مشاركة

«في قفص الظل»

last update تاريخ النشر: 2026-07-30 15:39:43

فتحت سديم الباب.

المطر كان يبلل معطف كايل الأسود. شعره الأسود يقطر ماءً على جبينه. لم يكن هذا غريباً. منذ أن كانا في العاشرة، كان كايل يأتي إليها هكذا دون موعد، مبللاً وجائعاً.

• "تأخرتِ." قالها وهو يدخل كأن البيت بيته.

أغلق الباب خلفه. خلع معطفه ورماه على الكرسي. تحته كان يرتدي قميصاً أسود بسيطاً.

نظرت سديم إلى المعطف المبلل، ثم إليه.

• "أمي كانت تقول إنك ستصاب بالبرد إذا بقيت تمشي تحت المطر بلا مظلة. يبدو أنك لم تسمع كلامها حتى بعد 15 سنة."

ابتسم كايل. هذه أول مرة يبتسم فيها بصدق الليلة.

• "خالتك كانت تقول عنك أنتِ أيضاً إنك عنيدة كرأس البطيخ. ويبدو أنك لم تتغيري أيضاً."

لقب "رأس البطيخ". هو من أطلقه عليها عندما كانت في السابعة، لأن شعرها الأحمر كان كبيراً ومنفوشاً حول وجهها الصغير. لم يكن لقباً غزلياً، كان ذكرى.

لكن ذكرى الليلة كانت مختلفة.

• "ماذا حدث؟" سألها فجأة، ونبرته تغيرت. "عيناك حمراوتان."

كانت سديم تقف أمام المقلاة، تقلب شريحة اللحم. يدها ترتجف.

• "لا شيء. كابوس."

اقترب كايل وجلس على الطاولة المقابلة لها، كما كان يجلس وهما صغيران عندما كانت تشرح له واجب الحساب.

• "نفس الكوابيس؟ التي تتحقق؟"

تجمدت يد سديم فوق المقلاة.

رفعت رأسها ببطء.

• "كيف عرفت؟ أنا لم أخبر أحداً أن أحلامي تتحقق."

نظر إليها كايل طويلاً. عيناه الداكنتان لم تهربا.

• "لأنك وأنتِ في الثامنة، حلمتِ أن كلب الجيران سيموت. وفي اليوم التالي، مات. وبكيتِ عند بابنا وقلتِ لي: أنا السبب يا كايل، أنا رأيته."

شهقت سديم. كانت قد نسيت هذه الحادثة تماماً.

أكمل كايل بهدوء:

• "ومنذ ذلك اليوم وأنا أراقب أحلامك يا سديم. أعرف متى تحلمين بشيء سيحدث."

تذكرت سديم ذلك اليوم.

كانت في الثامنة. كانت تمطر أيضاً. وكايل كان في الثانية عشرة، يحمل مظلة كبيرة ويغطيها بها رغم أن ملابسه هو كانت تتبلل.

• "لا تبكي يا رأس البطيخ. الكلب كان مريضاً." كان يقول لها وهو يمسح دموعها بكم قميصه.

منذ ذلك اليوم، أصبح كايل هو ملجأها. عندما مات والدها، كان كايل من نام أمام باب بيتهم ليحرسها. عندما كانت تخاف من الظلام، كان يرسل لها رسالة كل ساعة حتى تنام.

هو ليس رجلاً غامضاً ظهر فجأة. هو كل طفولتها.

عادت إلى الحاضر. الدموع بدأت تتجمع في عينيها دون أن تشعر.

• "لماذا لم تقل لي إنك تتذكر؟"

قال كايل وهو ينهض ويقترب منها:

• "لأنك كنتِ تحاولين نسيان تلك القدرة. وكنت أحترم رغبتك."

مد يده وأطفأ النار تحت المقلاة التي بدأ اللحم يحترق فيها.

• "والآن، أخبريني. ماذا رأيتِ الليلة تحت المطر؟

ترددت سديم. هل تخبره أنه هو من كان يحمل القلب؟

قررت أن تقول نصف الحقيقة.

• "رأيت رجلاً يحمل قلباً ينبض. في شارع خالٍ."

لم تظهر على وجه كايل أي صدمة. بل على العكس، ظهر عليه الارتياح.

