LOGINبقيت **لمى** متصلبة في مكانها، أنفاسها المتسارعة تضرب صدرها الرقيق وهي تشعر بوطأة جسد **ليث** المهيب الذي يحاصرها بالكامل. قبضته الضخمة المستندة على الطاولة خلفها كانت تمنعها من أي مفر، وعيناه الصقريتان تلمعان في عتمة الجناح ببريق مظلم، يمزج بين جفائه المعتاد ورغبته الشرسة في إخضاع كبريائها.
كانت المسافة بينهما شبه معدومة، لدرجة جعلتها تستنشق عطر رجولته الفاخر القوي. لم تنحنِ ولم تظهر خوفها؛ بل رفعت عينيها العسليتين لتصطدم بنظراته القاسية بكبرياء متمرد نضج عبر سنوات من العيش في هذا القصر. "أزل يدك يا ليث،" نطق صوتها هادئاً، حاسماً، وخالياً من أي رجفة قد ترضي غروره: "أنت لا تملك سلطة إملاء مشاعري، ولا تحديد من أحدث في هذا البيت." تصلب فكه الخشن، وضيق عينيه أكثر وهو يراقب ثباتها. تملكته رغبة عارمة في كسر هذا البرود الذي تواجهه به. "بل أملك،" همس بنبرة منخفضة للغاية، جافة وباردة كالصقيع: "طالما أنكِ تحملين اسمي، وتنامين تحت سقف جناحي، فأنا القانون الوحيد الذي تسيرين عليه. ضحكاتكِ العفوية وتلقائيتكِ تنتهي عند عتبة هذا الجناح.. ولا يجرؤ رجل في هذا القصر على لمس ما يخصني، ولو كان ابن عمكِ طارق!" "أنت لا تغار يا ليث،" قالتها بنبرة ذكية ومصوبة كالسهام نحو كبريائه المتغطرس: "أنت فقط تخاف على سلطتك. تخاف أن يرى أحدٌ في هذا القصر أن هناك مساحة صغيرة في حياتي لا تخضع لجبروتك." سقطت كلماتها كالجمر على كبريائه. ارتخى جسده ببطء، وتراجع خطوة إلى الوراء بوقار مصطنع، مستعيداً بروده وجفاءه المعتاد وهو يعدل ياقة قميصه الأسود بلامبالاة قاتلة. "فكري بها كما تشائين،" قال بجفاء وهو يلتفت نحو الأريكة ليأخذ غطاءه: "المهم هو النتيجة. والآن.. خذي هذه الأغراض وافرغيها من غرفتكِ القديمة، فلا أريد أن أرى أثراً لملابسكِ أو كتبكِ في أي جناح آخر غير هذا الجناح." أشار بجفاء إلى الحقيبة الصغيرة التي جلبها طارق، ثم تمدد على الأريكة ببرود تام متجاهلاً وجودها. مشت لمى بهدوء نحو السرير وألقت بجسدها تحت الغطاء، وهي تشعر أن هذا الجناح الفخم لم يعد مجرد مسكن.. بل أصبح ساحة حرب صامتة لن تنتهي إلا بكسر كبرياء أحدهما. في الصباح التالي.. استيقظت لمى ولم تجد ليث في الجناح؛ كعادته غادر مبكراً وبصمت ليثبت لها جفاءه. ارتدت ملابسها الرسمية الأنيقة، وقبل أن تنزل لقاعة الطعام، قررت الذهاب إلى غرفتها القديمة في الجناح الغربي لجلب بقية دفاترها ورواياتها المفضلة التي لم ينقلها الخدم بعد. لكن عند دخولها الغرفة، تفاجأت بوجود **ليث** واقفاً هناك! كان يرتدي سترته الرسمية، ويبدو أنه مر بغرفتها القديمة قبل مغادرته القصر. كان يمسك بإحدى رواياتها الرومانسية المترجمة، ويتصفح أوراقها بملامح ساخرة وجافة. "أرى أنكِ ما زلتِ تحتفظين بهذه الترهات يا لمى،" قال بنبرة جافة وهو يلقي بالرواية