Share

الفصل 5

Author: العدم
ترنحت شهد إلى الخلف، وشعرت بأن العالم كله يدور من حولها.

ارتطم أسفل ظهرها بشاهد القبر الحجري، ثم ارتطمت ركبتاها بقوة بالدرجات، فانفجر الألم الحاد في كل أنحاء جسدها.

لكن كل ذلك لم يكن شيئًا مقارنة بالألم الذي يعتصر قلبها، ألم وكأن روحها قد شُقت إلى نصفين، حتى كادت تختنق.

أما بلال فلم ينظر إليها حتى، بل انحنى يمسح قطرات المطر عن وجه حنين بأطراف أصابعه، وسألها: "هل هدأ غضبكِ الآن؟"

ولم يتنفس الصعداء إلا عندما سمع إجابة الفتاة الباكية "نعم"، فخلع سترته ولفها حول حنين، ثم حملها بين ذراعيه.

وحين استدار، داس حذاؤه الجلدي على رماد الأم المتناثر على الأرض، تاركًا خلفه آثار أقدام مؤلمة للنظر.

جلست شهد تحت المطر، وجسدها كله يرتجف من شدة الألم.

مدّت يدها المرتجفة محاولة جمع ذلك الرماد الرمادي، لكن مياه المطر كانت تجرفه بسرعة، تمامًا كما جرفت سنوات حبها مع بلال، مهما حاولت التمسك بها لم تستطع.

"أمي، لقد أخطأت..." اختنق صوتها بالبكاء: "لقد تزوجت الرجل الخطأ، ما كان ينبغي لي أن أتزوجه..."

وبعد أن جمعت ما تبقى من الرماد، أخرجت من حقيبتها رسالة الحب السابعة والتسعين، وأشعلتها بيد مرتجفة.

وبينما كانت ألسنة اللهب تلتهم الورقة، تذكرت وعد بلال لوالدتها المريضة يومًا: "اطمئني، سأحمي شهد بحياتي، ولن أسمح لأحد أن يؤذيها."

بلال، إذًا مساعدتك لامرأة أخرى على ضربي هي طريقتك في حمايتي؟

أنا نادمة.

أنا نادمة جدًا على وقوعي في حبك.

ظلت شهد تعاني حمى شديدة طوال الليل.

ورأت في حلمها أنها تغرق في مياه بحر متجمدة، بينما يتناثر رماد والدتها حولها كرقاقات الثلج، حاولت الإمساك به، لكنها لم تستطع.

"شهد...شهد..."

كان أحدهم يناديها.

فتحت شهد عينيها بصعوبة، لكنها لم تجد نفسها على سرير، بل داخل سيارة مسرعة.

كانت المناظر خارج النافذة تتراجع بسرعة، بينما كان بلال يقبض على المقود بإحكام، ووجهه قاتمًا على نحو مخيف.

"بلال..." سألت بصوت مبحوح: "إلى أين تأخذني؟"

لم ينظر إليها، بل قال ببرود: "تم اختطاف حنين."

تجمدت شهد في مكانها، وبدأ عقلها يستعيد وعيه تدريجيًا: "وماذا بعد؟"

"لقد طلبكِ تحديدًا." ثم التفت لينظر إليها أخيرًا: "إنه عادل سعد."

عادل سعد.

اخترق هذا الاسم قلب شهد كسكين.

ذلك الرجل المختل الذي لاحقها بإصرار في الماضي، قبل أن يطرده بلال خارج المدينة.

قالت شهد بصوت مرتجف: "هل... تريد استبدالي بحنين؟"

شدّ بلال قبضته على عجلة القيادة: "كان عادل معجبًا بكِ. ولن يؤذيكِ."

شعرت شهد وكأنها سقطت في هاوية من الجليد.

حاولت جاهدةً فتح باب السيارة، لتجد يديها مربوطتين بحزام الأمان.

"بلال!" صرخت: "هل أنت مجنون؟ ألا تعرف من هو عادل؟"

"اهدئي يا شهد." كانت نبرة بلال هادئة بشكل مرعب: "سأعيد حنين ثم آتي لإنقاذكِ فورًا."

ثم توقفت السيارة أمام مستودع مهجور.

