LOGINلم أحب فكرة العودة إلى عيادة أمين.
ليس لأن الجلسة الأولى كانت سيئة.
بالعكس.
كانت هادئة أكثر مما توقعت.
وهذا كان السبب.
أنا معتاد على الفوضى.
أعرف كيف أتعامل مع شخص يصرخ.
مع شخص يبكي.
مع شخص يرفض الاعتراف.
لكن الهدوء...
الهدوء يجبرك على سماع الأشياء التي تحاول تجاهلها.
وصلت قبل الموعد بخمس دقائق.
لم أكن متأخراً.
لكنني أيضاً لم أصل مبكراً كما أفعل في عيادتي.
لاحظت ذلك.
وكرهت أنني لاحظته.
طرقت الباب.
"تفضل."
دخلت.
كان أمين يجلس في نفس المكان.
نفس الهدوء.
نفس النظرة التي تشعرك أنه لا يحاول قراءة أفكارك، لكنه ينتبه لكل شيء.
جلست.
قال:
"كيف كان أسبوعك؟"
قلت:
"عادياً."
لم يكتب شيئاً.
فقط نظر إلي.
قلت:
"ماذا؟"
قال:
"لا شيء."
"أنت تفعلها."
"ماذا أفعل؟"
"تنتظرني حتى أشرح."
ابتسم قليلاً.
"وأنت تفعل شيئاً آخر."
"ماذا؟"
"تحاول معرفة ما أريد سماعه."
سكت.
لأنني لم أستطع إنكارها.
قال:
"كيف كان شعورك بعد الجلسة السابقة؟"
قلت:
"فكرت كثيراً."
"بماذا؟"
"بديالا."
هذه المرة لم يكن الاسم ثقيلاً مثل المرة السابقة.
لكنه لم يكن سهلاً أيضاً.
قال:
"ماذا فكرت؟"
نظرت إلى يدي.
"أنني لا أعرف إذا كنت أفتقدها... أم أفتقد الشخص الذي كنت عليه عندما كانت موجودة."
بقي أمين صامتاً.
قلت:
"ألا تريد أن تقول شيئاً؟"
قال:
"لا."
استغربت.
"لماذا؟"
"لأنك قلت شيئاً مهماً."
"و؟"
"أريدك أن تسمعه."
نظرت إليه.
قال:
"أحياناً لا نشتاق للأشخاص فقط."
توقف.
"نشتاق للنسخة من أنفسنا التي كانت موجودة معهم."
بقيت ساكتاً.
لأن الجملة أصابت شيئاً لم أكن أريد لمسه.
قال:
"ماذا كانت ديالا بالنسبة لك؟"
أجبت بسرعة:
"أختي."
قال:
"هذا وصف."
"وهي فعلاً أختي."
"لم أسأل عن علاقتها بك."
صمت.
ثم قال:
"سألت ماذا كانت تمثل لك."
نظرت إلى النافذة.
لم أعرف لماذا كان هذا السؤال أصعب من الحديث عن غيابها.
قلت:
"كانت الشخص الوحيد الذي لم أحتاج أن أشرح له نفسي."
قال:
"والآن؟"
"الآن الجميع يريدون مني تفسير كل شيء."
"وأنت؟"
نظرت إليه.
"أنا أفسر كل شيء."
ابتسم ابتسامة صغيرة.
"لاحظت."
قلت:
"هل هذه مشكلة؟"
قال:
"ليست مشكلة أن تفهم."
توقف.
"المشكلة عندما تستخدم الفهم للهروب من الشعور."
كرهت أنني فهمت قصده.
قال:
"هل تشعر بالذنب؟"
لم أجب.
لم أحتج.
لأن الصمت كان جواباً.
قال:
"آدم."
نظرت إليه.
"الذنب شعور معقد."
قلت:
"أنا أعرف."
"أعرف أنك تعرف."
ثم أكمل:
"لكن معرفة اسم الشعور لا تعني أنك عشته."
