Masukلم تعجبني رسالة أمين.
ليس لأنها كانت قاسية.
بل لأنها كانت بسيطة.
أحياناً الجمل البسيطة تكون أخطر من الطويلة.
"حاول أن تأتي كشخص لا يعرف الإجابة."
كنت أقولها لمرضاي بطريقة مختلفة.
لكن عندما قيلت لي...
بدت مختلفة.
في ذلك اليوم، دخلت العيادة كالمعتاد.
المكان نفسه.
الكرسي نفسه.
المكتب نفسه.
لكن شيئاً صغيراً تغير.
كنت أنظر إلى الغرفة كأنني أراها للمرة الأولى.
هذه الغرفة التي قضيت فيها سنوات أطلب من الناس أن يكونوا صادقين مع أنفسهم.
كم مرة جلست فيها وأنا غير صادق مع نفسي؟
دخلت السكرتيرة.
قالت:
"دكتور آدم، لديك اتصال."
"من؟"
نظرت إلى الورقة.
"لا أعرف، لم يترك اسمه."
قلت:
"حسناً، سأرد لاحقاً."
خرجت.
بقيت أنظر إلى الهاتف.
جزء مني كان يعرف من قد يكون.
لكنني لم أرد أن أعرف.
دخل أول مريض.
ثم الثاني.
ثم الثالث.
عملت.
استمعت.
سألت.
ساعدت.
كنت آدم الذي يعرف ماذا يفعل.
على الأقل أمام الآخرين.
لكن داخلي كان ينتظر الجلسة القادمة.
جلسة أمين.
بعد انتهاء الدوام ذهبت إليه.
هذه المرة لم أحضر أسئلة في رأسي.
لم أحاول توقع ماذا سيسأل.
حاولت.
لكنني فشلت.
وصلت.
طرقت الباب.
"تفضل."
دخلت وجلست.
نظر إلي أمين.
ثم قال:
"كيف حالك؟"
أجبت:
"جيد."
بقي صامتاً.
نظرت إليه.
"ماذا؟"
قال:
"هذه ليست إجابة."
ابتسمت قليلاً.
"بل هي إجابة."
"هي كلمة."
سكت.
"هناك فرق."
نظرت إلى الأرض.
قلت:
"أنا متعب."
قال:
"أفضل."
رفعت عيني.
"أفضل؟"
"نعم."
"لأنني قلت إنني متعب؟"
"لأنك لم تحاول تجميلها."
كرهت اعترافه.
لأنه كان صحيحاً.
قال:
"كيف كان الأسبوع؟"
قلت:
"عملت."
"هذا ليس ما سألت."
صمت.
ثم قلت:
"تعاملت مع المرضى."
"وهذا ليس ما سألت."
نظرت إليه.
قال:
"ماذا شعرت؟"
سؤال بسيط.
لكنه كان أصعب من كل أسئلة التشخيص.
قلت:
"شعرت..."
وتوقفت.
لم أعرف ماذا أقول.
قال أمين:
"لاحظت؟"
"ماذا؟"
"أنك تستطيع وصف مشاعر الآخرين بسهولة."
سكت.
"لكن عندما يتعلق الأمر بك، تتوقف."
قلت:
"أنا لا أتوقف."
قال:
"إذن أكمل الجملة."
نظرت إليه.
"أي جملة؟"
"شعرت..."
فتحت فمي.
ثم أغلقته.
هذا كان سخيفاً.
أنا أعرف آلاف الكلمات.
أعرف أسماء المشاعر.
لكن في تلك اللحظة...
لم أجد كلمة واحدة.
قال أمين:
"هل تعرف لماذا يحدث هذا؟"
قلت:
"لأنني لا أحب الحديث عن نفسي."
قال:
"لا."
سكت.
"لأنك تعلمت أن تكون الشخص الذي يحمل."
بقيت صامتاً.
قال:
"آدم، ماذا يحدث للشخص الذي يحمل الجميع طوال الوقت؟"
قلت:
"يتعب."
