เข้าสู่ระบบكانت تتمايل في منتصف المطبخ بحركات راقصة خفيفة، تتناغم مع أنغام أغنيتها المفضلة المنبعثة في الخلفية، بينما تعتني بشواء شريحة اللحم وتترقب قدومه بفارغ الصبر. وفي زحمة نشوتها وتشتتها الشغوف، اصطدمت قدمها بحافة الطاولة الخشبية؛ فارتطمت بها زفرة ألم مكتومة، وجثث على ركبتيها لتمسك قدمها المتألمة.
لكن الألم تبدد في لحظة خاطفة حين شق سكون الشقة صوت طرقات هادئة على الباب.. طرقات تعرفها روحها قبل أذنيها. أسرعت نحو الباب وفتحته، ولم تكد تراه حتى ارتمت بين يديه بعناقٍ حميم، طافحٍ بالشوق والرغبة المكتومة. غمرت وجهها في صدره، بينما أحاطها هو بذراعيه القويتين، يعصرها ببطء وهوس، يستنشق عبق شعرها الأحمر قبل أن يتراجع متسللاً إلى الداخل. خطا كايل إلى الشقة الصغيرة.. شقة لم تكن تناسب بنيته الضخمة وقامته الفارعة بتاتاً، ولا هيبته المظلمة التي تفرض السطوة في أي مكان. كانت الرقة تفيض من كل زاوية، تماماً كصاحبتها؛ نقوش الورود الناعمة تتوزع بين الستائر، الوسائد، والأثاث، مما جعل وجوده الحاد بينها يبدو كوحشٍ كاسر استقر في عش زهور. دلت سديم بخطواتها نحو المطبخ، يتبعها هو بصمتٍ مريب، ونظراته حادة لا تفارق جسدها. اتجهت إلى الموقد لإطفائه بعد أن تأكدت من نضج اللحم، وأخذت تتحرك بين أرجاء المطبخ لتعد الأطباق، بينما كان هو يقتفي أثرها بانسياقٍ تام، كظلٍ متملك لا يطيق الابتعاد عنها خطوة واحدة. أنها إعداد المائدة الصغيرة، ووضعت شريحة اللحم أمامه وأخرى أمامها. جلسا متقابلين، تتشابك أطراف نظراتهما وسط صمتٍ ثقيل، شاحنٍ بالرغبة والتوتر المظلم، لينغمسا في تناول طعامهما في هدوءٍ يسبق العاصفة. أنهيا تناول وجبتهما في ذلك الصمت الشاحن المشبع بالأسرار. وما إن وضع كايل شوكته جانباً، حتى نهضت سديم بتوتر خفي محاولة كسر وطأة النظرات الحادة التي كانت تأكلها طوال اللحظات الماضية. جمعت الأطباق الخاوية بأصابع ترتجف قتيلاً، وتوجهت بها نحو حوض المطبخ لتضعها هناك، مشغولة بتفاصيل صغار الحركة كي تتفادى المواجهة المباشرة مع عينيه. كان كايل يجلس في مكانه لم يتحرك بعد، يتأملها من الخلف بنظرات جائعة ومظلمة، يتفحص انسدال شعرها الأحمر القاني على ظهرها، وارتجاف كتفيها الناعمين تحت قماش ردائها الخفيف. كانت بالنسبة له كالطفل الذي يلهو على أطراف الهاوية، غير مدرك لمقدار الوحش الذي يتربص به في الظلام. ببطءٍ مميت، وخطوات واثقة لا تصدر صوتاً كأنه طيف ينسلّ بين الظلال، نهض من مقعده. شعرت سديم ببرودة هواء الغرفة تتغير فجأة؛ ثقلٌ مهيب يتسلل خلف ظهرها، ورائحة مطرٍ مختلطة بعطر داكن وأصيل تفوح في أرجاء المطبخ الصغير، تخبرها باقترابه قبل أن تلمسه. جمدت أصابعها على حافة الحوض، وان حبست أنفاسها في صدرها حين شعرت بهالة جسده الضخم