Se connecterلم أخبر أحداً عن الحلم.
ليس لأنني أخجل منه.
بل لأنني أعرف تماماً كيف سيُفسَّر.
لو كنت أنا الطبيب الذي يستمع إلى شخص آخر يقول:
"أحلم بشخص من الماضي، وأشعر أن الحلم يحاول إخباري بشيء."
لكنت سأطرح عليه أسئلة.
متى بدأت الأحلام؟
ماذا تشعر بعدها؟
ماذا يعني هذا الشخص بالنسبة لك؟
لكن عندما يكون الشخص هو أنا...
تتغير القواعد.
الغريب أن الإنسان يستطيع رؤية الآخرين بوضوح شديد، لكنه يصبح أعمى عندما يتعلق الأمر بنفسه.
في اليوم التالي دخلت العيادة كعادتي.
وضعت معطفي.
أعددت القهوة.
وتركتها تبرد.
مرة أخرى.
بدأت ألاحظ أن بعض العادات ليست عادات فعلاً.
بعضها طرق صغيرة يهرب بها الإنسان من مواجهة شيء أكبر.
طرق بسيطة.
لكنها تتكرر حتى تصبح جزءاً من شخصيته.
طرق مثل:
الانشغال.
العمل.
مساعدة الآخرين.
أي شيء يمنعك من الجلوس مع نفسك.
رن هاتفي.
كانت رسالة من السكرتيرة.
"دكتور آدم، هناك مريض يسأل إذا كان يمكن تقديم موعده."
أجبت:
"لا مشكلة، اجعليه بعد الساعة الخامسة."
نظرت إلى الرسالة بعد إرسالها.
ثم توقفت.
"اجعليه..."
حتى في الرسائل كنت أتكلم وكأنني لا أملك وقتاً لنفسي.
ابتسمت.
"طبيب نفسي يحلل نفسه."
قلت ذلك بصوت منخفض.
ثم دخل أول مريض.
مر اليوم بشكل طبيعي.
أكثر من الطبيعي حتى.
وهذا كان الجزء المخيف.
أحياناً عندما تكون الفوضى داخل الإنسان كبيرة، يصبح هدوؤه الخارجي مبالغاً فيه.
الجميع قالوا لي نفس الشيء طوال حياتي:
"أنت شخص هادئ يا آدم."
لم يفهموا أن الهدوء ليس دائماً علامة راحة.
أحياناً يكون علامة تعب.
في نهاية اليوم، بقيت في العيادة.
لم أكن أعمل.
فقط بقيت.
وهذا شيء لم أفعله كثيراً.
عادةً كنت أجد سبباً للمغادرة.
شراء شيء.
الذهاب لمكان.
أي شيء.
لكن هذه المرة بقيت.
نظرت إلى الكرسي المقابل.
ثم قلت:
"حسناً."
ضحكت.
كنت أتكلم مع كرسي فارغ.
"ماذا تريد أن تقول؟"
طبعاً لم يجب.
لكن عقلي بدأ يفعل.
وهذا كان أسوأ.
رن هاتفي.
نظرت إلى الاسم.
لم أتوقعه.
رقم قديم.
لم أجب.
عاد الاتصال مرة ثانية.
ثم مرة ثالثة.
أغلقت الهاتف.
وبعد دقائق وصلت رسالة:
"آدم، نحتاج أن نتحدث."
بقيت أنظر للكلمات.
لم أكن بحاجة لمعرفة من هو.
كنت أعرف.
لكنني لم أكن مستعداً.
في اليوم التالي، قبل أول جلسة، اتخذت قراراً.
قراراً لم يعجبني.
لكنه كان منطقياً.
ذهبت إلى مكتبي.
فتحت الحاسوب.
بحثت عن طبيب نفسي.
لم أبحث كطبيب.
بحثت كمريض.
وهذا كان أصعب شيء فعلته منذ سنوات.
وجدت اسماً.
الدكتور أمين.
قرأت معلوماته.
سنوات خبرة طويلة.
تخصصه.
طريقة عمله.
أغلقت الصفحة.
ثم فتحتها مرة أخرى.
كنت أضحك على نفسي.
كنت أتعامل مع اختيار طبيب نفسي وكأني أختار طريقة علاج لمريض.
أحلل.
أقارن.
أبحث عن الأخطاء.
كنت أحاول السيطرة على شيء لا يجب السيطرة عليه.
في نهاية الأسبوع ذهبت إليه.
وقفت أمام باب العيادة.
شيء غريب أن تكون في الجهة الأخرى.