"وماذا يفعل عندما يتعب؟"
نظرت إليه.
لم أجب.
قال:
"غالباً يبحث عن شخص آخر يحمله."
لم أحب الفكرة.
لكنها بقيت معي.
قال:
"أريد أن أسألك عن ديالا."
تغير شيء داخلي.
لكني لم أهرب هذه المرة.
قلت:
"اسأل."
"متى كانت آخر مرة رأيتها؟"
صمت.
ثم قلت:
"منذ سنوات."
"آخر حديث بينكما؟"
نظرت إلى يدي.
"لا أتذكر."
نظر إلي.
"لا تتذكر؟"
قلت:
"أو ربما لا أريد أن أتذكر."
سكت أمين.
ثم قال:
"هذه إجابة مختلفة."
"عن ماذا؟"
"عن المرة الأولى."
نظرت إليه.
قال:
"في البداية قلت إنك تجاوزت."
صمت.
"الآن تقول إنك لا تريد التذكر."
لم أعرف ماذا أقول.
لأنني كنت أعرف الفرق.
الذي يتجاوز شيئاً لا يخاف الاقتراب منه.
أما أنا...
فكنت أقف أمام الباب فقط.
ولا أفتحه.
بقيت أنظر إلى أمين.
لم أسأله كيف عرف.
لأنني بدأت أفهم طريقته.
هو لا يبحث عن الإجابات الجاهزة.
هو ينتظر اللحظة التي أهرب فيها.
ثم ينظر إلى مكان الهروب.
قال:
"ماذا تشعر عندما تفكر بديالا؟"
أجبت بسرعة:
"الحزن."
رفع حاجبه قليلاً.
"سريع."
"ماذا تقصد؟"
"أجبت باسم الشعور قبل أن تشعر به."
سكت.
قال:
"حاول مرة أخرى."
نظرت إليه.
"ماذا تريد مني؟"
"لا أريد شيئاً."
توقف.
"أنا أسألك فقط."
أغمضت عيني للحظة.
وحاولت.
ليس كطبيب.
كإنسان.
قلت:
"أشعر..."
توقفت.
ثم قلت:
"بالعجز."
لم يكتب.
لم يعلق.
فقط قال:
"كمل."
أخذت نفساً.
"كأنني كنت أملك فرصة لفعل شيء... ولم أفعل."
ساد الصمت.
لكن هذه المرة لم يكن صمتاً فارغاً.
كان ممتلئاً بشيء قديم.
قال:
"هل تعتقد أنك كنت مسؤولاً عنها؟"
أجبت:
"كنت أخاها."
قال:
"هذا ليس جواباً."
نظرت إليه.
"كيف ليس جواباً؟"
"لأن كونك أخاها لا يعني أنك كنت تملك السيطرة على كل شيء حدث لها."
شعرت بانزعاج.
قلت:
"أنت لا تعرف ما حدث."
"صحيح."
"إذن لا تحكم."
"أنا لا أحكم."
قالها بهدوء.
"أنا فقط ألاحظ أنك تعاقب نفسك منذ سنوات على شيء لم تتحدث عنه."
سكت.
لأنني لم أستطع إنكار ذلك.
قال:
"أريد منك تمريناً."
ابتسمت قليلاً.
"تمرين؟"
"نعم."
"أنا أعرف هذه الأشياء."
"أعرف."
"إذن تعرف أنني لن أقتنع بالتمارين السهلة."
قال:
"أنا لا أطلب منك الاقتناع."
"ماذا تطلب؟"
"أن تجرب."
نظرت إليه.
قال:
"عندما تأتيك ذكرى عن ديالا، لا تسأل نفسك: لماذا حدث هذا؟"
"وماذا أسأل؟"
"اسأل: ماذا أشعر الآن؟"
ابتسمت بسخرية.
"هذا بسيط جداً."
قال:
"أحياناً أبسط الأشياء هي التي نهرب منها."
انتهت الجلسة.
وقفت.
قبل أن أخرج قال:
"آدم."
التفت.