بقيت ساكتاً.
لأول مرة منذ سنوات شعرت أن علمي لا يساعدني.
بل يجعل الأمر أصعب.
لأنني أعرف كل الطرق التي يمكن للإنسان أن يهرب بها.
وأنا أستخدمها كلها.
بعد انتهاء الجلسة خرجت من عند أمين.
في الطريق إلى العيادة، لم أفكر بديالا فقط.
فكرت بجملة قالها:
"تستخدم الفهم للهروب من الشعور."
كرهت الاعتراف بذلك.
لكن ربما كنت أفعل.
عندما وصلت العيادة، كانت روبي تنتظر.
كانت جالسة في الخارج.
تمسك كوب قهوة لم تشرب منه شيئاً.
نظرت إليها.
ثم إلى الكوب.
قالت عندما رأتني:
"آسفة، وصلت قبل الموعد."
قلت:
"لا مشكلة، تفضلي."
دخلت.
جلست.
لكنها لم تنظر إلي.
قالت:
"دكتور..."
"نعم؟"
"هل سبق وشعرت أنك موجود... لكنك لست موجوداً فعلاً؟"
توقفت.
سؤالها كان غريباً.
ليس لأنه غير مألوف.
بل لأنه جاء مباشرة.
قلت:
"ماذا تقصدين؟"
نظرت للكوب في يدها.
"كأنك تعيش يومك."
سكتت.
"تتكلم."
"تضحك."
"تعمل."
ثم رفعت عينيها.
"لكن داخلك بعيد."
لم أجب فوراً.
لأنني عرفت الشعور.
لكنني لم أسمح لنفسي أن أقول ذلك.
قلت:
"منذ متى تشعرين بهذا؟"
قالت:
"لا أعرف."
"حاولي التذكر."
ابتسمت بحزن.
"حتى هذا لا أعرفه."
وضعت الكوب على الطاولة.
قالت:
"الجميع يقولون إنني محظوظة."
"لماذا؟"
"لأن حياتي جيدة."
"هل هي كذلك؟"
سكتت.
ثم قالت:
"هذه المشكلة."
نظرت إليها.
قالت:
"ليس لدي سبب واضح لأكون حزينة."
بقيت أنظر إلى روبي.
هذه الجملة تحديداً أسمعها كثيراً.
"ليس لدي سبب."
كأن الألم يحتاج تصريحاً.
كأن الإنسان لا يحق له أن يتعب إلا إذا امتلك قصة كبيرة بما يكفي لتبرير تعبه.
قلت:
"هل تعتقدين أن الحزن يحتاج سبباً واضحاً حتى يكون حقيقياً؟"
نظرت إلي.
"أليس كذلك؟"
"لا."
تفاجأت.
"لا؟"
"أحياناً يكون الشعور موجوداً قبل أن نفهم سببه."
سكتت.
قلت:
"مثل الألم الجسدي. أحياناً نشعر بشيء قبل أن نعرف التشخيص."
قالت:
"لكن هذا يخيفني."
"لماذا؟"
"لأنني إذا لم أعرف السبب... كيف سأصلحه؟"
هذه كانت الجملة الحقيقية.
ليست:
"أنا حزينة."بل:
"أنا خائفة لأنني لا أعرف كيف أوقف هذا."قلت:
"من قال إن كل شيء يجب إصلاحه فوراً؟"
نظرت إلي باستغراب.
"أنت طبيب نفسي وتقول هذا؟"
ابتسمت قليلاً.
"نعم."
"أليس دورك أن تجعل الناس أفضل؟"
فكرت للحظة.
ثم قلت:
"دوري أن أساعدهم يفهمون أنفسهم."
"وليس تغييرهم؟"
"لا أحد يستطيع تغيير شخص آخر."
بقيت تنظر إلي.
ثم قالت:
"غريب."
"ما هو؟"
"كنت أتوقع أن تكون لديك إجابات جاهزة."
