينسحب من بقايا ذلك الهذيان الأليم. فتح عينيه الداكنتين ببطء شديد؛ كانتا حمراوين ومجهدتين للغاية، وعقله يصارع ثقل الدوار والحمى المتبقية. لكن ما إن وقعت عينها على الساعة الجدارية، حتى انقبضت ملامحه الحادة، واشتعلت في رأسه شرارة المسؤولية المعهودة. تذكر فوراً رحلة العمل الحاسمة التي جاء من أجلها، واجتماع الصفقة الكبرى المقرر عقده هذا الصباح مع الوفد الأجنبي. تحامل ليث على جسده المتهالك، وقرر النهوض فوراً. لكن ما إن رفع شق جسده الأعلى عن الوسادة حتى اختل توازنه، وعادت البرودة لتضرب أطرافه مع دوار حاد جعله يتكئ بساعده على طرف السرير بجفاء وعناد. سارعت لمى بوضع يدها على صدره تمنعه من الوقوف، وقالت بن