قال:
"لا تحاول أن تكون طبيباً طوال الوقت."
بقيت أنظر إليه.
"ماذا أكون إذاً؟"
أجاب:
"إنساناً."
خرجت.
ولأول مرة شعرت أن كلمة "إنسان" ليست شيئاً أقل من الطبيب.
بل شيئاً كنت أنساه.
في اليوم التالي دخلت العيادة.
كانت روبي تنتظر.
دخلت وجلست.
هذه المرة لم تحمل كوب القهوة.
قلت:
"كيف حالك؟"
ابتسمت قليلاً.
"أنت دائماً تبدأ بهذا السؤال."
"لأنه مهم."
"حتى لو كنت تعرف أنني سأقول بخير؟"
قلت:
"خصوصاً وقتها."
نظرت إلي.
"لماذا؟"
"لأن بعض الناس يقولون بخير لأنهم بخير."
توقفت.
"وبعضهم يقولونها لأنهم لا يعرفون ماذا يقولون غيرها."
سكتت.
ثم قالت:
"أعتقد أنني من النوع الثاني."
قلت:
"ماذا حدث هذا الأسبوع؟"
قالت:
"حاولت ألا أهرب."
"وكيف كان؟"
ضحكت قليلاً.
"سيئاً."
"لماذا؟"
"لأنني اكتشفت أن هناك أشياء أحاول الهروب منها طوال الوقت."
قلت:
"مثل ماذا؟"
نظرت إلى النافذة.
"الوحدة."
"هل تخافين من الوحدة؟"
"لا."
ثم سكتت.
"أخاف مما أفكر به عندما أكون وحدي."
كانت جملة مهمة.
قلت:
"ما الذي تفكرين به؟"
ترددت.
ثم قالت:
"أنني لا أعرف إذا كنت أحب حياتي فعلاً."
لم أتحرك.
لكنني ركزت أكثر.
ليس خوفاً.
بل اهتماماً.
قلت:
"ماذا يعني ذلك؟"
قالت:
"لا أفكر بالموت."
ثم أضافت بسرعة:
"قبل أن تسأل."
أومأت.
"لكن؟"
نظرت إلي.
"لكنني لا أشعر أنني موجودة."
سجلت الملاحظة.
لكنني لم أتعامل معها كمعلومة.
تعاملت معها كإنسان أمامي.
قلت:
"روبي، عندما تقولين إنك لا تشعرين أنك موجودة..."
توقفت.
"هل تقصدين أنك تشعرين أنك منفصلة عن نفسك؟"
هزت رأسها.
"نعم."
"مثل أنك تشاهدين شخصاً آخر يعيش حياتك؟"
اتسعت عيناها قليلاً.
"بالضبط."
قلت:
"هل هذا يحدث عندما تكونين تحت ضغط؟"
فكرت.
"نعم."
"أو عندما تشعرين بشيء قوي؟"
"نعم."
بقيت صامتاً قليلاً.
ثم سألت:
"روبي، متى بدأت أول مرة؟"
لم تجب.
وهذه المرة كان صمتها مختلفاً.
كان هناك شيء خلفه.
شيء لم يصل بعد.
بقيت روبي صامتة.
لم أستعجلها.
تعلمت مع الوقت أن بعض الأسئلة لا تحتاج إجابة سريعة.
أحياناً الصمت هو المكان الذي تبدأ فيه الإجابة بالظهور.
قالت بعد وقت:
"لا أذكر."
قلت:
"لا تذكري ماذا؟"
"متى بدأ."
نظرت إليها.
"هل لا تذكرين فعلاً؟"
هزت رأسها.
"أحاول."
سكتت.
"لكن كلما حاولت، أشعر أنني أضيع أكثر."
لاحظت تغير نبرة صوتها.
لم تكن خائفة من السؤال.
كانت خائفة من الاقتراب من الإجابة.
قلت:
"لا نحتاج أن نصل لها اليوم."
نظرت إلي.