"ولماذا؟"
"لأنك طبيب."
ابتسمت.
"هذه فكرة منتشرة."
"وهي خاطئة؟"
"الطبيب لا يملك كل الإجابات."
سكت قليلاً.
"هو فقط يتعلم كيف يطرح الأسئلة المناسبة."
نظرت روبي إلى الأرض.
قالت:
"أنا لا أعرف ما الذي يحدث لي."
"ماذا تشعرين؟"
أخذت نفساً.
"فراغ."
"كيف تصفينه؟"
فكرت.
"كأنني أشاهد حياتي من الخارج."
كتبت ملاحظة.
ثم سألت:
"هل تشعرين أنك منفصلة عن نفسك؟"
رفعت رأسها.
"نعم."
"هل يحدث طوال الوقت؟"
"لا."
"متى يحدث أكثر؟"
سكتت.
"عندما أكون وحدي."
سألت:
"ماذا تفعلين عندما يحدث؟"
قالت:
"أحاول أن أشغل نفسي."
"كيف؟"
"أي شيء."
"مثل؟"
"أعمل."
"أخرج."
"أتحدث مع الناس."
"لكن الشعور يبقى؟"
هزت رأسها.
"نعم."
كان هناك شيء في طريقة كلامها.
لم تكن تبحث عن اهتمام.
ولم تكن تحاول المبالغة.
كانت فقط تحاول وصف شيء لا تعرف كيف تصفه.
وهذا من أصعب الأشياء.
أن تحاول شرح ألم لا يملك اسماً.
قلت:
"روبي، أريد منك شيئاً."
نظرت إلي.
"ما هو؟"
"في هذا الأسبوع لا تحاولي التخلص من الشعور عندما يأتي."
قطبت حاجبيها.
"ماذا؟"
"فقط لاحظيه."
"يعني أتركه؟"
"لا."
توقفت.
"يعني لا تهربي منه فوراً."
ضحكت قليلاً.
"أنت تطلب مني شيئاً صعباً."
"أعرف."
"لماذا؟"
نظرت إليها.
"لأنني أعرف أن الهروب أحياناً يصبح عادة."
توقفت.
لم يكن يجب أن أقولها بهذه الطريقة.
كانت جملة عامة.
لكنني شعرت للحظة أنها لم تكن موجهة لها فقط.
انتهت الجلسة.
وقفت روبي عند الباب.
ثم قالت:
"دكتور آدم؟"
"نعم؟"
"هل تعتقد أن الإنسان ممكن يعيش سنوات وهو لا يعرف نفسه؟"
سؤالها بقي في الهواء.
أجبت:
"نعم."
"وهل يمكن أن يعرف نفسه بعد ذلك؟"
نظرت إليها.
"نعم."
ابتسمت قليلاً.
"أنت متأكد؟"
سكت لحظة.
ثم قلت:
"لا."
اختفت ابتسامتها قليلاً.
قلت:
"لكنني أعتقد أن المحاولة أفضل من الهروب."
خرجت.
وأغلقت الباب.
بقيت وحدي.
نظرت إلى الكرسي الذي كانت تجلس عليه.
ثم إلى الكرسي الآخر.
كرسي أمين.
ضحكت بسخرية.
حتى وأنا في عيادتي...
بدأت أرى نفسي في مرضاي.
في تلك الليلة، فتحت دفتر الملاحظات.
كتبت عن روبي.
ثم توقفت.
لم أكتب عن حالتها.
كتبت جملة واحدة:
"بعض الناس لا يعانون لأنهم لا يملكون شيئاً... بل لأنهم فقدوا الإحساس بما يملكونه."
نظرت إلى الجملة.
ثم أغلقت الدفتر.
في منتصف الليل، جاء الحلم مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم أكن في الممر.
كنت في العيادة.
كنت جالساً خلف مكتبي.
والكرسي المقابل كان فارغاً.
سمعت صوتاً.