• "قلب فقط؟" • "ماذا تقصد بـ فقط؟"

اقترب كايل أكثر، حتى أصبحت تفصلهما مسافة قليلة جداً. وضع يديه على جانبي الطاولة، محاصراً إياها بلطف، ليس بتملك.

• "سديم، أنا أعمل في قسم الأدلة الجنائية. أنتِ تعرفين ذلك. أنا أرى قلوباً حقيقية كل يوم."

• "هل هذا له علاقة بعملك؟" سألته. • "ربما." قالها وهو ينظر مباشرة في عينيها. "الأسبوع الماضي، وجدنا جثة. قلبها كان مفقوداً."

سقطت الملعقة من يد سديم على الأرض بصوت عالٍ.

• "ماذا؟" • "نعم. والقاتل يترك الجثث في أيام المطر. مثلك تماماً، أنا أيضاً أرى أشياء لا يجب أن أراها."

ساد صمت ثقيل في المطبخ. صوت المطر في الخارج أصبح أعلى.

سديم لم تعد تفهم. هل كايل يحاول طمأنتها؟ أم يحاول أن يقول لها إنه هو القاتل بطريقة غير مباشرة؟

رفعت يدها المرتجفة ووضعتها على صدره.

• "كايل... انظر إلي. هل أنت... هل أنت بخير؟"

أمسك يدها. يده كانت باردة جداً، رغم أن المطبخ دافئ.

ابتسم تلك الابتسامة المظلمة التي تخيفها.

• "أنا بخير، ما دمتِ بجانبي. لكنكِ أنتِ لستِ بخير. لأن الحلم الذي رأيته الليلة، ليس مجرد حلم. إنه تحذير. والضحية القادمة... قد تكونين أنتِ."

ترك يدها، وأخذ شريحة اللحم المحترقة من المقلاة ووضعها في طبق.

• "كلي. ستحتاجين القوة. فمن الليلة، لن تنامي وحدك."

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • لأنك عشقت ظلى    أغلال العشق

    ارتجفت أنفاسها وهي تقرأ تصريحات آدم—المحقق الذي قابلته من قبل وتعرف جديته وصرامته—وهو يؤكد للصحافة أن هناك خيوطاً تشير إلى احتجاز سديم قسراً لإبعادها عن مجريات التحقيق!​تذكرت فوراً الرسالة التي لمحتها سابقاً على هاتف كايل باسم "آدم". هل كايل يحتجزها في هذه الشقة ليحميها من خطر خارجي فعلاً؟ أم أنه يخدعها وهو الخاطف الذي يبحث عنه آدم؟ ولماذا يتواصل آدم مع كايل بالأساس؟​سمعت صوت مفتاح يدور في قفل باب الشقة.​دخل كايل يحمل أكياس الطعام، لكن خطواته تباطأت فور أن رأى ملامحها الشاحبة ونظرتها المصدومة الموجهة نحو شاشة الحاسوب.​لم يرتبك، ولم تظهر على وجهه أي علامات ذنب. وضع الأكياس جانباً ببرود، وتقدم نحو الطاولة بخطوات واثقة، ثم أغلق شاشة الحاسوب بلمسة واحدة هادئة، يتأمل وجهها المجهد بعينين مظلمتين.​اقترب منها حتى أصبحت أنفاسه تلامس جبينها، وجذبها من خصرها ليلصق جسدها بجسده في عناقٍ حامٍ ومطلق، ثم همس أمام شفتيها بقسمٍ مرعب يرتجف له الوجدان:— «دعيهم يبحثون عنكِ في كل شبر يا سديم.. دعيهم يكتبون ما يشاؤون. لن يجدوكِ أبداً، لأنكِ تختبئين في المكان الوحيد الذي لا يجرؤ أحد على مساسه.. معي هنا