"لكن أليس هذا سبب وجودي هنا؟"
"وجودك هنا ليس فقط لمعرفة البداية."
"إذن لماذا؟"
قلت:
"لفهم ما يحدث الآن."
بقيت تنظر إلي.
قالت:
"هل تعتقد أنني أهرب من شيء؟"
"ماذا تعتقدين أنتِ؟"
تنهدت.
"أكره عندما تجيبني بسؤال."
ابتسمت قليلاً.
"وأنا أكره عندما يعتقد الناس أن الأسئلة لا تعتبر إجابات."
ضحكت للمرة الأولى.
كانت ضحكة قصيرة.
لكنها حقيقية.
قالت:
"أنت مختلف عن الصورة التي كنت أتخيلها عن الطبيب النفسي."
"كيف؟"
"كنت أظن أنك ستقول لي ماذا أفعل."
قلت:
"ولو قلت لك؟"
"كنت سأشعر بالراحة."
"ولمدة كم؟"
سكتت.
ثم قالت:
"لا أعرف."
أومأت.
"وهذا هو السبب."
"أي سبب؟"
"أن الحلول الجاهزة قد تجعلنا نشعر بالراحة مؤقتاً، لكنها لا تجعلنا نفهم أنفسنا."
نظرت روبي إلى يدي.
ثم قالت:
"هل أنت دائماً هكذا؟"
"كيف؟"
"هادئ."
فكرت.
السؤال بدا بسيطاً.
لكنني عرفت أنها لا تسأل عن الهدوء.
كانت تسأل إذا كان ما تراه حقيقياً.
قلت:
"لا."
تفاجأت.
"لا؟"
"أنا فقط تعلمت كيف أبدو هادئاً."
سكتت.
ثم سألت:
"وما الفرق؟"
نظرت إليها.
"أن تبدو بخير... وأن تكون بخير."
تغير وجهها قليلاً.
كأن الجملة لمست شيئاً.
قالت:
"أعتقد أنني أجيد الأولى."
قلت:
"وأنا أعتقد أن معظم الناس يجيدونها."
بعد انتهاء الجلسة خرجت روبي.
وبقيت وحدي.
نظرت إلى الكرسي.
ثم إلى ملاحظاتي.
كتبت:
"روبي تعاني من شعور بالانفصال عن الذات عند الضغط."
توقفت.
مزقت الورقة.
لم أحب الطريقة التي بدت بها.
كأنني أحول إنساناً إلى سطر.
كتبت من جديد:
"روبي تحاول أن تفهم لماذا تشعر أنها بعيدة عن حياتها."
في المساء عدت إلى المنزل.
كنت متعباً.
لكن ليس تعب العمل.
كان تعب التفكير.
دخلت.
وضعت المفاتيح.
ثم رأيت شيئاً لم ألاحظه من قبل.
صندوق قديم على الرف.
صندوق ديالا.
لم ألمسه.
بقيت واقفاً أمامه.
الغريب أنني كنت أستطيع التعامل مع أصعب قصص المرضى.
لكن صندوقاً صغيراً كان كافياً ليجعلني أتوقف.
رن الهاتف.
نظرت إلى الشاشة.
أمين.
لم أجب.
بعد ثوانٍ وصلت رسالة.
"لا تهرب من الأشياء فقط لأنها تؤلمك."
نظرت إلى الرسالة.
ثم كتبت:
"هل أصبحت ترسل رسائل لمرضاك الآن؟"
جاء الرد بسرعة:
"لا."
ثم:
"لكن يبدو أنك تحتاج أن تسمعها."
ابتسمت رغم نفسي.
كان مزعجاً.
لكنه كان يعرف متى يخفف الضغط.
فتحت الصندوق.
لم يكن فيه شيء كثير.
بعض الصور.
رسالة.
وشيء صغير احتفظت به سنوات.
سوار قديم.
أمسكته.
وفجأة...
جاءت الذكرى.
ليس كاملة.
لقطة فقط.
ديالا تجلس أمامي.
تضحك.
تقول:
"أنت تفكر كثيراً يا آدم."