"دكتور آدم."
رفعت رأسي.
لم يكن هناك أحد.
"من هناك؟"
جاء الصوت مرة أخرى.
"أنت تسمع الجميع..."
سكت.
"لكن متى ستسمع نفسك؟"
استيقظت.
جلست على السرير.
قلبي ينبض بسرعة.
نظرت حولي.
الغرفة فارغة.
لكن السؤال بقي.
ليس في الحلم.
في داخلي.
في الصباح وصلت إلى العيادة.
وجدت رسالة على مكتبي.
من أمين.
رسالة قصيرة.
قرأتها.
"الجلسة القادمة أريد منك ألا تأتي كطبيب."
بقيت أنظر إلى الورقة.
ثم قلبتها.
كان هناك سطر آخر:
"حاول أن تأتي كشخص لا يعرف الإجابة."
وضعت الورقة جانباً.
ولأول مرة منذ سنوات...
شعرت بالخوف من الجلسة القادمة.
ليس لأن أمين سيعرف شيئاً.
بل لأنني قد أعرف شيئاً عن نفسي.
إلى كل من وصل إلى هذه الصفحة...قبل أن أكتب أي كلمة شكر، أريد أن أتوقف قليلًا وأقول لكم: شكرًاشكراً لأنكم لم تكونوا مجرد قرّاء لهذه الرواية، بل كنتم جزءًا من رحلتها.عندما بدأت كتابة "كلنا مجانين"، لم أكن أريد أن أكتب قصة عن الألم فقط، ولا عن المرض النفسي فقط، ولا عن شخص يحاول اكتشاف حقيقة مخفية. كنت أريد أن أكتب عن الإنسان نفسه... عن الجزء الذي نخفيه جميعًا، عن الأسئلة التي لا نجرؤ على طرحها، وعن المعارك التي تحدث داخلنا ولا يراها أحد غيرنا.ربما رأيتم في آدم شخصًا يبحث عن أخته، أو طبيبًا يحاول فهم الآخرين، أو إنسانًا يحمل ماضيًا أثقل من قدرته على الاحتمال. لكن بالنسبة لي، كان آدم أكثر من ذلك. كان يمثل كل شخص حاول أن يبدو قويًا أمام العالم، بينما كان يخوض معركة صامتة بداخله.شكرًا لأنكم منحتموه الوقت.شكرًا لأنكم استمعتم إلى صمته قبل كلماته، وفهمتم خوفه قبل أن يفهمه هو، وبقيتم معه حتى اللحظات التي لم يكن فيها الطريق سهلًا.أريد أن أشكركم أيضًا على كل تعليق، كل رأي، كل توقع، وكل لحظة شعرتم فيها أنكم اقتربتم من الشخصيات. ربما لا تعرفون قيمة كلماتكم، لكنها بالنسبة للكاتب تشبه الضوء الذ
مر وقت طويل منذ آخر مرة شعرت فيها بالهدوء.ليس الهدوء الذي يأتي عندما تختفي المشاكل.بل الهدوء الذي يأتي عندما تتوقف عن محاربتها.عدت إلى عملي.عدت إلى عيادتي.إلى المرضى الذين كنت أستمع إليهم كل يوم.لكن هذه المرة...كنت أستمع بطريقة مختلفة.في الماضي كنت أبحث عن نفسي في قصص الآخرين.كنت أظن أنني إذا فهمت الجميع...سأفهمني.لكنني اكتشفت شيئًا آخر.أحيانًا نعرف الطريق للآخرين...ونضيع عندما نصل إلى طريقنا.جلست خلف مكتبي.نظرت إلى الكرسي المقابل.المكان الذي جلس عليه أشخاص كثيرون.أشخاص يحملون خوفهم، ألمهم، وذكرياتهم.ابتسمت.لأنني فهمت أخيرًا.