  • لأنك عشقت ظلى    أسرار مدفونه

    تراجع الصقيع الذي كان يُغلّف أركان الغرفة المعتمة، ليحل محله سكونٌ ثقيل، أشد خطرًا من البرود نفسه. ​سقط قيد السلسلة الثقيل على الأرضية الخشبية برنين معدني جاف، أعلن ختام ليلةٍ خنقها الرعب والشك. سحبت سديم قدمها المحررة ببطء، وتنفست براحةٍ مشوبة بالحذر، تراقب سائل المعدن البارد وهو يرتاح أخيرًا بعيدًا عن جلدها المقيد. اعتدلت في جلستها، ونظرت إلى كايل؛ كان يفرك جبينه بكفه الشاحبة، ومزيجٌ من الامتنان والانكشاف المظلم يفيض من حدقتيه الزجاجيتين. ​وقبل أن تطأ قدم سديم الأرض لتنهض وتكسر هذا الحصار الحسي المطبّق... ​ارتجت الأرضية تحت حافة السرير بصوت اهتزازٍ مكتوم، يرافقه وميضُ ضوءٍ خافت ينبعث من عتمة أسفل الفراش. ​تجمّد كايل في مكانه، وتغيرت ملامحه فوراً ليحل محلها شحوبٌ مفاجئ أشد قسوة من شحوب إغمائه قبل قليل. كان الصوت صادراً من هاتفٍ آخر مخفي، هاتفٍ لم تره سديم من قبل، سقط من جيب معطفه الداخلي حين ترنح وسقط أرضاً. ​انعكست اللمعة الفضية للوميض في حَدَقة سديم، وفي كسرٍ من الثانية، تحركت غريزة الفضول والارتياب داخلها. مالت بجسدها بعفوية، وشخصت بأبصارها مسترقة النظر نحو الأسفل، تحاول

  • لأنك عشقت ظلى    سم الحب

    فتح كايل عينيه ببطء شديد، ليصطدم بالسقف الخافت والستائر المنسدلة التي تحجب ضوء النهار. في كسرٍ من الثانية، تدفق وعيه كاملاً؛ تذكر سقوطه المباغت، غيابه عن الوعي، وانقطاع الأنفاس الذي هاجمه.​قفز الرعب في صدره كالصاعقة. تحركت يداه بهلع يفتش المساحة الخالية على الفراش؛ هل هربت؟ هل استغلت غيبوبته لتفلت من السلسلة وتختفي كما يُملي عليه كابوسه المستمر؟​لكن حركته تجمدت فوراً، وانعقد حَاجِبَاه في صمتٍ مذهول.​كانت سديم نائمة بجانبه مباشرة على حافة السرير.​رأسها يميل بقرب كتفه، وملامح وجهها المجهدة غارقة في سكون تام. أدرك من وضعية معطفه وجسده الثقيل الممدد بعناية أنها لم تكتفِ بالبقاء، بل بذلت مجهوداً مضنياً—وهي مقيدة القدم—لتُرفعه من الأرضية الباردة وتثبته فوق الفراش، قبل أن ينهكها التعب فتغفو إلى جواره.​تأمل وجهها الصامت، وتداخلت في جوفه لوعة الندم مع تملكٍ يعصر قلبه. مدّ أصابعه بتردد، ولمس خصلة من شعرها المنسدل على وجهها برفقٍ غير معهود.​تحركت سديم، وفتحت عينيها ببطء. واجهت نظراته الثابتة والمشحونة، ولم تبتعد. ساد بينهما صمتٌ طويل، صمتٌ يزن كل الخوف والغضب الذي أثقل الغرفة طوال الساعات

  • لأنك عشقت ظلى    ألم الحب

    خطى كايل داخل الغرفة بخطوات متزنة، وضع صينية الماء الصغيرة على الطاولة الجانبية بهدوء يناقض تماماً الثقل المحبوس في الصدر. كانت عيناه ثابتين على السلسلة البراقة المتصلة بكاحلها، ثم ارتفعتا ببطء نحو وجهها. ​لم تصرخ سديم. لم تندفع في صخب مائع، بل اتسعت حدقتاها بسكون مرعب، سكون يشبه التجمّد قبل الانكسار. رفعت نظراتها من المعدن البارد الملتف حول جلدها، وثبتتها في عينيه. كان الصمت بينهما مشدوداً كوترٍ على وشك التمزق، يحمل وزناً أثقل من أي صراخ. ​سحبت أنفاسها ببطء، وجاء صوتها خافتاً، مبحوحاً، لكنه محمل بصقيع يقطع الهواء: — «إلى هذا الحد يا كايل؟» ​لم يتزحزح من موقفه، لكن ابتسامته الباهتة تلاشت تدريجياً. انحنى ليضع كوب الماء على مقربة منها، وقال بنبرة حاول أن يجعلها متماسكة: — «اشربي يا سديم. لم نصل إلى أي مكان بالغياب أو التهديد.» ​نظرت إلى الكوب، ثم رفعت يدها ببطء شديد، وبحركة واحدة قاطعة ودون أن ترمُش لها عين، دفعت الصينية بكاملها جانباً. ارتطم الكوب بالأرضية الخشبية ليتناثر الزجاج والماء في كل اتجاه. ​هنا.. لم يعد كايل ذلك الرجل الصقيعي الذي يمسك بزمام كل شيء. ​انكسر ثباته