أن تكون الشخص الذي ينتظر.
الشخص الذي سيُسأل.
الشخص الذي لا يملك السيطرة.
طرقت الباب.
"تفضل."
دخلت.
كان أمين يجلس خلف مكتبه.
رجل هادئ.
ليس من النوع الذي يحاول أن يبدو ذكياً.
وهذا أول شيء لاحظته.
قال:
"أهلاً بك يا آدم."
جلست.
"أعرف أنك تعرف من أنا."
ابتسم قليلاً.
"نعم."
"وهذا قد يكون مشكلة."
"لماذا؟"
"لأنك تعرف أنني طبيب نفسي."
قال:
"وهل هذا يمنعك من أن تكون إنساناً؟"
لم أجب.
ابتسم.
"بدأنا."
قلت:
"ماذا؟"
"أول دفاع."
نظرت إليه.
"لم أقل شيئاً."
"بالضبط."
صمت.
ثم قال:
"أنت تحاول أن تجعل الجلسة نقاشاً مهنياً."
قلت:
"وأنت تحاول تحليلي."
رد بهدوء:
"أنا أحاول فهمك."
قلت:
"هناك فرق؟"
قال:
"كبير."
لأول مرة منذ مدة طويلة...
وجدت شخصاً لا يهتم بالصورة التي أظهر بها.
وهذا أزعجني.
لأنني كنت معتاداً أن أكون الشخص الذي يفهم.
ليس الشخص الذي يُفهم.
قال أمين:
"لماذا جئت؟"
أجبته بسرعة:
"لأني أحتاج مساعدة."
سكت.
ثم قال:
"لا أصدقك."
نظرت إليه.
"ماذا؟"
"أصدق أنك جئت."
ثم أكمل:
"لكنني لا أعتقد أن هذه هي الإجابة الحقيقية."
قلت:
"وأنت تعرف الإجابة؟"
قال:
"لا."
صمت.
"لكنني أعتقد أنك تعرفها."
ولأول مرة منذ سنوات...
لم أجد سؤالاً جاهزاً أهرب به.
بقيت أنظر إلى أمين.
لم أحب طريقته.
ليس لأنه قال شيئاً خاطئاً.
بل لأنه كان يقترب من مكان حاولت سنوات طويلة أن أبقيه مغلقاً.
قال:
"أنت صامت."
قلت:
"أفكر."
ابتسم قليلاً.
"أعرف."
نظرت إليه.
"وهذا يعني؟"
"يعني أنك عندما تشعر بعدم الراحة، تنتقل مباشرة إلى التحليل."
رفعت حاجبي.
"وهذا عملي."
قال:
"في العيادة."
ثم أضاف:
"لكن هذه ليست عيادتك."
سكت.
كانت جملة بسيطة.
لكنها أصابت شيئاً بداخلي.
قال:
"دعني أسألك سؤالاً."
"تفضل."
"متى آخر مرة تحدثت عن نفسك بدون أن تحاول تفسير كل شيء؟"
لم أجب مباشرة.
قلت:
"أنا أفهم نفسي."
نظر إلي للحظات.
"هل سألتك إذا كنت تفهمها؟"
صمت.
"لا."
"إذن لماذا كانت هذه أول إجابة خرجت منك؟"
لم أجد جواباً.
لأنني كنت أعرف.
أنا لا أجيب دائماً.
أحياناً أنا أدافع.
قال:
"لماذا اخترت الطب النفسي؟"
أجبت بسرعة:
"لأنني أحب علم النفس."
بقي صامتاً.
قلت:
"ولأنني أحب مساعدة الناس."
ظل ينظر إلي.
قلت:
"ماذا؟"
قال:
"لا شيء."
"هناك شيء."
تنهد.
"أحياناً الإنسان يختار الإجابة التي تبدو صحيحة... قبل أن يواجه الإجابة الحقيقية."
نظرت إليه.
قلت:
"وماذا تعتقد أنها الإجابة الحقيقية؟"
قال:
"لا أعرف."
ثم أكمل:
"لكن أعتقد أنك لا تعالج الآخرين فقط."
سكت.
"أعتقد أنك تحاول إصلاح شيء في داخلك."
لم أحب هذه الجملة.
ليس لأنها خاطئة.
بل لأنها قريبة جداً.
قلت:
"هذا تفسير منك."
قال:
"نعم."
"وقد يكون خاطئاً."
"نعم."
استغربت هدوءه.
قلت:
"أنت لا تحاول إقناعي؟"
قال:
"لا."