لم أكن مختلفًا عنهم.رن هاتفي.نظرت إلى الشاشة.كان أمين.أجبت."نعم؟"قال:"كيف حالك؟"نظرت حولي.فكرت قليلًا.ثم قلت:"أفضل."ضحك بخفة."هذه إجابة طبيب."ابتسمت."وأنت تريد إجابة المريض؟"سكت قليلًا.ثم قال:"نعم."نظرت إلى النافذة.قلت:"ما زلت أتذكر.""وما زلت أفتقدها."توقفت."لكنني لم أعد أعيش هناك."ساد الصمت.ثم قال أمين:"هذا يكفي."أغلقت الاتصال.وبقيت وحدي.لكن للمرة الأولى...لم أشعر أن الوحدة تعني الفراغ.كانت تعني السلام.في المسا
وقفت أمام باب غرفة ديالا.للحظة...شعرت أن السنوات لم تمر.كأنني ما زلت ذلك الشاب الذي وقف هنا قبل كل شيء.يداي مترددة.وقلبي يخبرني أنني إذا دخلت...لن أخرج بنفس الشخص.نظر إليّ أمين.قال بهدوء:"يمكننا العودة."نظرت إليه.ثم إلى الباب.قلت:"لا.""هربت بما يكفي."وضعت يدي على المقبض.وفتحته.كانت الغرفة كما هي.هادئة.مرتبة.كأن صاحبتها خرجت قبل دقائق وستعود.دخلت ببطء.رأيت الكتب على الرف.الكرسي قرب النافذة.والرسم القديم الذي كانت تحتفظ به على الجدار.ابتسمت بحزن."كانت تحب أن تضع الأشياء في أماكنها."قال أمين:"وأنت كنت دائمًا تضع الأشياء في أماكن خاطئة."نظرت إليه.ضحكت قليلًا."حتى الآن تنتقدني؟"ابتسم."خصوصًا الآن."لأول مرة منذ فترة طويلة...شعرت أنني طبيعي.اقتربت من مكتبها.كان هناك صندوق صغير.ليس مخفيًا.ولا مقفلًا.فقط...موضوع أمامي.فتحته.في داخله أشياء بسيطة.صورة لنا ونحن أطفال.سوار قديم.ورسم.أخذت الصورة.أنا وديالا.لكن هذه المرة لم أشعر بالألم فقط.شعرت بالدفء.قال أمين:"ماذا تشعر؟"فكرت قليلًا.قلت:"أنني كنت أتذكرها بطريقة خاطئة."نظر إليّ."كيف؟"أجبت:"ك
لم أنظر إلى الصورة مرة أخرى.ليس لأنني لم أُرد.بل لأنني شعرت أنني إذا نظرت إليها طويلًا...سأتذكر شيئًا لا أستطيع تحمله.أخذت الصورة معي.توجهت نحو أمين.لم أتكلم.وضعتها أمامه فقط.نظر إليها.ثم رفع عيني إليّ.قال:"بدأت تتذكر."قلت:"لا.""أنا لا أتذكر."سكت قليلًا.ثم أضفت:"لكنني أشعر أنني قريب."أومأ."وهذا طبيعي."قلت:"طبيعي؟"ابتسم بحزن."نعم.""لأن الذكريات لا تعود دائمًا كصور واضحة.""أحيانًا تعود كشعور."نظرت إلى الصورة."أنا خائف."لم يبدُ أمين متفاجئًا.قال:"من ماذا؟"أجبت:"من أن تكون الحقيقة أسوأ مما تخيلت."سكت.ثم قال:"آدم...""أنت طوال سنوات كنت تخاف من السؤال الخطأ."نظرت إليه."ما هو السؤال الخطأ؟"قال:"من السبب؟"صمت."كنت تبحث عن شخص تلومه.""ديالا.""والدك.""نفسك."توقف.ثم أكمل:"لكن ربما السؤال الأهم...""ماذا حدث فعلًا؟"أغمضت عيني.ولأول مرة...لم أحاول إجبار ذاكرتي على العودة.تركتها تأتي وحدها.رأيت الباب.غرفة ديالا.الليل.صوت المطر.كنت في السابعة عشرة.وقفت أمامها.كانت تجلس على الأرض.وبيدها ظرف.قلت:"ما هذا؟"رفعت رأسها.ابتسمت.لكنها كانت ابتس