على المكتب بإهمال: "أحلام الفتيات الحالمة عن فرسان العشق لا تليق بامرأة تحمل اسم ليث القاسم." شعرت لمى بلسعة في كبريائها من طريقته المتعالية. تقدمت بخطوات واثقة وانتزعت الرواية من أمامه وهي تنظر في عينيه بتحدٍ: "هذه 'الترهات' كما تسميها، تعلم البشر أن هناك مشاعر حقيقية في هذا العالم.. مشاعر يعجز رجل بلا قلب مثلك عن فهمها أو الشعور بها." ابتسم ليث ابتسامة جانبية باردة، تقطر حقداً وغطرسة. خطا خطوة نحوها حتى حاصرها مجدداً بينه وبين مكتبها القديم، ونظر إليها ببرود مستفز: "المشاعر الحقيقية لا تطعم خبزاً، ولا تحمي ثروة، يا ابنة عمي. ما يفيدكِ الآن هو الواقع.. والواقع يقول إن كل ما في هذه الغرفة أصبح ملكاً لجناحي، تماماً كصاحبته. لذا، لا تضيعي وقتكِ في البحث عن مأوى قديم.. فجدران غرفتكِ القديمة هذه، سيتم إغلاقها وتحويلها إلى مخزن لملفات الشركة نهاية هذا الأسبوع." اتسعت عيناها العسليتان بصدمة وغضب عارم: "أنت تفعل هذا لتنتقم فقط! تريد محو أي أثر لحياتي السابقة قبل أن تفرض قيدك عليّ!" "أنا لا أنتقم يا لمى.. أنا فقط أعيد ترتيب ممتلكاتي بالطريقة التي تروق لي،" قالها بجفاء تام، ودون أن يرف له جفن، استدار وغادر الغرفة بخطواته الثقيلة، واضعاً يديه في جيبيه بكل ثقة وبرود، تاركاً إياها تغلي من شدة الغيظ والصدمة خلفه.انسحب الاثنان من المطعم في صمتٍ خانق يغلي تحت السطح، صمتٍ أشبه بالهدوء الذي يسبق الانفجار. طوال طريق العودة، كانت قبضة ليث على عجلة القيادة قاسية حتى ابيضّت مفاصل أصابعه، وعيناه الداكنتان ترصدان بحدّة كل حركة خفيفة تندرج تحت غضب لمى المكتوم. أما هي، فكانت تتطلع إلى الشارع بعينين تحبسان دمعة كبرياء جريح، تشعر وكأن كل دفء ليلة الأمس قد تبخر أمام هذا البرود القاتل والجفاء الذي استفز كل خلية في كيانها. وما إن انفتح باب الجناح في الفندق، حتى خطت لمى إلى الداخل بجمود ورغبة عارمة في الابتعاد، محاولةً التوجه مباشرة نحو الغرفة لتنعزل بوجعها. لكن يد ليث الفولاذية أطبقت على معصمها بطلبٍ حاسم، ودفع الباب بخلفه بقدَمه ليغلقه بدوِيّ حاد اهتزت له أرجاء المكان! "إلى أين؟" خرج صوته خفيضاً كحفيف شفرة حادة، يسحبها ببطء نحو مركز الصالة ليحاصر مسارها بجسده الضخم وهيبته المرعبة. التفتت إليه لمى بقسوة، وسحبت يدها بحدة محاولة التملص منه، ورفعت رأسها لتحدق في عينيه المشتعلتين بغضبٍ مكتوم، وقالت بصوت يرتجف بوجعٍ كاسر وسخرية: "إلى حيث لا أرى برودك وتصنعك يا ليث! اترك يدي... اذهب وأكمل مواعيدك الصباحية مع