"لماذا؟"
"لأن الهدف ليس أن أكون محقاً."
توقف.
"الهدف أن تفهم أنت."
سكتنا للحظات.
ثم قال:
"هناك شخص من الماضي."
لم أجب.
"شخص مرتبط عندك بشعور الفشل."
بقيت أنظر للنافذة.
قال:
"شخص تشعر أنك كان يجب أن تفعل أكثر."
تغير شيء بداخلي.
شيء صغير.
لكن أمين لاحظه.
قال:
"من هو؟"
لم أجب.
لثوانٍ طويلة.
كنت أعرف الاسم.
لكن نطقه كان يعني فتح باب حاولت إبقاءه مغلقاً.
قال أمين بهدوء:
"خذ وقتك."
أغمضت عيني للحظة.
ثم خرج الاسم بصوت منخفض.
"ديالا."
لم يتحرك أمين.
لم يقاطعني.
لم يسأل بسرعة.
فقط ترك الصمت يأخذ مكانه.
قال بعد لحظة:
"من هي ديالا؟"
نظرت إلى يدي.
"أختي."
"هل كانت قريبة منك؟"
ابتسمت ابتسامة حزينة.
"أكثر مما ينبغي."
قال:
"ماذا حدث؟"
بقيت صامتاً.
"لا يجب أن تحكي كل شيء اليوم."
قلت:
"المشكلة أنني قضيت سنوات أقول لنفسي إنني تجاوزت الأمر."
"وهل تجاوزته؟"
لم أجب.
وكانت الإجابة واضحة.
خرجت من عند أمين وأنا أشعر بشيء غريب.
لم أشعر بالراحة.
ولم أشعر أنني شُفيت.
لكنني شعرت بشيء لم أشعر به منذ وقت طويل.
أن هناك شخصاً رأى جزءاً مني...
ولم يحاول إصلاحه فوراً.
في اليوم التالي دخل ريان إلى العيادة.
جلس أمامي.
كان هادئاً أكثر من المرة السابقة.
قلت:
"كيف كان أسبوعك؟"
قال:
"أسوأ مما توقعت."
"لماذا؟"
ابتسم.
"لأنني حاولت أغير."
"وماذا حدث؟"
"اكتشفت أنني لا أستطيع إيقاف أفكاري."
قلت:
"لم أطلب منك إيقافها."
نظر إلي.
"إذن ماذا تريد؟"
قلت:
"أن تسمعها."
سكت.
قلت:
"الأفكار ليست دائماً أوامر يا ريان."
نظر إلي.
ثم قال:
"هل تفعل ذلك أنت؟"
"ماذا؟"
"تسمع أفكارك؟"
توقفت.
كان سؤالاً بسيطاً.
لكنني لم أستطع الإجابة كطبيب.
قلت:
"أحاول."
ابتسم قليلاً.
"حتى أنت؟"
أجبته:
"حتى أنا."
إلى كل من وصل إلى هذه الصفحة...قبل أن أكتب أي كلمة شكر، أريد أن أتوقف قليلًا وأقول لكم: شكرًاشكراً لأنكم لم تكونوا مجرد قرّاء لهذه الرواية، بل كنتم جزءًا من رحلتها.عندما بدأت كتابة "كلنا مجانين"، لم أكن أريد أن أكتب قصة عن الألم فقط، ولا عن المرض النفسي فقط، ولا عن شخص يحاول اكتشاف حقيقة مخفية. كنت أريد أن أكتب عن الإنسان نفسه... عن الجزء الذي نخفيه جميعًا، عن الأسئلة التي لا نجرؤ على طرحها، وعن المعارك التي تحدث داخلنا ولا يراها أحد غيرنا.ربما رأيتم في آدم شخصًا يبحث عن أخته، أو طبيبًا يحاول فهم الآخرين، أو إنسانًا يحمل ماضيًا أثقل من قدرته على الاحتمال. لكن بالنسبة لي، كان آدم أكثر من ذلك. كان يمثل كل شخص حاول أن يبدو قويًا أمام العالم، بينما كان يخوض معركة صامتة بداخله.شكرًا لأنكم منحتموه الوقت.شكرًا لأنكم استمعتم إلى صمته قبل كلماته، وفهمتم خوفه قبل أن يفهمه هو، وبقيتم معه حتى اللحظات التي لم يكن فيها الطريق سهلًا.أريد أن أشكركم أيضًا على كل تعليق، كل رأي، كل توقع، وكل لحظة شعرتم فيها أنكم اقتربتم من الشخصيات. ربما لا تعرفون قيمة كلماتكم، لكنها بالنسبة للكاتب تشبه الضوء الذ