أقول:
"وأنت لا تفكرين بما يكفي."
تضحك.
"لهذا نحن متوازنان."
اغلقت عيني.
الذكرى انتهت.
لكن الشعور بقي.
في اليوم التالي دخلت عند أمين.
جلسنا.
ولم يبدأ هو هذه المرة.
قال:
"ابدأ أنت."
نظرت إليه.
"بماذا؟"
"بأي شيء."
ضحكت قليلاً.
"هذه ليست طريقة علاجية."
قال:
"وأنت لست في عيادتك."
سكت.
ثم قلت:
"فتحت صندوق ديالا."
لم يبدُ عليه الاستغراب.
قال:
"وماذا شعرت؟"
أجبت:
"الحزن."
نظر إلي.
ابتسمت.
"أعرف، لا أجب بسرعة."
قال:
"هذه المرة لم أسأل."
سكت.
ثم قلت:
"شعرت بالذنب."
قال:
"لماذا؟"
نظرت إليه.
"لأنني ما زلت هنا."
ساد الصمت.
هذه المرة لم أهرب منه.
قال أمين بهدوء:
"آدم..."
نظر إلي.
"أحياناً البقاء ليس خيانة لمن رحل."
لم أتكلم.
لأن هذه الجملة...
كانت أصعب من كل شيء قاله.
إلى كل من وصل إلى هذه الصفحة...قبل أن أكتب أي كلمة شكر، أريد أن أتوقف قليلًا وأقول لكم: شكرًاشكراً لأنكم لم تكونوا مجرد قرّاء لهذه الرواية، بل كنتم جزءًا من رحلتها.عندما بدأت كتابة "كلنا مجانين"، لم أكن أريد أن أكتب قصة عن الألم فقط، ولا عن المرض النفسي فقط، ولا عن شخص يحاول اكتشاف حقيقة مخفية. كنت أريد أن أكتب عن الإنسان نفسه... عن الجزء الذي نخفيه جميعًا، عن الأسئلة التي لا نجرؤ على طرحها، وعن المعارك التي تحدث داخلنا ولا يراها أحد غيرنا.ربما رأيتم في آدم شخصًا يبحث عن أخته، أو طبيبًا يحاول فهم الآخرين، أو إنسانًا يحمل ماضيًا أثقل من قدرته على الاحتمال. لكن بالنسبة لي، كان آدم أكثر من ذلك. كان يمثل كل شخص حاول أن يبدو قويًا أمام العالم، بينما كان يخوض معركة صامتة بداخله.شكرًا لأنكم منحتموه الوقت.شكرًا لأنكم استمعتم إلى صمته قبل كلماته، وفهمتم خوفه قبل أن يفهمه هو، وبقيتم معه حتى اللحظات التي لم يكن فيها الطريق سهلًا.أريد أن أشكركم أيضًا على كل تعليق، كل رأي، كل توقع، وكل لحظة شعرتم فيها أنكم اقتربتم من الشخصيات. ربما لا تعرفون قيمة كلماتكم، لكنها بالنسبة للكاتب تشبه الضوء الذ
مر وقت طويل منذ آخر مرة شعرت فيها بالهدوء.ليس الهدوء الذي يأتي عندما تختفي المشاكل.بل الهدوء الذي يأتي عندما تتوقف عن محاربتها.عدت إلى عملي.عدت إلى عيادتي.إلى المرضى الذين كنت أستمع إليهم كل يوم.لكن هذه المرة...كنت أستمع بطريقة مختلفة.في الماضي كنت أبحث عن نفسي في قصص الآخرين.كنت أظن أنني إذا فهمت الجميع...سأفهمني.لكنني اكتشفت شيئًا آخر.أحيانًا نعرف الطريق للآخرين...ونضيع عندما نصل إلى طريقنا.جلست خلف مكتبي.نظرت إلى الكرسي المقابل.المكان الذي جلس عليه أشخاص كثيرون.