تتطاول فوقها من الخلف، محتجبة عنها الضوء الخافت. وقبل أن تستوعب موقفها، امتدت ذراعاه القويتان كأغلال صلبة حول خصرها، يحيط بجسدها الضئيل ويحاصره بالكامل ضد جسده المبني من الحجر والعضلات. عصرها إليه ببطء وهوس، فارضاً حضوره الساحق عليها، حتى لم تعد هناك ذرة هواء واحدة تفصل بينهما. وقفت سديم في مكانها عاجزة تماماً عن الحركة، كأنما أُلقيت عليها تعويذة شلل. شُدّت عضلات جسدها وتسمرت قدماها على الأرض. وضعت يدها فوق ذراعيه الملتفتين حولها محاولةً استجماع ذرة من التماسك، ولكن بغير جدوى. كانت تكتم أنفاسها باستتار مرعوب، تحاول سجن الهواء داخل رئتيها كي لا يخرج بصوت مسموع يكشف مدى ضعفها أمام سطوته. لكن محاولتها تلك كانت ضرباً من العبث الشديد؛ فسرعة ضربات قلبها المشتعلة لم تكن لتختفي بامتناع النفس! كانت دقاته تتسارع بجنون، تضرب قفصها الصدري بأسى وتمرّد، كأنما تحاول الخروج من جسدها لتعترف له بحقيقة هذا الحب المريض الذي يلتهمها. كانت تعلم يقيناً أن احتكاك صدره بظهرها يعزف له كل دقة من تلك الدقات الثائرة، وأن كل نبضة هائجة في جسدها كانت تصل إليه واضحة كصوت الطبول في ليل ساكن.انطلقت السيارة كالسهم المارق في عتمة الليل الشديدة، يلتف حولها صمتٌ ثقيل داخل الكابينة، صمتٌ يُطاق بصعوبة بالغة ويحبس الأنفاس. كانت قبضة كايل على عجلة القيادة صلبة كالصخر، ومفاصل أصابعه قد أبيضّت من شدة الضغط، بينما ظل وجهه جماداً كمنحوتة رخامية، وعيناه المظلمتان تركّزان على الأسفلت الممتد أمامه ببرودٍ مرعب، كمن اتخذ قراراً أخيرًا لا رجعة فيه ولا مضمار للتراجع عنه.توقفت السيارة أسفل البناية بفرملة حادة أحدثت احتكاكاً صريحاً بالأرض. وقبل أن تستوعب سديم الموقف أو تجد متسعاً لالتقاط أنفاسها، قفز كايل من مقعده ودار ليفاجئها بفتح بابها، ممتداً بيده القوية ليجذبها بقوة للخارج. وحين حاولت التراجع والدفع بكفيها المرتجفتين ضد صدره، انحنى بجسده الفارع، وأحاط خاصرتها بذراعه الصلبة، ثم حملها بين ذراعيه دفعة واحدة كالريشة.تعالت أنفاس سديم المذعورة، وشعرت بدوارٍ حاد يداهم رأسها فور فقدان قدميها للاتصال بالأرض. ولما أحست أنها على وشك السقوط والارتطام، انقبضت كفاها بعفوية وغريزة بقاء خالصتين على كتفيه، متمسكة بياقة معطفه الأسود بكل ما أوتيت من قوة.استغل كايل حركتها التلقائية تلك ليضمها أكثر إلى