"لقد أحضرتها." قال بلال وهو يدفع شهد إلى الأمام: "أين حنين؟"

صفق عادل بأصابعه، فخرج اثنان من رجاله يقتادان حنين.

كان شعرها أشعثًا، والدموع تنهمر على وجهها، أشرقت عيناها عندما رأت بلال: "سيد بلال!"

أفلت بلال شهد على الفور، وتقدم بسرعة ليضم حنين إلى صدره: "لا بأس، لا تخافي، أنا هنا."

وقفت شهد في مكانها، وقد اجتاح البرد جسدها كله.

راقبت بلال وهو يتفقد حنين، ويمسح دموعها برفق، ولم يلتفت إليها حتى.

"بلال!!!"

لم تعد شهد قادرة على التحمل، فأطلقت صرخة مدوية.

عندها فقط التفت إليها وقال مرة أخرى: "لا تخافي، سأعود إليكِ سريعًا."

ثم استدار وهو يحتضن حنين، وغادر دون تردد.

حاولت شهد اللحاق بهما، لكن عادل أمسك بمعصمها قائلًا: "مرحبًا يا سيدة شهد، لم أركِ منذ مدة طويلة."

لامست أنفاسه أذنها، فارتجف جسدها بالكامل.

ثم دفعها عادل إلى السيارة وانطلق بها مباشرةً إلى أحد الفنادق.

وما إن أغلق الباب حتى دفعها على السرير.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • كل رسالة كانت خطوة نحو الفراق   الفصل 25

    في ذلك اليوم، كانت حنين شاردة الذهن، فأخطأت في غرز الإبرة في يده، وتكرر الخطأ عدة مرات، حتى غطّت الكدمات الزرقاء والتورم المحمر كامل ظاهر كفه.أما في المرة السابقة، فكيف كان تصرفه؟لقد وجد شرودها اللطيف محببًا إلى قلبه على نحوٍ غريب. حتى عندما بكت حنين واعتذرت، ابتسم ببساطة وقال: "لا بأس، خذي وقتك."ومنذ ذلك الحين، انغمس في دوامتها، يرتكب خطأً تلو الآخر، دون أي فرصة للتراجع.لكن هذه المرة، حدّق ببرود في حنين وهي تعتذر، وأمرها بصرامة: "قومي باستدعاء مديركِ!"وبعد ذلك، منحت المستشفى حنين تعويضًا ماليًا ثم فصلتها من العمل، ومنذ ذلك الحين اختفت تمامًا من عالمه.وبعد انتهاء المحلول الوريدي، اقتربت منه شخصية مألوفة ومدّت يدها."بلال، لنعد إلى المنزل."رفع بلال رأسه، فرأى شهد تنظر إليه بعينين مملوءتين حبًا وهي تبتسم، فارتسمت الابتسامة على شفتيه أيضًا.ثم مدّ يده وأمسك بيدها، ونهض قائلًا: "حسنًا، لنعد إلى المنزل..."سارا معًا يدًا بيد نحو الأفق البعيد، حتى اختفيا عن الأنظار...أما في العالم الواقعي، فقد توقف بلال الملقى وسط بركة من الدماء عن التنفس ببطء.تلاشت الصرخات وصفارات سيارات الإسعاف وا