مر وقت طويل منذ آخر مرة شعرت فيها بالهدوء.ليس الهدوء الذي يأتي عندما تختفي المشاكل.بل الهدوء الذي يأتي عندما تتوقف عن محاربتها.عدت إلى عملي.عدت إلى عيادتي.إلى المرضى الذين كنت أستمع إليهم كل يوم.لكن هذه المرة...كنت أستمع بطريقة مختلفة.في الماضي كنت أبحث عن نفسي في قصص الآخرين.كنت أظن أنني إذا فهمت الجميع...سأفهمني.لكنني اكتشفت شيئًا آخر.أحيانًا نعرف الطريق للآخرين...ونضيع عندما نصل إلى طريقنا.جلست خلف مكتبي.نظرت إلى الكرسي المقابل.المكان الذي جلس عليه أشخاص كثيرون.أشخاص يحملون خوفهم، ألمهم، وذكرياتهم.ابتسمت.لأنني فهمت أخيرًا.لم أكن مختلفًا عنهم.رن هاتفي.نظرت إلى الشاشة.كان أمين.أجبت."نعم؟"قال:"كيف حالك؟"نظرت حولي.فكرت قليلًا.ثم قلت:"أفضل."ضحك بخفة."هذه إجابة طبيب."ابتسمت."وأنت تريد إجابة المريض؟"سكت قليلًا.ثم قال:"نعم."نظرت إلى النافذة.قلت:"ما زلت أتذكر.""وما زلت أفتقدها."توقفت."لكنني لم أعد أعيش هناك."ساد الصمت.ثم قال أمين:"هذا يكفي."أغلقت الاتصال.وبقيت وحدي.لكن للمرة الأولى...لم أشعر أن الوحدة تعني الفراغ.كانت تعني السلام.في المسا
وقفت أمام باب غرفة ديالا.للحظة...شعرت أن السنوات لم تمر.كأنني ما زلت ذلك الشاب الذي وقف هنا قبل كل شيء.يداي مترددة.وقلبي يخبرني أنني إذا دخلت...لن أخرج بنفس الشخص.نظر إليّ أمين.قال بهدوء:"يمكننا العودة."نظرت إليه.ثم إلى الباب.قلت:"لا.""هربت بما يكفي."وضعت يدي على المقبض.وفتحته.كانت الغرفة كما هي.هادئة.مرتبة.كأن صاحبتها خرجت قبل دقائق وستعود.دخلت ببطء.رأيت الكتب على الرف.الكرسي قرب النافذة.والرسم القديم الذي كانت تحتفظ به على الجدار.ابتسمت بحزن."كانت تحب أن تضع الأشياء في أماكنها."قال أمين:"وأنت كنت دائمًا تضع الأشياء في أماكن خاطئة."نظرت إليه.ضحكت قليلًا."حتى الآن تنتقدني؟"ابتسم."خصوصًا الآن."لأول مرة منذ فترة طويلة...شعرت أنني طبيعي.اقتربت من مكتبها.كان هناك صندوق صغير.ليس مخفيًا.ولا مقفلًا.فقط...موضوع أمامي.فتحته.في داخله أشياء بسيطة.صورة لنا ونحن أطفال.سوار قديم.ورسم.أخذت الصورة.أنا وديالا.لكن هذه المرة لم أشعر بالألم فقط.شعرت بالدفء.قال أمين:"ماذا تشعر؟"فكرت قليلًا.قلت:"أنني كنت أتذكرها بطريقة خاطئة."نظر إليّ."كيف؟"أجبت:"ك
لم أنظر إلى الصورة مرة أخرى.ليس لأنني لم أُرد.بل لأنني شعرت أنني إذا نظرت إليها طويلًا...سأتذكر شيئًا لا أستطيع تحمله.أخذت الصورة معي.توجهت نحو أمين.لم أتكلم.وضعتها أمامه فقط.نظر إليها.ثم رفع عيني إليّ.قال:"بدأت تتذكر."قلت:"لا.""أنا لا أتذكر."سكت قليلًا.ثم أضفت:"لكنني أشعر أنني قريب."أومأ."وهذا طبيعي."قلت:"طبيعي؟"ابتسم بحزن."نعم.""لأن الذكريات لا تعود دائمًا كصور واضحة.""أحيانًا تعود كشعور."نظرت إلى الصورة."أنا خائف."لم يبدُ أمين متفاجئًا.