جلس كايل في ظلال صالته المغلقة، يسند رأسه إلى الخلف وعيناه معلقتان بالسقف. كان الهدوء يلتف حوله كغطاءٍ أملس، وثقته النرجسية تطمئنه بثبات؛ سديم لن تبتعد كثيراً. يعلم أنها متخبطة، مشتعلة بالغيرة، ومكبلة بأغلال الخوف والفضول نحو الرقم (567).. يعلم أنها لا تستطيع العيش في عالمها البارد دونه، وأنها ستطرق بابه مجدداً فور أن يهدأ غضبها.لكن مرت ساعة.. ثم ساعتان.بدأت عقارب الساعة الكلاسيكية تتحرك ببطء قاتل، وتلاشت الثقة الصقيعية من ملامحه تدريجياً، ليحل محلها توتر حاد ينهك صدره. نهض من مكانه بحركة مباغتة، والتقط معطفه وهو يشعر بخطوط السيطرة وهي تفلت من بين أصابعه لأول مرة.اندفع نحو شقتها، يدفعه جنون مكتوم ورغبة عارمة في انتزاعها من أي مكان تخبأت فيه. اقتحم شقتها الغارقة في فوضى الأمس، ونادى باسمها بنبرة حادة ارتجفت فيها هيبته.. لكن الصمت كان الرد الوحيد.طاف بالغرف كوحشٍ جريح، يقلّب الأشياء بعنف؛ ليست هنا.وقف في منتصف صالتها، والأنفاس الثقيلة تصعد وتهبط من صدره بغضب جارف. انقبضت قبضتاه حتى أبيضّت مفاصِله، واستوعب الصفعة المرة: سديم لم تكن تمثل، وجرح كبريائها هذه المرة كان أعمق مما توه
جلس آدم في الجانب المقابل لسديم، بينما كان الصمت بينهما ثقيلاً كجدارٍ خرساني. كان هدوء المكان يتخلله فقط صوت أنفاسهما المنتظمة، وحركة عينيه الباردتين اللتين استقرتا على وجهها.لم يكن تأمله لها عادياً؛ بل كان يدرس ملامحها الشاحبة، والهالات السوداء التي تحيط بعينيها كأثرٍ حسي وجسدي لكل ما مرت به مع كايل في الآونة الأخيرة. كانت تعاستها وانهيارها المكتوم واضحين، كأنهما خريطة مرسومة على بشرتها.ساد سكونٌ حذر، قطعه آدم أخيراً بوضع يديه على الطاولة أمامه، متكئاً بجسده إلى الأمام قليلاً. تلاشت الابتسامة المائعة من وجهه، وانسكبت في نبرته جدية صقيعية وهو ينظر في عينيها مباشرة دون مقدمات:— «مرحباً، أنا آدم... وسأدخل في الموضوع مباشرةً دون تجميل؛ أريدكِ أن تشهدي ضد كايل في جريمة القتل.»تجمّدت سديم في مكانها، وانقبض صدرها برودة تسللت إلى أعماق أطرافها. لم تكن الكلمة مجرد اتهام، بل كانت القنبلة التي طالما خشت تفجيرها، والربط المباشر الذي كان ينقصها للغوص في ظلام قضية كايل والمتاهة التي حبسها فيها.تصلبت أطراف سديم، وارتفعت برودة حادة من أقدامها لتشق طريقها إلى قلبها. لم تنطق بحرف واحد، ولم ت
ابتلعت ريقها بصعوبة، ونفضت عنها ترددها وهي تتقدم بخطوات حافية خفيضة نحو الصالة. كانت تتوقع أن ترى طيف كايل بهيبته المعتمة ومعطفه الداكن، أو ربما ابتسامته الجانبية المظلمة التي اعتادت أن تطمئنها وتربكها في آنٍ واحد... لكن خطوتها تسمرت عند عتبة الغرفة.لم يكن كايل.كانت تقف عند مدخل الشقة امرأةٌ غريبة، في أواخر العشرينيات، تتمتع بملامح حادة وأنيقة ببرود. ترتدي معطفاً مطرياً أسود يتساقط منه أثر الرذاذ الخفيف، وتكشف نظراتها الفاحصة عن ثقة متكلفة وهي تجيل عينيها في أرجاء الشقة، قبل أن تستقر حدقتاها على سديم.ساد الصمتُ المكان، وتقاطعت أعينهما في مواجهة صامتة حادة. طالعت المرأةُ سديمَ بنظرةٍ خاطفة تناظرت فيها هيئتها؛ شعرها المبعثر، وجهها الشاحب، وملابسها التي تفوح برائحة كايل. ارتسمت على شفتي الغريبة ابتسامةٌ خفيفة غير مريحة، تجسد مزيجاً من التهكم والفضول المريب.كسرت المرأة السكون بنبرة صوتٍ هادئة، واثقة، وتفيض بتحدٍّ خفي:— «أوه.. لم أكن أعلم أن لديه ضيفة. أين كايل؟»عقدت سديم حاجبَيها، وسرت برودة مفاجئة في أطرافها. لم تجب فوراً، بل وقفت تستجمع شتات ذاتها أمام هذه الغريبة التي دخلت