لم أنم.ليس لأنني كنت خائفًا.بل لأنني كنت أفكر.هناك فرق كبير.الخوف يجعلك تهرب.أما التفكير...فيجعلك تبقى أمام الشيء الذي يؤلمك حتى تفهمه.وضعت الورقة أمامي."أخيرًا... سمعتني."ثماني كلمات فقط.لكنها كانت أثقل من أي رسالة قرأتها.رسائل والدي كانت عن الماضي.رسائل ديالا كانت عن أسرار لم أفهمها.أما هذه...فكانت عني.في الصباح، عدت إلى أمين.لم أنتظر موعدي.دخلت مكتبه.نظر إليّ.ولم يسأل لماذا جئت.كأنه كان يتوقع ذلك.قال:"تحدث."جلست.وضعت الورقة أمامه.نظر إليها.ثم أعادها لي.قلت:"لن تسألني ماذا حدث؟"قال:"لا."استغربت."لماذا؟"قال:"لأنك لم تأتِ لتخبرني بما حدث.""أتيت لأنك تريد أن تعرف لماذا حدث."سكتُّ.لأنه كان محقًا.قلت:"أريد أن أراه."نظر إليّ طويلًا."من؟"أجبته:"أنت تعرف."قال:"آدم..."قاطعته:"لا تقل لي إنه مجرد جزء مني.""أعرف ذلك.""لكنني أريد أن أفهم."تنهد.قال:"المشكلة أنك تتعامل معه كأنه شخص يجب أن تجده.""لكنه ليس في مكان آخر.""إنه موجود في الأماكن التي لا تنظر إليها."قلت:"وهل تحدثت معه من قبل؟"ساد الصمت.كان صمتًا قصيرًا.لكنه كان كافيًا.قلت:"أمين."
لم أنم جيدًا تلك الليلة.ليس بسبب الرسائل.ولا بسبب ديالا.بل بسبب شيء أسوأ...لأنني بدأت أشك في الشيء الوحيد الذي كنت أظنه ثابتًا.نفسي.في الصباح، وقفت أمام المرآة.نظرت إلى وجهي.لم أبحث عن شيء غريب.كنت فقط أحاول أن أطمئن نفسي.قلت:"أنت متعب."لكن صوتًا داخليًا أجابني:"أم أنك تحاول تصديق ذلك؟"تجمدت للحظة.ابتعدت عن المرآة.لم تكن المرة الأولى التي أتحدث فيها مع نفسي.الجميع يفعل ذلك.لكن المشكلة لم تكن في وجود الصوت...بل في أنني شعرت أحيانًا أنه لا يشبهني.وصلت إلى العيادة.كان أمين ينتظرني.نظر إليّ بمجرد دخولي.قال:"لم تنم."ابتسمت."أصبحت تكرر هذه الجملة كثيرًا."قال:"لأنك أصبحت تعطيني السبب لأكررها."جلست.لم أرد.فتح ملفه.ثم قال:"كيف حالك اليوم؟"أجبته تلقائيًا:"بخير."رفع عينيه عن الورق.فقط نظر إليّ.ذلك كان كافيًا.تنهدت.قلت:"لا أعرف."ابتسم قليلًا."هذه إجابة أفضل."قلت:"أفضل؟"قال:"نعم.""لأن الشخص الذي يقول لا أعرف...""ما زال يبحث.""أما الشخص الذي يصر على أنه بخير دائمًا...""فغالبًا توقف عن السؤال."سكتُّ.ثم قلت:"أمين.""نعم؟""هل تعتقد أن الإنسان يمكن