قال:"من ماذا؟"أجبت:"من أن تكون الحقيقة أسوأ مما تخيلت."سكت.ثم قال:"آدم...""أنت طوال سنوات كنت تخاف من السؤال الخطأ."نظرت إليه."ما هو السؤال الخطأ؟"قال:"من السبب؟"صمت."كنت تبحث عن شخص تلومه.""ديالا.""والدك.""نفسك."توقف.ثم أكمل:"لكن ربما السؤال الأهم...""ماذا حدث فعلًا؟"أغمضت عيني.ولأول مرة...لم أحاول إجبار ذاكرتي على العودة.تركتها تأتي وحدها.رأيت الباب.غرفة ديالا.الليل.صوت المطر.كنت في السابعة عشرة.وقفت أمامها.كانت تجلس على الأرض.وبيدها ظرف.قلت:"ما هذا؟"رفعت رأسها.ابتسمت.لكنها كانت ابتس
لم أنم.ليس لأنني كنت خائفًا.بل لأنني كنت أفكر.هناك فرق كبير.الخوف يجعلك تهرب.أما التفكير...فيجعلك تبقى أمام الشيء الذي يؤلمك حتى تفهمه.وضعت الورقة أمامي."أخيرًا... سمعتني."ثماني كلمات فقط.لكنها كانت أثقل من أي رسالة قرأتها.رسائل والدي كانت عن الماضي.رسائل ديالا كانت عن أسرار لم أفهمها.أما هذه...فكانت عني.في الصباح، عدت إلى أمين.لم أنتظر موعدي.دخلت مكتبه.نظر إليّ.ولم يسأل لماذا جئت.كأنه كان يتوقع ذلك.قال:"تحدث."جلست.وضعت الورقة أمامه.نظر إليها.ثم أعادها لي.قلت:"لن تسألني ماذا حدث؟"قال:"لا."استغربت."لماذا؟"قال:"لأنك لم تأتِ لتخبرني بما حدث.""أتيت لأنك تريد أن تعرف لماذا حدث."سكتُّ.لأنه كان محقًا.قلت:"أريد أن أراه."نظر إليّ طويلًا."من؟"أجبته:"أنت تعرف."قال:"آدم..."قاطعته:"لا تقل لي إنه مجرد جزء مني.""أعرف ذلك.""لكنني أريد أن أفهم."تنهد.قال:"المشكلة أنك تتعامل معه كأنه شخص يجب أن تجده.""لكنه ليس في مكان آخر.""إنه موجود في الأماكن التي لا تنظر إليها."قلت:"وهل تحدثت معه من قبل؟"ساد الصمت.كان صمتًا قصيرًا.لكنه كان كافيًا.قلت:"أمين."
لم أنم جيدًا تلك الليلة.ليس بسبب الرسائل.ولا بسبب ديالا.بل بسبب شيء أسوأ...لأنني بدأت أشك في الشيء الوحيد الذي كنت أظنه ثابتًا.نفسي.في الصباح، وقفت أمام المرآة.نظرت إلى وجهي.لم أبحث عن شيء غريب.كنت فقط أحاول أن أطمئن نفسي.قلت:"أنت متعب."لكن صوتًا داخليًا أجابني:"أم أنك تحاول تصديق ذلك؟"تجمدت للحظة.ابتعدت عن المرآة.لم تكن المرة الأولى التي أتحدث فيها مع نفسي.الجميع يفعل ذلك.لكن المشكلة لم تكن في وجود الصوت...بل في أنني شعرت أحيانًا أنه لا يشبهني.وصلت إلى العيادة.كان أمين ينتظرني.نظر إليّ بمجرد دخولي.قال:"لم تنم."ابتسمت."أصبحت تكرر هذه الجملة كثيرًا."قال:"لأنك أصبحت تعطيني السبب لأكررها."جلست.لم أرد.فتح ملفه.ثم قال:"كيف حالك اليوم؟"أجبته تلقائيًا:"بخير."رفع عينيه عن الورق.فقط نظر إليّ.ذلك كان كافيًا.تنهدت.قلت:"لا أعرف."ابتسم قليلًا."هذه إجابة أفضل."قلت:"أفضل؟"قال:"نعم.""لأن الشخص الذي يقول لا أعرف...""ما زال يبحث.""أما الشخص الذي يصر على أنه بخير دائمًا...""فغالبًا توقف عن السؤال."سكتُّ.ثم قلت:"أمين.""نعم؟""هل تعتقد أن الإنسان يمكن