  • لأنك عشقت ظلى    ​«أغلالُ التملُّك»

    انطلقت السيارة كالسهم المارق في عتمة الليل الشديدة، يلتف حولها صمتٌ ثقيل داخل الكابينة، صمتٌ يُطاق بصعوبة بالغة ويحبس الأنفاس. كانت قبضة كايل على عجلة القيادة صلبة كالصخر، ومفاصل أصابعه قد أبيضّت من شدة الضغط، بينما ظل وجهه جماداً كمنحوتة رخامية، وعيناه المظلمتان تركّزان على الأسفلت الممتد أمامه ببرودٍ مرعب، كمن اتخذ قراراً أخيرًا لا رجعة فيه ولا مضمار للتراجع عنه.​توقفت السيارة أسفل البناية بفرملة حادة أحدثت احتكاكاً صريحاً بالأرض. وقبل أن تستوعب سديم الموقف أو تجد متسعاً لالتقاط أنفاسها، قفز كايل من مقعده ودار ليفاجئها بفتح بابها، ممتداً بيده القوية ليجذبها بقوة للخارج. وحين حاولت التراجع والدفع بكفيها المرتجفتين ضد صدره، انحنى بجسده الفارع، وأحاط خاصرتها بذراعه الصلبة، ثم حملها بين ذراعيه دفعة واحدة كالريشة.​تعالت أنفاس سديم المذعورة، وشعرت بدوارٍ حاد يداهم رأسها فور فقدان قدميها للاتصال بالأرض. ولما أحست أنها على وشك السقوط والارتطام، انقبضت كفاها بعفوية وغريزة بقاء خالصتين على كتفيه، متمسكة بياقة معطفه الأسود بكل ما أوتيت من قوة.​استغل كايل حركتها التلقائية تلك ليضمها أكثر إلى

  • لأنك عشقت ظلى    «تآكلُ السيطرة»

    جلس كايل في ظلال صالته المغلقة، يسند رأسه إلى الخلف وعيناه معلقتان بالسقف. كان الهدوء يلتف حوله كغطاءٍ أملس، وثقته النرجسية تطمئنه بثبات؛ سديم لن تبتعد كثيراً. يعلم أنها متخبطة، مشتعلة بالغيرة، ومكبلة بأغلال الخوف والفضول نحو الرقم (567).. يعلم أنها لا تستطيع العيش في عالمها البارد دونه، وأنها ستطرق بابه مجدداً فور أن يهدأ غضبها.​لكن مرت ساعة.. ثم ساعتان.​بدأت عقارب الساعة الكلاسيكية تتحرك ببطء قاتل، وتلاشت الثقة الصقيعية من ملامحه تدريجياً، ليحل محلها توتر حاد ينهك صدره. نهض من مكانه بحركة مباغتة، والتقط معطفه وهو يشعر بخطوط السيطرة وهي تفلت من بين أصابعه لأول مرة.​اندفع نحو شقتها، يدفعه جنون مكتوم ورغبة عارمة في انتزاعها من أي مكان تخبأت فيه. اقتحم شقتها الغارقة في فوضى الأمس، ونادى باسمها بنبرة حادة ارتجفت فيها هيبته.. لكن الصمت كان الرد الوحيد.​طاف بالغرف كوحشٍ جريح، يقلّب الأشياء بعنف؛ ليست هنا.​وقف في منتصف صالتها، والأنفاس الثقيلة تصعد وتهبط من صدره بغضب جارف. انقبضت قبضتاه حتى أبيضّت مفاصِله، واستوعب الصفعة المرة: سديم لم تكن تمثل، وجرح كبريائها هذه المرة كان أعمق مما توه

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status