مرّت الدقائق هادئة داخل السيارة، ولمى تتأمل أضواء الشارع الخافتة التي تنعكس على الزجاج. كان هدوء الليل يبعث في روحها سكينة غريبة بعد صخب الأيام الماضية، وعقلها لا يزال يستعيد تفاصيل الساعات الأخيرة؛ نبرة صوته الخفيضة، دفء جسده، واستسلامه الذي كشف عن جانبٍ دافء ومخبأ خلف أسوار كبريائه الفولاذي. وفجأة، لمحته يخرج من البوابة الزجاجية للمبنى المكتبي. كان يسير بخطواتٍ ثقيلة وموزونة، يحمل بيده ملفاً جلدياً أسود. ورغم ثياب العمل الرسمية وهيئته الجادة، إلا أن هيبته العالية كانت تفرض حضورها الحاد في عتمة الشارع. لكن ما جعل أنفاس لمى تتجمّد في صدرها، هو تلك الفتاة الشابة التي كانت تسير بجانبه محاولةً مجاراته في الخطى. كانت ترتدي بدلة أنيقة وتتحدث معه بلهفة واضحة، حاطةً يدها لثوانٍ معدودة على ذراعه وهي تعرض عليه بعض المستندات، بينما ابتسامتها المتملقة تنعكس تحت أضواء المدخل. انقبض قلب لمى فوراً، وسرت في عروقها شرارة غيرة مفاجئة وأليمة! تصلبت في جلساتها داخل السيارة، وعيناها مثبتتان على يد تلك الفتاة التي تلامس ذراعه. ورغم أن ليث سحب ذراعه ببرود ورزانة وهو يحرك رأسه بحديثٍ رسمي جاف، إلا أن ت
مرّ بقية النهار بسلامٍ وسكونٍ أطال انتظام أنفاسهما. تحسنت حالة ليث تدريجياً طوال تلك الساعات؛ إذ فعلت كمادات لمى وراحتها بجانبه فعل السحر، فغرق في نومٍ عميق ودافئ، مستسلماً كلياً لهدوء الفراش وأمان وجودها. ومع هبوط الليل وتسلل الظلام الهدوء إلى أرجاء الجناح، بدأ ليث يستعيد وعيه ببطء. فتح عينيه الداكنتين، ولكن هذه المرة لم يكن هناك ثقل الحمى ولا غشاوة التعب. كان عقله صافياً، وحرارة جسده قد استقرت كلياً. شعر بالدفء الذي يحيط به، ولما تفحص وضعيته، وجد نفسه غارقاً بالكامل بين أحضانها؛ رأسه يستقر عند انحناءة صدرها، ويده الضخمة تطوق خصرها بتمسكٍ شديد! توقف نبضه لثوانٍ، واستعاد شريط الليل والصباح كالومضات السريعة: قبله المندفعة، استسلامه الخالص، وتمتمته باسمها الذي يفرّ منه كلما سقطت دروعه! تسللت حرارة خفيفة إلى وجنتيه، ونظر إلى وجهها الغارق في نومٍ هادئ بجانبه، ويدها الناعمة لا تزال ترتاح فوق شعره. سحب ذراعه ببطء وحذر متناهٍ كي لا يوقظها، واستقام بجلسته على طرف السرير. جلس لثوانٍ يمرر يده على وجهه، مستجمعاً هيبته ورزانته المعهودة، محاولاً تغليف تلك اللحظات بوشاحٍ من الهدوء المتصنع ك
حدقت فيه لمى لثوانٍ، وشعرت بضيقٍ خفيف يتسلل إلى صدرها من محاولته السريعة لإعادة جدار البرود بينهما، لكنها أدركت بعمق أن هذا الدفاع المتأخر ليس إلا محاولة بائسة لترميم كبريائه المخدوش بعد ليلةٍ شهدت استسلامه الكامل في أحضانها. لم تسحب يديها، ولم تبتعد كما طلب، بل أمالت رأسها قليلاً وهي تنظر في أعمق نقطة من عينيه الداكنتين المتظاهرتين بالصلابة. "حقاً؟..." خرجت منها الكلمة بصوت خفيض وناعس، يقطر بهدوءٍ آسر ودفءٍ لا يُقاوم. في تلك اللحظة، تعمدت لمى ألا تتراجع، بل تخللت أصابعها الناعمة بين خصلات شعره الدافئة من جديد، تداعبها برقة ومسد هادئ، واضعةً يدها الأخرى بثبات ولطف فوق عنقه العريض. تصلب ليث في بداية الأمر، وحاول أن