أشخاص يحملون خوفهم، ألمهم، وذكرياتهم.ابتسمت.لأنني فهمت أخيرًا.لم أكن مختلفًا عنهم.رن هاتفي.نظرت إلى الشاشة.كان أمين.أجبت."نعم؟"قال:"كيف حالك؟"نظرت حولي.فكرت قليلًا.ثم قلت:"أفضل."ضحك بخفة."هذه إجابة طبيب."ابتسمت."وأنت تريد إجابة المريض؟"سكت قليلًا.ثم قال:"نعم."نظرت إلى النافذة.قلت:"ما زلت أتذكر.""وما زلت أفتقدها."توقفت."لكنني لم أعد أعيش هناك."ساد الصمت.ثم قال أمين:"هذا يكفي."أغلقت الاتصال.وبقيت وحدي.لكن للمرة الأولى...لم أشعر أن الوحدة تعني الفراغ.كانت تعني السلام.في المسا
وقفت أمام باب غرفة ديالا.للحظة...شعرت أن السنوات لم تمر.كأنني ما زلت ذلك الشاب الذي وقف هنا قبل كل شيء.يداي مترددة.وقلبي يخبرني أنني إذا دخلت...لن أخرج بنفس الشخص.نظر إليّ أمين.قال بهدوء:"يمكننا العودة."نظرت إليه.ثم إلى الباب.قلت:"لا.""هربت بما يكفي."وضعت يدي على المقبض.وفتحته.كانت الغرفة كما هي.هادئة.مرتبة.كأن صاحبتها خرجت قبل دقائق وستعود.دخلت ببطء.رأيت الكتب على الرف.الكرسي قرب النافذة.والرسم القديم الذي كانت تحتفظ به على الجدار.ابتسمت بحزن."كانت تحب أن تضع الأشياء في أماكنها."قال أمين:"وأنت كنت دائمًا تضع الأشياء في أماكن خاطئة."نظرت إليه.ضحكت قليلًا."حتى الآن تنتقدني؟"ابتسم."خصوصًا الآن."لأول مرة منذ فترة طويلة...شعرت أنني طبيعي.اقتربت من مكتبها.كان هناك صندوق صغير.ليس مخفيًا.ولا مقفلًا.فقط...موضوع أمامي.فتحته.في داخله أشياء بسيطة.صورة لنا ونحن أطفال.سوار قديم.ورسم.أخذت الصورة.أنا وديالا.لكن هذه المرة لم أشعر بالألم فقط.شعرت بالدفء.قال أمين:"ماذا تشعر؟"فكرت قليلًا.قلت:"أنني كنت أتذكرها بطريقة خاطئة."نظر إليّ."كيف؟"أجبت:"ك
لم أنظر إلى الصورة مرة أخرى.ليس لأنني لم أُرد.بل لأنني شعرت أنني إذا نظرت إليها طويلًا...سأتذكر شيئًا لا أستطيع تحمله.أخذت الصورة معي.توجهت نحو أمين.لم أتكلم.وضعتها أمامه فقط.نظر إليها.ثم رفع عيني إليّ.قال:"بدأت تتذكر."قلت:"لا.""أنا لا أتذكر."سكت قليلًا.ثم أضفت:"لكنني أشعر أنني قريب."أومأ."وهذا طبيعي."قلت:"طبيعي؟"ابتسم بحزن."نعم.""لأن الذكريات لا تعود دائمًا كصور واضحة.""أحيانًا تعود كشعور."نظرت إلى الصورة."أنا خائف."لم يبدُ أمين متفاجئًا.قال:"من ماذا؟"أجبت:"من أن تكون الحقيقة أسوأ مما تخيلت."سكت.ثم قال:"آدم...""أنت طوال سنوات كنت تخاف من السؤال الخطأ."نظرت إليه."ما هو السؤال الخطأ؟"قال:"من السبب؟"صمت."كنت تبحث عن شخص تلومه.""ديالا.""والدك.""نفسك."توقف.ثم أكمل:"لكن ربما السؤال الأهم...""ماذا حدث فعلًا؟"أغمضت عيني.ولأول مرة...لم أحاول إجبار ذاكرتي على العودة.تركتها تأتي وحدها.رأيت الباب.غرفة ديالا.الليل.صوت المطر.كنت في السابعة عشرة.وقفت أمامها.كانت تجلس على الأرض.وبيدها ظرف.قلت:"ما هذا؟"رفعت رأسها.ابتسمت.لكنها كانت ابتس