تلاشت شهقاتها تدريجياً، وبدلاً من السكون المباغت الذي يتبع الإغماء، شعرتُ بجسدها يسترخي ببطءٍ شديد تحت أثر الإنهاك. لم يكن سقوطاً لجسدٍ فاقد للوعي، بل كان استسلاماً بطيئاً من عقلٍ أنهكه الأرق، وجسدٍ لم يذق طعم الراحة منذ دهور.أنفاسها التي كانت متقطعة ومضطربة بسبب البكاء، بدأت تستقيم وتنتظم في إيقاعٍ عميق وهادئ. شعر كايل بذلك التحول؛ كيف تحولت نبضات صدرها المرتجفة ضد صدره إلى إيقاعٍ رتيب، ثقيل، ومطمئن. لقد أخذها النومُ قسراً، ليس بضربةٍ واحدة، بل بغرقه في بحرٍ من الراحة التي لم تجدها إلا في حضنه.تصلب كايل في مكانه لثوانٍ، وعيناه المظلمتان تراقب وجهها الساكن. انطلقت من حنجرته ضحكة خفيضة، جافة، ومكتومة.. ضحكة خيبة أملٍ ممزوجةٍ براحةٍ شيطانية. لقد ألقى باعترافاته في فراغ، ولم تصل كلماته لوعيها؛ لقد غلبتها "الحاجة للراحة" على "الرغبة في المواجهة".أمال رأسه ليتأمل ملامحها الشاحبة تحت ضوء القمر الخافت الذي يتسلل من خلف الستائر الممزقة. لم يغضب من نومها، بل شعر بنوعٍ من السلطة المطلقة؛ فهي الآن كائنٌ وديع بين يديه، كائنٌ أنهكه العالم فجاء يطلب الأمان في عرينه.انحنى وحملها بين ذراعيه ب
كانت الشقة غارقة في عتمة خانقة، تحجبها الستائر الثقيلة التي لم تُفتح منذ أسابيع. فوحت في الأرجاء رائحة العفن والرطوبة الممتزجة برائحة الطعام الفاسد؛ إذ كانت علب الوجبات الجاهزة والأكواب الباردة متناثرة على الأرضية والسجاد بإهمال بشع. جلست سديم وسط هذا الخراب على أريكة المطبخ، تجر البطانية المتربة حول جسدها النحيل، بوجنتين شاحبتين وعينين غائرتين تغطيهما الظلال السوداء. لم تعد تبالي بقعة العصير المسكوبة، ولا بالأوراق الممزقة التي طوحتها في نوبة يأس سابقة؛ لقد أصبحت الشقة تشبه روحها تماماً... جثة مهجورة يتآكلها الفراغ. فجأة، انقطع السكون الميت بفرقعة خفيفة، ثم تلاها صوتُ دوران المفتاح في قفل الباب الخارجي! تجمّد الدم في عروقها، واتسعت عيناها برعب شل أطرافها. لم تستطع الحركة، بل اكتفت بالحدق نحو الممر المعتم بينما انفتح الباب ببطء... انفتح الباب بضربة حادة اهتزت لها الجدران، وتجلّى حجر الزاوية في ظلامها... كايل. لم يدخل بهدوئه المعتاد، بل اقتحم المكان كالثور الهائج؛ كانت هيبته تفيض بغضبٍ عارم وشرارة مظلمة تتطاير من عينيه. وما إن استقرت نظرته على العفن المنتشر، وعلب الطعام المتناث