  • كل رسالة كانت خطوة نحو الفراق   الفصل 24

    ومن الطرف الآخر، أخذت أنفاس بلال تتسارع شيئًا فشيئًا، وامتزج صوته بالألم.لكن شهد تظاهرت بعدم سماعه."طوال هذه العلاقة، كنت دائمًا تسألني عن السبب. وحتى عندما كنت أضع الإجابة أمام عينيك، لم تكن تراها. لأن أصل المشكلة كان دائمًا أنك لم تكن تكترث."ولهذا لم يبالِ بمشاعرها، وخانها دون أي تردد، وترك حنين تهينها وتدهس على كرامتها، وسمح بأن تتعرض مرارًا لأذى كان من الممكن ألا تعيشه أصلًا."إذًا أنت تعرف سبب طلاقنا الآن، أليس كذلك؟""بلال، بما أننا مُطلقان، فلا يجب أن يكون بيننا أي تواصل بعد الآن."أنهت كلامها وهمّت بإغلاق الهاتف، لكن بلال سارع يتوسلها."لا، لا يا شهد، لا تفعلي هذا. دعينا نلتقي مرة واحدة فقط، حسنًا؟"وفي ذاكرة شهد، نادرًا ما كان بلال يتصرف بتواضع كهذا؛ وفي المرات القليلة التي فعل فيها ذلك، كان فقط ليمنعها من طلب الطلاق."لا، إلا إذا كان الموت هو من يجمعنا، فلا أريد أن نلتقي مرة أخرى.""صوت إغلاق الخط——"حدّق بلال في شاشة الهاتف التي أظلمت فجأة بعد إغلاق الخط، وشعر بألم حاد ينتشر من قلبه، كأن كرمة سامة التفت حوله، تشل حركته وتغرقه في عذاب لا مهرب منه.حاول تحريك ساقيه، ولكن في

  • كل رسالة كانت خطوة نحو الفراق   الفصل 23

    ومع ذلك، تأثر السيد كرم كثيرًا. فمقارنةً بجفاء ابنته وبرودها تجاهه في السابق، كان هذا تقدمًا كبيرًا بالنسبة إليه.وفي الخارج، ظلت شهد تحدّق طويلًا في الرسالة التي أرسلها والدها، يشكرها فيها ويخبرها كم أعجبته هديتها، حتى سرحت في أفكارها، بينما راحت مشاعر متشابكة تغمرها شيئًا فشيئًا.في الحقيقة، كانت قد سامحت والدها منذ زمن.فهو الضحية فيما حدث، لكنها آنذاك نظرت إلى الأمر بعيني والدتها فقط، ورأت فيه خيانةً لذكراها، لذلك قطعت علاقتها به دون تردد.لكن بعد أن خاضت بنفسها تجربة زواج فاشلة، ورأت من الناس والحياة ما رأت، بدأت تدرك شيئًا فشيئًا المعاناة التي عاشها والدها.إلا أن الجرح كان قد وقع بالفعل، وحتى وإن أرادت إصلاح ما انكسر، لم تكن تعرف من أين تبدأ.ولهذا قررت أن تمضي خطوةً بعد أخرى، على الأقل حتى لا تندم يومًا، كما قال لها كبير الخدم.وفي تلك اللحظة، اهتز هاتفها في يدها، فأفاقت من شرودها. وما إن رأت اسم المتصل: "أبي"، حتى ترددت قليلًا قبل أن تضغط زر الإجابة."شهد، شكرًا لكِ على الهدية، لقد أحببتها كثيرًا."فقد ظن والدها أنها لم ترَ رسالته بعدما تأخرت في الرد، وخشي أن تسيء فهم الأمر، ف

  • كل رسالة كانت خطوة نحو الفراق   الفصل 22

    في منزل عائلة سليم، لم يكن بلال يعلم شيئًا عما يخطط له والد شهد، إذ لم يكن يشغل تفكيره سوى أمرٍ واحد؛ وهو العثور على شهد.فأخذ يرسل إلى والدها مختلف الهدايا تعويضًا عما حدث، بل وأمر حتى بإعادة ترميم شاهد قبر والدتها الراحلة.إلا أن جميع الهدايا أُعيدت إليه كما هي.ولم يُبدِ بلال أي اهتمام بذلك، بل واصل إرسال الهدايا بلا انقطاع.وفي الوقت نفسه، عاد رجاله الذين أرسلهم إلى الخارج للبحث في منزل عائلة عزيز، بل إن بعضهم لم يُسمح له حتى بمغادرة البلاد."ماذا قلت؟"عندما سمع بلال أن رجاله مُنعوا مرة أخرى من مغادرة البلاد، لم يعد بإمكانه السكوت.فبعد أن طرده السيد كرم من المعرض، تذكر فجأة شيئًا ما.ورغم أنه لم يكن يعلم إن كانت شهد قد سامحت والدها أم لا، فإنه كان واثقًا أن عودته إلى البلاد لم تكن لتحدث دون موافقتها.وإلا لكانت شهد قد أثارت ضجة كبيرة، وهذا يعني أنها موجودة في الخارج، ولم يبقَ هناك سوى مكان واحد لم يبحث فيه وهو منزل عائلة عزيز؛ المكان الذي كان يعتقد أنها لن تعود إليه أبدًا.في البداية، لم يكن بلال متأكدًا، ولكن بعد أن أُعيد رجاله مرارًا وتكرارًا، تأكد أخيرًا من أن شهد كانت بالفعل