لم أنم.ليس لأنني كنت خائفًا.بل لأنني كنت أفكر.هناك فرق كبير.الخوف يجعلك تهرب.أما التفكير...فيجعلك تبقى أمام الشيء الذي يؤلمك حتى تفهمه.وضعت الورقة أمامي."أخيرًا... سمعتني."ثماني كلمات فقط.لكنها كانت أثقل من أي رسالة قرأتها.رسائل والدي كانت عن الماضي.رسائل ديالا كانت عن أسرار لم أفهمها.أما هذه...فكانت عني.في الصباح، عدت إلى أمين.لم أنتظر موعدي.دخلت مكتبه.نظر إليّ.ولم يسأل لماذا جئت.كأنه كان يتوقع ذلك.قال:"تحدث."جلست.وضعت الورقة أمامه.نظر إليها.ثم أعادها لي.قلت:"لن تسألني ماذا حدث؟"قال:"لا."استغربت."لماذا؟"قال:"لأنك لم تأتِ لتخبرني بما حدث.""أتيت لأنك تريد أن تعرف لماذا حدث."سكتُّ.لأنه كان محقًا.قلت:"أريد أن أراه."نظر إليّ طويلًا."من؟"أجبته:"أنت تعرف."قال:"آدم..."قاطعته:"لا تقل لي إنه مجرد جزء مني.""أعرف ذلك.""لكنني أريد أن أفهم."تنهد.قال:"المشكلة أنك تتعامل معه كأنه شخص يجب أن تجده.""لكنه ليس في مكان آخر.""إنه موجود في الأماكن التي لا تنظر إليها."قلت:"وهل تحدثت معه من قبل؟"ساد الصمت.كان صمتًا قصيرًا.لكنه كان كافيًا.قلت:"أمين."
لم أنم جيدًا تلك الليلة.ليس بسبب الرسائل.ولا بسبب ديالا.بل بسبب شيء أسوأ...لأنني بدأت أشك في الشيء الوحيد الذي كنت أظنه ثابتًا.نفسي.في الصباح، وقفت أمام المرآة.نظرت إلى وجهي.لم أبحث عن شيء غريب.كنت فقط أحاول أن أطمئن نفسي.قلت:"أنت متعب."لكن صوتًا داخليًا أجابني:"أم أنك تحاول تصديق ذلك؟"تجمدت للحظة.ابتعدت عن المرآة.لم تكن المرة الأولى التي أتحدث فيها مع نفسي.الجميع يفعل ذلك.لكن المشكلة لم تكن في وجود الصوت...بل في أنني شعرت أحيانًا أنه لا يشبهني.وصلت إلى العيادة.كان أمين ينتظرني.نظر إليّ بمجرد دخولي.قال:"لم تنم."ابتسمت."أصبحت تكرر هذه الجملة كثيرًا."قال:"لأنك أصبحت تعطيني السبب لأكررها."جلست.لم أرد.فتح ملفه.ثم قال:"كيف حالك اليوم؟"أجبته تلقائيًا:"بخير."رفع عينيه عن الورق.فقط نظر إليّ.ذلك كان كافيًا.تنهدت.قلت:"لا أعرف."ابتسم قليلًا."هذه إجابة أفضل."قلت:"أفضل؟"قال:"نعم.""لأن الشخص الذي يقول لا أعرف...""ما زال يبحث.""أما الشخص الذي يصر على أنه بخير دائمًا...""فغالبًا توقف عن السؤال."سكتُّ.ثم قلت:"أمين.""نعم؟""هل تعتقد أن الإنسان يمكن