يبتعد ليرسل إشارة جفاء جديدة، لكن لمساتها الدافئة وسحر قربها كانا أقوى من أي درع حاول ارتداءه! بدأ جسده الضخم يرتخي رغماً عنه؛ فتلاشت تلك التشنجات من كتفيه، وأخذ رأسه الثقيل ينزل ببطء شديد، مستسلماً لجاذبية حنانها حتى استقر بالكامل عند صدرها، مغمض العينين كأنه يغرق في دفئها من جديد. وفي تلك اللحظة بالذات... فقد ليث كلياً الشعور بحدوده وكبريائه ومقاومته! تحركت شفتاه ا
انقضت ساعات النهار والليل ثقيلة، ينهكها الانتظار والترقب.لم تذق لمى طعم الراحة طوال اليوم؛ بل ظلت متوترة ومستلقية على السرير، عينها على الساعة وأذنها مشدودة نحو الباب. كان عقلها يسجّل سيناريوهات مخيفة لجداول عمله الخانقة، بين اجتماعات الوفد ومواقع المشاريع، وهي تتخيل جسده المشتعل يصارع الانهيار وسط رجالات الأعمال دون أن يرفّ له جفنٌ من الكبرياء. ومع حلول منتصف الليل... سمعت أخيراً صوت فتح القفل! انتفضت لمى في مكانها فوق السرير، وجلست بتوتر تراقب الباب. دخل ليث بخطواتٍ ثقيلة ومتهالكة، كأنه يجرّ جسده جراً. كانت سترة بدلته معلقة على ذراعه بإهمال، وقميصه مفتوحاً عند الياقة، بينما وجهه الشاحب يشتعل بحمرة الحمى مجدداً. ألقى أوراقه وسترته على أقرب طاولة، وسار بخطوات غير متزنة نحو السرير مباشرة، ثم ينشلح وينهار بجسده الضخم بجانبها على الفراش دون أن ينبس ببنت شفة، وكأن طاقة الكلام ورسم الجفاء قد استُنزفتا بالكامل في معركة يومه الطويل. انقبض قلب لمى خائفة، واقتربت منه فوراً لتتفحصه. مدت يدها المرتجفة وتلامست بأصابعها جبينه، فتراجعت يدها لثوانٍ من شدة الحرارة التي تتسلل منه؛ كان وجهه يشتعل
مرت الساعات القليلة المتبقية من الليل بطيئة ومجهدة. لم تكن قد مرت سوى ساعتين تقريباً منذ أن استطاعت لمى إسناده وإخراجه من الشرفة عند تباشير الفجر. كانت الحمى قد بدأت تخف تدريجياً بفعل الكمادات المستمرة، لكن جسده كان لا يزال يتصبب عرقاً، وأنفاسه ثقيلة بفعل الإرهاق الشديد الذي أنهكه طوال الساعات الماضية. ومع شروق شمس الصباح الأولى، امتدت يد ليث الفولاذية دون وعي لتتحسس المكان بجانبه، وكأنه ينسحب من بقايا ذلك الهذيان الأليم. فتح عينيه الداكنتين ببطء شديد؛ كانتا حمراوين ومجهدتين للغاية، وعقله يصارع ثقل الدوار والحمى المتبقية. لكن ما إن وقعت عينها على الساعة الجدارية، حتى انقبضت ملامحه الحادة، واشتعلت في رأسه شرارة المسؤولية المعهودة. تذكر فوراً رحلة العمل الحاسمة التي جاء من أجلها، واجتماع الصفقة الكبرى المقرر عقده هذا الصباح مع الوفد الأجنبي. تحامل ليث على جسده المتهالك، وقرر النهوض فوراً. لكن ما إن رفع شق جسده الأعلى عن الوسادة حتى اختل توازنه، وعادت البرودة لتضرب أطرافه مع دوار حاد جعله يتكئ بساعده على طرف السرير بجفاء وعناد. سارعت لمى بوضع يدها على صدره تمنعه من الوقوف، وقالت بن