  • كل رسالة كانت خطوة نحو الفراق   الفصل 21

    كاد السيد كرم أن يضحك من كلام بلال."ما تسميه أنت إنهاءً لعلاقتك بعشيقتك ليس إلا لأنك مللت منها. ولو أنك لم تملّ، أكنت تتوقع من ابنتي أن تعيش عمرها كله زوجة مهجورة تنتظر عودتك؟""ثم إنك تزوجت ابنتي، وتعرف جيدًا أنها لا تتسامح مع الخيانة ولو بمقدار ذرة. أنا نفسي، بعد وفاة زوجتي، تزوجت مرة أخرى بدافع الوحدة، وقد نقلت كل أملاكي إلى شهد، ومع ذلك لم تكلمني طوال هذه السنوات. هذا وأنا كنت أرملًا، أما أنت فخنتها وهي ما زالت زوجتك. فكيف تظن أنها ما زالت تحبك؟ ولو بقي في قلبها حب لك، لما اختارت الرحيل.""بلال، كف عن خداع نفسك. انسَ أمر هذا المعرض أيضًا، وعد من حيث أتيت. ولا تحلم بعد اليوم بالعثور عليها، فهي لن تقابلك."قال السيد كرم ذلك، ثم رفع فنجان الشاي في إشارة واضحة إلى انتهاء الحديث، وفي تلك اللحظة دخل أحد حراسه وقال: "تفضل يا سيد بلال.""بانغ!"انغلق باب المعرض بقوة أمام بلال، بينما كانت الأمطار الغزيرة تنهمر من السماء، تغمر جسده بالكامل، ويتسلل البرد من ظهره حتى اجتاح كل أطرافه.لكن ذلك كله لم يُطفئ عزيمته على العثور على شهد.بل إن عودة والدها إلى البلاد بدت له خبرًا جيدًا؛ فعلى الأقل أ

  • كل رسالة كانت خطوة نحو الفراق   الفصل 20

    وفي اليوم المحدد للاستحواذ على معرض والدة شهد، وصل بلال إلى المعرض منذ وقتٍ مبكر.ورغم أن موظفي المعرض أخبروه بأن شهد لن تأتي اليوم لحضور إجراءات الاستحواذ، فإنه ظل متمسكًا بخيطٍ رفيع من الأمل. ماذا لو؟ ماذا لو جاءت بالفعل؟فهذا المعرض كان ثمرة جهد والدتها طوال حياتها، وهي التي كانت تعشق أمها، كيف يمكن ألا تحضر؟ظل بلال يردد هذه الفكرة في نفسه، وينتظر شهد على أساسها.وأخيرًا، بدأ صوت خطوات يقترب شيئًا فشيئًا، فاعتدل بلال في جلسته بسرعة، ونظر إلى الباب المفتوح بترقب.وفي خضم انتظاره، دخلت إلى الداخل هيئة ترتدي اللون الأبيض بخطوات هادئة.نهض بلال على الفور، وحدّق في القادم، وكاد اسم "شهد" يخرج من شفتيه، لكنه تجمد في حلقه."عمي، لماذا حضرت أنت؟ وأين شهد؟"فالشخص الذي دخل لم يكن سوى السيد كرم والد شهد.نظر السيد كرم إلى بلال ببرود."لا أخبرك عن مكانها، لكنك تريد شراء معرض زوجتي، فلماذا لا أحضر؟"فتح بلال فمه قليلًا وقال مترددًا: "لكن أليس أنت..."في ذاكرة بلال، بعد أن فقد السيد كرم زوجته وتزوج ثانية، انتقلت شهد إلى البلاد غاضبة، ولم تسمح لوالدها بالتدخل في شؤونها، ولا سيما كل ما يتعلق بوال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status